abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool الرئيسية abou-alhool
بانوراما
فرعونيات
بلاد وشركات
الحدث السياحي
سحر الشرق
سياحة وإستشفاء
أم الدنيا
حج وعمرة
أعمدة ثابتة
درجات الحرارة
اسعار العملات
abou-alhool
الطريق إلي نصر أكتوبر
-ج4-
الطريق إلي نصر أكتوبر
-ج4-
عدد : 09-2019
بقلم المهندس / طارق بدراوى

إلي جانب عمليات الإغارة علي ميناء إيلات الإسرائيلي فقد إشتركت القوات البحرية مع كل من المخابرات العامة المصرية والمخابرات الحربية في تنفيذ عملية الحفار كينتج الإسرائيلي الذى أعلنت إسرائيل جلبه لكى تنقب به عن البترول في خليج السويس بعد نكسة عام 1967م فى إشارة واضحة الى أن سيناء قد أصبحت إسرائيلية لتذل القيادة المصرية وهي العملية التي تم تسميتها بعملية الحاج كناية عن الحفار حيث كان وقت هذه العملية يتزامن مع موسم الحج وكانت نية إسرائيل في إعلانها البدء في التنقيب عن البترول في سيناء نية سياسية في المقام الأول لا إقتصادية ومن ثم فقد بعثت الى إحدى الشركات الكندية لإستقدام أحد أكبر الحفارات فى العالم لإستخدامه فى التنقيب عن البترول وهو الحفار كينتج وقد خططت إسرائيل بدقة لهذه العملية وببراعة فائقة فقامت عمدا بإستيراد هذا الحفار الكندى والذى تجره قاطرة هولندية وعليه بحار بريطانى لكى تعجز مصر عن ضرب الحفار بالطيران عند إقترابه من البحر الأحمر لأن مصر إذا غامرت بضرب الحفار علانية فمعنى هذا أنها ستستعدى عليها ثلاث دول كبري على الأقل ولأنها تعلم تماما أن المخابرات العامة المصرية لن تترك الحفار فقد إحتاطت للأمر وقامت بتأمين خطوط سيره حيث كان سيعبر المحيط الأطلنطى إلى الساحل الغربي لأفريقيا ثم يكمل خط سيره ويتجه جنوبا نحو طريق رأس الرجاء الصالح ثم يتجه شمالا نحو الساحل الشرقي لقارة أفريقيا ليعبر مضيق باب المندب ويدخل البحر الأحمر متجها نحو ميناء إيلات الإسرائيلي وقامت إسرائيل بإنتقاء خطوط سير ملاحية بالغة السرية وغير مألوفة كما جند الموساد رجاله وأجهزته بمعاونة المخابرات المركزية الأميريكية لمصاحبة الرحلة وحراسة وحماية الحفار لكن من قال إن المصريين يعرفون المستحيل حيث تم تكوين فريق لمتابعة خط سير الحفار ووضع الخطة المناسبة لتدميره وكان اللواء محمد عبد السلام المحجوب محافظ الإسكندرية الأسبق ضمن هذا الفريق فقد تولي متابعة عملية تدميره وقام خلال تلك الفترة بتجنيد عدد كبير من ضباط الشرطة الأوروبيين كما قام بتسهيل شحن المتفجرات الخاصة بعملية الحفار عن طريق وضع الألغام والملابس والمعدات في حقائب وتغطيتها بمادة لمنع أي أجهزة من كشف ما بداخلها كما وضع أقلام التفجير داخل علبة أقلام أنيقة في جيب الجاكيت الذي كان يرتديه ولم يتوقف دوره عند حد المتابع بل إمتد إلى التنفيذ وكان أحد ضباط المخابرات المصرية الذين سافروا إلى داكار عاصمة السنغال ثم إلي أبيدجان عاصمة ساحل العاج لتنفيذ عملية تدمير الحفار كما قاد العملية رجل المخابرات المصرى الشهير محمد نسيم وكان يتابع العملية ساعة بساعة الرئيس الراحل جمال عبد الناصر وأمين هويدى مدير المخابرات العامة المصرية حينذاك ونجح بالفعل المصريون في النهاية في تدمير الحفار كينتنج أثناء توقفه بميناء أبيدجان عاصمة ساحل العاج بعد تلغيمه بواسطة الضفادع البشرية وبذلك نجحت مصر في منع إسرائيل من تنفيذ خطتها الرامية إلى نهب الثروات البترولية وفرض سيادة أكبر على سيناء المحتلة آنذاك .

وفي يوم 5 يونيو عام 1970م قدمت الولايات المتحدة الأميريكية ما عرف بإسم مبادرة روجرز عن طريق وزير خارجيتها ويليام روجرز والتي كانت تشترط وقف إطلاق النار لمدة 90 يوم بين مصر وإسرائيل وأن يدخل الطرفان في مفاوضات جديدة لتنفيذ قرار مجلس الأمن رقم 242 الذى يقضي بإنسحاب إسرائيل من جميع الأراضي التي إحتلتها نتيجة حرب يونيو عام 1967م وإستجاب الطرفان لإيقاف النيران بداية من يوم 8 أغسطس عام 1970م إلا أن إسرائيل كعادتها ماطلت وسوفت ولم تف بالشق الثاني ولم تجر أى مفاوضات خاصة بتنفيذ قرار مجلس الأمن وشاء القدر أن ينتقل الرئيس جمال عبد الناصر إلي جوار ربه يوم 28 سبتمبر عام 1970م قبل أن تنتهي الشهور الثلاثة وخلفه الرئيس أنور السادات وتم مد وقف إطلاق النار بين الطرفين ثلاثة أشهر أخرى وذلك حتي شهر فبراير عام 1971م ثم تم مده مرة أخرى لمدة 30 يوما تنتهي في يوم 6 مارس عام 1971م ولتسقط المبادرة في ذلك اليوم حيث أعلنت مصر رفضها تمديد وقف إطلاق النيران وإستمرار حالة اللاسلم واللاحرب وجاء شهر مايو عام 1971م لتحدث متغيرات في القيادة المصرية حيث قدم الفريق أول محمد فوزى إستقالته من منصبه في يوم 14 مايو عام 1971م تضامنا مع بعض الوزراء إحتجاجاً علي سياسة الرئيس السادات وتم إعتقاله مع عدد كبير من كبار المسؤولين السابقين لإتهامه بالتآمر ضد الرئيس السادات فيما عرف بثورة التصحيح وتم تعيين الفريق مخمد صادق الذى كان يشغل منصب رئيس الأركان خلفا له قائدا عاما للقوات المسلحة ووزيرا للحربية مع ترقيته لرتبة الفريق أول واللواء سعد الشاذلي رئيسا للأركان خلفا له مع ترقيته إلي رتبة الفريق كما تم إستدعاء اللواء أحمد إسماعيل علي من التقاعد وتم تعيينه مديرا للمخابرات العامة المصرية يوم 15 مايو عام 1971م وبخصوص الفريق أول صادق فقد ولد بقرية القطاوية مركز أبو حماد بمحافظة الشرقية وكان والده أحمد صادق باشا قائدا لقوات بوليس السرايات الملكية خلال الفترة من عام 1923م وحتي عام 1948م في عهدي الملك فؤاد والملك فاروق وبعد إنتهائه من دراسته الثانوية إلتحق بالكلية الحربية ليتخرج منها برتبة ملازم ثان في شهر أبريل عام 1939م وليتدرج في المناصب حتي تولى قيادة ثلاثة كتائب مشاة قبل أن يتولى قيادة لواء مشاة ميكانيكي ثم خدم في الفرقة الثانية بسيناء في حرب العدوان الثلاثي عام 1956م ثم درس بأكاديمية فرونزه العسكرية الشهيرة بالإتحاد السوفيتي بعد إتمام دراسته بكلية القادة والأركان ثم تم تعيينه معلما بالكلية الحربية في أوائل الستينيات من القرن العشرين الماضي ثم تم إختياره لمنصب الملحق العسكرى المصرى بالمانيا الغربية ما بين عام 1962م وعام 1964م ويحسب له أنه من كشف الستار عن صفقة الأسلحة الألمانية لإسرائيل وبعد عودته من المانيا تم تعيينه كبيرا للمعلمين بالكلية الحربية حلفا للفريق اول محمد فوزى الذى تم تعيينه في منصب رئيس الأركان عام 1964م ثم كافأه المشير عبد الحكيم عامر حينذاك بتعيينه مديرا للمخابرات الحربية يوم 11 يونيو عام 1966م قبل عام من حرب يونيو 1967م ولم يثبت تقصيره في هذه الحرب ولذا فقد ظل في منصبه حتي تم إختياره ليشغل منصب رئيس الأركان في شهر سبتمبر عام 1969م خلفا للواء أحمد إسماعيل علي أما الفريق الشاذلي فقد كان يشغل حينذاك منصب قائد منطقة البحر الأحمر العسكرية وكان قد تم إختياره لهذا المنصب في أوائل عام 1970م ثقة في شخصه وأنه القائد الذى يستطيع وقف الهجمات الإسرائيلية علي هذه المنطقة وتأمينها وتمكن اللواء الشاذلي بالفعل من خلال بعض الإجراءات التأمينية من وقف عمليات التسلل الإسرائيلي والإختطاف التي كانت تتم تقريبا يوميا ضد مدنيين وموظفين في هذه المنطقة الواسعة والذين كانوا يؤخذون كأسرى من جانب القوات الإسرائيلية في تلك الفترة وإستطاع أن يخوض مع قواته معركة شدوان التي جاء ذكرها في السطور السابقة والتي وقعت بعد أيام قليلة من توليه منصبه والتي إنتهت بإنسحاب القوات الإسرائيلية التي حاولت إحتلال الجزيرة وبعدها تمكن من وقف الهجمات الإسرائيلية علي هذه المنطقة وقد إختاره الرئيس السادات لكي يشغل منصب رئيس الأركان خلفا للفريق صادق نظرا لكفاءته وقدراته العسكرية ولخلفيته الغنية التي إكتسبها من دراسته بين الولايات المتحدة الأميريكية والإتحاد السوفيتي في العلوم العسكرية إلي جانب تاريخه العسكري الناصع البياض وتم منحه رتبة الفريق متقدما علي عدد حوالي 30 من الضباط الكبار الذين كانوا يحملون حينذاك رتبة اللواء كان منهم اللواء محمد عبد الغني الجمسي الذى شغل منصب رئيس هيئة عمليات القوات المسلحة خلال حرب أكتوبر عام 1973م ويقول الفريق الشاذلي في مذكراته عن حرب أكتوبر إنه بعد تعيينه رئيسا للأركان إكتشف عدم وجود خطة هجومية بالقوات المسلحة وإنما خطة دفاعية تسمي الخطة 200 كان قد وضعها الفريق عبد المنعم رياض عندما تولي منصب رئيس الأركان عقب حرب يونيو وخطة أخرى تسمي جرانيت للقيام ببعض غارات على مواقع العدو وبعد قيامه بدراسة إمكانيات القوات المسلحة الفعلية ظهر له أنه ليس من الممكن القيام بهجوم واسع النطاق يدمر قوات العدو ويرغمه على الإنسحاب من سيناء وقطاع غزة وأن إمكانياتنا الفعلية تمكنا إذا أحسنا تدريبها وتجهيزها من عملية هجومية محدودة لعبور قناة السويس وتدمير خط بارليف ثم التحول للدفاع فقواتنا الجوية ضعيفة جدا بعد تدميرها مرتين فى حربى عام 1956م وعام 1967م ومنذ البداية إعتمدت خطته على تجنب المواجهة المباشرة مع قوات العدو الجوية وأن تقوم قواتنا الجوية بضربات مفاجئة فى الأوقات والأماكن التى يستبعد فيها تدخل قوات العدو الجوية ويشرح ذلك قائلا كنت أريد للقوات البرية الإسرائيلية أن تتأثر نفسيا بهجماتنا الجوية دون الدخول فى معارك جوية مفتوحة لأننى كنت مقتنعا أننا إذا لم نستخدم طيراننا بحرص وذكاء قد نخسره للمرة الثالثة .

وكانت هذه رؤية الفريق الشاذلي ولذا فقد دخل في خلافات مع الفريق أول صادق حول خطة العمليات الخاصة بتحرير سيناء فقد كان محمد صادق يرى أن الجيش المصري يتعين عليه ألا يقوم بأي عملية هجومية إلا إذا وصل إلى مرحلة يتفوق فيها على العدو في المعدات والكفاءة القتالية لجنوده عندها فقط يمكنه القيام بعملية هجومية واسعة تدمر القوات الإسرائيلية في سيناء وتتقدم إلى المضايق ومنها إلى خط الحدود الدولية بين مصر وفلسطين وإلي غزة بينما كانت وجهة نظر الشاذلي أنه بلا أدني شك يود ذلك ويتمناه إلا أن هذا الرأي لا يتمشى مع الإمكانيات الفعلية للقوات المسلحة لضعف القوات الجوية وعدم وجود دفاع جوي قوى متحرك يحمي القوات المتقدمة عبر سيناء إلي جانب تميز دبابات ومدرعات العدو عن دباباتنا ومدرعاتنا ولو تم الإنتظار حتي يتحقق للقوات المسلحة المصرية التفوق علي القوات المسلحة الإسرائيلية فإن ذلك سيستغرق زمنا طويلا كما أن القوات المسلحة الإسرائيلية لن تقف مكتوفة اليدين وستعمل هي الأخرى علي بقاء عناصر تفوقها علي القوات المسلحة المصرية وتطويرها وشرع الشاذلي في وضع خطة هجومية وفق إمكانيات القوات المسلحة المصرية تقضي بإسترداد من 10 إلى 12 كيلو متر في عمق سيناء وبنى رأيه على أنه من المهم تفصيل الإستراتيجية الحربية على إمكانيات القوات المسلحة المصرية الفعلية وطبقا لإمكانيات العدو ومن ثم قام بوضع الخطة التي سميت في البداية خطة المآذن العالية في شهر أغسطس عام 1971م وقد تضمنت هذه الخطة الهجوم على القوات الإسرائيلية وإقتحام قناة السويس وقد أدخلت هذه الخطة في الإعتبار ضعف القوات الجوية المصرية وضعف إمكانيات الدفاع الجوي المصري ذاتي الحركة مما يمنع القيام بعملية هجومية كبيرة ولكن يمكن القيام بعملية محدودة لعبور قناة السويس وتدمير خط بارليف وإحتلال من 10 إلى 12 كيلومترا شرق القناة وهو أقصى نطاق للدفاع الجوي المصري الثابت والتحول بعد ذلك لأخذ مواقع دفاعية وبهذا الأسلوب يتم تحييد أحد نقاط القوة لدى القوات المسلحة الإسرائيلية وهي القوات الجوية وبالإضافة إلي ذلك كانت فلسفة هذه الخطة تقوم على أن لإسرائيل نقطتي ضعف الأولي عدم قدرتها على تحمل الخسائر البشرية نظرا لقلة عدد أفرادها والثانية هي أن إطالة مدة الحرب ليس في صالح إسرائيل فهي في كل الحروب السابقة كانت تعتمد على الحروب الخاطفة التي تنتهي خلال أربعة أسابيع أو ستة أسابيع على الأكثر لأنها خلال هذه الفترة تقوم بتعبئة 18% من الشعب الإسرائيلي وهذه نسبة عالية جدا ثم إن الحالة الإقتصادية ستتأثر بشدة في إسرائيل وذلك لتوقف أنشطة التعليم والزراعة والصناعة لأن معظم الذين يعملون في هذه المؤسسات في النهاية ضباط وجنود في القوات المسلحة الإسرائيلية كما كان للخطة بعدان آخران على صعيد حرمان القوات المسلحة الإسرائيلية من أهم مزاياها القتالية بحرمانها من الهجوم من الأجناب لأن أجناب الجيش المصري ستكون مرتكزة على البحر المتوسط في الشمال وعلى خليج السويس في الجنوب ولن يستطيع الهجوم من المؤخرة التي ستكون قناة السويس ومن ثم سيضطر إلى الهجوم بالمواجهة وعندها سيدفع الثمن فادحا كما أنه نظرا لأن العدو يتمتع بميزة مهمة في المعارك التصادمية وهي الدعم الجوي السريع للعناصر المدرعة التابعة له حيث تتيح العقيدة القتالية الغربية التي تعمل إسرائيل بمقتضاها للمستويات الصغرى من القادة بالإستعانة بالدعم الجوي إلا أنه سيفقده في هذه الحالة لأن القوات المسلحة المصرية ستكون في حماية الدفاع الجوي المصري الذى سيمثل مظلة واقية لها ومن هنا تتم عملية تحييد الطيران الإسرائيلي وشل حركته تماما خلال المعركة كما ذكرنا في السطور السابقة .

ومع إعداد هذه الخطة تمت دراسة مشاكل عبور قناة السويس والعمل علي حلها وكانت المشكلة الأولى هي النقص الشديد في المعلومات عن العدو ومن ثم تم إعداد نقاط ملاحظة على قناة السويس تراقب المنطقة كلها مع تسجيل نتائج هذه المراقبة في شكل معلومات بالإضافة إلى تنظيم دوريات تقوم بالتسلل خلف الساتر الترابي الذى أقامته إسرائيل علي حافة القناة وكان يخفي ما وراءه وذلك كان بهدف معرفة معلومات عن عمق العدو وتصوير منشآته ومعداته ومازالت هذه الصور موجودة حتى الآن وعند الهجوم ساعدت هذه المعلومات وتلك الصور على إقتحام القناة والدخول لأرض سيناء وكانت المشكلة الثانية هي هذا الساتر الترابي الذى أقامته إسرائيل حيث كانت القوات الإسرئيلية متمسكة بالأرض ولديها أمل فى السيطرة علي وإحتلال سيناء إلي الأبد ومن ثم قامت بعمل ساتر من التراب إرتفاعة 20 متر ومائل حتي يلامس خط مياه القناة مباشرة وزودته بنقط قوية مليئة بالأسلحة ومتفجرات وقالوا عنه إن المصريين لكى يقتحموا هذا الساتر لابد من وجود قنابل ذرية لديهم وأشاعوا بأن الجيش الإسرئيلي لا يقهر وقد أجرى الجيش المصرى تجارب عديدة منها تجارب فى الصحراء المصرية وفى القناطر الخيرية علي نموذج يماثل هذا الساتر من أجل فتح الثغرات فيه والتغلب عليه بالمدفعية كما تم تجربة فتح الثغرات بإستخدام المتفجرات والمعدات ولكن كل هذه التجارب لم يحالفها التوفيق حيث كانت تستغرق وقتا طويلا وجاء الحل علي يد ضابط مهندس بسلاح المهندسين هو المقدم حينذاك باقي زكي يوسف الذى إقترح فتح الثغرات بإستخدام مدافع المياه كما كان يتم أثناء بناء السد العالي وتم تجريب الفكرة فى القناطر الخيرية ونجحت نجاحا باهرا وكانت كل ثغرة تستغرق في فتحها حوالي 3 ساعات وبعدد يصل إلي حوالي 15 فردا فقط وبذلك تم حل هذه المشكلة جذريا وتم إستيراد المضخات اللازمة لذلك من إنجلترا والمانيا خلال عام 1972م لحساب وزارة الداخلية تحت ستار أنها ستستحدم في عمليات إطفاء الحرائق خاصة في قرى الصعيد .

وكانت المشكلة الثالثة هي طبيعة المياه في قناة السويس فهي لها خاصية التغير 4 مرات يوميا في الإتجاه والسرعة ويختلف ذلك من جزء إلى جزء وميول الشاطئ الشرقي غير ميول الشاطئ الغربي وشاطئ قناة السويس هو الآخر له خصائص معينة ومن ثم تم مطالبة المسؤولين بالحصول علي بيانات ومعلومات عن خصائص المياه فى قناة السويس لمدة 10 سنوات سابقة وبالفعل تم الحصول عليها وتم تحديد سرعات المياه لمدة 10 سنوات سابقة من عام 1963م وحتي عام 1973م من سجلات هيئة قناة السويس وذلك من أجل تحديد وإختيار الوقت الملائم للعبور وذلك لتلافي تأثير سرعة تيار المياه في قوارب العبور وتم تحديد مسافة 25 مترا بين كل قارب وآخر داخل سرية المشاة ومسافة 200 متر بين كل سرية وأخرى ومسافة 400 متر بين كل كتيبة وأخرى ومسافة 800 متر بين كل لواء وآخر كما كانت المسافة بين كل فرقة مشاة وأخرى نحو 15 كيلو مترا وكانت المشكلة الرابعة هى السرية حتي لا يتسرب نبأ موعد العبور إلي الجانب الإسرائيلي ولذلك كان يلزم ألا يعلم أحد موعد العبور إلا في الوقت المناسب وكان هذا الموعد لا يعلمه حتي يوم أول أكتوبر عام 1973م سوى الرئيس الراحل أنور السادات والفريق أول أحمد إسماعيل علي وزير الحربية والقائد العام للقوات المسلحة والفريق سعد الدين الشاذلي رئيس هيئة أركان حرب القوات المسلحة واللواء محمد عبد الغني الجمسي رئيس هيئة العمليات وفي يوم أول أكتوبر تم إبلاغ قائدى الجيشين الثاني والثالث الميدانيين اللوائين سعد مأمون وعبد المنعم واصل بالموعد وفي يوم 3 أكتوبر تم إبلاغ قادة الفرق بالجيشين بالموعد وفي اليوم التالي 4 أكتوبر تم إبلاغ قادة الألوية بالموعد وفي يوم 5 أكتوبر تم إبلاغ قادة الكتائب والسرايا بالموعد وفي يوم 6 أكتوبر وقبل نشوب الحرب بست ساعات تم إبلاغ قادة الفصائل والجماعات وكافة الجنود بالموعد وكان لا أحد يحاول أن يعلم غير ما هو متاح له وكان الغرض الأساسي من ذلك أن نحقق المفاجأة الكاملة للعدو الإسرائيلي .

وكانت المشكلة الخامسة هي مواسير النابالم التي مدها العدو الإسرائيلي إلي حافة القناة والتي كان الغرض منها هو ضخ هذا السائل الحارق فوق مياه القناة لإعاقة أى محاولة للعبور حيث سيتحول سطح مياه القناة إلي جحيم حارق وتمت تجربة عدة طرق للتغلب علي هذه المشكلة ولكنها لم تحقق النجاح المطلوب وتقرر في النهاية التسلل حتي مخارج هذه المواسير علي شاطئ القناة وسدها بالأسمنت الأمر الذى تم بكل كفاءة وإقتدار وفي بداية الحرب كان أول أسير إسرائيلي هو المهندس الذى توجه لمخارج بعض هذه المواسير لمعرفة السبب الذى أدى إلي عدم خروج هذا السائل الحارق منها أما المشكلة السادسة فكانت أن افراد المشاة الذين سيعبرون القناة في الساعة الثانية ظهرا سيبقون لمدة لن تقل بحال من الأحوال عن ست ساعات أو أكثر بلا مدرعات في حين أنهم سوف يتعرضون لهجمات دبابات ومدرعات العدو ومن ثم تم تكليف سلاح المدفعية بالتوسع في إعداد وتدريب مجموعات من الجنود كل مجموعة تتكون من 3 إلي 5 أفراد تم تسميتها أطقم إقتناص الدبابات لتتولي هذه المجموعات والتي كان قد بدأ تكوينها في الفترة التي تولي فيها الفريق عبد المنعم رياض منصب رئيس الأركان التعامل مع دبابات ومدرعات العدو وتوجيه قذائف الكتف الصاروخية المعروفة بإسم آر بي جي لإصطيادها وقد نجحت هذه الفكرة نجاحا باهرا وتسببت في تدمير عشرات الدبابات والمدرعات الإسرائيلية في الساعات الأولي من نشوب الحرب وقد أدهش هذا الأسلوب في مواجهة الدبابات والمدرعات العالم كله فلأول مرة في التاريخ يتصدى فرد المشاة بكل ثبات وبكل كفاءة وإقتدار بصدره العارى للدبابات والمدرعات ويحقق النصر عليها وقد عارض محمد صادق هذه الخطة بحجة أنها لا تحقق أي هدف سياسي أو عسكري فمن الناحية السياسية فهي لن تحقق شيئا وسوف يبقى 60 ألف كيلومتر مربع من أرض سيناء تحت سيطرة إسرائيل أما عسكريا فهي ستخلق للجيش المصري موقفا صعبا بدلا من الموقف الحالى الذي يعتمد على قناة السويس كمانع طبيعي فاصل بين القوات المصرية والقوات الإسرائيلية في حين أن خطوط المواصلات عبر الجسور المقامة في القناة في حالة تنفيذ خطة الشاذلي ستتعرض لغارات مكثفة للطيران الإسرائيلي مما سيهدد سلامتها وهذا من شأنه عزل القوات شرق القناة ووقوعها صيدا سهلا للقوات الإسرائيلية وبعد مناقشات مطولة بين الشاذلي ومحمد صادق توصل الشاذلي إلى حل وسط وهو إعداد خطتين الأولى تهدف إلى إحتلال المضايق أطلق عليها إسم العملية 41 والثانية تهدف إلى الإستيلاء على خط بارليف وأطلق عليها إسم عملية بدر ولكن محمد أحمد صادق لم يقتنع وكان من وجهة نظرة أن مصر لن تحتمل هزيمة أخرى وظل الأمر معلقا حيث لم يتفق الرجلان علي رأى واحد وظل كل منهما متمسكا بوجهة نظره .

ومن الأحداث الهامة التي مرت بمصر في هذا الوقت كان قرار الرئيس السادات في يوم 8 يوليو عام 1972م بإنهاء مهمة الخبراء السوفييت الذين كانوا يعملون كخبراء ومستشارين في القوات المسلحة المصرية وكان يبلغ عددهم نحو 20 ألف خبير جاءوا فى مرحلة حرب الإستنزاف لتدريب الجيش المصرى على الأسلحة السوفيتية الجديدة التى طلبها الرئيس الراحل جمال عبد الناصر بعد نكسة 5 يونيو عام 1967م إستعدادا لخوض المعركة المرتقبة لإسترداد الكرامة وتحرير الأرض السليبة وذلك في إطار العلاقات الطيبة التي ربطت بين البلدين خلال عقدى الخمسينيات والستينيات من القرن العشرين الماضي وشهدت تقديم العون السوفيتى فى بناء السد العالى ومئات المصانع أبرزها مصنع الحديد والصلب فى حلوان وقام الرئيس السادات حينذاك بإستدعاء فينوجرادوف السفير السوفيتي في مصر ليعلنه وبدون إبداء مبررات وبعصبية شديدة قراره بالإستغناء تماما عن خدمات العسكريين السوفييت وقد إعتبرت القيادة السوفيتية قرار الرئيس السادات واجب التنفيذ وغادرت كل القوات العسكرية السوفيتية مصر بإنتظام فى خلال أسبوع وفي يوم 26 من شهر أكتوبر عام 1972م أقال الرئيس الراحل أنور السادات الفريق أول محمد صادق من وزارة الحربية لإختلافه مع رؤيته لتحرير الأرض وإقتناعه برؤية الفريق الشاذلي وعين اللواء أحمد إسماعيل علي وزيرا للحربية وقائدا عاما للقوات المسلحة المصرية ومنحه رتبة الفريق أول والذي كان قد أحيل للتقاعد في أواخر أيام الرئيس جمال عبد الناصر كما ذكرنا في السطور السابقة ثم تم إستدعاؤه من التقاعد وتم تعيينه مديرا للمخابرات العامة المصرية في شهر مايو عام 1971م في عهد الرئيس الراحل أنور السادات كما تم في نفس اليوم إقالة اللواء محرز مصطفي مدير المخابرات الحربية وتم تعيين اللواء إبراهيم فؤاد نصار خلفا له وإقالة اللواء بحرى محمود عبد الرحمن فهمي قائد القوات البحرية وإستدعاء اللواء فؤاد أبو ذكرى من التقاعد والذى كان قد أقاله الرئيس عبد الناصر من منصبه بسبب حادث الزعفرانة كما ذكرنا في السطور السابقة وتعيينه خلفا له وذلك بعد أن إجتمع الرئيس السادات بالقادة المذكورين وتبين له أنهم ليس لديهم إقتناع بخوض معركة محدودة كما أشار الفريق الشاذلي وأنهم لم ينفذوا تعليماته كقائد أعلي للقوات المسلحة بالإستعداد لتلك الحرب المحدودة ومن ثم تمت إقالتهم وقد أبلغ الرئيس أنور السادات الأمر إلى الفريق سعد الشاذلي وكانت مفاجأة سيئة بالنسبة له فروى للرئيس التاريخ الطويل للخلافات بينه وبين أحمد إسماعيل علي مما يجعل التعاون بينهما صعب جدا وشبه مستحيل ولكن الرئيس أنور السادات أكد له أن العلاقة بينهما ستكون حسنة وأفضل كثيرا من العلاقة السابقة بينه وبين الفريق أول محمد صادق ويقول الشاذلي في مذكراته إنه قد فكر بالفعل وقتئذ جديا في الإستقالة ولكن منعه عاملان أولهما إن استقالته سوف تفسر على أنها تضامن مع الفريق أول محمد صادق بعد إقالة الرئيس له وثانيهما أن البعض قد يفسر إستقالته بأنه لا يريد دخول الحرب في حين أن الحقيقة هي عكس ذلك وأنه سيضيع مجهود كبير قد بذله بالفعل من أجل الإستعداد للحرب المرتقبة مع إسرائيل وفي الحقيقة وبشهادة الشهود فإن الرجلين إلتزما بالعمل والتعاون فيما بينهما للإعداد لحرب أكتوبر عام 1973م وإنشغلا بذلك تماما عن إثارة أى خلافات قديمة بينهما خلال الفترة من يوم 26 أكتوبر عام 1972م وحتي قيام الحرب في يوم 6 أكتوبر عام 1973م حيث إنشغلا بالإعداد للمعركة المرتقبة علي أساس خطة الشاذلي السابق الإشارة إليها وحل مشاكل العبور والتدريب علي خطة إقتحام قناة السويس وكيفية فتح الثغرات في الساتر الترابي لكي يتسني إقامة كبارى العبور التي ستعبر عليها الدبابات والمدرعات ومتابعة وصول الأسلحة السوفيتية المفروض وصولها إلي مصر قبل نشوب الحرب إلي جانب إستكمال بعض التجهيزات الهندسية اللازمة لمعاونة القوات وقت العبور وأهمها المصاطب المطلوب إنشائها علي الضفة الغربية للقناة لتكون بمثابة نقاط مراقبة يتم من خلالها رصد مايحدث شرق القناة ومن ناحية أخرى سيتم إستخدامها كمرابض للدبابات وقت العبور لقصف القوات والدبابات الإسرائيلية التي ستحاول إعاقة عملية العبور وأيضا التنسيق مع الجبهة السورية التي سيبدأ عليها القتال في نفس وقت بدء القتال علي الجبهة المصرية كما أدخلت بعض التعديلات الطفيفة علي خطة العبور .

وفي أوائل عام 1973م قامت هيئة عمليات القوات المسلحة التي كان علي رأسها اللواء حينذاك محمد عبد الغني الجمسي بعمل دراسة طويلة وعميقة لتحديد أنسب يوم للهجوم خلال ذلك العام بحيث يحقق أحسن وأنسب الظروف لنجاح العملية الهجومية ويحقق في نفس الوقت أسوأ الظروف لإسرائيل وتم وضع هذه الدراسة على ضوء الموقف العسكري وفكرة العملية الهجومية المخططة والمواصفات الفنية والطبيعية لقناة السويس من حيث المد والجزر وسرعة التيار وإتجاهه وساعات الظلام وضوء القمر والأحوال الجوية وحالة البحرين الأبيض المتوسط والأحمر وعوامل أخرى عديدة وتم دراسة كل شهور السنة لإختيار أفضل الشهور لإقتحام القناة حيث أن فرق المنسوب بين أعلى مد وأدنى جذر هو 80 سنتيمتر في القطاع الشمالي للقناة والذى يشمل المسافة من الإسماعيلية وحتي بورسعيد بينما فرق المنسوب في القطاع الجنوبي مابين الإسماعيلية والسويس هو متران كما أن سرعة التيار في القطاع الشمالي تبلغ 18 مترا في الدقيقة بينما سرعته في القطاع الجنوبي تبلغ 90 مترا في الدقيقة أما إتجاه التيار فإنه يتغير دوريا كل 6 ساعات من الشمال إلى الجنوب وبالعكس وكانت كل هذه الظواهر الطبيعية مطلوب معرفتها لتحديد تأثيرها على وسائل العبور بالقوارب وعلي عملية إنشاء المعديات والكباري وكان من الضرورى أيضا دراسة حالة الأرصاد الجوية المناسبة لعمل القوات الجوية وحالة البحرين الأبيض المتوسط والأحمر لمعرفة أنسبها لعمل القوات البحرية وإشتملت الدراسة أيضا على جميع أيام العطلات الرسمية في إسرائيل بخلاف يوم السبت وهو يوم أجازتهم الأسبوعية حيث تكون القوات المعادية عادة أقل إستعدادا للحرب ووجد أن لدى اليهود ثمانية أعياد في السنة منها ثلاثة أعياد في شهر أكتوبر هي عيد الغفران أو يوم كيبور وعيد المظلات وعيد التوراة وكان المهم في الموضوع معرفة تأثير كل عطلة على إجراءات التعبئة في إسرائيل التي تعتمد إعتمادا رئيسيا في الحرب على قوات الإحتياطي وكان يوم كيبور أو عيد الغفران خلال عام 1973م يوافق يوم سبت والأهم من ذلك هو أنه اليوم الوحيد خلال العام الذي تتوقف فيه الإذاعة والتليفزيون عن البث لأنه يعتبر يوم سكون كامل في إسرائيل أي أن إستدعاء قوات الإحتياطي بالطريقة العلنية السريعة سوف تكون معطلة وغير مستخدمة وبالتالي سيتم إستخدام وسائل أخرى تتطلب وقتا أطول من المعتاد لتنفيذ التعبئة .

وإنتقلت الدراسة بعد ذلك إلى عامل آخر هو الموقف الداخلي في إسرائيل فقد كانت ستجري إنتخابات إتحاد نقابات العمال المعروف بإسم الهستدروت في شهر سبتمبر عام 1973م بينما ستجري إنتخابات البرلمان الاسرائيلي أو الكنيست يوم 28 أكتوبر عام 1973م ومن المعروف أن الحملة الإنتخابية تجذب أفراد الشعب لها علما بأن أغلب الشعب يشكل الجيش الإحتياطي عند تعبئة الدولة أثناء الحرب وحيث أنه كان من المخطط أن تكون الحرب علي الجبهة السورية في نفس الوقت الذى ستقوم فيه علي الجبهة المصرية فقد كان لا يجب ان يتأخر موعد الحرب بعد شهر أكتوبر 1973م حيث أن حالة الطقس والجو تصبح غير مناسبة نظرا لبدء تساقط الجليد علي مرتفعات الجولان السورية وكانت خلاصة هذه الدراسة بناءا علي كل ما سبق هي أن أنسب الشهور لقيام الحرب خلال عام 1973م هي شهر مايو أو أغسطس أو أكتوبر وكان أفضل الشهور هو شهر أكتوبر كما تم في هذه الدراسة تحديد اليوم المناسب والساعة المناسبة خلال اليوم لبدء القتال خلال كل شهر من الشهور المذكورة وكان يوم السبت عيد الغفران 6 أكتوبر عام 1973م الموافق يوم 10 رمضان عام 1393 هجرية في الساعة الثانية ظهرا هو أنسب الأيام وهو اليوم الذى وقع عليه الإختيار بالفعل حيث توافرت فيه الشروط الملائمة لإقتحام القناة والهجوم وفي نفس الوقت كان يناسب ظروف الجبهة السورية وتم تسليم هذه الدراسة بيد اللواء آنذاك محمد عبد الغني الجمسي مكتوبة بخط اليد لضمان سريتها للفريق أول أحمد إسماعيل علي وزير الحربية والقائد العام للقوات المسلحة المصرية والذى عرضها علي الرئيس الراحل أنور السادات في إستراحة برج العرب التي توجد غرب الإسكندرية في أوائل شهر أبريل عام 1973م وبعد عودته أعادها للواء الجمسي باليد ونقل له إنبهار وإعجاب الرئيس السادات بها وقدم الفريق أول أحمد إسماعيل علي الشكر لهيئة العمليات لمجهودها في إعداد هذه الوثيقة الهامة وكتب تعليقه عليها قائلا لقد كان تحديد يوم الهجوم عملا علميا على مستوى رفيع وإن هذا العمل سوف يأخذ حقه من التقدير وسوف يدخل التاريخ العلمي للحروب كنموذج من نماذج الدقة المتناهية والبحث الأمين وقد عرفت هذه الدراسة بإسم كشكول الجمسي .

ومن جانب آخر كان على قواتنا المسلحة أن تدخل حرب أكتوبر 1973م في ظروف عسكرية صعبة ومعقدة من أجل هدم نظرية الأمن الإسرائيلي التي وضعتها إسرائيل لتكون ستارا لتحقيق أهدافها التوسعية وفرض الأمر الواقع على العرب وكنا سندخل الحرب بينما العدو له التفوق العسكري والوضع الطبيعي أن يكون المهاجم متفوقا على المدافع لذلك كان من الضروري إهدار التفوق العسكري للعدو في المرحلة الإفتتاحية للحرب وهي مرحلة الهجوم مع إقتحام قناة السويس وكنا أيضا سندخل الحرب وعلينا أن نقدر أن إقتحام قناة السويس بقوات قوامها حوالي مائة ألف مقاتل بأسلحتهم ومعداتهم ومدرعاتهم يعتبر من أصعب العمليات العسكرية حيث أن أصعب الموانع المائية علي مستوى العالم إثنان لا ثالث لهما هما قناة السويس وقناة بنما وكنا سندخل الحرب بينما يستند العدو إلى خط محصن على الضفة الشرقية للقناة وهو خط بارليف ولديه القوات الكافية المدربة في سيناء وكان لابد من نجاح عملياتنا الهجومية وإختراق تحصيناته وتدميرها وبذلك يتم تحدي نظرية الأمن الإسرائيلي وأخيرا كنا سندخل الحرب ضد عدو لديه جهاز مخابرات إشتهر بكفاءته وتعاونه مع أجهزة المخابرات الأميريكية لمعرفة كل ما يدور في الوطن العربي فإذا إكتشفت هذه الأجهزة نوايانا الهجومية فإن إسرائيل من المؤكد أنها ستبادر بتوجيه ضربة وقائية أو ضربة إجهاض تجعل عملياتنا الهجومية أكثر صعوبة وأشد تعقيدا كما أن إسرائيل ستبادر أيضا بتعبئة وإستدعاء الإحتياطي وإرساله للجبهتين المصرية والسورية خلال يومين ومن هنا ولكل هذه الأسباب كان من الضروري أن نبذل كل جهد ممكن لتحقيق المفاجأة الإستراتيجية حتى تكون المبادأة لنا لأول مرة في الحرب ضد إسرائيل وحرمان العدو من فترة الإنذار اللازمة للتعبئة وعدم إعطائه فرصة توجيه ضربة وقائية وضمان نجاح الهجوم والعبور بأقل خسائر ممكنة حيث كنا قد قدرنا خسائرنا في جبهة قناة السويس بأعداد كبيرة من الشهداء والجرحى والمصابين إلي جانب خسائر جسيمة في المعدات وجدير بالذكر أن ما تكبدناه بالفعل من خسائر سواء في الأرواح أوالمعدات كان أقل كثيرا مما هو متوقع .

والخلاصة أنه كان لا بد من التخطيط لخطة خداع علي أعلي مستوى لتحقيق المفاجأة الإستراتيجية للعدو الإسرائيلي والتي إشترك في وضعها عدد محدود جدا من ضباط هيئة عمليات القوات المسلحة تحت الإشراف المباشر لرئيس الهيئة اللواء الجمسي وكتبت بخط اليد مثلها مثل خطة العمليات تماما وإشتملت هذه الخطة على إجراءات وأعمال كثيرة متنوعة في مجالات مختلفة بحيث تتكون صورة متكاملة أمام العدو بأن قواتنا في مصر وفي سوريا ليس لديها أى نية للهجوم بل أن ما نقوم به من إجراءات وتجهيزات هو عمل تقوية لدفاعاتنا من أجل الإستعداد لصد أى هجوم إسرائيلي محتمل وكان من عناصر المفاجأة للعدو الإسرائيلي أنه قد جرت العادة أن الهجوم مع وجود موانع مائية صعبة مثل قناة السويس يحتاج إلي وقت طويل وكان الوضع الطبيعي أن نبدأ الهجوم مع أول ضوء من النهار بحيث نستغل النهار كله أو آخر ضوء حتي نستغل الليل كله لكننا لم نختر أول ضوء ولا آخر ضوء وإنما إخترنا الساعة الثانية وخمس دقائق بعد الظهر قبل الغروب بحوالي ثلاث ساعات ونصف الساعة كما تم التحديد في الدراسة المشار إليها والمعروفة بإسم كشكول الجمسي وهذا التوقيت غير متوقع من جانب العدو كما كانت ليلة 6/7 أكتوبر تتميز بأن وقت الليل فيها طويل وكان النصف الأول منها مقمرا والنصف الثاني في حالة إظلام وذلك بغرض أن يسهل تركيب وإنشاء الكباري في ضوء القمر ثم يكون عبور القوات والأسلحة والمعدات في الظلام وبالإضافة إلي ذلك قامت قواتنا المسلحة بعمل مناورة تحدد لها من يوم 1 إلي يوم 7 أكتوبر عام 1973م وتحت ستار المناورة قامت قيادات الجيوش والألوية بإحتلال مراكز القيادة بالجيشين الثاني والثالث الميدانيين والبحرية والطيران والدفاع الجوي وأعلنت حالة الطوارئ بالقوات المسلحة كما تم إستدعاء قوات الإحتياطي وبعد ثلاثة أيام من المناورة قمنا بتسريح آلاف الجنود وبدأ الجميع يقولون إن المناورة قد إنتهت وفي التوقيت المناسب نزعنا خرائط التدريب وعلقنا خرائط الحرب كما تم الإعلان عن العمرة التي تنظمها القوات المسلحة في شهر رمضان وحجز فيها عدد كبير من القادة والضباط والجنود مع تعمد نشر خبرها في الأهرام الذي يوزع في دول أوروبا وعندما طلب وزير دفاع رومانيا زيارة مصر تم تحديد يوم 9 أكتوبر عام 1973م لمقابلة وزير الحربية المصري بما يعني عدم وجود حرب .

وشارك الرئيس الراحل أنور السادات علي الخط في عمليات التمويه وإجتمع بمجلس الأمن القومي يوم 30 سبتمبر عام 1973م وطلب من الأعضاء رأيهم في الوضع فطالب البعض بالمعركة وتردد البعض وقال وزير التموين إن المواد التموينية الموجودة لا تكفي لمعركة طويلة وقال الرئيس السادات أريد أن أقول لكم إن إقتصادنا قد وصل حاليا إلي مرحلة الصفر وعلينا إلتزامات آخر السنة ولا نستطيع الوفاء بها للبنوك وعندما يأتي عام 1974م بعد 3 شهور لن يكون عندنا رغيف خبز واحد للمواطنين ولا أستطيع أن أطلب من أي بلد عربي دولارا واحدا لا في حرب ولا حاجة وأنهي الإجتماع. بينما بدأ في اليوم التالي أول أكتوبر عام 1973م تنفيذ المشروع التدريبي الذي تتم تحت ستاره اللمسات والتجهيزات الأخيرة للمعركة حيث أنه في نفس الوقت إستمرت القوات الجوية والبحرية وقوات الدفاع الجوي في تنفيذ مهامها العادية الروتينية لحماية سماء ومياه الجمهورية وكان أبرز تلك الأعمال فتح المدمرات والغواصات في المناطق المحددة لها وإتخاذها أوضاع الإستعداد الأخيرة وإستمرت عجلة الإستعداد في التسارع فتم تحديد الساعة السادسة صباح يوم الجمعة 5 أكتوبر عام 1973م لتكون وقت تمام إستعداد القوات المسلحة المصرية للعمل وفي هذا اليوم أصدرت القيادة العامة للقوات المسلحة تعليماتها التي تحدد التوقيتات الرئيسية لبداية العملية الهجومية وأرسلتها إلي القيادات والرؤساء المختصين طبقا للخطة الزمنية المحددة والتي راعت المحافظة علي سرية النوايا كما أصدرت القيادة العامة تعليماتها بعدم السماح بدخول السفن التجارية المصرية والأجنبية إلي موانئ ومراسي خليج السويس وتخفيض عدد السفن المدنية الموجودة هناك وبدوران آلة الحرب في الساعة السادسة صباح يوم 5 أكتوبر عام 1973م لم يعد في الإمكان إيقافها فبالإضافة إلي الإجراءات السابقة قام المهندسون العسكريون بفتح الثغرات في مواقعنا علي الضفة الغربية علي طول المواجهة لتسهيل تقدم قواتنا لإقتحام قناة السويس كما قامت بقفل مأخذي المياه لترعة السويس والإسماعيلية لتسهيل عبور الدبابات والحاملات والعربات الترعة الحلوة عبر المخاضات والمعابر من عمق قواتنا إلي قرب الضفة الغربية لقناة السويس وبوجه عام أتمت جميع القوات تحركاتها وإتخذت أوضاعها النهائية وإحتلت الصواريخ أرض أرض التكتيكية والتعبوية مواقعها وعادت الدوريات التي تسللت في هدوء لتلقي نظرة إستكشاف أخيرة علي النقط الحصينة لخط بارليف علي الضفة الشرقية للقناة كما عادت الجماعات الخاصة التي دفعت لإحباط تحضيرات العدو لإشعال سطح القناة بالوقود الملتهب وذلك بعد أن قصت خراطيمها وسدت مواسيرها بالأسمنت وأغلقت محابسها وصنابيرها وعلي طول جبهة القناة كان المشهد بالغ العجب ففي الضفة الغربية كانت جماعات من جنود مصر يجلسون علي حافة القناة في حالة إسترخاء وتكاسل يتسامرون ويغنون وكان يطلق عليهم طبقا لخطة خداع العدو جماعات الكسل كما كانت الشركات المدنية تعمل في جد وإجتهاد بمعداتها الميكانيكية في عملية تعلية الساتر الترابي علي الضفة الغربية للقناة والجميع في متعة وخلو بال وقد تركوا أسلحتهم وخوذاتهم في الخنادق الخلفية إمعانا في خداع العدو بينما كان الجيشان الميدانيان في أقصي درجات الإستعداد للوثوب الي شرق القناة أما في الضفة الشرقية للقناة فقد راح بعض جنود إسرائيل يلعبون الكرة والبعض الآخر يجهزون ولائم العيد الذى سيأتي موعده في اليوم التالي 6 أكتوبر عام 1973م وهو يوم كيبور أو عيد الغفران والمراقبون الإسرائيليون قد خلعوا خوذاتهم وجلسوا في أبراج المراقبة يلعنون ظروف الخدمة في هذا المكان المنعزل في يوم عيدهم ويتثاءبون من رتابة الحال وركود الموقف سنوات إثر سنوات منذ هزيمة يونيو 1967م وكان هذا هو المشهد السائد في الثواني السابقة علي بدء الحرب .
 
 
الصور :
عملية الحفار مبادرة روجرز وفاة جمال عبد الناصر عام 1970م الرئيس أنور السادات ثورة التصحيح