abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool الرئيسية abou-alhool
بانوراما
فرعونيات
بلاد وشركات
الحدث السياحي
سحر الشرق
سياحة وإستشفاء
أم الدنيا
حج وعمرة
أعمدة ثابتة
درجات الحرارة
اسعار العملات
abou-alhool
دزرائيلي.. أسطورة العهد الفيكتورى
دزرائيلي.. أسطورة العهد الفيكتورى
عدد : 03-2020
بقلم المهندس/ طارق بدراوى


بنيامين إيزاك دزرائيلي هو سياسي ورجل دولة بريطاني كان من ضمن السياسيين البريطانيين الذين تركوا أثرا كبيرا في تاريخ السياسة البريطانية خلال القرن التاسع عشر الميلادى خلال العهد الفيكتورى والمقصود به العهد الذى حكمت فيه الملكة فيكتوريا بريطانيا من عام 1837م وحتي عام 1901م حيث إستطاع أن يقدم العديد من الخدمات إلى الإمبراطوریة البریطانیة طیلة مدة عمله في الحیاة السیاسیة التي إمتدت من عام 1837م وحتي إعتزاله العمل السياسي في عام 1880م كما قام بأهم الإصلاحات البرلمانیة في مجلس العموم البريطاني وعلاوة علي ذلك فقد تقلد منصب رئيس مجلس الوزراء مرتين في عهد الملكة فيكتوريا كانت المرة الأولي لفترة قصيرة من يوم 27 فبراير وحتي يوم 1 ديسمبر عام 1868م وخلفه وليم جلادستون زعيم الحزب الليبرالي وخصمه السياسي الذى تولي رئاسة مجلس الوزراء البريطاني 4 مرات أما المرة الثانية فكانت لفترة أطول حيث إمتدت لمدة ست سنوات وشهرين وتحديدا من يوم 20 فبراير عام 1874م خلفا لجلادستون وحتي يوم 21 أبريل عام 1880م ثم خلفه هذا الأخير مرة أخرى.

كان لدزرائيلي دور محورى هام في تأسيس حزب المحافظين وتحديد سياساته وإتجاهاته كما انه يذكر له تأثيره وصوته المؤثر في الشئون الدولية ومعاركة السياسية ضد منافسه وليم جلادستون ومن جانب آخر كان دزرائيلي روائيا وقام بنشر العديد من أعماله الروائية حتى أثناء توليه منصب رئاسة الوزراء وقد ولد بنيامین دزرائیلي في يوم ٢١ يناير عام 1804م في لندن من أب ایطالي یهودي إسمه إيزاك دزرائیلي وسمى الأب إبنه بإسم جده بنيامین الذي كان یهودیا هاجر من البندقية إلي إنجلترا ونجح في تكوین ثروة هائلة وكان إيزاك دزرائیلي هو الولد الوحید لأبویه ولكنه لم یوظف ثروة والده الكبیرة في مشروع صناعي محدد بل نشأ محبا للشعر والفن والفلسفة والتاریخ وكان یقضي أيامه في مكتبة المتحف البریطاني في لندن وقام بنشر مجموعة من القصص النادرة تحت عنوان (طرائف الأدب) وعلى أثر ذلك إكتسب فیما بعد مركزا مرموقا في عالم الأدب مما كان له الأثر الكبیر في أفكار وتوجهات إبنه بنیامین وكانت قد ابصرت النور قبل بنیامین بسنتین إبنة سمیت سارة والتي نشأت بینها وبین أخیها بنيامين محبة قلبیة راسخة منذ عهد الطفولة وكانا معجبين كل الإعجاب بوالدهما ویعتقدان بأنه كاتب كبير وعظيم وكان الوالد عندما يجلس معهما لا يحدثهما عن أمور الحياة اليومية بل كان يحدثهما عن أفكاره وكتاباته وأبحاثه وعما ينوى كتابته وكان مما حدثهما عنه سيرة الملك شارل ستیورات الذى كان يطالب بعرش بريطانيا في منتصف القرن الثامن عشر الميلادى ويرى أنه الأحق به والتي كان یزمع كتابتها ووصفها وشرح لهما بأن ذلك الملك الفارس الوسیم لیس بطاغیة وإنما هو شهید .

وفي عام 1810م وكان بنيامين في سن 6 سنوات أرسل الى مدرسة إیسلانكتون في لندن ثم إنتقل بعد ذلك الى معهد ألأب بوتیكاني ودرس هناك علم الأخلاق وكثیرا ما تحدثت سارة وبنیامین عند المساء فيما بينهما عن تلك المعضلة الغریبة وهي معضلة الیهود والمسیحيین ومابال هؤلاء الناس يأخذون علیهما ولادة لاید لهما فیها ولا قدر لهما على تبدیلها وطالما سألا أباهما إيزاك ذلك الفیلسوف الفولتیري النزعة عن هذا الأمر لكن الأخیر كان یكتفي بهز كتفیه إستخفافا وتهكما لأن كل ذلك في نظره كان بلا معني ولایعني شیئا له ومع ذلك ظل على غرار والده بنیامین إرضاءا له مسجلا في الكنیس اليهودى وكان يدفع الرسوم الواجبة عليه وتفادیا من مجادلات قد تفقده بعض ساعات مطالعة سمح للحاخام أن یعلم إبنه اللغة العبرية مع أنه كان طوال عمره لم يؤمن بعقیدة ولا مارس طقسا وفي النهایة كان لابد للوالد إيزاك من توجیه إبنه وإبنته لإعتناق الدین الذي كان علیه أكثریة البریطانیین وهو المسیحیة نتیجة لنصائح وضغوط أحد اصدقاءه وهو المؤرخ شارون ترنر والذى كان أول المنقبین عن المخطوطات الأنجلوسكسونیة في المتحف البریطاني وأخذت كتب تعلیم المسیحیة تظهر في مكتبة ٍإيزاك وفي نفس الوقت كان الوالد إيزاك قد إختلف مع الجماعة اليهودية السفاردية في لندن وهم اليهود الذين ينتمون في الأصل إلي الطائفة اليهودية التي كانت تستوطن في أسبانيا والبرتغال ثم تم طردهم منها في القرن الرابع عشر الميلادى حول مقدار الضرائب المقررة علیه وإنتهي به الأمر إلي الإقتناع بإعتناق المسيحية وفي عام 1817م إقتید الأولاد الواحد تلو الآخر الى كنیسة القدیس أندراوس لكي يتم تعميدهم وكان إبنه بنيامين حينذاك في الثالثة عشر من عمره فتلقي إبنه نشأة مسيحية إلا أن أصوله اليهودية تركت آثارها علي شخصيته وتفكيره وبإعتناق الأسرة الديانة المسيحية إنضمت الى الكنیسة الإنجلیكانیة وإشترت عقارات في الریف حیث ولد بنیامین وسارة وكانت الأسرة تذهب كل یوم أحد سیرا على الأقدام الى بیت الجد بنيامين الذى كان ینفح حفیدیه بقطعة نقدیة ویعزف لهما على عوده الصغیر ویحدثهما عن وطنه الأول إیطالیا التي عاشت فيها عائلة دزرائيلي حقبة طویلة من الزمن كما كان يحدثهما عن الوطن الأم أسبانيا الذى طردت منه العائلة وفي هذه الفترة اصبح من المستحسن ان یرافق تبدیل المذهب تبدیل المعهد ومن ثم فكر الأب إيزاك في إرسال بنيامين إلي معهد إیتون وهو من المدارس المحترمة التي كانت تضم أبناء الطبقة الأرستقراطیة أما الوالدة فكانت تخشى أن يصيبه السوء هناك حيث كان من الثابت أن إستقبال هذا المعهد للفتى الیهودي الحدیث العهد بالتنصر لن يكون طيبا وفي النهایة وحيث كان إيزاك ٍیجتمع لدى تجار الكتب القدیمة بقسیس إسمه ٍ كوجان ٍوالذى كان یشتري الطبعات النادرة ویعرف في تلك الأوساط بالراعي الإنجیلي الوحید غیر الإنجلیكاني الذي كان يجيد اللغة اليونانية وهكذا طلب منه إيزاك منه أن يتعهد إبنه بنيامين بالرعاية .

وبدأ بنيامين دزرائيلي في تلقي الدروس الأولى في معهد الدكتور كوجان والذى كان مستواه مرتفعا قويا في اللغتين اللاتينیة والیونانیة ومن ناحیة الخلق والكتابة فقد إكتشف طلاب كثیرون أنه یفتح أمامهم عالما جدیدا من المشاعر والأفكار وبرز منهم وتفوق عليهم بتيامين وأخذ رفاقه یرددون كلماته وجمله وینقلون أشعاره الى أخواتهم وبنات أعمامهم وإلتف حوله عدد من الفتیان العصریین فبدأ طموحه بالرغم من كراهیته للحركات العنیفة یتغلب على طبعه وشرع یتمرن في خطة رشیدة للتفوق في ألعاب القوى ومالبث أن إكتسب شعبیة واسعة بين زملائه وإحتل مركز زعیم وعندما إصطحبه والداه إلى حضور مسرحیة للمرة الاولى وسمع تلك الخطابات الجمیلة المنمقة وشاهد تلك الحوادث المثیرة التي يتم تجسيدها علي خشبة المسرح إستهوته وخلبت لبه وشعر الآن أنه قد وجد ضالته في هذا العالم المؤلف من اشخاص على ما یتوق قلبه ویرغب ویقومون بعظائم الأمور ویتكلمون على غرار أبطال أحلامه وشهد عام 1819م تكوينه لفرقة مسرحیة برز فیها رئیسا ومدیرا للمسرح وممثلا أول وراحت الأسابیع تتوالى وهو ینعم بهذه الحیاة الجدیدة وبنفوذه وقدراته والسعادة تغمر كیانه وبلغ تملكه لهذا الشعور اللامتناهي بالسعادة الى حد انه لم یعد معه یتنبه الى مایحاك حوله من فتن إذ بات یعتقد على سذاجته أن محیطه یقاسمه أفراح نجاحه ومن ثم لم یتورع من إبداء إحتقاره لدى أي تقصیر او بطء في الفهم من قبل رفقائه الا أنه ما برح أن فوجئ بأنه متهم بالهرطقة إذ عاداه المرشدون الموجهون في المعهد ولطالما وشوا به الى القسیس كوجان بحجة أن تمرینات الفرقة المسرحیة التي أسسها مخالفة للقانون الأمر الذي أدى الى غضب القسیس الذي جمع طلاب المدرسة وألقى فیهم خطبة جاء فیها إني لم اعهد مثل هذا من یوم أسسنا هذه الأسرة هنا ولاشك أن هناك روحا غریبة ترمي إلى الفتنة قاصرة عن إكتساب روح هذا المعهد قد إبتدعت هذه المخططات وفي أول فترة إستراحة بعد خطبة مدیر المعهد تلك مر نفر من المرشدین أمام بنيامين دزرائيلي وأخذوا یبدون ضروبا من السخریة والإستهزاء به فما كان من الأخیر إلا أن أخذ بخناق كبيرهم ولكمه في وجهه وتحول الأمر إلى صراع ملاكمة بین الإثنین برز فیه بنيامين وهو على قصره وضعفه نشیط وسریع الحركة وهو یقاتل في یقظة رشیدة وشجاعة وحشیة وإنتهي الصراع بفوز دزرائيلي وترتب علي هذا الحدث أن طلب مدير المعهد الدكتور كوجان من والد دزرائیلي أن یستعید إبنه وعندما بلغ دزرائیلي سن 16 عاما في عام 1820م أدرك أن المدرسة والجامعة خطر علیه إذ أنه بلا شك سوف یصطدم بالمزاعم والأحقاد نفسها وكانت أول نتيجة توصل إلیها هي إعادة بناء نفسه من الأساس فرسم مخطط عمل واسع وقرر الخلوة لمدة سنة لإعادة دروسه فأخذ یكثر من إرتیاد المكتبات والمطالعة في المصادر والمعاجم المختلفة وكان من الواضح أن الإتجاه الجديد لبنیامین دزرائیلي قد أقض فیما یبدو مضجع والده وسبب له إنزعاجا شديدا ومن ثم رأى من الضرورة ان یتدخل متمنیا ان یوجه ولده نحو اهداف بسیطة وعملیة فعرض أحد أصدقاءه وكان من رجال المحاماة المشهورین في لندن ان یصطحب بنیامین جاعلا منه أمین سره .

وأخذ دزرائيلي یحضر المرافعات في مكتب في ٍ ساحة فریدریك ٍ في لندن وكان یشاهد هناك رجال الدولة وأصحاب المصارف والتجار یمرون أمامه متعاقبین وفي المساء یتابع مطالعاته في مكتبة أبیه ویدعوه رب العمل أحیانا إلى منزله ومن خلال عمله في مكتب المحاماة تبين له أن الكثير من زبائن وعملاء هذا المكتب قد أثروا سریعا نتيجة المضاربة في المتاجرة بالأوراق المالیة العائدة للمناجم في قارة أمریكا الجنوبیة فقرر بالإتفاق مع أحد عملاء المكتب وكان اكبر منه سنا أن یجربا ورغم أنهما خسرا إلا أن دزرائیلي كان قد تعرف من خلال المعاملات التجاریة على أحد أشهر رجال المال الذین یدیرون سوق الأسهم المالیة في امریكا الجنوبیة وهو ٍ جون دستن باولزٍ الذي أعجب بذكاء هذا الفتى البالغ العشرین من العمر وأبدى إهتماما به وعهد إلیه في بادئ الأمر في إنشاء وطبع نشرة تعمم على الجماهیر موضوعها ٍ المناجم ٍ الأميریكیةٍ وفعلا إستطاع دزرائیلي تألیف كتیب واضح الكتابة رصین اللهجة إلى حد مدهش مما حمل الناشر ٍ مور ٍ صدیق والده على ان یطبعه على نفقة باولز وكان ذلك بدایة الطریق الذي ولج فیه دزرائیلي عالم الصحافة والأدب والذي مكنه من ترسیخ أقدامه كأدیب وصحفي لامع وبدأ خطواته الاولى في كتابة روایاته المشهورة وخصوصا روایته الأولى "فیفین كرید" عام 1826م التي رسم فیها صورة لجهود بطل طموح أراد ان یدخل إلى الحیاة السیاسیة وفي هذه المرحلة من حياته إهتم دزرائيلي إهتماما شدیدا بالسیاسة وكتب یقول ٍإن الإهتمام بعناصر وبرامج الأحزاب في انجلترا كانت تشدني وتشعرني بالمتعة منذ أن كنت صغیراٍ وكان مما عزز موقفه وطموحاته السیاسیة قدرته الكتابیة حيث كان قد كتب العدید من الروایات المتمیزة.

وكان دزرائيلي قد قام برحلة في منطقة الشرق الأوسط وفلسطين خلال هذه الفترة من حياته وكان يعتقد بأن زيارته لمدينة القدس خلال هذه الرحلة هي التي أوضحت له مقدار التكامل بين المسيحية واليهودية وضرورة التوفيق بينهما كما قال عن هذه الزيارة بأنها ساعدته في بلورة كثير من آرائه في السياسة الخارجية ومسألة الإستعمار وأوضاع اليهود مما ترك أثرا كبيرا فيما بعد في مواقفه السياسية وأطماعه الإستعمارية فاتجه دزرائيلي بعدها للإهتمام بالسياسة ویمكن القول بأن تأثیر أصوله الیهودیة كان واضحا في كتابته لروایة ٍ تانكرد او الصلیبیة والتي وفق فيها بين نزعتيه الرئيسيتين نزعة تمسكه بجذوره اليهودية من جهة ومطامعه الإمبريالية البريطانية من جهة أخرى إذ دارت هذه الرواية حول الحلف بين اليهود الراغبين في العودة إلى فلسطين وبين بريطانيا الإستعمارية الراغبة في السيطرة علي تلك المنطقة الهامة من العالم كما أن كتاباته وتصريحاته كذلك تضمنت إشارات وإيماءات عديدة لمسألة إستعادة أرض إسرائيل أو أرض الميعاد كما كان يسميها اليهود وتشوقه الدائم لأورشليم القدس التي حارب اليهود من أجلها كثيرا.

وفي عام 1832م وكان عمره 28 عاما إنضم إلي حزب المحافظين ومنذ بداية إنضمامه لهذا الحزب بدأ يعد نفسه ليكون يوما ما قائدا وزعيما له وعمل بدأب وجد وإجتهاد وعزيمة وإصرار من أجل تحقيق هذا الهدف المنشود فكان دقيقا متأنيا يحسب حساب كل خطوة يخطوها وكل كلمة تخرج من فمه وكان یظهر نفسه أمام العامة مهتما بملبسه وأناقته وقناعاته كما كان حريصا أشد الحرص وملتزما ومتمسكا بآداب وقيم المجتمع البريطاني وتقاليده .

وفي عام 1837م وبعد أربعة محاولات فاشلة نجح دزرائيلي في أن یدخل في مجلس العموم البریطاني كعضو عن حزب المحافظين وله من العمر 33 عاما وهي السنة التي تولت فیها الملكة فيكتوریا عرش بريطانيا ومن ثم بدأ ما أطلق عليه العصر الفيكتورى وفي نفس العام أصبح زعيماً لإحدى حركات الشباب الإنجليزية ومما شكل خطوة مهمة بل ونقلة نوعیة في تقدمه وحیاته زواجه في عام 1839م من الأرملة الثرية وندهاوس لوسي التي كانت تكبره بحوالي 12 عاما وكانت قدراتها المالیة قد حررته من مشاكله المالیة وقلقه على وضعه المالي كما أنها بحبها السلیم ومشاعرها الفیاضة تجاهه قد أصبحت عون له في السیاسة وقد قالت على سبيل الفكاهة في سنواتها الأخیرة :"تزوج مني دزي لمالي ولكن لو توفرت له الفرصة ثانیة فإنه سوف یتزوجني حبا ".

وبعد زواجه ألقي دزرائیلي بعض الخطب العظیمة في البرلمان وأظهرت تلك الخطب قدراته ومقدرته العالية في التاثیر على سامعیه وكان في اوقات فراغه یكتب بعض الروايات منها روایته كونجسبي التي صدرت عام 1844م وسيبيل التي صدرت عام ١٨٤٥م وفيها تحدث عن أمتين في أمة واحدة إحداهما غنية والثانية فقيرة وكان ذلك هو الأساس الذي بنى عليه مبادئه فكان يرى أن السادة أصحاب الأراضي كان لهم حلفاء طبيعيون من الطبقات الفقيرة الكادحة يقفون معهم ضد عدوهم المشترك من أفراد الطبقة المتوسطة من أثرياء الصناعة ولذلك فقد كانت لسياسة دزرائيلي ثلاث أهداف جوهرية هي الإصلاح الإجتماعي لصالح العمال وملكية شعبية قوية تكون رمزا يتطلعون إليه وسياسة خارجية حازمة لتكسبهم إعتزازا بوطنهم وقد إشتهرتا هاتان الروایتان في جمیع أنحاء العالم وترجمتا إلي العديد من اللغات كما أن كلتاهما كانتا قیمتین لأنهما واقعیتان وفیهما صورة واضحة للحیاة الإجتماعیة في ذلك العصر كما أن هاتین الروایتین قد أظهرتا أمراضا إجتماعیة وسیاسیة في ذلك الوقت وأرشدتا إلي مفاهیم خلاصتها أن الأرستقراطیين المحافظين یجب ان یقودوا الإصلاح الاجتماعي وبالتالي حشد الجماهیر خلفهم مع إحترام المؤسسات البريطانية التقلیدیة مثل التاج والنبالة والكنيسة الإنجليزية.

وفي عام 1846م لاحت الفرصة أمام بنيامين دزرائيلي في الوقت الذي دار فيه الجدل حول قانون الحبوب في بريطانيا في العام المذكور وقام بإلقاء سلسلة من الخطب الرائعة هاجم فيها رئيس وزراء بريطانيا في ذلك الوقت روبرت بيل وجعل من نفسه زعيما لجماعة الحماية التي كانت تعارض إلغاء قانون الذرة وكان مجلس العموم يغص بالأعضاء لمجرد سريان إشاعة بأنه سيتكلم وهكذا فعندما إنفصل أنصار روبرت بيل من حزب المحافظين وجد دزرائيلي نفسه الزعيم الفعلي للحزب بالرغم من أن الزعيمين الرسميين كانا جورج بنتنك في مجلس العموم وإدوارد سميث ستانلي المعروف بإسم اللورد دربي في مجلس اللوردات غير أن الحزب الذي كان يسيطر عليه دزرائيلي لم يعد سوى شبح لما كان عليه في الماضي حيث كان حزب الأحرار في الحكم وبدا كأنه سيظل به إلى الأبد كما أن كل الأسماء اللامعة في الحياة السياسية في ذلك الوقت كانت تقف ضد حزب المحافظين ومن ثم بدأ دزرائيلي في مسيرة تعد بحق عملا خارقا قام به بوضعه سياسة للجماعة الصغيرة التي يتزعمها وجعل نفسه زعيما لها وإستطاع أن يحرز بها الفوز في الإنتخابات العامة في عام 1846م ثم قضى العشرين عاما التالية أي حتي عام 1866م في تلقين الحزب والبلاد مبادئ ديموقراطية حزب المحافظين .

ولم تهتز عزیمة دزرائیلي أو تتوانى خلال هذه السنين من أجل إجراء إصلاح دیموقراطي وفي شهر فبراير عام 1852م أصبح وزیرا للخزانة في وزارة محافظة كان یرأسها إدوارد سميث ستانلي أو اللورد دربي كما أصبح رئیسا لمجلس العموم وزعیم أكبر كتلة برلمانية حزبیة في المجلس إلا أن خطب دزرائیلي عن المیزانیة كانت غير مقنعة كما أنها إحتوت على الكثیر من الأرقام والتناقضات وعلاوة علي ذلك فقد كان مجال إختصاص دزرائیلي بعيدا عن المجال المالي ومن ثم فقد كانت خبرته في هذا الميدان قليلة ولذا فقد فشلت سياسته المالية فشلا ذريعا وكان ذلك سبباً في سقوط الحكومة في شهر ديسمبر من العام ذاته إلا أن شخصية دزرائيلي وبلاغته قد فتنت الملكة فيكتوريا خاصة عندما أطرى عليها بعبارة من منا لا يحب المدح وعندما يتعلق الأمر بالملكية فلا ينبغي علينا نحن الكتاب يا سيدتى أن نأخذ في الحسبان أي إعتبار ومن يومها صار دزرائيلي السياسي المفضل لديها وصاحب الحظوة دونا عن باقي السياسيين وفي شهر أبريل عام 1857م وردا على إنتصار بالميرستون في الإنتخابات تبنى دزرائیلي تيارا إصلاحيا بوصفه الوسیلة الممكنة لإستعادة حقوق حزب المحافظین فكتب الى اللورد دربي مذكرة بإقتراحاته الإصلاحية عارضا عليه إثارة المسألة في مجلس العموم إلا أنه لم یقتنع بما عرضه عليه دزرائیلي من مقترحات فما كان من دزرائیلي إلا أن أعد مذكرة أخرى عن الإصلاح بین فیها أنه یجب على المحافظین تقدیم مشروع عادل ومنصف للإصلاح فيما يتعلق بنظام الانتخابات وعرضه علي مجلس العموم بيد أن كل ماطرحه لم یلق الموافقة أوالقبول بل جلب الإستنكار والإمتعاض وعدم الرضا من قبل العدید من الأطراف سواءً كانت أحزاب سياسية أو شخصیات وفي شهر فبراير عام 1858م وبعد مرور ستة أعوام أعيد إلي منصب وزير الخزانة في الوزارة الثانية لإدوارد سميث ستانلي والتي سقطت أيضا في شهر يونيو من العام التالي 1859م ثم عاد ثالثة إلى المنصب نفسه في الوزارة الثالثة والأخيرة لإدوارد سميث ستانلي في شهر يونيو عام 1866م وأخذ يعمل على إدخال بعض الإصلاحات الإنتخابية لتغيير صورة حزب المحافظين وفي عام 1867م تمكن دزرائيلي من إقرار لائحة إصلاح جدیدة كانت بمثابة إجراء إصلاحي كبير في مجال الدیموقراطیة السیاسیة في بريطانيا خلال القرن التاسع عشر الميلادى وذلك بعد أن أحس بأن هناك مطلبا شعبیا لتوسیع الدیموقراطیة وبات مقتنعا أن الفرصة قد سنحت لحزب المحافظين للتغلغل والإنتشار في صفوف الناس وأن هذه الفرصة یجب ألا تضیع إذا ما أراد الحزب تعزیز العلاقة بینه وبین المواطنین وفعلا إستطاع دزرائیلي توحید الأحرار والمحافظین في سن مرسوم عام 1867م والذي خرج بإسم الإصلاح البرلماني للعام المذكور والذي سمح لجمیع من یتملك مسكنا أن یدلى بصوته في الانتخابات العامة بغض النظر عن القیمة الحقیقیة للمسكن وكذلك سمح لجمیع مستأجرى المساكن الغير مؤثثة الذین یدفعون عنها ما قیمته عشرة جنیهات إسترلینیة أن يدلوا بأصواتهم أيضا وكان هذا الإصلاح سببا أساسيا في الواقع في تغيير مؤهلات وإتجاهات التصویت الى حد بعید بعد أن أعطى حق التصویت لكل فرد ذكر بالغ مقیم في بلدیة ویعیش في منزل كما أنه في نفس الوقت أعید توزیع المقاعد في مجلس العموم لصالح المدن الصناعیة الكبرى ومن ثم فبهذه اللائحة أصبح بإمكان الطبقة العمالیة في العدید من المدن التصویت في الإنتخابات العامة وقد أطلق دربي على هذه اللائحة قفزة في الظلام .

وعندما تنحى اللورد دربي عن رئاسة الوزارة بسبب سوء حالته الصحية في شهر فبراير عام 1868م خلفه دزرائيلي وقام بإلقاء خطبة طویلة في مجلس العموم البریطاني دعا فیها إلى التعاون من قبل كل الأطراف من اجل التوصل الى تسویة معتدلة ترضي الجمیع فرد علیه جلادستون قائلا إن اللیبرالیین لایتعهدون بالتعاون إلا إذا تیقنوا من أن الحكومة سوف تعمل على تبني سياسة إصلاحية فيها منافع للجمیع وفي غضون ذلك قدم العضو الأیرلندي الكاثولیكي ماجوایر طلبا الى مجلس العموم بتشكیل لجنة تأخذ على عاتقها دراسة الأوضاع الأیرلندیة المالیة وعلى أثر مناقشة هذا الطلب أعلن جلادستون أن الوقت قد حان لكي تعامل الكنیسة الأیرلندية وكأنها مؤسسة سیاسیة وأتبع ذلك بجملة مقترحات وافقت علیها أغلبیة المجلس ولما أدرك دزرائیلي أهمیة هذه المقترحات أعلن أنه حينما تعد الإجراءات الضروریة ستقوم الحكومة بإجراء إنتخابات عامة إلا أنه قد تم حل البرلمان في نهایة شهر يوليو عام 1868م وبالطبع شكل موضوع نزع الصفة الرسمیة عن الكنیسة واحدا من المواضیع المهمة التي شغلت الدوائر الإنتخابیة حيث إنقسمت البلاد الى قسمین الأغلبیة والتي فضلت جلادستون وحزب الأحرار والأقلیة والتي فضلت دزرائیلي وحزب المحافظين وعندما جرت الإنتخابات العامة في يوم 24 نوفمبر عام 1868م فاز حزب الأحرار بأغلبیة أصوات الناخبین الجدد البالغة ملیون ونصف المليون صوت حيث أن الناخبين الجدد كانوا لا يزالون يفضلون الأحرار على المحافظين ومن ثم خذلوا بنيامين دزرائيلي في الإنتخابات وقدم دزرائیلي إستقالته يوم 1 ديسمبر عام 1868م بعد أن أمضي في منصب رئيس الوزراء حوالي 10 شهور ومن ثم إستدعت الملكة فيكتوريا جلادستون وكلفته بتشكیل الوزارة الجديدة إلا أن هذه الوزارة قد بدأت تفقد شعبيتها تدريجيا وبحلول عام 1874م كانت قد فقدت القسم الأكبر من هذه الشعبية بسب الركود الاقتصادي الذى حل بالبلاد وكذلك سخط الطبقة العاملة على مرسوم النقابات العمالیة والإنتقادات الشعبیة الكثیرة لسیاسات الحكومة ولما رأى دزرائيلي مدى الضعف الذى وصلت إليه الحكومة القائمة إنتهز الفرصة لیسخر قائلا إنه عندما ینظر إلي أعضاء الحكومة عبر ممشى مجلس العموم إنما یتذكر تلك المشاهد التي تحدث في سواحل قارة أمریكا الجنوبیة حينما تنظر إلى سلسلة من البراكین الخامدة فلا تجد لهبة تترجرج في تلك القمم الشاحبة ولكن الوضع یظل خطرا فتهتز الأرض قلیلا وتسمع للبحر زمجرة الفینة بعد الفینة وقد ترتب علي ذلك كله أنه في الإنتخابات التي جرت في يوم 17 فبراير عام 1874م أن عكس المحافظون موقفهم في إنتخابات عام 1868م وفازوا بثقة الأغلبیة وبفارق من المقاعد على خصومهم الأحرار قوامه مائة مقعد ومن ثم قدم جلادستون إستقالته قبل إنعقاد البرلمان الجدید وتم تكليف دزرائيلي بتشكيل الوزارة الجديدة التي تولت مسؤولياتها في يوم 20 فبراير عام 1874م .

وبوصول دزرائيلي مرة أخرى إلي سدة الحكم بدا الرجل في وضع نظرياته وأفكاره السياسية موضع التنفيذ كما أنه إستطاع أن يخرج الملكة فيكتوريا من عزلتها التي كانت قد فرضتها علي نفسها بعد وفاة أمها وزوجها في عام 1861م ونادى بها إمبراطورة على الهند في عام 1875م عندما تمكن بدعم من آل روتشیلد الأثریاء الیهود من شراء أسهم الخدیوي إسماعیل حاكم مصر آنذاك في شركة قناة السويس على مسؤولیته الشخصیة فكان ذلك إیذانا بتطورات سیاسیة خطیرة ولصالح سیطرة بریطانیا على مصر مما منح بریطانیا مكانة كبیرة بفضل سیطرتها على الشریان الحیوي الذي یربط الشرق بالغرب ويقصر المسافة بينهما ومن ثم فبفضل قناة السویس زادت أهمیة الهند وهنا إقترح دزرائيلي علي الملكة فيكتوريا أن تضيف إلي ألقابها لقب إمبراطورة الهند وبالفعل حملت هذا اللقب بداية من يوم 1 يناير عام 1877م وألبسها لباس البطولة الوطنية الذي أصبحت تعرف بها كما أنه وطد معها صداقة فريدة من نوعها فكانت كثيرا ما تزوره وكان هو الوحيد الذي كانت تسمح له بالجلوس في حضرتها وبذلك نجح دزرائیلي في التعامل مع الملكة فيكتوریا علي الرغم من صعوبة ذلك بل بذل الكثیر لیحول العرش الى رمز للوطنیة البریطانیة وكان هدف حكومة دزرائيلي المعلن حينذاك ٍفي الداخل منح البلاد الهدوء والراحة وفي الخارج إتباع سیاسة خارجیة أكثر إتفاقا مع مقتضیات السمعة والمصالح البریطانیة وفي حقيقة الأمر كان دزرائیلي يعمل جاهدا من أجل إنعاش التقالید الإمبریالیة وأكد على الإتحاد بین بریطانیا وأیرلندا ورفض إعطاء أیة تنازلات بهذا الصدد ووصف الثوار والوطنیین الأیرلندیین بالمتمردین في الجزیرة وعلاوة علي ذلك فقد كان مشبعا بالأفكار الإستعماریة ففي أحد خطبه التي القاها في يوم 24 يونيو عام 1874م صرح بأن التوسع الإستعماري من المبادئ الرئیسیة لحزب المحافظین وكان مقتنعا بأن الظروف مواتیة حينذاك لكي تكون بریطانیا إمبراطوریتها حالها حال الإمبراطوریات الأخرى التي سیطرت على مناطق كثیرة من العالم وبالتالي إفساح المجال للإنجلیز للسيطرة علي مناطق كثيرة فيما وراء أعالي البحار كما كان دزرائیلي حریصا ومتحمسا خلال توليه رئاسة الوزارة في ذلك الوقت لتحسین الظروف المعيشیة للمواطنین ولذا فقد تم خلال عام 1875م تمریر الكثیر من اللوائح والقوانين من أجل تحسین أوضاع الطبقة العاملة والتي كان منها قانون الصحة العامة الذى ما يزال معمولا به حتي الآن ومرسوم إسكان العمال مما حسن الشروط والاوضاع السكنیة للعمال وكان يعد من أولي المحاولات الجادة من جانب الحكومة من أجل حل مشكلة إسكان الفقراء وأيضا تم إصدار مرسوم منع ملاك السفن من إرسال الملاحین في رحلات بحریة بواسطة سفن غیر مضمونة او غیر آمنة بل وصدرت مراسیم زادت من سلطات النقابات العمالیة كما صدر مرسوم المصنع الذي حدد ساعات العمل الأسبوعية لعمال القطن وبذلك وصفت حكومة دزرائيلي بأنها حكومة وطنیة متطرفة بل وحتى أمكن وصفها بالتعصب او الشوفینیة وعلاوة علي ذلك تم أيضا إصدار قانون الألقاب الملكیة عام 1876م وفي نفس العام رقي بنيامين دزرائیلي الى لقب لورد أوف بكنسفیلد إعتبارا من يوم 1 أغسطس عام 1876م .

وكان من الأحداث الهامة التي وقعت في خلال عام 1875م اثناء شغل دزرائيلي لمنصب رئيس الوزراء في بريطانيا ثورة الصرب الأرثوذكس من سكان البوسنة والهرسك على الدولة العثمانية التي كانت تتبعها صربيا في ذلك الوقت وكانت الإجراءات التي إتخذتها الدولة العثمانية لسحق الثوار قد أثارت شعورا قويا مضادا لها في البرلمان البريطاني ولكن دزرائيلي حاول أن يحتفظ بالرأي العام في جانب الدولة العثمانية وعبر عن تلك الإجراءات بأنها مجرد ثرثرة مقاهي لكن الموقف ظل يزداد تأزما إلى أن أعلنت روسيا الحرب على الدولة العثمانية في عام 1877م بسبب تطلعاتها لإسترداد الأراضي التي خسرتها أثناء حرب القرم معيدةً نفسها للبحر الأسود ودعمها للحركة السياسية الساعية لتحرير دول منطقة البلقان من الحكم العثماني ودارت عدة معارك بين الدولة العثمانية وروسيا في منطقتي البلقان والقوقاز وأيد دزرائيلي خلالها الدولة العثمانية وكان موقفه المضاد للروس هذا ینبع من إعتقاده أن السلطان العثماني عبد الحمید الثاني یظهر قدرا من التسامح مع الیهود في حین مال جلادستون غریمه إلى الشعوب البلقانیة الصغیرة في بلغاریا والیونان والسلاف الذین كانوا یتطلعون إلى الإستقلال بعد طول خضوعهم للعثمانیین وقد ندد جلادستون في كراس مشهور عنوانهٍ الرعب البلغاري ومسألة الشرق بالأتراك وحكومة دزرائیلي وطالبها بالتوقف عن مساندة الدولة العثمانیة كما تعرض دزرائیلي إلى إنتقادات شدیدة حيث إنتقدته الأرستقراطیة البریطانیة بسبب تحدیده للسیاسة الخارجیة البریطانیة تجاه الدول المختلفة على ضوء موقف هذه الدول من الیهود وقد جعل هذا الأمر العلاقات بین دزرائیلي وجلادستون أكثر تعقیدا حتى أن دزرائیلي وصف جلادستون بأنه أسوأ من أي رعب بلغاري وفي واقع الأمر فإن الإختلافات بین الرجلین خلقت شرخا قویا في المشاعر التي تقوم على الكره والبغض وعدم الثقة بینهما ولم یكن أحدهما یتردد في إظهار مشاعر العداء ضد الآخر كما كان كل منهما يتحين الفرصة لكي يهاجم الآخر هجوما شرسا وقد إنتهت الحرب الروسية العثمانية بنوقيع معاهدة سان ستيفانو والتي تم توقيعها في يوم 3 مارس عام 1878م في ضاحية سان ستيفانو التي تقع غرب العاصمة العثمانية إسطنبول علي الجانب الأوروبي من بحر مرمرة بتركيا وقد جاءت هذه المعاهدة لتتزامن مع مناسبة تذكارية حين أصبح الإسكندر الثاني إمبراطور روسيا في يوم 2 مارس عام 1855م وتعد هذه المعاهدة من المعاهدات المهمة في تاريخ الدولة العثمانية حيث أنها فرضت علي العثمانيين المهزومين أمام روسيا إدخال إصلاحات جوهرية على أوضاع المسيحيين في الدولة العثمانية خاصة في ممتلكاتها بقارة أوروبا وهو ما عني حقوقا وإمتيازات عديدة تم منحها للأقليات المسيحية التي تسكن بهذه الممتلكات لا تتمتع بها الأغلبية المسلمة وكان ذلك يشير إلى رغبة الدول الأوروبية في تفجير وإسقاط الدولة العثمانية من الداخل بعد إضعافها للغاية في المحيط الدولي بحيث تمثل رجل أوروبا المريض الذي ينتظر الجميع موته لتقسيم تركته الكبيرة عليهم .

وكان من نتائج هذه المعاهدة حصول إمارة الصرب على إستقلالها مع إضافة بعض الأراضي الجديدة إليها وحصول كل من دولتي رومانيا والجبل الأسود علي إستقلالهما أيضا علاوة علي حصول بلغاريا على إستقلال ذاتي إداري مع دفع بلغاريا مبلغا من المال سنويا للدولة العثمانية وعلي أن يكون موظفو الدولة في بلغاريا والجند من النصارى فقط وأن يخلي العثمانيون جنودهم منها نهائيا ومن ثم ظهرت دولة بلغاريا بعد ما يقرب من خمسة قرون من الهيمنة العثمانية حيث أُعيد تأسيس الدولة البلغارية في إمارة بلغاريا وبحيث تضم الأراضي الواقعة بين نهر الدانوب وجبال البلقان بإستثناء دبروجة الشمالية التي أعطيت لرومانيا فضلاً عن منطقة صوفيا والتي أصبحت عاصمة للدولة الجديدة والتي أصبحت تحت توجيه الدولة الروسية وموالية لها وبذلك أصبحت هذه الدولة مخلب قط لروسيا حيث تعاونت كل من بلغاريا وروسيا معا فيما بعد على الإجهاز على الدولة العثمانية كما كان بالإضافة إلي ما سبق أن نصت هذه المعاهدة المجحفة للدولة العثمانية أن تقوم بدفع غرامة حربية قدرها 250 مليون ليرة ذهبية لروسيا مع إمكانية أن تتسلم روسيا أراضي خاضعة للعثمانيين بدلا من هذه الغرامة وأن تبقي تبقى مضايق البوسفور والدردنيل مفتوحة لروسيا وقت السلم والحرب وقد أدت كل هذه المكاسب التي حصلت عليها روسيا بموجب هذه المعاهدة أن أصبح التوازن الدولي في المنطقة لصالح روسيا بشكل حاد وخطير وبما يهدد الأمن القومي لباقي دول أوروبا خاصة بريطانيا والمانيا مما أدى إلي إثارة قلق وإنزعاج هذه الدول ومن ثم أصبحت أوروبا على وشك حرب أوروبية كبرى وهنا شعر دزرائيلي بخطورة الموقف وطالب بتعديل معاهدة سان ستيفانو ولو أدى ذلك لدخول بريطانيا الحرب ومن جانب آخر أدرك السلطان العثماني عبد الحميد الثاني بدهائه السياسي حجم وطبيعة التناقض في المصالح بين الدول الغربية وسعى من خلال هذا التناقض إلى العمل على هدم معاهدة سان ستيفانو إعتمادا على اللجوء إلى أقل الضررين وبنى موقفه السياسي وتحركه على أن بريطانيا هي أقرب الدول إليه في هذه المرحلة ولذا سعى لتنسيق أموره معها ومن ثم أعطى بريطانيا لواء قبرص مقابل دعمها له وكانت قبرص مهمة لبريطانيا في تدعيم وجودها في غرب ووسط البحر المتوسط ومن ثم تم عقد مؤتمر في برلين برئاسة المستشار الألماني المحنك أوتو فون بسمارك في يوم 13 يوليو عام 1878م وحضرته الدول الأوروبية الكبرى ولم يعط المؤتمر روسيا إلا النزر اليسير مما نصت عليه معاهدة سان ستيفانو ويعتبر هذا المؤتمر من آخر الإتفاقيات التي عدلت الحدود الجغرافية السياسية لبعض دول أوروبا في القرن التاسع عشر الميلادى وأطال عمر الدولة العثمانية 45 عاما بدلا من معاهدة سان ستيفانو التي كانت تسعى لوضع نهاية سريعة للخلافة العثمانية وقد إستمر مؤتمر برلين 31 يوما عقدت خلاله 20 جلسة وإحتوى على 64 مادة أجبرت الدولة العثمانية على إجراء إصلاحات في الأناضول الشرقية لصالح الأرمن وفي عدد من المناطق في البلقان وبذلك عاد بنيامين دزرائيلي إلى إنجلترا وهو يحمل ما أسماه بالسلام المشرف .

وفي نفس عام مؤتمر برلين 1878م قامت الحرب الإنجليزية الأفغانية الثانية والتي وقعت بين بريطانيا وإمارة أفغانستان وإستمرت قرابة عامين أي حتي عام 1880م وهي الفترة التي حكم فيها أفغانستان شير علي خان الذي ينتمي للعائلة البركزاية التي حكمت أفغانستان ما بين عام 1826م وعام 1973م وكان السبب في قيام هذه الحرب تحوله عن صداقته للبريطانيين وإنشاء علاقات ودية مع روسيا وكانت هذه هي الحرب الثانية التي تشنها بريطانيا علي أفغانستان حيث كانت قد دارت بينهما في السابق حرب عرفت بالحرب الإنجليزية الأفغانية الأولي بين عام 1838م وعام 1842م والتي تعرضت خلالها بريطانيا للهزيمة أما هذه الحرب الثانية فقد إنتهت بإنتصار بريطانيا وفرار شير علي خان ومع أن الأفغان قد إحتفظوا بالسيادة الداخلية علي بلادهم لكنهم تخلوا عن المناطق الحدودية المختلفة كما تولى البريطانيون إدارة العلاقات الخارجية للبلاد وفي العام التالي 1879م نشبت حرب أخرى بين بريطانيا وبين شعب الزولو بجنوب أفريقيا سميت الحرب الإنجليزية الزولوية ويتفق معظم المؤرخين على أن البريطانيين قاموا بإشعال هذه الحرب في منطقة جنوب أفريقيا ليكسروا شوكة إستقلال شعب الزولو الذى كان يسكن هذه المنطقة حيث أراد اللورد كارنارفون وزير المستعمرات البريطانية في حكومة بنيامين دزرائيلي أن يسحق قوة الزولو حتى يتمكن البريطانيون من توحيد دويلات جنوب أفريقيا المنفصلة في إتحاد قوي ومتماسك وكانت هذه الحرب حرب قصيرة إلا أنها كانت ذات آثار كبيرة على كل من جنوب أفريقيا وعلي الإمبراطورية البريطانية لأن البريطانيين خسروا عدة معارك خلال هذه الحرب وتم تمحيص هذه الضربات التي تلقتها العسكرية البريطانية بإهتمام متأن في قارة أوروبا حيث كانت بعض الدول تتطلع إلى تحدي قوة الإمبراطورية البريطانية وتعود أسباب هذه الحرب إلي أنه في بداية السبعينيات من القرن التاسع عشر الميلادى أصبح سيتشوايو ملكًا على شعب الزولو وقد حاول أن يحافظ على علاقة سلمية مع جيرانه إلا أنه كان عازما على حفظ إحترام شعبه وكرامته وكان يملك جيشًا قويا قادرا على حماية مملكته وبعد أن إحتل البريطانيون إقليم الترانسفال عام 1877م وهو مقاطعة كانت تقع في شمال شرق جنوب أفريقيا بين نهر ليمبوبو من الشمال والغرب والذي يمثل الحدود بين دولتي زيمبابوي وبوتسوانا حاليا ونهر فال من الجنوب وفي شرقها تقع موزمبيق وسوازيلاند الحاليتين وأصبح البريطانيون قلقين من وجود مملكة مستقلة للزولو على حدود هذه المقاطعة ومن ثم إعترض سيتشوايو على حدود الترانسفال الجديدة ودعمت لجنة حدود المستعمرات إدعاءاته إلا أن الحاكم العام البريطاني السير هنري بارتل فرير كان عازما على تدمير سلطان الزولو وفي عام 1878م بعد الشكاوي حول عادات وممارسات الزولو أرسل فرير إنذارًا إلى سيتشوايو مطالبا فيه بأن يوافق ملك الزولو على شروط تعني عمليا تخلي الزولو عن إستقلالهم وحاول سيتشوايو أن يلبي معظم المطالب قبل إنقضاء أمد الإنذار لكن قبل إنتهاء الإنذار تقدمت القوات البريطانية إلى حدود الزولو حيث كانوا يعتزمون شن هجوم ثلاثي الإتجاهات على أولندي عاصمة الزولو وفي مستعمرة ناتال البريطانية التي تقع شرقي جنوب أفريقيا علي ساحل المحيط الهندى حاول مناصرو سيتشوايو بلا طائل إيقاف الإشتباك الوشيك كما حذر الخبراء العسكريون من أن الغزو سئ التوقيت بسبب الأمطار الصيفية لكن في شهر يناير من عام 1879م عبرت القوات البريطانية حدود المنطقة التي يسكنها شعب الزولو ويتمركزون بها والتي كان يطلق عليها الزولولاند وتم إيقاف تقدم البريطانيين من كل إتجاه بعد تعرضهم لخسائر فادحة ولم يصمد من القوات البريطانية إلا قوة بريطانية صغيرة في مواجهة 4 آلاف من الزولو مما ساعد جزئيا على حفظ السمعة العسكرية البريطانية وقد منحت الملكة فيكتوريا 11 ميدالية بسالة لهذا العمل وتراجعت القوات البريطانية المدحورة إلى ناتال لإعادة التجمع وإستدعاء تعزيزات وقام المستوطنون المصابون بالهلع في ناتال والترانسفال ببناء دفاعاتهم وعبرت الحكومة البريطانية عن إستيائها لغزو أرض الزولو وفقدان الرجال والمعدات إلا أن قائد القوات البريطانية اللورد تشلمسفورد كان عازما على إستعادة سمعته فشن هجومًا ثانيًا عام 1879م وكان سيتشوايو يأمل في التفاوض للتوصل لإتفاقية سلام مع البريطانيين خاصة وأن الزولو لم يتمكنوا من حصاد محاصيلهم وفي شهر يونيو عام 1879م إستطاعت القوات البريطانية أن تدحر جيش الزولو في معركة أولندي وفر سيتشوايو وتم أسره فيما بعد وتم خلعه ثم نفي من بلده وبموجب التسوية التي تمت بين الطرفين جردت العائلة المالكة من مواشيهم وأرضهم وثرواتهم وقسمت أرض الزولو نفسها إلى 13 مشيخة وفيما بعد في عام 1883م إنهارت هذه التسوية وإستحوذ سيتشوايو على سلطان محدود مرة أخرى علي قبائل الزولو إلا أنه توفي في العام التالي 1884م وقامت حرب أهلية بسرعة بين قبائل شعب الزولو مما أدى إلي دمار مملكتهم وفي عام 1887م وضعت بريطانيا المنطقة كلها تحت الحماية ثم ضمتها بعد عشر سنوات إلى مستعمرة ناتال البريطانية .

وفي نفس العام الذى هزمت فيه القوات البريطانية قبائل الزولو 1879م واجهت البلاد ضائقة زراعیة شدیدة وكان ذلك الموسم هو الأسوآ في تاریخ البلاد كما إضمحلت التجارة وهبط المیزان التجارى مما تسبب في تعطيل وشل الحركة الاقتصادية في البلاد فضلا عن الركود الصناعي وتعطيل نشاط الحكومة من قبل حزب الحكم الذاتي لأیرلندا إضافة إلى التراجعات والخسائر التي خسرتها بريطانيا في أفغانستان وجنوب أفريقيا مما تسبب في حدوث العديد من الإضطربات في أنحاء البلاد ومما زاد من الضغط علي حكومة دزرائيلي القائمة حينذاك تشهیر جلادستون بالحكومة صراحة بسبب سیاساتها الإستعماریة وسیاساتها الداخلیة على حد السواء في سلسلة من الخطب التي ألقاها على الناخبين وقد أدت كل هذه العوامل بالتالي إلى هزیمة حزب المحافظین وزعیمه دزرائیلي في الإنتخابات التي أجريت في أوائل عام 1880م وذلك علي الرغم من أن دزرائیلي كان یعتقد بأن عودته من مؤتمر برلین بالسلام المشرف كما أعلن وحصول بريطانيا علي إدارة شئون قبرص بعد الإتفاق مع الدولة العثمانية وإعلانه أنه قد أعاد السلام مع الشرق مما زاد من محبة الشعب له والتي بلغت حدا لایوصف في يوم عودته من هذا المؤتمر والذى إستقبل فيه إستقبالا حاشدا قل نظیره أن كل ذلك سيكون عاملا حاسما في فوزه في الإنتخابات العامة ولكن أتت الرياح بما لا تشتهي السفن وخسر الإنتخابات وبالتالي إضطر إلي تقديم إستقالته إلى الملكة فيكتوریا في يوم 12 أبريل عام 1880م وكانت الملكة متألمة لهذه النتیجة لما تكنه من ود عظیم وكبیر لدزرائیلي وبغض لجلادستون لكنها لم تجد مفرا من تكلیف هذا الأخير بتشكيل الوزارة ومن ثم توارى دزرائيلي إلي الظل وإعتزل الحياة السياسية ومرت الأشهر التالیة للإنتخابات عليه وقد ساءت حاله في جمیع النواحي النفسیة والصحیة وعاش آخر أيامه في حالة یرثى لها من الشعور بالهزیمة والإنكسار والإحباط إضافة إلى الوهن الصحي والتدهور السریع في قدراته البدنیة حتى حان أجله المحتوم في یوم 19 من شهر أبريل عام 1881م عن عمر يناهز 77 عاما بعد حوالي عام من خروجه من رئاسة مجلس الوزراء ولتنتهي بذلك حیاة واحد من الرجال العظام الذین خلدهم التاریخ البریطاني بما كان له من دور كبير في السياسة البريطانية وتوجهاتها خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر الميلادى وبما تركه من بصمات واضحة في مستقبل الإمبراطوریة البریطانیة ومستعمراتها المترامیة الأطراف في جميع قارات الدنيا وقام رئیس الوزراء جلادستون بإسم الحكومة البریطانیة بتنظيم جنازة رسمية مهيبة له كما قدم مدفنا في كنيسة ويستمنسر إلا انه دفن في هوجهدن إلى جانب زوجته طبقا لوصیته ولما سمعت الملكة فيكتوريا بنبأ وفاته حزنت حزنا شديدا ولم تكن وقتذاك موجودة في لندن إلا أنها فور عودتها أبت إلا أن تذهب إلى قبره مشیا على الأقدام ووضعت إكليل من الزهور عليه وحزنت حزنا شديدا لوفاته حيث أنها قد خسرت بوفاة دزرائیلي رجلا وقف معها ودعمها وساندها وكان قریبا جدا من مشاعرها ومواقفها لذلك طلبت أن يتم تشييد مقبرة له علي نفقتها الخاصة وأن يتم حفر كلمات رثاء عليها كان نصها قدمت هذا الضریح تخلیدا لذكرى بنیامین كونت بیكونسفیلد العزيزة المكرمة أنا إمبراطورته العارفة لجمیله وصدیقته فيكتوریا ملكة وإمبراطورة بريطانيا وإن الملوك یحبون الذي یتكلم بالحق وكانت هذه اللفتة وتلك الكلمات من جانب الملكة أعظم تكریم في تاريخ بريطانيا یناله رئیس وزراء عند وفاته من ملكة حتى الآن .

 
 
الصور :