abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool الرئيسية abou-alhool
بانوراما
فرعونيات
بلاد وشركات
الحدث السياحي
سحر الشرق
سياحة وإستشفاء
أم الدنيا
حج وعمرة
أعمدة ثابتة
درجات الحرارة
اسعار العملات
abou-alhool
جاردن سيتى تروى أسرار الحرب العالمية الثانية
جاردن سيتى تروى أسرار الحرب العالمية الثانية
عدد : 05-2020
بقلم المهندس/ فاروق شرف
استشارى ترميم الاثار

عمارة Grey Pillars فى10 شارع الطلمبات (حاليًا شارع اتحاد المحامين العرب) بحى جاردن سيتى، فى يوم من الأيام كان مقرًّا لإدارة الحرب العالمية الثانية، والمبنى عمارة ضخمة مُكوَّنة من بضعة طوابق يُحيط بها حديقة وسور، وقبوُها الآن هو كافيه Room art space&Cafe، والعمارة مبنية على الطابع الأوروبى مثل معظم المبانى القديمة المتبقية فى حى جاردن سيتى، وعلى الرغم من تشابه المبنى مع أقرانه من المبانى القديمة فى المنطقة، فإن العمارة رقم 10 كان لها وضع خاص أثناء الحرب العالمية الثانية، التى لاتزال أحداثها وأسرارها تُشغل بال الباحثين والسياسيين والسينمائيين.

ورغم أن مصر لم تكن لها فى الحرب العامية الثانية لا ناقة ولا جمل، فإن شوارعها وميادينها ومبانيها كانت شاهدةً على مجريات أحداث كتبت تاريخ هذه الحرب، وجاء فى كتاب Cairo in the war: 1939-1945 (القاهرة أثناء الحرب: 1939-1945) للكاتبة الإنجليزية آرتميس كوبر، أن القاهرة شهدت وجود أهم الشخصيات المؤثرة على مجريات الحرب وشهدت انعقاد اتفاقات مهمة، وأحداثًا مُثيرةً.
وجاء فى كتاب The deceivers: Allied Military Deception in the Second World War (مخادعون: خداع قوات الحلفاء فى الحرب العالمية الثانية) وصفٌ دقيقٌ لأماكن تمركُز قوات الجيش الإنجليزى فى القاهرة إبان الحرب العالمية الثانية، فكان جزء كبير منهم متحصنًا بقلعة محمد على باشا، وجزء أصغر كان موجودًا بثكنات قريبة من كوبرى قصر النيل، أما بالنسبة لمقر قيادة قوات الشرق الأوسط فكان فى عمارة حديثة (بالحديث عن وقت الحرب العالمية الثانية) تُسمَّى Grey Pillars، أو الأعمدة الرمادية، أسوةً بأعمدة المعابد الرومانية القديمة، وأنها تقع على بُعد نصف ميل جنوب ثكنات قصر النيل فى منطقة سكنية عامرة بالحدائق والأشجار تُسمَّى جاردن سيتى، وعلى الرغم من عمليات الهدم الوحشية المتكررة على التراث المعمارى فى مصر، فإن عمارة Grey pillars نجت من هذه الهجمة ولا يُؤنس وحشتها سوى بعض قريناتها من الفيلات والعمارات القديمة، وعندما تطأ قدماك مدخل هذه العمارة ستنسى أنك فى القاهرة المزدحمة الخانقة وستشعر أنك دخلت أحد أفلام الأبيض والأسود بأصالته وجماله، وعند مدخل العمارة عُلِّقت لافتةٌ تُؤرِّخ لوزراء الدولة للمُستعمرات البريطانية بالعمارة وقت الحرب العالمية الثانية.

وذكر الكتاب أيضًا أن أوَّل مقر للحرب لتمركُز القوات البريطانية فى مصر كان فى فندق سميراميس (القديم، وليس الحالى)، وأنه كان فندقًا مهيبًا وكئيبًا على الطراز الإدواردى (نسبةً إلى الطابع المعمارى الخاص بفترة ملك بريطانيا إدوارد السابع)، وكان يطلُّ على ضفاف النيل، وظلَّ الفندق مقرًّا لتمركُز القوات البريطانية فى مصر فى حين انتقلت إدارة الحرب إلى مبنى جديد سُمِّى بالأعمدة الرمادية (Grey Pillars).

وعندما تقترب من مدخل العمارة تجد لوحةً دائريةً لونها أزرق مكتوبًا عليها بالإنجليزية «مقر وزراء الدولة البريطانية فى الشرق الأوسط؛ أوليفير ليتليتون 1941، وريتشارد كاسى 1942، ولورد موين 1944»، ويُعتبر موين أشهر من سكن تلك العمارة من بين الوزراء الثلاثة؛ وقد تم اغتياله فى عام 1944 من قبل اثنين من اليهود من أفراد عصابة «لِيْحى» (المقاتلون من أجل حرية إسرائيل)؛ لما كان للورد موين من مواقف رآها اليهود وقتها عدائيةً لهم، وقد تم تقديم حادثة اغتيال اللورد موين فى فيلم «جريمة فى الحى الهادئ» عام 1967، وكان من بطولة رشدى أباظة، ونادية لطفى، وزوزو نبيل.

ومنصب وزير الدولة لشئون الشرق الأوسط تمَّ استحداثُه وقت الحرب لغرض مُعيَّن، فقد كانت هناك فى ذلك الوقت مشكلة فى الهيكل الإدارى بين الـGHQ (المسئول عن مكتب الحرب فى القاهرة) من جانب، والسفارة البريطانية المسئولة عن وزارة الخارجية وشئونها من جانب آخر، إذ إن الاثنين كانا مسئولين عن مجلس الحرب وظهرت الحاجة المُلحَّة لشخص «سوبر مان» (كما ذُكر فى الكتاب عن وثائق رسمية) ذات رُتبة عالية يتولَّى تنظيم أولويات العمل المتأرجحة بين الإدارتين الدبلوماسية والعسكرية، ونُقلت الفكرة إلى ونستون تشرشل بهذا الشأن، ولكنه لم يتخذ أى إجراء إلا بعد أن راسله ابنه راندولف بهذا الشأن، وكان أوَّل من عيَّنهم تشرشل فى منصب وزير شئون الشرق الأوسط أوليفير ليتليتون.

ومن أهم الأشياء التى شهدتها جدران Grey pillars النميمة السياسية؛ فمثلاً عندما كان السير مايلز لامبسون السفير البريطانى يُريد التخلُّص من على ماهر باشا، وكان يُحاول التجسُّس على أخبار رئاسة الوزراء المصرية، فكان يُفاجأ بأن على ماهر باشا كان على اطِّلاع كبير بما يدور داخل جدران مقر إدارة الحرب GHQ بشكل أكثر بكثير مما يعرفه سير لامبسون عن على ماهر باشا.

واهتمَّ كتاب «القاهرة أثناء الحرب: 1939-1945» بتفاصيل وجود الإنجليز فى مصر وقت الحرب العالمية الثانية، وذكر مكانين مهمين مثَّلا بشكل كبير قُدسية حياة الإنجليز فى القاهرة؛ الأول كانت كاتدرائية كل القديسين Cathedral of all saints (وهى كنيسة غير الموجودة بالزمالك التى أنشئت عام 1988؛ فكنيسة كل القديسين القديمة كانت تقع بالقرب من المتحف المصرى بالتحرير، وكانت أنشئت فى 1878، وتم تجديدها فى الثلاثينات، وتم هدمها بعد ذلك لإنشاء كوبرى 6 أكتوبر)، والمكان الثانى هو السفارة البريطانية بجاردن سيتى.

وذُكر فى أوَّل الكتاب قدوم الكابتن جوردون واترفيلد أوَّل ضابط إنجليزى يحضر إلى مصر بعد قصف لندن، وكان يريد أن يُعلم قومه بالقاهرة (عن طريق الإذاعة) عن أحوال بلادهم، وما لحق بها من دمار، وما وقع بسكانها من مآسٍ، خصوصًا أنه رأى أن الإنجليز فى القاهرة كانوا ينعمون بوفرة وجود الأكل الفاخر والاستمتاع بكل وسائل الترفيه وكأن الحرب بشكل ما لا تعنيهم، ولكن كان للعميد إريك شيرير، مدير المخابرات الحربية بالقاهرة، رأىٌ مُخالفٌ بحجة أنه لا يريد للضباط والجنود البريطانيين الموجودين بالقاهرة أن تهبط عزيمتهم بعد أن يعرفوا الأحوال السيئة التى يمر بها ذووهم بلندن، ولكن كشف آتميس كوبر فى الكتاب عن أن السبب الحقيقى كان أن إريك شيرير لم يكن يريد أن ينشر انطباعًا سيئًا عن أحوال إنجلترا فى الحرب فى الأوساط المصرية حتى لا يتأذَّى موقف المحتل البريطانى فى مصر، وحتى لا تهتز صورتهم القوية فى مصر وتعى السلطات المصرية بضعف موقفهم؛ فيتوقَّف الدعم الاقتصادى الذى كان متوفرًا لإنجلترا من دول الشرق الأوسط وقت الحرب، وذكر أيضًا أن الجنود الإنجليز كانوا أطلقوا لقب Wogs (اختصارًا لـWorking On government Services؛ أى يعمل فى الخدمات الحكومية) على الموظفين المصريين؛ لأنهم اعتبروهم صورة شرقية سخيفة من الجنتلمان (الرجل النبيل)، وكانت هذه الكلمة تُستخدم للتعبير عن الإهانة للموظف المصرى.

ومع قدوم كثير من الجنود البريطانيين من ليبيا فى صيف عام 1941 إلى القاهرة كانوا كثيرًا ما يسكرون، وذُكر فى الكتاب أنهم كثيرًا ما كانوا يلعبون لعبة «الطربوش» بحيث يتبارون فيما بينهم من منهم سيصطاد أكبر عدد من طرابيش المصريين الذين يسيرون فى الشارع فى مدة عشرين دقيقة، وكذلك كثيرًا ما كان العساكر الإنجليز يختطفون سائقى أجرة بسياراتهم ويأمرونهم بأن يُوصِّلوهم أو أن يطوفوا بهم الشوارع، وكثيرا ما كانوا ينهالون على هؤلاء المصريين بالضرب ويستولون على نقودهم، حتى احتجَّ سائقو سيارات الأجرة فى القاهرة وطالبوا بأخذ حقهم (العين بالعين)، وهذا شىء لم يستسغه كبار المسئولين الإنجليز، حيث إن أيًّا من هذه الحوادث لم يتم نشرها فى الصحف التى كانت فقط تُظهر العساكر البريطانيين وهم يلهون ويضحكون أثناء وجودهم فى مصر.

وكان هناك وجهٌ قبيحٌ داخل قوات الإنجليز أنفسهم؛ فكان هناك تفريق فى المُعاملة بين الضباط والجنود البسطاء الذين لم يتمتعوا بنفس الامتيازات التى كانت للضباط من ارتياد فنادق مثل شيبرد، والكونتيننتال، أو نادى الجزيرة، حتى إنه كان هناك جنود كانوا أثرياء فى بلادهم والتحقوا بالجيش تطوُّعًا لخدمة بلادهم فى الحرب، وكانوا مُستائين من حرمانهم من التَّمتُّع بهذه المُتع، وتفكَّكت هذه القيود قليلاً عنهم بوصول الجنود الأمريكيين إلى القاهرة.

العمارة مبنية على الطراز الأوروبى مثل معظم المبانى القديمة بجاردن سيتى، وشهدت وجود أهم الشخصيات المؤثرة فى مجريات الحرب العالمية الثانية

عندما تقترب من مدخل العمارة تجد لوحةً دائريةً لونها أزرق مكتوبًا عليها بالإنجليزية «مقر وزراء الدولة البريطانية فى الشرق الأوسط