abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool الرئيسية abou-alhool
بانوراما
فرعونيات
بلاد وشركات
الحدث السياحي
سحر الشرق
سياحة وإستشفاء
أم الدنيا
حج وعمرة
أعمدة ثابتة
درجات الحرارة
اسعار العملات
abou-alhool
قناة السويس الجديدة
 قناة السويس الجديدة
عدد : 07-2020
بقلم المهندس/ طارق بدراوى


تعود فكرة مشروع قناة السويس الجديدة لنهاية السبعينيات من القرن العشرين الماضي عندما طرحه المهندس حسب الله الكفراوي وزير الإسكان والتعمير حينها على الرئيس الراحل أنور السادات لكن المشروع لم يخرج للنور ثم أعيد طرح المشروع على الرئيس الأسبق الراحل حسني مبارك بعد توليه الحكم خلفا للرئيس السادات لكن أيضا لم يخرج المشروع للنور ولم تتخذ أي خطوات تنفيذية تجاهه ولما تولي الرئيس عبد الفتاح السيسي حكم مصر في شهر يونيو عام 2014م وفي يوم 5 أغسطس عام 2014م تم الإعلان عن البدء فعليا في إنشاء مجرى ملاحي جديد لقناة السويس وتعميق المجرى الملاحي الحالي وتنمية محور قناة السويس بالكامل بهدف تعظيم دور إقليم قناة السويس والذى يضم ثلاث محافظات هي بورسعيد والإسماعيلية والسويس كمركز لوجستي وصناعي عالمي متكامل إقتصاديا وعمرانيا ومتزن بيئيا وبحيث يتحول هذا الإقليم إلي محور مستدام ينافس عالميا في مجال الخدمات اللوجستية والصناعات المتطورة والتجارة والسياحة وذلك عن طريق توفير إمكانيات جذب في مجالات النقل واللوجستيات والطاقة والسياحة والإتصالات وتكنولوجيا المعلومات والزراعة والعقارات به وفي يوم 7 أغسطس من نفس العام 2014م تم البدء فعليا في تنفيذ مشروع قناة السويس الجديدة وهي عبارة عن تفريعه جديدة لقناة السويس تبدأ من الكيلو متر 61 إلى الكيلو متر 95 بطول 35 كيلو متر بالإضافة إلى توسيع وتعميق تفريعات البحيرات المرة والبلاح بطول 37 كيلو متر ليصبح الطول الإجمالي للمشروع 72 كيلو متر من الكيلو متر 50 إلى الكيلو متر 122 وكان الهدف من هذا المشروع تلافي المشكلات القديمة لقناة السويس من توقف قافلة الشمال لمدة تزيد عن 11 ساعة في منطقة البحيرات المرة كما أن هذا المشروع يسمح بإستيعاب قناة السويس للسفن العملاقة بغاطس 65 قدم مما سيساهم في زيادة دخل القناة مستقبلا بنسبة 259% وقد بلغت تكلفة هذا المشروع 4 مليار دولار وقد تمت عمليات الحفر الخاصة بهذه التفريعة من خلال الهيئة الهندسية للقوات المسلحة والتي إستعانت بعدد 17 شركة وطنية مدنية عملت تحت إشرافها .

بدأت مرحلة الحفر الجاف بالمشروع كما ذكرنا في السطور السابقة في يوم 7 أغسطس عام 2014م وشارك فيها 44 ألف مواطن مصري بمصاحبة 4500 معدة وإجمالي 84 شركة وتمت إضافة كتيبتين من القوات المسلحة إلي أطقم العمل بالمشروع لإزالة أي ألغام أومخلفات للحرب قد تكون متواجدة في مسار المشروع بالإضافة إلى كتيبتي طرق للمساعدة في عمليات الحفر وقد تمكن هذا الفريق من إنهاء الحفر الجاف بنسبة 100% خلال 9 شهور تم خلالها رفع حوالي 250 مليون متر مكعب من الرمال وتلا هذه المرحلة أعمال تكسيات وتدبيش الأجناب بطول 100 كيلو متر لضبط أجناب القناة الجديدة بهدف منع ترسب الرمال مرة أخرى للمجرى المائي ومعها بدأت مرحلة الحفر المائي أو التكريك للوصول إلى العمق المطلوب وشارك في هذه المرحلة 2000 عامل من هيئة قناة السويس بالإضافة إلي حوالي 3750 عامل من خارج الهيئة وذلك بإستخدام إجمالي 45 كراكة إضافة إلى 4 فنادق عائمة وكانت قد شاركت في تنفيذ المشروع منذ بدايته وكانت مخصصة كإستراحات للعاملين وتناوب الورديات وإنتهت أعمال التكريك المائي برفع 258.8 مليون متر مكعب من الرمال المشبعة بالمياه وعلاوة علي هذه الأعمال فقد تم إنشاء عدد 10 مراكز إرشاد جديدة وتركيب عدد 120 شمندورة على طول المجرى الملاحي للقناة الجديدة مزودة بإضاءة من الطاقة الشمسية ومرتبطة بنظام إلكتروني عبر الحاسب الآلي يحقق الربط والإتصال بين السفن العابرة للقناة ومراكز الإرشاد بهيئة قناة السويس وهي مجهزة بمساعدات ملاحية لتساعد المرشد علي أداء عمله في إرشاد السفن في أمان وخاصة أثناء العبور وسط أجواء مناخية سيئة قد تحجب الرؤية وكل هذه المراكز والنظم مرتبطة إلكترونيا بالمبني الرئيسى للإرشاد بمدينة الإسماعيلية والذى تم إنشاؤه عام 1963م أى بعد سبع سنوات من تأميم القناة ليكون مقرا لرئاسة قناة السويس وقد إفتتحه الرئيس الراحل جمال عبدالناصر فى يوم 26 يوليو عام 1966م بحضور المهندس مشهور أحمد مشهور رئيس هيئة القناة حينذاك والمهندس محمود يونس ثاني رئيس لهيئة قناة السويس بعد التأميم ومهندس عملية التأميم وحسين الشافعى نائب رئيس الجمهورية وتبلغ مساحته 3000 متر مربع ويتكون من 13 طابقا وبداخله أكثر من 400 غرفة و8 قاعات رئيسية للإجتماعات وتوجد به جميع إدارات الهيئة ماعدا إدارة الشركات وقام بتصميمه المهندس المعمارى الشهير رمزى عمر ونفذته شركة المقاولون العرب وقد أصيب هذا المبني بأضرار جسيمة خلال حرب يونيو عام 1967م وتم إخلاؤه تماما وقام الرئيس السادات بإعادة إفتتاحه للعمل مرة أخرى فى يوم 5 يونيو عام 1975م فى ذكرى إعادة إفتتاح القناة للعمل مرة أخرى عقب حرب أكتوبر 1973م ومن خلال هذا المبني يتم إرشاد عشرات السفن التى تمر بالمجرى الملاحى يوميا من إتجاهى القناة الشمالى والجنوبى وهو مزود بأحدث الأجهزة والتكنولوجيا الحديثة فى عالم الملاحة الدولية وهو يطل على بحيرة التمساح وفى محيط حدائق الملاحة فى الجهة الموازية لشارع محمد على وترعة الإسماعيلية وبالقرب من حى الإفرنج ويوجد به مكتب رئيس الهيئة ومكاتب أعضاء مجلس إدارتها وكبار العاملين بها من مديرى الإدارات والمرشدين وقباطنة السفن ويبلغ عدد العاملين بها 25 ألف عامل ما بين عمال ومهندسين وفنيين وإداريين وقباطنة ومرشدين ويتم تأمينه وحراسته من خلال القوات المسلحة والتى تتولى حراسة المبنى من الخارج فيما تقوم إدارة أمن الهيئة بتأمين المبنى من الداخل وتنظيم عملية الدخول والخروج للعاملين والضيوف ومما يذكر أن هذا المبني قد شهد حراسة مشددة للغاية من جانب القوات المسلحة مع منع الإقتراب منه عقب إندلاع ثورة 25 يناير عام 2011م علي الرغم من أنه لم يشهد أى مظاهرات في محيطه حيث حرص المتظاهرون من المشاركين فى الثورة عدم التواجد بالقرب منه حرصا على سلامة المجرى الملاحى للقناة وعبور السفن في أمان وسلام حيث لم تتوقف الملاحة في القناة خلال فترة الثورة وما أعقبها من أحداث ولو لساعة واحدة .

تم تمويل هذا المشروع بالكامل من مدخرات المصريين ففي يوم 15 أغسطس عام 2015م أعلن رئيس الوزراء المهندس إبراهيم محلب أنه تقرر طرح شهادات إستثمار بإسم شهادة إستثمار قناة السويس بهدف جمع 60 مليار جنيه مصري لتمويل مشروع محور قناة السويس من خلال المصريين فقط على أن تطرح الشهادات من البنوك القومية بفائدة سنوية قدرها 12% تصرف كل ثلاثة أشهر على أن يسترد أصل المبلغ بعد خمس سنوات وفي يوم 15 سبتمبر عام 2014م أعلن محافظ البنك المركزي المصري أن حصيلة بيع شهادات إستثمار قناة السويس وصلت إلى نحو 61 مليار جنيه مصري منذ بداية الطرح عن طريق البنوك يوم 4 سبتمبر علم 2014م وهو المبلغ المطلوب لحفر القناة الجديدة وأنه قد تقرر إغلاق الإكتتاب في الشهادات بالبنوك وقد تم إفتتاح المشروع في يوم 6 أغسطس عام 2015م في إحتفال شرفه بالحضور الرئيس السيسي وشارك فيه العديد من الزعماء والملوك والرؤساء العرب والأجانب منهم الملك عبد الله الثاني ملك الأردن والملك حمد بن عيسي ملك البحرين والرئيس الفلسطيني محمود عباس أبو مازن والرئيس الفرنسي حينذاك فرانسوا أولاند والعديد من الوفود العربية والأوروبية والأفريقية والأسيوية والذين حضروا حفل الإفتتاح بدعوة من الرئيس عبد الفتاح السيسى لمشاهدة الإنجاز المصري العظيم وقدرة المصريين على تحقيق الحلم بإفتتاح القناة الجديدة في وقت قياسي بالإضافة إلى حضور لفيف من وزراء الحكومة المصرية الحاليين والسابقين والشخصيات العامة والعلماء والإعلاميين والصحفيين منهم الفريق أول صدقي صبحي وزير الدفاع والإنتاج الحربي حينذاك والمهندس شريف إسماعيل وزير البترول حينذاك واللواء عادل لبيب وزير التنمية المحلية حينذاك وغيرهم وذلك إلي جانب العديد من رؤساء الوزراء والوزراء السابقين منهم الدكتور كمال الجنزورى والدكتور حازم الببلاوى وعمرو موسي وغيرهم .

ترأس هيئة قناة السويس منذ إفتتاحها للملاحة عدد 13 شخصية منهم عدد 6 فرنسيين أولهم بالطبع هو فرديناند ديليسبس والذى إستمر في رئاستها مدة 35 عاما منذ عام 1859م وحتي يوم 7 ديسمبر عام 1894م واخرهم مسيو فرنسوا تشارلز روكس الذى تولي رئاستها 8 سنوات تقريبا منذ شهر أبريل عام 1948م حتي تاريخ التاميم يوم 26 يوليو عام 1956م ثم تولي عدد 7 شخصيات مصريين رئاسة هيئة القناة من بعد ذلك كان أولهم الدكتور حلمي محمد بهجت بدوى من يوم 26 يوليو عام 1956م حتي يوم 9 يوليو عام 1957م وخلفه المهندس محمود يونس مهندس وقائد عملية تأميم القناة وظل رئيسا لها حوالي 8 سنوات حتي يوم 10 أكتوبر عام 1965م وخلفه المهندس مشهور أحمد مشهور والذى ظل رئيسا لهيئة القناة حتي إغلاقها عام 1967م ثم إستمر رئيسا لها بعد إعادة افتتاحها عام 1975م وحتي عام 1983م ليخلفه المهندس محمد عزت عادل والذى ظل رئيسا لها حتي عام 1996م ليخلفه الفريق أحمد علي فاضل الذى كان يشغل منصب قائد القوات البحرية وليستمر في منصبه حوالي 16 عاما حتي عام 2012م ويخلفه بعدها الفريق مهاب مميش من عام 2012م وحتي شهر أغسطس عام 2019م وكان أيضا قبلها يشغل منصب قائد القوات البحرية وليخلفه الرئيس الحالي الفريق أسامة ربيع وكان أيضا قائدا للقوات البحرية ونائبا لرئيس هيئة قناة السويس ولايفوتنا هنا أن نذكر مجهودات ومساهمات هيئة قناة السويس عقب حرب الخامس من يونيو عام 1967م وخلال حرب أكتوبر عام 1973م حتي تحقق الإنتصار علي العدو الإسرائيلي في المجهود الحربي بكل إمكانياتها من عاملين وفنيين ومعدات وأوناش عملاقة ومعديات بين ضفتي القناة وأبراج إرشاد وأطباء ومستشفيات تابعة لها قامت الهيئة بوضعها تحت تصرف القوات المسلحة .

تم تنفيذ العديد من المشاريع لزيادة مساحة القطاع المائي للقناة وأيضا زيادة عمقها وذلك قبل تنفيذ مشروع قناة السويس الجديدة حيث قامت شركة قناة السويس العالمية بزيادة غاطس السفن إلى 35 قدما ومساحة القطاع المائى للقناة إلى 1200 متر مربع حتي تتطور القناة مع تطور ضخامة السفن وذلك قبل تأميم القناة في يوم 26 يوليو عام 1956م وبعد التأميم قامت هيئة قناة السويس بزيادة غاطس القناة إلي 38 قدما وزيادة مساحة القطاع المائى لها إلى 1800 متر مربع وإنتهت هذه المرحلة في شهر مايو عام 1962م ثم أعلنت إدارة القناة في شهر يونيو عام 1966م عن خطة طموحة لتطوير القناة على مرحلتين لتصل بالغاطس إلى 48 ثم 58 قدما على التوالي وبدأ تنفيذ هذا البرنامج بالفعل ثم توقف نتيجة قيام حرب يونيو عام 1967م حيث توقفت الملاحة في القناة ولما أعيد فتح القناة للملاحة الدولية في يوم 5 يونيو عام 1975م بعد تطهيرها من مخلفات الحروب ورفع السفن والمعدات الغارقة بها ظلت القناة بنفس العمق والقطاع المائى لها قبل الإغلاق وبعد ذلك إستمرت الإدارة المصرية في تنفيذ عدة مشروعات لتطوير القناة حتى بلغت حمولة السفن المسموح بعبورها 210 ألف طن ووصل الغاطس إلى 62 قدما ومساحة القطاع المائى إلى 4800 متر مربع وبلغ طول القناة 191.80 كيلو متر في عام 2001م عندما تم حفر تفريعة جديدة تبدأ من الكيلو متر 17 جنوب بورسعيد وشمالا حتى البحر الأبيض المتوسط شرق مدينة بورفؤاد لتسمح للسفن المتجهة شمالا للوصول إلى البحر المتوسط بدون الدخول إلى ميناء بورسعيد ثم وصل غاطس السفن المسموح لها عبور القناة إلى 66 قدما في عام 2010م .

وفي واقع الأمر كانت فكرة تنفيذ مشروع يصل بين البحرين المتوسط والأحمر فكرة قديمة منذ أيام الفراعنة حيث حفروا قناة سيزوستريس بين النيل والبحر الأحمر بحيث يتم الربط بين البحرين المتوسط والأحمر عن طريق تلك القناة وعن طريق نهر النيل الذى يصب في البحر المتوسط وذلك في عهد الملك سنوسرت الثالث أحد ملوك الأسرة الثانية عشرة عام 1874 ق.م ثم أهملت بعد ذلك وطمرت ثم أعيد إفتتاحها بعد ذلك عدة مرات تحت عدة أسماء منها قناة سيتي الأول عام 1310 ق.م فقناة دارا الأول عام 510 ق.م ثم قناة بطليموس الثاني عام 285 ق.م وقناة الرومان في عهد الإمبراطور الروماني تراجان عام 117م وقناة أمير المؤمنين عام 640م بعد الفتح الإسلامي لمصر على يد عمرو بن العاص وظلت تلك القناة 150 عاما إلى أن أمر الخليفة العباسي أبو جعفر المنصور بردم تلك القناة التي كانت تصل بين الفسطاط والسويس وسدها من ناحية السويس منعا لأي إمدادات من مصر إلى أهالي مكة والمدينة الثائرين ضد الحكم العباسي وبعدها فتحها هارون الرشيد لمدة ومن بعده ردمت من جديد إلي أن برزت الفكرة مرة أخرى إلى الوجود في زمن الحملة الفرنسية علي مصر ولكن لم يتم تنفيذها نتيجة خطأ في الحسابات ظنا من أن البحر الأحمر منسوبه أعلي من البحر المتوسط ومن ثم فإن حفر قناة بينهما قد يعرض مصر للغرق ومن ثم تم صرف النظر عن تنفيذ هذه الفكرة وفي عام 1833م جاءت مجموعة من العلماء الفرنسيين المعروفة بإٍسم سان سيمون إلى القاهرة وأصبحت مهتمة جدا بمشروع قناة السويس ولكنها بعد مرور سنتين أى في عام 1835م فشلت في إستكمال أبحاث حفر القناة بعد أن قتل وباء الطاعون عددا كبير من المجموعة وفي عام 1846م أنشأت مجموعة سان سيمون رابطة لدراسة إمكانية حفر قناة السويس مرة أخرى وفي العام التالي عام 1847م أكد الفرنسي بوردالو أنه لا يوجد فرق في المستوى بين البحرين الأحمر والمتوسط ومن ثم فلا خطر علي مصر من حفر القناة ومن جانب آخر عقب عودة نابليون إلى فرنسا وبعد فشل حملته على مصر أرسل دبلوماسيا إسمه ماتيو ديليسبس إلى مصر لكي يعمل علي تولية والي لمصر يكون مواليا لفرنسا بعد أن قام الإنجليز بإختيار البرديسي فوقع إختيار ماتيو ديليسبس على محمد علي الضابط الألباني القريب من شيوخ الأزهر فإصطفاه وقدم له المشورة والمساعدة حتي تمكن من أن يصل إلي حكم مصر وهو ما لم ينسه محمد علي وعندما مات ماتيو ديليسبس جاء إبنه الشاب فرديناند كقنصل مساعد لبلاده فرنسا في الإسكندرية عام 1832م وإستقبله محمد علي باشا بحفاوة كبيرة وعرض عليه أن يعمل في القصر مربيا ومعلما لإبنه محمد سعيد باشا وعلى إثر ذلك توطدت عرى الصداقة بين الدبلوماسي الفرنسي والأمير الشاب وعرض فرديناند ديليسبس فكرة حفر قناة السويس عليه ولكنه رفض الفكرة ليس لعدم إقتناعه بها ولكنه كان يدرك أن تنفيذ هذه الفكرة سيزيد من أهمية موقع مصر الإستراتيجي كحلقة وصل بين قارات أفريقيا وآسيا وأوروبا ومن ثم زيادة أطماع الدول الأوروبية الإستعمارية وعلي رأسها بريطانيا وفرنسا في إحتلالها والإستيلاء علي هذا الممر المائي شديد الأهمية ومن بعده رفض أيضا حفيده عباس باشا الأول الفكرة لما حاول ديليسبس عرضها عليه وإقناعه بتنفيذها حيث كان من غير المحبذين لتنفيذ مشاريع كبرى في مصر خاصة مع الفرنسيين حيث كانت ميوله إنجليزية وإكتفي بمشروع إنشاء خط السكة الحديد بين القاهرة والإسكندرية بالتعاون مع الإنجليز .

ولما تولي محمد سعيد باشا حكم مصر تجدد الأمل لدى ديليسبس في تنفيذ مشروعه خاصة وأنه يعلم أن محمد سعيد باشا له ميول فرنسية فأرسل إليه رسالة يهنئه فيها بتوليه حكم مصر فسر بها وأجابه علي تهنئته وإستدعاه إلى زيارة مصر فلبي الدعوة وسارع بالحضور إلي الإسكندرية في شهر نوفمبر عام 1854م بعد توليه الحكم بحوالي 4 شهور وإستقبله محمد سعيد باشا بترحاب شديد وإصطحبه معه في رحلة سفارى من الإسكندرية إلي القاهرة عبر الصحراء الغربية وخلال هذه الرحلة والتي إستغرقت عدة أيام وجد ديليسبس أن هذه هي فرصته التي عليه إستغلالها ليفاتح محمد سعيد باشا في مشروع قناة السويس وأقنعه بأنه إذا وافقه علي تنفيذ هذا المشروع فإنه سيخلد ذكراه إلي الأبد ليس في مصر وحدها ولكن علي مستوى العالم كله وخاصة في قارة أوروبا ووعده محمد سعيد باشا بمساعدته وتأييده من اجل تنفيذ هذا المشروع وعندما وصل الإثنان إلى القاهرة لم تمر إلا عدة أيام حتي منح محمد سعيد باشا فرديناند ديليسبس حق إمتياز تأسيس شركة عامة لحفر قناة السويس وإستثمارها لمدة 99 عاما تبدأ من تاريخ فتح القناة للملاحة وتؤول بعدها ملكية القناة لمصر وذلك بموجب العقد المؤرخ في يوم 30 نوفمبر عام 1854م وبذلك حقق ديليسبس حلمه الذى ظل يلهث وراءه طوال حوالي 23 عاما منذ عام 1832م عندما عرض المشروع لأول مرة علي محمد علي باشا ثم أتم بعد ذلك إستكمال الإجراءات الخاصة بالمشروع وإعداد الخرائط والرسومات الخاصة به وكان ديليسبس قد إشترط ضرورة موافقة السلطان العثماني علي المشروع وإن كان في قرارة نفسه مصمما علي تنفيذ المشروع بغض النظر عن تلك الموافقة أو عدمها ولكنه كان لايريد أن يتعرض لإحتمال إثارة مشاكل او عوائق أو عراقيل من جانب السلطان العثماني يكون من شأنها تعطيل تنفيذه مشروعه الذى كان يحلم به ففضل أن يغلق ويوصد باب هذا الإحتمال بشكل نهائي وفي يوم 21 أبريل عام 1859م وصل مسيو ديليسبس إلي موقع مدينة بورسعيد الحالية برفقة رؤساء المشروع والوكلاء ومائة وخمسين من البحارة والسائقين والعمال ومعهم ما يكفيهم من الطعام والشراب ووصلوا إلي موقع بورسعيد الحالية عن طريق بوغاز قرية الجميل الذى يصل بحيرة المنزلة بالبحر المتوسط والتي كان أغلب سكانها من صيادى الأسماك وهي تقع على بعد 9 كيلو متر غربي بورسعيد وفي يوم 25 أبريل عام 1859م ذهب ديليسبس إلى شاطئ البحر المتوسط في الموقع الذى أنشئت فيه مدينة بور سعيد بعد ذلك وأقيم هناك إحتفال كبير ضرب فيه ديليسبس أول معول في أرض القناة ومثله فعل كل الحضور وكانت تلك الضربات هي إشارة بدء العمل في حفر القناة ومن وقتها إستمرت أعمال حفر قناة السويس جنبا إلي جنب مع بناء مدينة بورسعيد وعلي الرغم من تعرض المشروع لمشاكل عديدة وتعرض العاملين فيه للإصابة بالأمراض ووفاة كثيرين منهم إلا أن العمل لم يتوقف وفي شهر ديسمبر عام 1861م زار محمد سعيد باشا المشروع بنفسه أثناء تنفيذ الحفر وتفقد حالة وموقف الحفر وحال العمال وقام بحل الكثير من المشاكل والصعوبات وأصدر أمرا بضرورة زيادة عدد عمال الحفر وفي النهاية وبعد عمل شاق ومجهود جبار وظروف عمل في غاية الصعوبة وصلت بالفعل مياه البحر المتوسط إلي بحيرة التمساح عند مدينة الإسماعيلية الآن يوم 18 نوفمبر عام 1862م وهي المرحلة التي تمت في عهد محمد سعيد باشا وتمثل أكثر من نصف حجم العمل وتم إستكمال الجزء المتبقي من الحفر في عهد الخديوى إسماعيل بعد وفاة محمد سعيد باشا في شهر يناير عام 1863م .

وفي حقيقة الأمر كانت قناة السويس من أوائل الأمور والقضايا التي واجهت الخديوى إسماعيل منذ أول يوم له في حكم مصر حيث توجهت أنظار كل دول أوروبا وحكامها إلى مصر والخديوى إسماعيل متطلعة إلي ماسوف يؤول إليه مصير القناة بعد وفاة محمد سعيد باشا والذى كان معلوما عنه تأييده للمشروع ومساندته له وإهتمامه البالغ به وكذلك أحس فرديناند ديليسبس بالقلق علي مصير مشروعه الحلم الذى ظل يلهث وراءه حوالي 23 عاما حتي أقنع به محمد سعيد باشا ولكن الخديوى إسماعيل سارع وبدبلوماسية بارعة بإعلان عزمه علي إستكمال المشروع مما بث الطمأنينة والراحة النفسية في نفوس الجمبع وكان حفر القناة في ذلك الوقت قد تم بنسبة النصف تقريبا كما ذكرنا في السطور السابقة وتبقي الجزء مابين الإسماعيلية إلى البحيرات المرة جنوبا ثم منها إلي السويس وبالفعل تم إستئناف العمل في حفر القناة وأخيرا وبعد جهد جبار ومعاناة شديدة تم الإنتهاء من الحفر بالكامل في منتصف شهر نوفمبر عام 1869م وتم إتصال مياه البحر المتوسط بالبحر الأحمر وذلك بعد حوالي 10 سنوات من العمل والجهد الجبار المتواصل وفي ظروف عمل غاية في الصعوبة والمشقة وبإجمالي طول قدره 164 كيلو متر وبعد أن شارك في إنجاز هذا العمل الجبار حوالي مليون عامل توفي منهم اثناء العمل خلال هذه المدة حوالي عدد 120 ألف عامل هذا وقد تسببت القناة في ظهور مدينتين جديدتين إلي الوجود تم بناؤهما أولهما مدينة بورسعيد عند المدخل الشمالي للقناة وبدأ بناؤها في عهد محمد سعيد باشا في الموقع الذى ضرب فيه ديليسبس ومن كان يرافقه أول معول في حفر القناة قبل 10 سنوات علي الضفة الغربية لمدخل القناة الشمالي وتم إستكمالها في عهد الخديوى إسماعيل وتعد حاليا من أهم الموانئ شرقي البحر الأبيض المتوسط والميناء الثاني في مصر بعد ميناء الإسكندرية وثانيهما مدينة الإسماعيلية التي تم بناؤها في عهد الخديوى إسماعيل وسميت بإسمه علي الضفة الغربية للقناة عند إلتقائها ببحيرة التمساح والتي تقع عند منتصف طول القناة تقريبا وليتم إفتتاح القناة رسميا للملاحة يوم 17 نوفمبر عام 1869م وبمناسبة هذا الإفتتاح أقام الخديوى إسماعيل حفلا أسطوريا ضخما بمدينة بورسعيد لم يشهد التاريخ مثله في التبذير والإسراف فقد بلغت تكلفته حوالي مليون وأربعمائة ألف جنيه وهو مبلغ ضخم جدا في ذلك الوقت ودعا الخديوى إسماعيل في هذا الحفل العديد من أباطرة وملوك العالم وقريناتهم كان علي رأسهم إمبراطور فرنسا نابليون الثالث وزوجته الإمبراطورة أوجيني والذى تم إطلاق إسمها علي أحد شوارع بور سعيد بالإضافة إلي إمبراطور النمسا فرنسوا جوزيف وملك المجر وولي عهد بروسيا وشقيق ملك هولندا الأمير هنرى وزوجته وسفيرى إنجلترا وروسيا بالآستانة وتم إقامة عدد 3 منصات بالحفل الأولي خصصت للخديوى إسماعيل ومعه ديليسبس والأباطرة والملوك والأمراء الذين ذكرناهم وسائر كبار المدعوين وكان منهم بالطبع الأمير محمد توفيق نجل الخديوى إسماعيل وولى العهد والأمير طوسون نجل محمد سعيد باشا والأمير عبد القادر الجزائرى ونوبار باشا ومحمد شريف باشا رئيسي مجلس النظار فيما بعد والثانية خاصة برجال الدين الإسلامي والثالثة خاصة برجال الدين المسيحي وكان الحفل يوم 16 نوفمبر عام 1869م وحضره حوالي 6000 مدعو وكان الخديوى إسماعيل يستهدف من تلك المناسبة إظهار حضارة وتقدم وعظمة مصر وشعبها وماوصلت إليه من تقدم وإزدهار ورقي في عهده وماوصلت إليه من إستقلالية عن الدولة العثمانية ولذا فقد تعمد عدم دعوة السلطان العثماني إلي هذا الحفل تكريسا لهذا المعني .

تعرضت القناة للغلق أمام حركة الملاحة البحرية عدة مرات لأسباب مختلفة وكانت أولي هذه الفترات لمدة 5 أيام وكان ذلك في شهر أغسطس عام 1882م أثناء غزو بريطانيا لمصر والذي إنتهى بهزيمة العرابيين وإحتلال بريطانيا لمصر والذى دام قرابة 74 عاما مرت على مصر خلالها أوقات عصيبة وإنتشرت القوات الإنجليزية في محيط القناة لتأمينها وإدارتها وأحكمت كامل سيطرتها عليها ثم أغلقت بعد ذلك لمدة 76 يوما أثناء الحرب العالمية الثانية حيث كانت مصر مسرحا لبعض من معارك تلك الحرب وخلال المدة من يوم 31 ديسمبر عام 1954م إلى يوم 10 يناير عام 1955م أغلقت القناة مرة ثالثة بسبب إصطدام ناقلة بكوبري الفردان وفي فترة العدوان الثلاثي علي مصر أعيد غلق القناة لمدة 159 يوما من يوم 2 نوفمبر عام 1956م وحتي يوم 10 أبريل عام 1957م ثم كان الإغلاق الأطول للقناة ولمدة 8 سنوات من يوم 5 يونيو عام 1967م وحتي يوم 5 يونيو عام 1975م بسبب حرب الخامس من يونيو عام 1967م ومما يذكر أنه خلال تلك الفترة تكبد العالم بسبب اغلاق القناة خسائر فادحة ولجأت السفن التجارية القادمة من قارتي آسيا وأفريقيا أو المتجهة إلي قارة أوروبا إلى إستخدام طريق رأس الرجاء الصالح والدوران حول القارة العجوز وفي عام 2005م أغلقت القناة أيضا لمدة قصيرة بلغت 3 أيام من يوم 7 إلي يوم 9 نوفمبر عام 2005م نتيجة جنوح سفينة عند الكيلو 62 ترقيم قناة السويس .
 
 
الصور :