abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool الرئيسية abou-alhool
بانوراما
فرعونيات
بلاد وشركات
الحدث السياحي
سحر الشرق
سياحة وإستشفاء
أم الدنيا
حج وعمرة
أعمدة ثابتة
درجات الحرارة
اسعار العملات
abou-alhool
“تعرف على حياة رائدة الروايات البوليسية
“تعرف على حياة رائدة الروايات البوليسية
عدد : 08-2020
بقلم المهندس/ طارق بدراوى



أجاثا كريستي وتعرف أيضا بالسيدة مالوان هي كاتبة إنجليزية إشتهرت بكتابتها عدد 66 رواية بوليسية وست روايات رومانسية تحت إسم مستعار هو ماري ويستماكوت وعدد 14 مجموعة قصصية قصيرة خاصة تلك التي تدور حول مخبريها الخياليين هيركيول بوارو والآنسة ماربل كما كتبت كريستي أيضا مسرحية مصيدة الفئران التي حققت الرقم القياسي كأطول عرض مسرحي حيث كان أول عرض لهذه المسرحية في مسرح السفراء في وست إند بوسط العاصمة البريطانية لندن في يوم 25 نوفمبر عام 1952م وإستمرت يعاد عرضها حتي شهر أبريل عام 2019م بعدد أكثر من 27 ألف أداء وقد حصلت على لقب سيدة قائد في عام 1971م لمساهمتها في الأدب وقد أدرجت موسوعة جينيس للأرقام القياسية كريستي كالروائية الأفضل بيعا على الإطلاق حيث باعت رواياتها نحو 2 مليار نسخة وعلاوة علي ذلك فإن أعمالها تحل في المرتبة الثالثة في تصنيف الكتب الأكثر إنتشارا في العالم بعد أعمال وليم شكسبير والإنجيل فقط ووفقا لمؤشر الكتب المترجمة تحتل كريستي المرتبة الأولى كأكثر كاتبة منفردة ذات أعمال مترجمة بعد ترجمة أعمالها إلى عدد 103 لغات على الأقل وتعد رواية ثم لم يبق أحد أفضل روايات كريستي والتي حققت رقم 100 مليون نسخة كمبيعات حتى الآن مما يجعلها أفضل رواية غموض وأحد أفضل الكتب مبيعا على الإطلاق وفي عام 1955م كانت كريستي أول من يحصل علي جائزة جراند ماستر وهي أعلى تكريم لكتاب الغموض في أمريكا وفي وقت لاحق من نفس العام حازت مسرحية مقاضاة الشاهد على جائزة إدجار من منظمة كتاب الغموض في أمريكا عن فئة أفضل مسرحية وفي عام 2013م صوت 600 من الزملاء في رابطة كتاب الجريمة على أن رواية مقتل روجر أكرويد هي أفضل رواية جريمة على الإطلاق علاوة علي كونها من الروايات الكلاسيكية المتميزة وفي يوم 15 سبتمبر عام 2015م وبالتزامن مع عيد ميلادها رقم 125 حازت رواية ثم لم يبق أحد على لقب رواية كريستي المفضلة لدى الجمهور في تصويت برعاية أموال الكاتبة وعلاوة علي ذلك فقد تم إقتباس الكثير من الأعمال الإذاعية والتليفزيونية وألعاب الفيديو والرسوم الهزلية من كتبها وقصصها القصيرة كما إستند أكثر من ثلاثين فيلما من الأفلام السينمائية الطويلة إلى اعمالها وقد ولدت كريستي في يوم 15 سبتمبر عام 1890م من أب أمريكي وأم إنجليزية وكانت الشقيقة الصغرى بين عدد 4 شقيقات وعاشت معظم طفولتها في بلدة توركاي وهي منتجع صيفي ريفي يقع بمقاطعة ديفون بجنوب غرب بريطانيا والمطلة علي القناة الإنجليزية وعلي قناة بريستول في نفس الوقت وقد وصفت كريستي طفولتها بأنها كانت سعيدة جدا وكانت دائما محاطة بمجموعة من النساء مما منحنها الشخصية القوية والمستقلة منذ سن مبكرة وتقول عن نفسها أيضا إنني قضيت طفولة مشردة إلى أقصى درجات السعادة تكاد تكون خالية من أعباء الدروس الخصوصية فكان لي متسع من الوقت لكي أتجول في حدائق الأزهار الواسعة وأسبح مع الأسماك ما شاء لي الهوى ويرجع الفضل في ذلك إلى والدتي التي سهلت إتجاهي إلى التأليف وشجعتني عليه فقد كانت سيدة ذات شخصية ساحرة وذات تأثير قوي وكانت تعتقد إعتقادا راسخا أن أطفالها قادرين على فعلِ كلِ شئ .

تلقت أجاثا كريستي تعليمها في البيت مثل فتيات كثيرات من العائلات الميسورة حسب التقاليد المتبعة آنذاك ثم إلتحقت وهي في سن 16 عاما بمدرسة في باريس وجمعت بين تعلم الموسيقى والتدريب عليها وبين زيارة المتاحف والمعارض الكثيرة في فرنسا ولم تعجب بأساطين الرسم الزيتي في القرنين السادس عشر والسابع عشر الميلاديين وتلك مسألة تنم عن غرابة وخروج على المألوف في مثل هذه الحالات وعن بداياتها في كتابة القصص والروايات تقول ذات يوم أصبت ببرد شديد ألزمني الفراش فقالت لي أمي خير لكِ أن تقطعي الوقت بكتابة قصة قصيرة وأنت في فراشك فأجبتها ولكني لا أعرف فقالت لا تقولي لا أعرف ثم حاولت ووجدت متعة في المحاولة فقضيت السنوات القليلة التالية أكتب قصصا قابضة للصدر يموت معظم أبطالها كما كتبت مقطوعات من الشعر ورواية طويلة إحتشد فيها عدد هائل من الشخصيات بحيث كانوا يختلطون ويختفون لشدة الزحام ثم خطر لي أن أكتب رواية جرائم ففعلت وإشتد بي الفرح حينما قبلت الرواية ونشرت وكنت حين كتبتها متطوعة في مستشفى تابع للصليب الأحمر الدولي إبان الحرب العالمية الأولى حيث إشتغلت كريستي في مستشفي بمقاطعة ديفون وتولت رعاية الجنود الجرحي القادمين من جبهات القتال المختلفة خلال تلك الحرب قبل زواجها وتكوين أسرة في العاصمة البريطانية لندن وذلك بعد أن تقدم لها عدد من الخطاب ورفضتهم جميعا وبخصوص كتاباتها خلال هذه الفترة من حياتها قالت كريستي إنه في بادئ الأمر لم توفق في كتاباتها حيث كانت أولي رواياتها هي رواية ثلوج على الصحراء Snow upon the desert التي لم يقبلها أي من الناشرين ورفضت ست مرات على التوالي ولكن بعد إنتهاء الحرب تغيرت الأمور عندما نشرت في عام 1920م رواية إسمها قضية ستايلز الغامضة التي ركزت على أحداث مقتل وريثةٍ غنية في صحيفة The Bodley Head وهي دار نشر إنجليزية تأسست في عام 1887م والتي تضمنت شخصية المفتش هيركيول بوارو الذى اصبح فيما بعد الشخصية المفضلة لديها حيث ظهر في أربع وثلاثين رواية وأكثر من خمسين قصة قصيرة من تأليفها على الرغم من إعتقادها بأنه شخص لا يطاق وقد تخيلته كريستي بأنه يمتاز بحجمه الصغير وبرأسه بيضاوية الشكل وبعينين خضراوين كعيون القطط وبشاربه الشهير المعتنى به بدقة وبتأنقه الزائد في ملبسه بما يشكل غالباً مصدر تسلية للمحيطين به كما أن شفته العليا معلمة بندبة بشعة يغطيها شاربه الضخم وعلاوة علي ذلك فهو يتمتع بذكاء خارق ودقة ملاحظة عالية وقدرة عالية علي تحليل الأحداث وإستخلاص النتائج وبمرور الوقت ومع تكرار ظهوره بروايات أجاثا كريستي أصبح بوارو محبوب ومقرب من قلوب الملايين من القراء والمعجبين حول العالم وتم إعتباره مع شرلوك هولمز النموذج والمثال الأعلى للمحققين وقد قامت هذه الدار المشار إليها فيما بعد بنشر بعض من مؤلفاتها خلال الفترة من عام 1922م وحتى عام 1925م ومن هنا كانت إنطلاقة مسيرتها الأدبية .


وخلال هذه الفترة كان الزواج الأول لأجاثا كريستي من العسكري البريطاني أرتشي كريستي ومنه أخذت لقبها الذي لازمها طوال حياتها ولكن زواجها منه فشل بسبب عدم الإنسجام بيبنهما وأيضا بسبب علاقة عاطفية قامت بين زوجها مع امرأة أخرى ومن ثم كان إنفصالها عنه في عام 1926م بالطلاق بعد أن أنجبت منه إبنتها روزلند وفي نفس العام 1926م رافقت أمها في رحلة علاجية إلى القاهرة ولكن في باطن الأمر كانت والدتها تريد منها البحث عن زوج بريطاني في الوجهة السياحية الأشهر للبريطانيين آنذاك وبعد عودتها إلي بلادها إختفت أجاثا كريستي لمدة عشرة أيام وقد إشترك الشعب البريطاني كله في البحث عنها سواء مباشرة أو بمتابعة أخبارها ولم يعرف أحد سبب ذلك الإختفاء لكن التكهنات عزت العملية إلى خوفها من فقدان والدتها أو تأثرها بفقدانها لكن جانيت مورجان التي كتبت سيرتها عام 1985م أرجعت السبب إلى صدمة عاطفية كبيرة وكانت هذه هي الصدمة العاطفية الثانية في حياتها بعد فشل زواجها الأول وإنفصالها عن زوجها وكانت كريستي قد أخفت الكثير من ملابسات طلاقها وكذلك تفاصيل إختفاءها شأنها في كل قصصها ومن هول هذه الصدمات فقد فقدت الذاكرة مؤقتا لدرجة انها تركت سيارتها على الطريق وذهبت إلى أحد الفنادق وكانت تسأل الناس من أكون إلى أن تعرف عليها أحد الأقارب وفي عام 1930م تزوجت أجاثا كريستي من ماكس مالوان عالم الآثار المعروف بعد أن إلتقت به في إحدى سفراتها إلى الشرق وبالتحديد في بلدة أور الأثرية بجنوب بلاد العراق وعاشت معه بعد الزواج في سوريا والعراق عندما كان يقوم بأبحاثه وكان عمرها يومذاك يناهز الأربعين عاما بينما كان عمره 26 عاما وأقامت أجاثا كريستي شهر العسل مع زوجها السيد مالوان في سوريا في قرية عين العروس على ضفاف نهر البليخ وغابات عين العروس الجميلة وتلالها الأثرية الرائعة حيث كان زوجها في مهمة أثرية في هذه الجزيرة السورية وفي زياراتها المتكررة إلى سوريا فيما بعد برفقة زوجها الذي إستمر في العمل في إحدى المواقع الأثرية في شمال شرق سوريا سكنت أجاثا كريستي في فندق بارون بمدينة حلب الذي كان مقصد المشاهير وخاصة القادمين من قارة أوروبا والقادمين على متن قطار الشرق إلى حلب وهناك كتبت قصتها الشهيرة جريمة في قطار الشرق وذلك أثناء مكوثها في حلب وما تزال ذكراها في إحدى زوايا هذا الفندق العريق حتي اليوم وقد أعجبتها مدينة حلب وفتنت بها وبعظمة قلعتها وأسواقها الشرقية البديعة وكانت كثيرا ما تتجول في التلال الأثرية في وسط وشرق سوريا وبلا شك فقد أتاح لها زواجها من مالوان أن تزور معظم بلاد الشرق الأدنى والأعلى فتجولت في بلاد الشام والعراق ومصر وبلاد فارس وتركيا ووفَّر لها هذا التجوال فرصاً ممتازة لكتابة أجمل رواياتها وقصصها المليئة بالأسرار والمفعمة بالغموض المعتمدة ليس على مواقع الحدث في بلاد الشرق الساحرة فقط وإنما على خيال الكاتبة الجامح أيضاً ولغتها المتدفقة السيالة وقدرتها الفريدة على إبتكار الشخصيات الغامضة والمثيرة وتحريكها عبر الرواية في إتجاهات مختلفة تذهل القارئ ومثلما إبتكر الكاتب الإنجليزى الشهير برواياته وقصصه البوليسية السير آرثر كونان دويل شخصية شرلوك هولمز وزميله الدكتور واتسون كذلك نحتت أجاثا كريستي شخصيات المفتش هيركيول بوارو والكولونيل بريس والآنسة ماربل ولعل الإستقرار العائلي الذي أتاحه لها زواجها من مالوان فضلاً عن عوامل أخرى كان من أسباب إستقرارها النفسي والفكري مما هيأ لها فرص الكتابة والإنتاج الأدبي حتي وهي ترافق زوجها في إقامته بالمواقع الأثرية المختلفة ويقول زوجها ماكس مالوان في مذكراته عن طقوس الكتابة لدى زوجته شيدنا لأجاثا حجرة صغيرة في نهاية البيت كانت تجلس فيها من الصباح حتي المساء وتكتب رواياتها بسرعة وتقوم بطباعتها بنفسها بالآلة الكاتبة مباشرة وقد ألفت ما يزيد على ست روايات بتلك الطريقة موسما بعد آخر .

ومما يذكر في هذه الفترة من حياة أجاثا كريستي أنها إنضمت رسميا إلى بعثة التنقيب البريطانية في نينوى شمال العراق برئاسة الدكتور تومسن كامبل ثم إلى بعثة الأربجية عام 1932م برئاسة زوجها مالوان وكانت فضلا عن جهدها التنقيبي تجد الوقت الكافي للكتابة حتَى أنه حين لا يتوفر لها السكن في الموقع الأثري كانت تنصب لها خيمة خاصة بعيدة قليلا عن ضجيج الحفر حيث تعمد إلى كتابة رواياتها وقصصها داخلها وعن حياته المشتركة مع أجاثا يقول مالوان في مذكراته عشنا في بيت صغير ذي حديقة أسفل تل النبي يونس وضم التل أيضا مستودع أسلحة سنحاريب الملك الآشوري وكان الوصول من بيتنا إلى قمة نينوى تل قويسنجق يستغرق عشرين دقيقة على ظهر الخيل ومن القمة نطل على مشهد شامل للمناظر الطبيعية والتاريخ ونطل أيضا من إرتفاع مائة قدم فوق السهل إلى الغرب على الضفاف الشديدة الإنحدار لنهر دجلة السريع الجريان ليس هذا فقط بل كنا أيضا كثيرا ما نتهيأ لشتاء الموصل البارد الطويل بشراء كميات من الخشب إلتماسا للدفء كلما إقترب موسم البرد وكانت أجاثا تدفع بسخاء لقوافل الأكراد التي تبيع الخشب وفي بيتنا قليل الأثاث حدث أن إحتاجت أجاثا مرة لمنضدة لكي تكتب عليها روايتها اللورد ايجوير يموت فقصدت سوق الموصل وإشترت بثلاث باونات منضدة إعتبرها الدكتور كامبل رئيس هيئة التنقيب تبذيرا ورغم أن الكتابة كانت شاغلها فقد كان لها دورها ومهماتها ضمن بعثة التنقيب حيث كانت أجاثا كريستي علي حد قول مالوان سخية دائما ونموذجا للنعاون والإنسجام مع الآخرين فكانت تساعد في إصلاح العاجيات ووضع الفهارس لأنواع ما يتم العثور عليه من آثار كما كانت تساعد في التصوير الفوتوغرافي للبعثة وبالمقابل إستطاع مالوان زوجها المخلص أن يرسم لها صورة مختلفة للعالم وأن ينظم أعمالها على نحو لم تكن تنتظره فكان يحل مشاكلها المالية سواء بالنسبة لألاعيب دور النشر المستغلة أو لتحايل منتجي الأفلام المأخوذة عن رواياتها أو لمشاكلها مع أصحاب المسارح التي تعرض أعمال مأخوذة أيضا عن رواياتها حيث كان يجيد ترتيب المعلومات وتبسيطها .

ونستطيع أن نقول إن كريستي بتجوالها في سوريا ومصر والأردن وفلسطين وبلاد فارس وتركيا كان لها في كل موقع أثري بها رواية أو قصة منها قصتها لؤلؤة الشمس التي مثلت تسجيلا لزيارتها مع زوجها إلى مدينة البتراء الأثرية في الأردن ما بين عام 1933م وعام 1934م أمَا رواية الموعد الدامي وفي فصلها الخامس بالذات فتصف روعة بناء المسجد الأقصى وعظمة القبة المشيدة على صخرة مرتفعة وجمال نقوشه وكذلك حديثها مع الدليل العربي الذي كلن في رفقتها في أحد التلال الأثرية في سوريا وكذلك فعلت في قصتها نجمة فوق بيت لحم عام 1965م وأيضا قامت الكاتبة بزيارة مصر ودرست حضارتها وتاريخها وكتبت قصتها الشهيرة جريمة على ضفاف النيل حبث زارت أسوان وإستوحت أحداثها وهي جالسة في شرفة غرفتها المطلة علي النيل بفندق أولد كتاراكت العريق بأسوان كما صور الفيلم الذى يحمل نفس الإسم فيما بعد داخل الفندق أيضا وقد تحولت هذه القصة فيما بعد إلى مسرحية في عام 1946م بعنوان جريمة قتل على النيل كما كتبت فيما بعد رواية ثانية إسمها الموت يأتي في النهاية وذلك في عام 1945م كما كتبت مسرحية بإسم إخناتون الملك المصري الذي فرض ديانة جديدة وكانت قد بدأت تعد لكتابة هذه المسرحية منذ زيارتها لمدينة الأقصر جنوب مصر عام 1931م وإستعانت بخبرة علماء الآثار في رسم شخوص المسرحية التي أصدرتها إحدى دور النشر عام 1973م وخلال الحرب العالمية الثانية ما بين عام 1939م وعام 1945م عملت مساعدة صيدلية في مستشفى كلية الجامعة في لندن وحصلت على معرفة جيدة بالسموم التي توجد في العديد من رواياتها وعند بلوغها سن الخامسة والثمانين في عام 1975م وقبل مدة قصيرة من وفاتها كانت قد أنتجت 85 كتابا بمعدل كتاب لكل سنة من عمرها وهو رقم عالي يعكس القدرة على الإنتاج والكتابة ويتساءل زوجها مالوان في مذكراته كيف نفسر هذه الظاهرة ويجيب علي نفسه بقوله إنها بلا شك كانت ناشئة عن حالة دائمة من الخيال الجامح وقد إعتبرت هذه الكاتبة مسألة الرفقة والإنسجام في الحياة الزوجية عنصرا جوهريا في السعادة الزوجية كذلك مشاطرة الخبرات والمشاعر والأفكار والتعبير المبهج عنها ولعل هذه الأمور مجتمعة كانت من أسباب نجاح ديمومة زواجها من مالوان والذى دام حوالي 46 عاما أي حتي وفاتها عام 1976م ومن طريف ما يروى عنها أنها كانت كلما يوجه لها سؤال عن سر تعلق مالوان بها وحبه لها كلما تقدمت في العمر وهي تكبره أصلاً فتجيب بلا خجل قائلة إنه أمر طبيعي فزوجي عالم آثار يعشق الآثار القديمة .


وعن منهج أجاثا كريستي في كتابة قصصها ورواياتها فلطالما رددت قولها بأن أعظم متعة يحس بها المؤلف هي إختراع الحبكاتِ ففي قصصها ورواياتها كما في مسرحياتها نجد ذلك الكم الهائل من الألغاز والحبكات الغامضة سواء كان ذلك في البناء القصصي أو البناء الدرامي أو في الحوار أو الشخصيات بل حتي في إختيار مواقع الأحداث التي غالبا ما تكون مشوقة مثل المواقع الأثرية والمدن الشرقية والمعابد والقصور ذات الطابع المتميز والفنادق المتميزة والقطارات أو الطائرات والصحارى والأنهار التي لها تاريخ وغيرها وفي العادة تلجأ الكاتبة إلى تكنيك قصصي يستند إلى الحيلة أو الخدعة كأسلوب إثارة وتشويق مفعم بالغموض محرك لخيالها الخصب يستدرج لغتها السيالة الإنسيابية في تيار متصل من السرد النثري المجرد والمتصف أحيانا بالإطناب والإطالة ولكي تبعد الملل عن القارئ تعمد إلى إقحام بعض الألغاز والرموز التي تحتمل التأويلات والتفسيرات المتضادة في آن واحد معا وبذلك تشد القارئ إلى متابعة الحدث دون أن تبتعد به عن المحور الأساسي للبناء الدرامي الذي خططت له بإتقان لكي لا يخرج عملها مسطحا فجا وفي حالات قليلة تعمد إلى إدخال واقعة من حياتها في رواية أو قصة بعد إجراء تمويه يضيع فرصة الكشف عن حقيقتها من ذلك ما أشار إليه زوجها مالوان في مذكراته فيما يخص رواية التجويف الممسرحة حيث يقول وهناك إشارة ترتبط بحدث في حياتي أود أن أذكره حيث يقول سير هنري في الرواية هل تتذكرين يا عزيزتي أولئك الأشقياء الذين هاجمونا في ذلك اليوم في الجانب الآسيوي من البوسفور كنت أصارع إثنين منهم كانا يحاولان قتلي وما الذي فعلته لوسي أطلقت رصاصتين لم أكن أعرف أن لديها مسدس كانت أصعب نجاة في حياتي هذه حكاية حقيقية والفرق الوحيد أن أجاثا على خلاف الليدي إنكاتيل في الرواية كانت قد سلحت نفسها ليس بمسدس بل بصخرة مستديرة ويجب علينا ملاحظة أن أجاثا كريستي لم تأخذ كروائية جرائم أحداث رواياتها من سجلات الشرطة أو المحاكم كما فعل غيرها من كتاب روايات الجريمة والقصص البوليسية أمثال روايات مع سبق الإصرار والترصد لترومان كابوت عام 1967م وأغنية الجلاد لنورمان ميللر عام 1979م وإني اتهم لجراهام جرين عام 1981م وجرائم قتل في أطلنطا لجيمس بولدوين عام 1985م بالإضافة إلي قصص الكاتب الروسي سومرست موم المختلفة وعلاوة علي ذلك فقد تميز منهج كريستي بالإبتعاد عن التأويل الرمزي للحدث ومنح القارئ متعة الوصول إلى التأويل الواقعي وفك طلاسم الغموض والغوص في بحر التشابك الساحر لعلاقات أشخاص الرواية ببعضهم من جهة وبالحدث من جهة أخرى بحيث تضع الجميع القارئ والحدث وأبطال الرواية تحت رهبة قدسية المكان الذي إختارته مسرحا لأحداثها وغالبا ما يكون هذا الموقع كما ذكرنا أسطورياً ساحرا كما تميز منهجها أيضا بأنها تحرك الأبطال والأشخاص وفق صيغ دراماتيكية مزدحمة بالخلفيات والتفاصيل وتتصاعد حرارة الأحداث لتصدم القارئ بنهايات مفجعة بيد أن الكاتبة تقدم تراجيديا الفجيعة على أنها حدث عابر يتقبله القارئ المستمتع على أنه أمر لابد منه وهكذا هي الحياة في رأي أجاثا كريستي تيار جارف متصل لا يتوقف مفعم بالتفاصيل والمفردات ولا تتوقف لإنتظار أحد أو للحزن عليه وكأنما بذلك تنبأت بنهايتها ورحيلها يوم 12 يناير عام 1976م .


وعن اللحظات الأخيرة في حياتها يقول زوجها مالوان توفيت عزيزتي أجاثا بسلام بينما كنت أدفع كرسيها ذي العجلات إلى حجرة الجلوس بعد تناول طعام الغذاء ولا يعرف سوى القليلين معنى العيش بإنسجام بجانب ذهن واسع الخيال مبدع يلهم الحياة بالحيوية لقد كانت أجاثا كريستي روائية مدهشة حقا إمتلكت لغتها وأسلوبها وطريقتها في بناء الرواية وإحتفظت بذاكرة قوية تخدم تعاقب الأحداث في رواياتها وقصصها وتتفنن في تحريك أبطالها وفق السياق الدرامي الذي إختارته لكل رواية وقد إستخدمت الألغاز والخرافات والحقائق التاريخية أو المعاصرة على حد سواء وبنفس الدرجة من الوضوح أو الغموض ولا يسعنا سوى أن نقول إن أجاثا كريستي قد تربعت على عرش روايات الجرائم الإنجليزية طوال نصف قرن دون مزاحمة ولعل دراسة الناقدة البريطانية جوليان سيمونز عن أدب الجريمة وتقنيات روايات الجرائم التي صدرت بعدة طبعات منذ عام 1985م تمنح أجاثا كريستي المكانة التي حققتها في ميدان أدب الجريمة على صعيد عالمي وقارئ كريستي بالإنجليزية يلحظ دون أدنى شك أنها إستخدمت لغة وسطى سلسة وسيالة فلم تكتب بلغة شكسبيرية عالية رغم أنها إرتقت بأعمالها عن مستوى الإنجليزية المتداولة بمعني لغة المحادثة اليومية ولعل هذا يفسر رواج قصصها ورواياتها لدى الأوساط الشعبية في بريطانيا وأوروبا وما وراء البحار كما يفسر سهولة ترجمتها إلى مختلف لغات العالم. وقد توفيت كريستي بسلام كما ذكرنا في السطور السابقة في يوم 12 يناير عام 1976م عن عمر يناهز 86 عاما لأسباب طبيعية في منزلها ودفنت بالقرب من باحة كنيسة سانت ماري تشولسي بعد أن إختارت قطعة أرض لمثواها الأخير مع زوجها السير ماكس مالوان قبل عشرة أعوام من وفاتها وحضر مراسم الجنازة البسيطة نحو 20 مراسلا من الصحف والتليفزيون جاء بعضهم من مناطق بعيدة مثل بعض دول قارة أمريكا الجنوبية وزين قبرها بعدد 30 إكليلا من الزهور كان منها إكليل من طاقم تمثيل المسرحية طويلة الأمد مصيدة الفئران وآخر أرسلته دار نشر لارج برينت بوك في أولفيرسكروفت بالنيابة عن العدد الكبير من القراء الممتنين .وكانت كريستي قد أنجبت طفلها الوحيد من زوجها الثاني السير ماكس مالوان ولها حفيد منه هو ماثيو بريتشارد وقد توفي مالوان الذي تزوج من جديد في عام 1977م بعد عام تقريبا من زواجه الثاني في عام 1978م عن عمر يناهز 74 عاما ودفن بجانب كريستي ويتبقي لنا أن نقول إنه قد قيل عن أجاثا كريستي إنها قد تمتعت بشخصية بارزة في تاريخ أدب الروايات البوليسية كما قالت عنها صحيفة ذي تايمز ما نصه “قد أصبحت أجاثا كريستي هي الملكة دون أدنى شك”. بعد موت الكاتبة والشاعرة الإنجليزية والتي قامت بتأليف بعض القصص والروايات البوليسية دوروثي سايرز في عام 1957م، كما كان من أهم أقوالها المأثورة :-

-- لا يستوعب المرء اللحظات ذات الأهمية الحقيقية فى حياته إلا عندما يكون الأوان قد فات .
-- السعداء فاشلون لأنهم على علاقة جيدة مع أنفسهم لدرجة تجعلهم لا يبالون .
-- بإمكان أى إمرأة أن تخدع رجلا إذا أرادت حتي إذا كان يحبها .
-- لا تفعل بنفسك ما يمكن أن يفعله لك الآخرون .
-- إن تمسك المرء بمبادئه بصرامة أكثر من اللازم فلن يقابل أحدا .
-- أفضل زوج يمكن للمرأة أن تتزوجه هو عالم آثار فكلما زاد عمرها زاد إهتمامه بها .