abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool الرئيسية abou-alhool
بانوراما
فرعونيات
بلاد وشركات
الحدث السياحي
سحر الشرق
سياحة وإستشفاء
أم الدنيا
حج وعمرة
أعمدة ثابتة
درجات الحرارة
اسعار العملات
abou-alhool
الفجالة.. تاريخ وطن
الفجالة.. تاريخ وطن
عدد : 11-2020
بقلم المهندس/ فاروق شرف
استشاري ترميم الاثار

مازلنا بشارع رمسيس الملكة نازلى ( سابقا ) .. وبالدخول يمين مسجد الفتح ( أولاد عنان ) سابقاً .. وجدنا حى مشهور للجميع ومن أقدم الأحياء وهو الفجالة.

التاريخ لا تصفه الأحداث الكبرى فقط، هناك تاريخ آخر ، تاريخ مواز غير ذلك الذى يدرسونه فى الكتب المدرسية، ويدونونه فى دفاترهم الرسمية، هو ذلك التاريخ الذى يصنعه البشر، وتحتضنه الأماكن ، تخبئه ما بين ضلوعها ، وخلف جدران بناياتها ليكون بمثابة سرها الدفين الذى لا تبوح به إلا للخلصاء.

تصطفى المدن شوارعها ، وتختار الشوارع مريدوها واحبائها تعرفهم كما يعرفونها تترك على وجوههم علاماتها ويتركون على جدرانها شيئاً من أنفاسهم وأحلامهم وأحباطاتهم ياتمنونها على أسرارهم ويفضون لها بحكايتهم لتصبح هى هكذا جزء من الحكاية ، واحياناً تكون الحكاية كلها، يختفى البشر ويذهبون وتظل الشوارع، الحكايات شاهدة على تاريخ من عرق ودموع وابتسامات.

الفجالة إحدى هذه الشوارع التى أصبحت تروى تاريخ الناس وتاريخ الوطن ، وطن اختارته الدنيا ليكون محورها وقلبها النابض برغم الإنكسارات وضربات الزمن الموجعة ، وطن لا تقدر قيمته أرصدة البنوك ، ولا يمكن ان تلحفه مؤشرات الأسهم في البورصة، لكن قيمته الحقيقية فيما يصنعه أهله من معجزات يومية وقدرة مذهلة على المقاومة وحب الحياة والإبداع ، ذلك الإشعاع الذى تطلقة القلوب والعقول فينبت وروداً من تحت الركام .

الذاهبون إلى الفجالة الآن سيعرفون كل شئ عن الشارع وحكاياته وتاريخه ودوره فى الفن القديم والثقافة المصرية ،الذاهبون إلى الفجالة سيجدون ثورة اهلها على السيراميك من خلال الرهبنة اليسوعية التي أبت إلا أن تعود الثقافة كما كانت غير مفرقة بين ثقافة إسلامية أو مسيحية وبصرف النظر عن الطائفة التى تنتمى لها.

والبداية كانت منذ عدة اسابيع ، المكان استديو ناصيبيان القديم ثانى أقدم استديو سينمائى فى مصر، الحدث برامج ثقافية وترفيهية تقام على مدار العام لتعريف الفجالة وأهلها بتاريخهم القديم ، واهمية البيوت التى يسكنونها والشوارع التى يسيرون فيها، ولتكن البداية من استديو ناصيبيان، وكان ضمن خمسة استديوهات وحيدة " مصر- الأهرام- النحاس- جلال- ناصيبيان" ومنه ومن البيوت المجاورة له
خرجت أشهر افلام السينما المصرية: عروس النيل، الفتوة، المعجزة، شفيقة ومتولى، شئ فى صدرى،أم العروسة والحفيد، وفيلم باب الحديد للمخرج الكبير يوسف شاهين الذى تناول فى فيلمه شارع الفجاله نفسه كأحد اهم شوارع باب الحديد، كذلك فيلم الحفيد الذى تناوب التصوير فيه ما بين الأستديو والبيت المقابل له، ومنه ايضاً جاءت معظم مشاهد فيلم "شفيقة ومتولى".

كانت أكثر فترات عمل ستديو ناصيبيان إزدهاراً فى الفترة من نهاية الحرب العالمية الثانية الي ثورة يوليو- 1945ـ1952 –
وتمثل هذه المرحلة العصر الذهبي الأول لصناعة السينما حيث كان متوسط الإيرادات من داخل مصر و خارجها مائة ألف جنيه و تم ترسيخ أنواع الأفلام المصرية علي الطريقة الأمريكية الهوليودية و لم يعد هناك نوع واحد لا يوجد في الأفلام المصرية ،وظهر نظام النجوم كما عرف في هوليود تماما , ووصل أجر النجم إلي أكثر من نصف التكلفة الإجمالية للفيلم.

الفجالة هى المنطقة الأشهر فى الكنائس فبها 8 كنائس منها: العدرا، الأدفنست ، الأرمن، المعمدانية، الأجريج، الروح...

يقع الآستديو أول شار ع المهرانى ، والمهرانى نفسه هو اول من أطلق على الفجالة هذا الإسم، حيث كانت منطقة خالية من السكان بل ومزروعة بالفجل فكان اول من بنى فيها بيتاً ومسجداً ومستشفى ، واطلق عليها منطقة المهرانى او منشأة المهرانى،

ويقال فى تاريخ المنطقة أن أول من قام بتعمير المنطقة وزراعتها على شكل بستان كبير هم الإخشيد وتحديداً الأمير أبو بكر محمد بن طغج افخشيدى الذى حكم فى 935م ، اما فى العصر الفاطمى فقد كانت مرتعاً للهو ، ولئلا يراهم الناس فى التردد على أماكن الهو فى الفجالة أقاموا الانفاق والسراديب تحت الأرض من الأزهر إلى الفجالة ، وهذا يفسر انتشار الخمارات بشكل كبير فى المنطقة على مر العصور.

أما الخديوى اسماعيل فقد انشأ سكة الفجالة لتأخذ الشكل المدنى الحديث ولتكون اهم منارات الثقافة فى مصر القديمة .. ثم جاء بعد ذلك قرار الخديو إسماعيل بإنشاء سكة الفجالة لتكون نقطة تحول فى تاريخ المنطقة ويمتد الشارع الأن من ميدان رمسيس إلى شارع بور سعيد.

أهم ما يطالعك عند دخولك الفجالة هي تلك اللافتة التي تؤكد علي المساواة بين الجميع داخل المنطقة موظفين ورواد ، بغض النظر عن طبيعة وظائفهم أو مستواهم الاجتماعي فالجميع يعمل بروح المشاركة والرغبة في تقديم خدمات للحي واهله

اليوم تغيرت التركيبة السكانية فمعظم الموجودين بها حالياً ليسوا من سكانها القدامي قليل من الأسر هي التي ما زالت تقيم في الفجالة ، غير ان هذا التغير لم يقض علي روح التعاون والمحبة خصوصا بين المسلمين والمسيحيين وأن روح مصر القديمة ما زالت موجودة بالمكان حيث التسامح ، وتقبل الآخر والتعايش معه ، فما زلنا تقام حفلات الأفطار الجماعي في رمضان كما أن الكنيسة تقدم الخدمات الاجتماعية لأهل الحي جميعا مسلمين ومسيحيين ، وكذلك يفعل المستوصف الخيري الإسلامي الموجود بنفس الشارع وعلي بعد خطوات من الكنيسة .

لا أحد يتحدث عن الفجالة دون أن يذكر المكتبات والأدوات الدراسية التى انتشرت فى المنطقة، بلومحلات السيراميك التى حلت محل الكتب القديمة محلها ، وبالتحديد مكتبة الهلال كأول مكتبة ظهرت في الفجالة او كامل صدقى حالياً والتى أسسها ابراهيم زيدان قريب الكاتب جورجى زيدان فى عام 1889 م وظلت تعمل لما يقرب من ال100 عام لكنها اندثرت بعد ذلك مع الكثير من معالم الشارع.

المكتبات منتشرة الان فى الفجالة لكن معظمها لبيع الكتب المدرسية الخارجية والأدوات المدرسية والعاب الأطفال ، لكن بقى ثلاث مكتبات ابت إلا أن تقتصر على الكتب والتراث كما كانت تفعل قديما مبتعدة تماماً عن ثورة السيراميك والأدوات المدرسية، اولها مكتبة " مصر" التى أسسها سعيد جودة السحار عام 1932 وعنها يقول مديرها امير سعيد جودة السحار: فى هذا الوقت أسس والدى المكتبة حيث كان خريج كلية الأداب من الجامعة المصرية، وعمل بالترجمة لمدة عام فوجد ان المكتبات تسرق عمله ومجهوده فاشترى المكتبة وكان اسمها مكتبة مصر لبيع الطباشير واسنان الأقلام ، وحولها لنشاط الكتب فكان يؤلف ويطبع خارج المطبعة، ثم بدا يشترى المطبعة البدائية .

فى هذا الوقت كانت المكتبيات تنشر لكبار الادباء والكتاب مثل طه حسين ولم يجد الشباب متنفساً لأعمالهم ، فقرر : عبد الحميد جودة السحار بعد استشارة والدى عمل لجنة النشر الجامعية ومن خلاله يتبرع كل أديب من الشباب بمبلغ لينشروا أعمالهم من خلال المكتبة ، وبالفعل نشروا اعمالهم لكن لقلة هذه الأموال كان ينشر عمل واحد فقط كل شهر، فاشترك كل من طه حسين وعبد الحميد جودة السحار وعلى أحمد باكثير ونجيب محفوظ ، و أنه فى عام 1943 حينما رأى عبد الحميد جودة السحار رواية" رادوبيس" قال لنجيب محفوظ ان هذه الرواية تستحق نوبل، وبعد فترة وبعد ان حصل على نوبل قال للسحار : اتذكر حين قلت لى أن الرواية تستحق نوبل، لقد كنت صادقا.
 
 
الصور :