الاثنين, 25 مايو 2026

abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
الرئيسية
بانوراما
فرعونيات
بلاد وشركات
الحدث السياحي
سحر الشرق
سياحة وإستشفاء
أم الدنيا
حج وعمرة
أعمدة ثابتة
درجات الحرارة
اسعار العملات
abou-alhool

رسالة من حفيد الفلاح الفصيح
الحرية .. والعدالة عند القدماء المصريين

رسالة من حفيد الفلاح الفصيح
الحرية .. والعدالة عند القدماء المصريين
عدد : 01-2013
تُعد قصة الفلاح الفصيح برسائلها التسع من أقدم القصص الفرعونية، وتأتي أهميتها ليس فقط بسبب زمنها- الذي يعود إلى نهاية الألف الثالثة قبل الميلاد- ولكن بسبب أنها تُعد أهم وثيقة تتحدث عن العدل وأهمية أن يتحلي به الحاكم او ولى الامر بالدولة، وأهمية أن يدفع الظلم عن المظلومين ويردع ويعاقب الظالمين والمفسدين، فضلا عن أنها تكشف بُعدا آخر وهو سعة صدر الحاكم ووعيه الشديد الذي تجلي في رغبته من أن يستفيد من نصائح الفلاح!!!. والتي أعطت الفرصة للفلاح المظلوم لكي يواصل طرح مظلمته ولا يتوقف عن مخاطبة الحاكم من خلال شكواه التسع.


أما فيما يتعلق بفكرة العدل فهي تطرح نفسها دائما وأبدا، طالما كان هناك إنسان وطالما كان هناك ظالم ومظلوم، وقاهر ومقهور، وقامع ومقموع. وستظل تلك الفكرة جديرة بالاهتمام والتناول فى كل العصور لأنها ستكون في نهاية الأمر في صالح المجتمع الذي يطبقها وكذلك في صالح الحاكم الذي يسعي إليها.... إلى حد ان تُصبح فكرة العدالة هي الفكرة التي لايمكن أن يبتعد عن تحقيقها بل ويتبناها أي مجتمع محترم يسعي نحو التقدم ويسعي إلى احترام أفراده. وتحقيقا لفكرة أخري لاتقل أهمية عن فكرة العدالة وهي فكرة الحرية. وهى علاقة بين الفكرتين دائما ما تُطرح أهميتهما وتُطرح المشكلات المتعلقة بهما وتدفع المفكرين والفلاسفة منذ أقدم العصور إلى مناقشة أمورهما من زاوية أيهما الاسبق من ناحية الاهتمام الحرية أم العدالة ؟! .. ولكن يمكن ان نقول انهما مفهومان متشابكان لا يستغني أحدهما عن الآخر. وبالرغم من هذا يمكن أن يفترقا بل ويتعارضا، ويحدث هذا حين عندما يتحقق أي مفهوم منهما ولا يتحقق المفهوم الآخر، فما قيمة أن يكون هناك عدل في مجتمع من المجتمعات ولا تكون هناك حرية؟.. والعكس صحيح أيضا. وأحيانا يتم التغاضي عن فكرة العدل من أجل مزيد من الحرية بحجة أن الأفراد يحتاجون إلى حرية الرأي من أجل التعبير عن حياتهم ومعتقداتهم، لكنهم حين يستشعرون أن ثمة ظلم واقع عليهم برغم ما يمارسونه من حرية فإنهم سرعان ما يعودون إلى المناداة إلى تحقيق العدل قبل تحقيق الحرية، وذلك لرفع الظلم الواقع عليهم. وكما نري فإن العلاقة بين المفهومين علاقة مضطربة، ومن أجل ألا تصبح كذلك فلابد من السعي نحو تحقيق المفهومين بشكل متوازن بحيث لا يطغي أحدهما على الآخر، فلا معني للحرية مع غياب العدل، ولا معني للعدل مع غياب الحرية.


وعلي الرغم من أن قصة الفلاح الفصيح ترجع أحداثها إلى العهد "الأهناسي، في فترة حكم الملك (خيتي) أحد ملوك هيراكليوبولس (أهناس المدينة) في نهاية الألف الثالثة قبل الميلاد، أقول: على الرغم من ذلك فإن هذه القصة تكشف لنا، أن الرجل البسيط خلال هذه الفترة كان في استطاعته أن يرسل شكاواه ليس فقط إلى المسئولين في الحكومة بل في استطاعته أن يرسلها إلى الحاكم نفسه بدون وجود اى حواجز تمنعه من القيام بهذا الفعل، وعلي الرغم من أن العهد كان عهدا تسود فيه الفوضي ويعم الاضطهاد. إلا أن الحاكم لم يدر ظهره لشكوي الفلاح بل أهتم بها بل وأصدر أوامره بأن يواصل ما بدأه من تعبير عن الشكوي لإعجابه بأسلوب الفلاح وشجاعته في إبداء رأيه!! ولو الحاكم كان قد مارس أسلوب القمع مع الفلاح، لما كانت هذه الشكوي بما تحتويه من معاني وقيم قد وصلت إلينا باعتبارها أثرا بليغا وصالحا للتطبيق حتى اليوم.

وتتلخص تلك الخطب التسع التي تم تدوينها في شكل رسائل على ورق البردي، ان في بقعة من بقاع مصر التي تعرف الآن باسم (اهناسيا) بمحافظة بني سويف، كان يعيش فلاح فقيرفي مجاهل (وادي الملح) المعروفة الان باسم (وادي النطرون) معتمدا في رزقه على ما تنتجه أرضه من محاصيل، يذهب إلى المدينة لكي يبيعها ويعود بالمال الذي يكفيه لحياته المعيشية طوال العام وذلك الي أن يحين موعد الحصاد الجديد. وبينما هو يستعد لبيع محصوله في مصر تعرض له أحد الموظفين الكبار بالدولة ويدعي (تحوت نخت) حين رأي حميره المحملة بالمحاصيل وأشياءأخرى جمعها الفلاح لكي يبيعها، ففكر في الطريقة التي يستطيع بها الحصول على ما يريد. وتفتق ذهنه عن حيلة مؤداها: أنه أمر أحد رجاله بنشر بعض الملابس في الطريق الضيقة التي سيمر عليها الفلاح وحميره ونتيجة لذلك لم تستطع الحمير السير بسبب ضيق الطريق ويأكل حمار من الحمير حزمة من أعواد قمح الموظف فيتخذ من ذلك ذريعة للاستيلاء على متاع الرجل وحميره فهذا جزاء فعله كما قال!!! وطبعا عندما يطالبه الفلاح بإعادة ما سلبه منه عنوة يرفض ويقوم بضربه وإيذائه بدنيا ونفسيا. ومع بكاء الفلاح لمدة عشرة أيام محاولا استعطاف الرجل لكي يعيد له ممتلكاته وأمام تهاون الموظف في رد تلك الممتلكات ولإحساس الفلاح بأن كل محاولاته قد باءت بالفشل، لجأ بعدها إلى حاكم المقاطعة التي ينتمي إليها الموظف المغتصب، ويدعي (رنزي) فيشكو إليه ما حدث من قبل (تحوت نخت) فيقوم (رنزي) طبعا بجمع مجلس الأشراف ليفصل في هذا الموضوع. غير أن أعضاء المجلس لم يعلنوا حكمهم بسبب انحيازهم للأغنياء ونتيجة لذلك لجأ الفلاح إلى كتابة شكايته التي انبهر منها (رنزي). فرأي أن الأمر جدير بأن يعرضه على الملك وكان يدعي (نيكاو رع). ولما أُعجب الملك بفصاحة الفلاح!! أمر بألا يبت في أمره حتى يكرر الشكوي فيكون ذلك مصدرا للحصول على تسع رسائل أو خطب بليغة؟!!. وبعد انتهائه من كتابة الرسالة التاسعة يأمر الملك رئيس المقاطعة (رنزي) بإحضار الفلاح وتلبية مطالبه وتوقيع العقاب على المغتصب (تحوت نخت). وكانت العقوبة بالغة القوة ورادعة حيث أمر بأن تكون كل أملاك (تحوت نخب) الظلم والمتأمر ملكا للفلاح بما في ذلك بيته.


ويتبين لنا من خلال قراءة قصة الفلاح الفصيح، أنها أقدم رسالة فرعونية كتبها احد اجدانا الفراعنة البسطاء، استطاعت أن تُنتج آثارها في العصور التالية لها حتى وقتنا الحالى، الأمر الذي جعل مفهوم العدل مفهوما إنسانيا عاليا في قيمته وغاليا في تأثيره، فالفلاح الذي بدأ رسالته الأولي بنبرة إنسانية هادئة كما ذكرت لم يستطع أمام إهمال رسائله وشكايته أن يحافظ على هدوئه، فنراه في الرسائل التالية وقد ارتفعت نبرة الغضب رويدا رويدا حتى أصبحت أقرب إلى الصياح والاحتجاج..... (من الثانية حتى الثامنة) لنتبين كيف أن الفلاح كان فصيحا بالفعل، حيث نراه يضع قواعد الممارسة الفعلية لفكرةالعدالة وليس فقط الحديث المجرد عنها، وهذه القواعد لا تختلف كثيرا عن القواعد التي وضعتها القوانين المعاصرة لنفس الفكرة والرسائل بهذه الصورة لتكشف عن مدي وعي المصري القديم بتلك الأفكار الحرة و التي تعرضت لها الفلسفة الحديثة حتى الان، ثم استفاد منها المشرعون حين قاموا بتشريع القوانين.


هذا الوعي هو ضمير الانسان الذى هو عدالة اللة فى الارض، وهذا هو الذي ميز الشخصية المصرية القديمة وجعلها بالفعل ممثلة لأقدم حضارة في التاريخ، فالمصري القديم حتى ولو كان فلاحا فقيرا يملك من الوعي ما يمكنه من الوقوف في مصاف المثقفين بعقله ووعيه ليس بما يملكه او بنسبه الذى ينتمى اليه كهبه من الله؟؟ واخيراً فبهذا الوعي الحضاري يجبر الحاكم على الانصياع لطلباته، طالما أنها طلبات تصب في صالح الإنسان قبل أي شيء آخر. ولو أن الحاكم كان دكتاتورا مثلا؟ لما تنبه إلى أهمية تلك الخطابات ولأهمل ما جاء في هذه الرسائل الطويلة، وربما كان قد ادخله المعتقل اومنعه الطعام ليموت مقموعا ومقهورا. لكن الذي حدث عكس ذلك تماما، إذ إن الحاكم انتبه لوعي ويقظة الفلاح وعمق تفكيره وقدرته الفائقة على الاحتجاج الحضاري غير الانفعالي الاحتجاج المثمر الذي يجبر الآخرين مهما كانت سطوتهم على احترام طلباته واحترام لغته في المخاطبة، تلك اللغة التي تُفصح عن انفعالات الفلاح البسيط المتباينة تبعا لطبيعة الظرف وتبعا لما بداخله في اللحظة التي يكتب فيها.


والآن نستحضر كل ما هو متعلق بفكرة العدالة بشكل مباشر، وعندما أقول بشكل مباشر فإنما أعني العبارات التي جاءت فيها كلمة (العدل) أو (العدالة) مباشرة، والتى كل ما سبق من سرد مرتبط بالفكرة ذاتها وليس منفصلا عنها يجيء أحيانا شرحا واضحا، وأحيانا يجيء بمثابة ضرب أمثلة وأحيانا أخرى يجيء تعبيرا عن أحاسيس داخلية يفصح عنها الفلاح في سياق خطابه. هذا الوعي المبكر بفكرة الحرية ومفهوم العدالة هو الذي أتاح فيما بعد للحكام وللأفراد العاديين فرصة التعبير عنهما في رسائل أخري وكتابات في مجال الشعر والقصة حتى الان لتعرفنا وتشد ابصارنا الى نماذج منها من خلال ما وصل إلينا من إنجازات الأدب المصري القديم.


فهذه القصة تحتاج إلى تمعن وقراءة جديدة من قبل كل حاكم أو ولى أمر ،ظالم أو غافل، لعلنا من خلالها نستكشف أبعادا مهمة تتعلق بمفهوم العدالة والحرية، اللتين أشرنا إلى أهميتهما معا في مقدمة هذا المقال، خاصة إذا وضعنا في الاعتبار أن الأمر قد تم قبل الميلاد بثلاثة آلاف عام!! !! ولا ننسى قول الله تعالى فى كتابه الكريم "إنما السبيل على الذين يظلمون الناس ويبغون فى الأرض بغير الحق أولئك لهم عذاب أليم" سورة الشورى42. وعن ابن عُمر رضي الله عنه ،عن النَّبي صلى الله عليه وسلَّم قال: "يا أيها الناس إياكم والظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة". .فهل يعيد التاريخ نفسه مرة أخرى الآن في مصرنا الحبيبة ونحن على مشارف عصر جديد بعد ثورة 25 يناير، نتمني أن ينتصر فيها مفهوم الحرية واالعدلة فى كل ارجاء البلاد حتى يتثنى لنا بناء مصر على ارض نظيفة سمادها الضمير والتقوى والقرآن وحب رسول الله .
 
 
دكتورة/ منال ماهر