كتب / عبد العزيز الفضالى
مدرس مساعد بالجامعة الإسلامية الدولية
هى أبرز ما يعبر ما يعبر عن تفاعل المرأة مع الشأن العام في عصر صدر الاسلام، سواء فى نضالها ضد الإسلام أو معه . وفى كل الأحوال فالإسلام هو الذى ملأها حماسا عظيما فأخرجها عن السلبية الأرستقراطية التى كانت تتمتع بها سيدات قريش . ثم انضمت إلى الإسلام فاندفعت فى حماس آخر لتكفر عن نضالها السابق ضده ..تعالوا بنا نجمع شتات سيرة أم حكيم من بين سطور التاريخ .
ظهرت أم حكيم فى مكة فى عصر النبوة حيث كان عمها أبو جهل (أبو الحكم بن هشام ) يتزعم بنى مخزوم وقريش فى حرب النبى وأصحابه . وقد تزوجت أم حكيم ابن عمها عكرمة إبن أبى جهل وسارت مع اسرتها فى الطريق المضاد للإسلام . وتلاحقت الأحداث من اضطرار المسلمين للهجرة من مكة إلى المدينة ، ثم نشوب أول حرب بين الفريقين فى بدر ، وكان أبو جهل يتزعم المشركين ، وقد لقى مصرعه ، وإنهزم جيشه . وهنا بدأ دور عكرمة بن أبى جهل وزوجته أم حكيم فى الظهور والزعامة . وشهدت المعركة التالية فى" أحد" تلك الزعامة المبكرة لعكرمة وزوجه إلى جانب أبى سفيان وزوجه هند ، وكان الجميع ينشدون الثأر لمقتل الآباء والأخوة والأعمام من سادة قريش فى بدر .
وانتهت المعركة بانتصار قريش على النبى وعادت أم حكيم وزوجها وأبو سفيان وهند وقد شفيت صدورهم ، واستمر عكرمة يؤدى دوره مع أبى سفيان فى حرب المسلمين فى غزوة الخندق "الأحزاب" واضطرت قريش لصلح الحديبية الذى لم يكن عكرمة سعيدا بتوقيعه، لذلك قام بنقض المعاهدة فأدى ذلك إلى مفاجأة النبى لقريش بجيش ، فلم يسعهم إلا التسليم بزعامة أبى سفيان . ولكن اتفق عكرمة مع صديقه المبتور صفوان بن أمية و آخرين على مقاومة الجيش ، وكانت معركة انتحارية يائسة تسمى الخندمة نتج عنها فرار صفوان وعكرمة ، وقال أحدا الهاربين لامرأته:
انك لو شهدت يوم الخندمة إذ فر صفوان وفر عكرمة
هرب عكرمة من مكة بعد أن أسلمت قريش وأسلمت زوجه أم حكيم ، وقابلت النبى وتكلمت معه فى الصفح عن زوجها فاستجاب لها وأعطاها أماناً لعكرمة حتى يعود لأهله فى سلام ، وله البقاء على دينه إذا شاء ، وتمتع صفوان بن أمية بنفس الأمان.
إلا إن عكرمة كان قد انطلق إلى اليمن ليعبر منها إلى الحبشة ، وسافرت خلفه زوجه أم حكيم لتبشره بالأمان وتعود به . وكان رفيقها فى السفر أحد عبيدها كانت تحسبه نعم الرفيق ولكنه فى الطريق أراد الغدر بها والاعتداء عليها ، ولكنها استطاعت أن تتغلب عليه وأن تقتله . أما عكرمة فقد وصل إلى البحر وتفاوض مع صاحب سفينة أن يحمله إلى الحبشة ، ولكن الرجل قال لعكرمة " يا عبد الله لا تركب سفينتى حتى تؤمن بالله وحده فأنى أخشى إن لم تفعل أن تغرق السفينة". وحاول عكرمة أن يثنى الرجل عن هذا الشرط ولكن الرجل صمم قائلا : " لا يركب سفينته أحدا إلا إذا أخلص لله قلبه " .فتركه عكرمة متعجبا وسأل نفسه :" لماذا إذن أفارق بلدى وقومى فما جاء محمد إلا بمثل هذا ". وهكذا أسلم عكرمة قبل أن تعثر عليه زوجته ، ولكن ظل تاريخه فى حرب النبى عائقا دون رجوعه إلى مكة. وجاءه الفرج بعثور زوجته عليه ، وعادا إلى مكة ودخل معها فى دور جديد . كان صادقين فى كراهيتهما للإسلام والنبى ثم أصبحا بنفس الصدق متحمسين للإسلام والنبى ، بل كان ماضيهما السابق يلح عليهما فى القيام بعمل دؤوب يعوض ما سبق ويكفر عنه.
لذا كان عكرمة وزوجته على رأس الجيش الذى بعثه أبو بكر لحرب مسيلمة الكذاب فى اليمامة(نجد) .وبعد القضاء على حرب الردة وفى أهم مراحل الفتوحات العربية أرسل أبو بكر عكرمة مع خالد بن سعيد بن العاص لفتح الشام سنة 13 هجرية . ولم يكن خالد بن سعيد بن العاص يدانى عكرمة فى مهارته الحربية ، ولكن يبدو أن أبا بكر لم يكن يطمئن تماما إلى أن يعهد لعكرمة بن أبى جهل بقيادة الجيش ، برغم إلحاح عمر على تولية عكرمة محل خالد بن سعيد . وانهزم خالد بسبب تسرعه فهرب أمام أسوار دمشق وثبت عكرمة فى المؤخرة وحمى الجيش ، وكانت معه أم حكيم تقاتل الروم كما يقاتل الرجال . وعكرمة أثناء وطيس المعركة وهو يقاتل ينشد شعرا عن فتاته الحسناء التى تشهد بطولاته وتشد بسيفها من أزره . وأصبح عكرمة قائدا لأحد الجيوش الأربعة التى تجمعت لملاقاة الروم فى معركة فاصلة.
لذلك أمر أبو بكر قائد الجيش العربى فى العراق خالد بن الوليد أن يترك جيشه مع من ينوب عنه وينتقل بأسرع ما يمكن إلى الشام يؤازر جيوش العرب المسلمين فيها أمام الروم. ووصل خالد فى فترة قياسية وقبل ساعة الصفر ، واتفق مع القادة على توحيد القيادة وأن يتولوها بالتتابع على أن يكون هو قائد اليوم الأول . وأعاد ترتيب الجيش الموحد على أساس جديد ثم أعطى عكرمة والقعقاع قيادة المقدمة.
وانطلق عكرمة ومعه زوجته أم حكيم بكل حماس وفدائية ليكتبا تاريخا جديدا يغطى التاريخ الماضى .ويذكر ابن اسحق أوّل مؤرخ للفتوحات أن أم حكيم كانت مع زوجها فى المعركة وأنها شاركت بالقتال بالسيف ومعها قوة من نساء قريش يقاتلن "حتى سابقن الرجال"!!
وأثناء احتدام المعركة كان عكرمة يصرخ فى الروم قائلا :" قاتلت رسول الله فى كل موطن فكيف أفرّ منكم اليوم " . وحين رأى وهناً بين الجيش بسبب كثرة الروم هتف بين شجعان المسلمين : من يبايعنى على الموت ؟ فتوافد إليه أشراف الفرسان ، منهم عمرو وأخوه الحارث بن هشام وضرار بن الأزور وأربعمائة من أشراف المسلمين ، فألقوا بأنفسهم فى هجمة انتحارية فى قلب الجيش الرومانى ، فنتج عن ذلك تخلخل الروم وإصابة الفرسان المسلمين جميعا بالجراح أو بالقتل.
جيء إلى خالد بن الوليد بعكرمة وابنه عمر وهما ينزفان ، فوضع رأسيهما على ساقه وأخذ يمسح الدم عن وجهيهيما ويقطر الماء فى حلقيهما ، وفتح عكرمة عينيه وهو يحتضر ونظر إلى ابنه وقال لخالد بن الوليد : " إنهم زعموا أننا لا نستشهد . بلى والله " ,ثم اغمض عينيه ومات . ومات ابنه معه. ورأت أم حكيم زوجها وابنها يموتان معا فى معركة واحدة،هى معركة اليرموك الفاصلة.
وحدثت بعد اليرموك معارك صغيرة استهدفت تطهير الشام من بقايا الروم ، وشاركت فيها كلها أم حكيم .
وبعد انقضاء عدتها بعد وفاة زوجها عكرمة تقدم لخطبتها اثنان من قادة المسلمين فى تلك الفتوحات ، وهما يزيد بن أبى سفيان وخالد بن سعيد بن العاص . وقد ارتضت الزواج من خالد بن سعيد بن العاص ، ودفع لها صداقا قدره أربعمائة دينار . وأراد خالد أن يدخل بأم حكيم فقالت :" لو أخرت الدخول حتى يقضى الله هذه الجموع؟ " أرادت تأجيل الزفاف إلى ما بعد النصر ، وكانا على وشك الدخول فى معركة هامة فى مرج الصفراء ، فقال لها خالد : إن نفسى تحدثنى أننى سأصاب فى هذه المعركة . فرقت له ووافقت ، وأقام لها خالد وليمة ودعا أصحابه وفرسان الجيش ودخل بها ، ويبدو أن الجيش الرومانى كان يعلم بما يحدث إذ فاجأهم بهجوم باغت ، وانطلق خالد من خيمته ـ وهو يجمع عليه ثيابه ـ يقاتل عصابة من الروم التفت عليه ، فأصيب وقتل ، وأسرعت أم حكيم ـ وهى ترتدى ثيابها ـ تقاتل الروم بعود الخيمة فقتلت به سبعة من الروم ، ودخل المسلمون والروم فى معركة تصادمية رهيبة أسفرت عن إبادة الروم فى مرج الصفراء . وعادت بعدها أم حكيم وقد تمزق دروعها وقتل زوجها .
ودخلت أم حكيم فى عدة جديدة بعد وفاة زوجها الثانى وقضتها فى حروب الشام ، وبعد أن انتهت تلك الحروب بالنصر عادت إلى المدينة تسبقها شهرتها ، فتزوجها الخليفة عمر بن الخطاب لتشارك معه فى صنع التاريخ . مع أن التاريخ ظلمها فلم يذكرها إلا بين السطور.!
|