بقلم الدكتور/ محمد رأفـت عباس
لازلت مصرا على أن علماء الآثار والمصريات المصريين لا يقومون بالدور العلمى والتاريخى المنوط بهم تجاه الصراع مع العدو الصهيونى الذى يحاصرنا فيه العدو على كافة الميادين والأصعدة العلمية . ففى علم الآثار لازال الصهاينة يخوضون بنجاح تهويد علم الآثار من خلال ما يسمى بالـ Biblical Archaeology أو علم الآثار التوراتى ، ويعمدون إلى الترويج له بنجاح بالغ وسط الأوساط العلمية الدولية وفى مختلف الجامعات والمؤتمرات العالمية . ومنذ أيام الاثارى البريطانى الشهير ويليام ماثيرو فلندرز بتــرى تمكن الصهاينة من وضع بذرة التهويد داخل علم المصريات بشكل بالغ مستغلين فى ذلك مجموعات من الاثاريين الانجليز من ذوى النزعة الصهيونية . ولعل سؤال البداهة الآن يكمن فى كيفية المواجهة ، وأنا أجيب بشكل مبسط فى أن هذا الأمر لم يتحقق إلا بمحو المصطلحات التوراتية الصهيونية من علم المصريات والحشد للمواجهة العلمية الحقيقية فى هذا المضمار ، وهى مواجهة قائمة على العلم والفكر ومقارعة الرأى بالرأى والحجة بالحجة والفكر بالفكر . فكم أثارى أو عالم آثار مصرى أو عالم مصريات مصرى لا يتبع العلماء الصهاينة فى مصطلحاتهم ومسمياتهم ؟!.. وأضرب مثلا بهذا فى تلك اللوحة الشهيرة والمعروفة لدى العلماء والاثاريين والمتخصصين ( مع الأسف الشديد ) باسم لوحة إسرائيل Israel Stela والتى قد عثر عليها فى عام 1896م بواسطة عالم الآثار الإنجليزى ويليام فلندرز بتـرى في معبد الملك مرنبتاح الجنائزي بطيبة ، وكان سببا مباشرا فى اطلاق هذه التسمية عليها نظرا لزعمه بأنها الأثر المصرى الوحيد الذى ذكر من خلاله اسم إسرائيل فى الآثار المصرية ، واللوحة الموجودة بالمتحف المصرى بالقاهرة تحت رقم (CGC 34052, JE. 31408) . لماذا نسير ورائهم ولا نسمى اللوحة باسمها العلمى الحقيقى وهو لوحة انتصارات الملك مرنبتاح The Great Victory Stela of Merenptah ، نظرا لتلك النظرية العلمية الصحيحة التى اثبتها عالم المصريات المصرى الجليل الدكتور رمضان عبده على من خلال دراسته لنصوص اللوحة ؟!!. فمن خلال كتاباته وأبحاثه المختلفة تمكن الدكتور رمضان عبده على من اثبات نظريته التى خلصت إلى أن النص الموجود فى السطر 27 من اللوحة وجاء فيه : « واستسلمت عسقلون وأخذت جازر ، وينوعام أصبحت كأنها لم تكن ، وخرب ( سهل ) يزريل ولم يعد له بذور ... » أن ترجمة العلماء لكلمة « يزريل » بإسرائيل خاطئة ويرى أنها تترجم بـ « يسيرارو » والمقصود بها سكان أو قبائل سهل يزريل أو جزريل ، وهو مرج ابن عامر من الناحية الشرقية الشمالية من جبل الكرمل والذى يمتد من حيفا غربا إلى وادي الأردن ، كما رأى أن وجود مملكة لإسرائيل على أرض فلسطين في هذه الفترة أمرا لم يظهر فى النصوص المصرية أو النصوص المعاصرة فى منطقة الشرق الأدنى القديم على الإطلاق .
كان هذا الأمر الذى ذكرته هو مجرد معلومة على سبيل المثال لا الحصر .. ويبقى السؤال متى يستطيع الاثاريين وعلماء المصريات المصريين من مجابهة التحدى العلمى الصهيونى وعقد هذه المؤتمرات المناهضة لصهينة الحضارة المصرية كما يتم محاولة صهينة كل شىء فى المجتمع المصرى فكريا وسياسيا وأخلاقيا ، بل والوقوف بالمرصاد أمام بعثات الأثرية الأجنبية ذات النزعات الصهيونية ومنعها من العمل فى مصر ، خصوصا فى منطقة شرق الدلتا ، المعروفة توراتيا باسم إقليم جاشان ، وهو الاقليم الذى شهد استعباد وخروج بنى إسرائيل من مصر .. ويبدو أن السؤال سيظل معلقا لفترة طويلة مع الأسف الشديد نظرا للحالة المبكية التى يمر بها علم المصريات والعمل الأثرى داخل مصر !
|