بقلم الدكتور/ محمود القيسوني
مستشار وزير السياحة ووزيرة البيئة السابق لشؤون السياحة البيئية
هناك قول متداول يردده المصريين منذ مئات السنين (مصر أم الدنيا ) دون البحث عن المقصود، فمنذ حوالي عشرون عاما إجتمعت مع عدد من العلماء الأجانب المتخصصين في علم الحفريات، وتبادلنا الحديث عن كنوز مصر في هذا المجال، وصرح رئيس الوفد أنه تأكد لهم فعلا أن مصر أم الدنيا بسبب تجربتهم العمليه التى استهدفت التنقيب عن حفريات لكائنات عاشت منذ ملايين السنين بعالمنا، فذكر أنهم في رحلاتهم بين دول العالم قاموا بجهود حفر مضنية لبلوغ حفريات العصور المختلفة من عمر الكره الأرضيه فكانوا ينقبوا لعدة شهور ليكتشفوا كائن متحجر في حجم الأرنب بينما علي أرض مصر وبالقطاع الشمالي لبحيرة قارون جبل يلقب ب"قطراني" كانوا ينصبوا خيام معسكرهم علي هذا الجبل ويقضوا أول ليله بالموقع وفِي الصباح ومع نفحات الهواء تنزلق حبات الرمال أمامهم لتظهر دون أي جهد منهم حفريات مذهله مختلفة الأحجام والأشكال مثل الفيل المقزم والقرود والدرافيل والسلاحف، وأكد لي أنهم مؤمنون أن مظاهر الحياه بكامل القاره الافريقية بدأت من جبل قطراني الذي يضم كنز هائل من الحفريات التي بدأ علماء العالم في اكتشافها أوائل القرن الماضي وكان منها هياكل وحشي الفيوم وهو كائن ضخم مدرع يشبه الخرتيت لكن قرنه علي هيئة رقم سبعه عرض واحده بالمتحف الجيولوجي المصري الذي تم هدمه والهيكل الثاني معروض كامل وبكل اهتمام بمتحف التاريخ الطبيعي بلندن حتي اليوم حيث يستمتع آلاف البشر كل يوم بمشاهدته .وأكد لي أن أرض مصر تضم كنوز هائله من الحفريات التاريخيه وأن المشكله التي تحد من تسليط الأضواء علي هذه الكنوز والتي تذكر في معظم المجلدات العلميه في دول العالم هو أن مصر الدوله الوحيدة في العالم التي هدمت متحفها الجيولوجي الرائع لبناء محطة مترو أنفاق ولم تقم ببناء متحف بديل وأهملت كامل كنوز هذا المتحف التي لا تقدر بثمن ولا مثيل لها.
المؤسف حقا أن المتحف الجيولوجي يتبع وزاره البترول ذات الإمكانيات الماديه الضخمه والحال قائم حتي اليوم . تلي ذلك إكتشاف الحلقه المفقوده بين السحليه الملك الضخمه التي كانت تسير علي اليابس والحوت أكبر الكائنات ببحار العالم اليوم وذلك بوادي الحيتان علي بعد عدة كيلوامترات غرب جنوب بحيرة قارون ثم اكتشاف بعثه أمريكيه لأول حفرية ديناصور مصري والذي يعتبر ثاني أكبر كائن في العالم بواحة البحريه أوائل القرن الحالي .
هذه نبذه ومقدمه واجبه تعمدت تسجيلها لإعداد القارئ الكريم للصدمة التاليه :فبعد دراسات علميه مستفيضه قام بها علماء أجلاء أعلنت منطقة جبل الخشب أو الغابه المتحجره والتي تقع شرق مدينة المعادي محميه طبيعية بموجب قرار رئيس مجلس الوزراء رقم ٩٤٤ لسنة ١٩٨٩ بمساحه إجماليه سبعة كيلومترات مربعه وشمل القرار أنها تكونت عبر ملايين السنين منذ ٣٥ مليون سنه خلال جزء من التاريخ الجيولوجي الهام والنادر حدوثه لذا وجب الحفاظ عليها وحماية هذه الثروه الطبيعيه النادره والفريدة كتراث حضاري وثقافي وعلمي و سياحي وتعتبر هذه المنطقة أثرا جيولوجيا نادرا لا يوجد له مثيل في العالم من حيث الاتساع و الإستكمال وأن سمكه يبلغ ٥٦ مترا مكون من طبقات من الرمال والحجر الرملي الغني بالحفريات وعلي سطحه تنوع كثيف من سيقان وجذوع الأشجار الضخمه المتحجره بأطوال من ١٥ متر حتي ٢٥ متر وأقطار حوالي المتر من عصر الأوليجوسيني . تلي هذا الإعلان العديد من الدراسات والأبحاث العلميه والكتب والصحف والمراجع لعلماء مصريين وأجانب بعدة دول من المهتمين بتاريخ الأرض وكنوزها وبعلوم التاريخ الطبيعي ودراسات الرواسب القاريه والحفريات.
ورغم كل هذه الحقائق العلميه المؤكدة حاولت وزارة الإسكان منذ حوالي عشرة سنوات اقتطاع مساحه كبيره من المحميه لتشييد مشاريع إسكان ولتحقيق هذا الهدف المناقض للقرارات والدراسات العلميه الموثقه والمؤكدة قدمت دراسه تدعي فيها أن المحميه لا قيمه جيولوجيه علميه لها وهو ما أثار فزعه اعلاميه قام بها علماء وجمعيات أهليه وناشطين بيئيون أدت إليّ صدور قرار من رئيس مجلس الوزراء بوقف هذه المحاوله وإحترام القرار الوزاري الخاص بالمحمية .
وقد دفعتني هذه التطورات الى تصوير حلقه وثائقية مدتها ساعه عن هذه المحميه وكنوزها الرائعه تحت إشراف السيده الدكتوره دريه شرف الدين للفضائيه المصريه ،وأذكر إنبهاري بكم سيقان الأشجار المتحجره المنتشرة علي كامل مسطح المحميه وتفاصيل التجاعيد الدقيقة المطبوعة علي جذوعها بتشكيلات هندسيه جميله لا وجود لمثلها علي أشجار اليوم.
للأسف الشديد قامت وزارة الإسكان بمحاوله ثانيه منذ شهر بدون ضجه اعلاميه ونجحت للأسف في تحقيق هدفها الغير مسبوق بموافقة وزارة البيئه و صدر قرار من رئيس مجلس الوزراء نشر بالصحف القوميه يوم الجمعه 30/ 6/ 2017 بتقليص مساحة المحميه.
أخيرا..عدة دول بها محميات غابات متحجره تنال كل الحمايه والإهتمام منها الولايات المتحده الأمريكيه، حيث توجد بولاية أريزونا حديقة الغابه المتحجره الوطنيه ومساحتها ستمائة كيلومتر مربع تضم كنوزاً من حفريات الأشجار المتحجره لكنها متناثرة وغير مجمعه بكثافه مثل الحال في محميتنا والتي سمحنا بزحف غابات الأسمنت علي كنوزها النادره لتدمرها.
|