بقلم / أحمد محي الدين
باحث دكتوراه فى علم المصريات والشرق الأدنى القديم
جامعة المنيا
كالمعتاد يحاول جميع الناس إلصاق التهم والأكاذيب بالحضارة المصرية القديمة ومن أشهر تلك الإفتراءات التى تواجه الحضارة المصرية هى جنسية فرعون موسي عليه السلام ، التى يشاع كثيراً بأنه مصرى الجنسية وليس ذلك فحسب بل يحصرون شخصيته حول ملك مصر المعظم رمسيس الثانى ، وهذا أمر عارى تماماً عن الصحة وما أنزل الله به من سلطان .
وللحديث عن هذا الأمر فقد قام به العديد من الآثريين من قبل وجميعهم قاموا بتوضيح معنى فرعون وأنها إسم علم وليس لقب لملوك مصر القدماء الذين أتخذوا ألقاب معروفة ومسجلة على جدران المعابد والمقابر وهذه الألقاب هى :
1- اللقب النسوت بيتى أى ملك مصر العليا والسفلى.
2- لقب سا – رع أى إبن المعبود رع.
3- اللقب النبتى أى المنتمى إلى السيدتان نخبت وواجت شعارى الجنوب والشمال.
4- لقب حور – نبو أى حورس الذهبى.
5- اللقب الحورى أى المنتمى إلى المعبود حور.
هذا بالنسبة لألقاب الملك المصرى المسجلة على جدران المقابر والمعابد المصرية إذن ليس من ضمنها لقب فرعون تماما ، اما عن أصل هذا اللقب فهو يرجع إلى كلمة " بر – عا " أى البيت العظيم والمقصود بها القصر الملكى ، ثم تم تحريف اللقب بعد ذلك عن طريق اليهود إلى " بر – عو " ثم إلى " فرعو " وأضاف لها العرب حرف النون فأصبحت فرعون ، وأطلقوها على جميع ملوك مصر.
نأتى الآن لأصل جنسية فرعون موسي عليه السلام وكيف برأ القرأن الكريم المصريين منه ، بداية القصة كانت الضعف الذى حل بملوك مصر العظماء فى نهاية الدولة الوسطى وما جرى من أحداث تسببت فى دخول قوم بدو رعاع جاءوا من أواسط أسيا ليس لهم حضارة ولا نظام مستقر ، بل كانوا مثل الجراد الذى يلتهم الأخضر واليابس ويدمر كل ما فى طريقه ، والذين عُرفوا بقوم الهكسوس.
جاء الهكسوس إلى مصر الحضارة والتاريخ العظيم من ألاف السنين والتى أقول أنها قد قربت فى ذلك الوقت ما يقرب من حضارة ال10 آلاف عام من التاريخ والتراث الإنسانى العظيم ، جاءوا إلى مصر مُحتلين مستعمرين ، دمروا المعابد المصرية ، أنتهكوا حرمة المقدسات المصرية ، أغتصبوا النساء وشردوا الأطفال وقتلوا الشيوخ.
أفعال همجية لا تخرج إلا من شعوب همجية لا إنسانية لها ، جاءوا إلى مصر ليدمروا تراثها وحضارتها ، وللآسف الشديد تمكنوا من حكم دلتا مصر لفترة طويلة من الزمن تُقدر بنحو ستمائة عام واكثر غيروا خلالها العديد من ملامح الحضارة المصرية العريقة.
وفى بداية حكمهم يشاء المولى سبحانه وتعالى أن تحدث فى أرض كنعان ببلاد الشام حادثة موجعة مؤلمة تنم عن الحقد والحسد الذى أصاب أخوة يوسف الصديق عليه السلام فأرادوا قتله وإبعاده عن أبيه يعقوب النبي عليه السلام ، ولكن الله لم يشأ بذلك فأنقذ نبيه يوسف من غدر أخوته ومكرهم وأراد له الملك والعزة فى أرض مصر.
وبعد دخول نبى الله يوسف الصديق إلى مصر وهو طفل صغير كما ذُكر فى سورة يوسف بالقرآن الكريم ، تمت إستضافته عند وزير مصر من حكام الهكسوس الذين سكنوا شمال مصر عند مدينة أواريس التى جعلوها مقراً لحكمهم فى الدلتا ، وكبر يوسف وحدث ما حدث من قصته مع زُليخة زوجة الوزير الهكسوسى – وإسمها هو إسم أسيوى وليس مصرى – وكبر يوسف وأصبح وزيرا لمصر وبدأ فى دعوته وأعماله من تعمير وإقتصاد فى مصر كما ذكر فى القرآن الكريم ، وفى نهاية مجده أستطاع أن يقنع الملك الهكسوسي آن ذاك بأن يسمح لبنو إسرائيل بدخول مصر وأن يعيشوا فيها مع أخيهم وزير مصر يوسف الصديق عليه السلام.
وبالفعل قد سمح الملك الهكسوسي بذلك ، وجاء بنو إسرائيل إلى أرض مصر وسكنوا فى مدينة أواريس جنباً إلى جنب مع الهكسوس المحتلين لأرض الدلتا .
وهنا بدات تتوالى الأحداث والصراعات بين اليهود والهكسوس الدخلاء على أرض مصر بعد مرور نحو ربعمائة عام من مكوثهم سويا ينهبون خيراتها ويسيئون معاملة أهلها المصريين شر معاملة ، إلى أن جاء اليوم المشئوم برؤية ملك الهكسوس فى منامه عن أحد ينزع ملكه وجبروته التى حاذها فى أرض مصر دون غيرها وكأن الله أذن له بزوال جبروته ومن معه من قائد جنده هامان وغيره.
وأمر " فرعون " ملك الهكسوس بقتل جميع أطفال بنو إسرائيل الذين يعيشون معه فى الدلتا حتى لا يهدد أحد أطفالهم حكمه بعد ذلك ، وهنا جاء أمر الله بحماية نبيه ورسوله " موسي " عليه السلام ، وكانت حمايته على يد من يريد قتله والفتك به " فرعون " المتجبر الذى يدعى الإلهية ، وكان الأمر لأم موسي كالتالى :
وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ أُمِّ مُوسَىٰ أَنْ أَرْضِعِيهِ ۖ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي ۖ إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (7)سورة القصص – آية 7.
أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ ۚ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَىٰ عَيْنِي ﴿٣٩﴾ سورة طه – آية 39.
والآن جاء دور التحليل والتفسير لتلك الأحداث والآيات الكريمات:
ذكرت فى البداية أن الهكسوس سكنوا دلتا مصر ولم يحتلوا مصر كلها ، وأنهم سكنوا فى مدينة أواريس فى محافظة الشرقية على ضفاف نهر النيل ، ومن الطبيعى أن يشيد الحاكم قصره فى أرقى مكان فى مملكته فشيد ملوك الهكسوس قصرهم على ضفاف نهر النيل ، وتبعهم فى ذلك المدعو " فرعون " ، وحين نأتى لرؤية جغرافيا مصر ونرى كيف يتجه نهر النيل فيها ، فنجده يسير من الجنوب إلى الشمال وليس العكس.
وحين نرى أمر الله لأم موسي بأن تلقي إبنها فى اليم – وهو فى اللغة العربية بمعنى النهر – حتى يسير ويصل بتابوته الصغير إلى ساحل بيت فرعون فمن الطبيعى أن يسير الجنوب إلى الشمال مع إتجاه النيل وليس عكسه.
اذن فالدليل الأول على أن فرعون موسي من الهكسوس هو :
1- مقر حكمه الموجود فى الدلتا فى نفس البلدة التى يعيش فيها بنو إسرائيل فيصل النعش أو التابوت الموجود فيه الطفل موسي إلى بيت فرعون بكل سهولة وذلك لقرب المسافة.
2- يدعى الكثيرون أن فرعون موسي هو الملك رمسيس الثانى ، وهذا إفتراء واضح لعدة أسباب ، أن رمسيس الثانى كان من ملوك الأسرة الـ 19 الذين سكنوا طيبة فى صعيد مصر – الأقصر حاليا – وكان ملك محارب قوى لا يخاف إلى آلهته الذين إستعان بهم فى حربه ضد الحيثين " معركة قادش " ، فكيف كان من يدعى انه الإله الأعظم أن يستعين بألهة أخرى فى حربه ضد قوم ضعاف مثل الحيثيين ، ألن يمنعه كبرياؤه من ذلك ؟؟؟؟
3- لقد كان من ضمن مواصفات فرعون موسي أنه عقيم لا ينجب ولذلك رغبت زوجته آسيا – وايضاً اسمها عربى أسيوى وليس مصرى – فى الإحتفاظ بالطفل موسي حين وجودوه ومنعته من قتله، أما رمسيس الثانى فقد كان له قرابة 167 إبناً وبنتا من زوجاته الكثيرات وملكة يمينه.
4- قال الله تعالى : وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا (16( سورة الإسراء – آية 16 ، وعليه فأقول إن الهكسوس فسقوا فى الأرض وقتلوا الأطفال واغتصبوا النساء وأنتهكوا حرمة المقدسات والمنازل وعذبوا بنو إسرائيل ولذلك دمرهم الله جميعا وأخفى أثارهم وأسمائهم وكل ما شيدوه فى مصر ولم يترك لهم شيئاً يدل على وجودهم ، ولكن على العكس ما هو قائم وموجود من آثار خلدت إسم الملك رمسيس الثانى فى كل مصر من أقصى الجنوب إلى أقصى الشمال ، وهذا دليل واضح على عدم إرتكاب رمسيس لفعل فرعون المتجبر يجعل الله يغضب عليه ويخفى آثاره وقومه.
5- أخيراً وليس أخراً هناك من يدعون أن الهرم الأكبر هو الصرح الذى أمر فرعون وزيره هامان أن يوقد له عليه ليطلع إلى إله موسي ، ولكن طبيعة بناء الحجر المصنوع منه الأهرامات جميعها هى حجر جيرى وليس طيني ليوقد عليه النار حتى يصبح صلبا ، هذا غير مدى الدقة والروعة وضخامة الحجم التى عليها الهرم الأكبر وكيف يستطيع قوم مثل الهكسوس بناء هذا الشئ الرائع الذى يعد العجيبة الأولى فى العالم فى مدة قصيرة تكاد تكون ايام قلائل دارت فيها أحداث صراع موسي عليه السلام مع المتجبر فرعون.
وفى الختام أدعو جميع المصريين المخلصين إلى بلدهم والغيورين علي تاريخهم من التشويه والإفتراءات أن يفكروا ويعملوا عقولهم جيدا قبل تصديق أى تراهات وادعاءات من اليهود وغيرهم لسرقة حضارتنا وتراثنا الإنسانى العظيم الذى له الفضل على البشرية جمعاء.
|