بقلم المهندس/ طارق بدراوى
tbadrawy@yahoo.com
ونعود مرة أخرى إلي يوميات حرب أكتوبر ودور الفريق الشاذلي فيها، ففي خلال ليلة 20/21 أكتوبر عام 1973م وأيضا خلال الليلة التالية لها أى ليلة 21/22 أكتوبر عام 1973م دفع العدو بفرقة مدرعة جديدة غرب القناة وبذلك أصبح للعدو عدد 3 فرق غربي القناة فرقة إيريل شارون شمالا في مواجهة الإسماعيلية وفرقتا الجنرال كلمان ماجن والجنرال إبراهام أدان تضغطان علي الفرقة الرابعة المدرعة في إتجاه الجنوب والتي كانت تقاتل ببسالة في ظروف غاية في الصعوبة حيث كان الطيران الإسرائيلي يسيطر علي سماء المنطقة علاوة علي تفوق العدو في المدرعات بنسبة الضعف وعلي الرغم من ذلك لم يستطع العدو إكتساب أراضي جديدة يومي 21 و22 أكتوبر عام 1973م وفي هذا اليوم الأخير صدر قرار بوقف إطلاق النار وعلي أن يبقي كل طرف علي أوضاعه ولكن لكي يفاوض الإسرائيليون من موقف قوة ولكي يملوا شروطهم علي مصر تم إستئناف القتال صباح يوم 23 أكتوبر عام 1973م بهدف إتمام حصار الجيش الثالث وإحتلال مدينة السويس أو محاصرتها علي الأقل وتحججت إسرائيل بأن الجيش الثالث قد إنتهك وقف إطلاق النار ولم تكن قد وصلت قوات الطوارئ الدولية التابعة للأمم المتحدة لمراقبة إلتزام الطرفين بقرار وقف إطلاق النار وتم تثبيت الفرقة الرابعة المدرعة بأحد الألوية المدرعة الإسرائيلية وإندفعت ثلاثة ألوية مدرعة أخرى جنوبا لتحقيق الهدف المشار إليه وهو حصار الجيش الثالث وتمكنوا من الوصول إلي ميناء الأدبية الذى يقع جنوب مدينة السويس وبحلول يوم 24 أكتوبر عام 1973م كانت القوات الإسرائيلية قد تمكنت من إتمام حصار الجيش الثالث ومدينة السويس كما قامت بشن غارات جوية مكثفة علي جميع معابر وكبارى الجيش الثالث ودمرتها تماما مما قضي علي أى فرصة لإنسحاب قوات هذا الجيش أو سحب أى قوات منه للعمل غرب القناة وهاجمت هذه القوات الإسرائيلية مقر قيادة الجيش الثالث ونجا قائده اللواء عبد المنعم واصل بأعجوبة حيث تمكن من مغادرة مقر القيادة قبل إقتحامه بدقائق قليلة وفي هذا اليوم والأيام التالية وحتي يوم 27 أكتوبر عام 1973م حاولت القوات الإسرائيلية إحتلال مدينة السويس إلا أن المقاومة العنيفة التي واجهت هذه القوات من جانب قوات الدفاع الشعبي في مدينة السويس وبعض الجنود الذين تواجدوا في السويس في ذلك الوقت مع بعض أطقم إقتناص الدبابات التابعة للفرقة 19 مشاة التابعة للجيش الثالث قامت بملحمة بطولية فلم تستطع القوات المدرعة الإسرائيلية دخول المدينة والتي كانت تحلم بالوصول إلي مبني محافظة السويس ورفع العلم الإسرائيلي فوقه وبحلول يوم 28 أكتوبر عام 1973م كانت قد وصلت قوات الطوارئ الدولية وتم تفعيل قرار وقف إطلاق النار ولكن إسرائيل رفضت العودة إلي خطوط يوم 22 أكتوبر عام 1973م بحجة أن هذه الخطوط غير معلومة بدقة .
وفي خلال الأيام المذكورة مابين يوم 23 و يوم 28 أكتوبر عام 1973م حدث صدام عنيف مابين الفريق الشاذلي والفريق أول أحمد إسماعيل علي ففي يوم 25 أكتوبر عام 1973م إجتمع المجلس الأعلي للقوات المسلحة وكان أهم المواضيع التي تم مناقشتها في هذا الإجتماع هو كيفية فتح الطريق إلي الجيش الثالث وقد تكلم جميع الحضور وأدلي كل منهم برأيه ولكن لم يتم الوصول إلي حل مناسب وإنتهي الإجتماع إلي ضرورة عمل الدراسات اللازمة حول هذا الموضوع وفي اليوم التالي 26 أكتوبر عام 1973م حضر العميد عبد العزيز قابيل قائد الفرقة الرابعة المدرعة إلي القيادة العامة للقوات المسلحة ليعرض نتيجة دراسته وكان تقرير العميد قابيل ويؤيده اللواء واصل قائد الجيش الثالث يفيد بأن الفرقة الرابعة المدرعة لا تستطيع أن تقوم بمهمة فتح الطريق نحو الجيش الثالث فالقوات التي سوف تواجهها الفرقة متفوقة في عدد الدبابات وتعاونها القوات الجوية الإسرائيلية وقت اللزوم وبعد حوار طويل بين الفريق أول أحمد إسماعيل علي وبين العميد قابيل قال العميد قابيل إنني وضباط وجنود الفرقة جميعا علي أتم الإستعداد للقيام بعملية فتح الطريق للجيش الثالث ولكنني لا أعتقد أننا سننجح في ذلك ولن نصل إلي القوات المحاصرة شرق القناة وستدمر الفرقة بلا ثمن وإذا دمرت فسيكون الطريق مفتوحا أمام العدو إلي القاهرة وهنا قال الفريق أول أحمد إسماعيل إذن نعدل المهمة من فتح الطريق نحو الجيش الثالث إلي حماية قوات إدارية تتحرك نحو الجيش الثالث عبر المسالك والطرق والدروب الثانوية وكانت هذه أيضا مهمة مستحيلة نظرا لضخامة كميات المياه والتعيينات المطلوب توصيلها للقوات المحاصرة بالإضافة إلي أن إستخدام المسالك والطرق الثانوية الغير ممهدة يحتاج إلي حوالي 100 عربة مجنزرة لنقل إحتياجات يوم واحد فقط للقوات المحاصرة وليس من المعقول القيام بهذه المهمة والمغامرة الشاقة من أجل توصيل إحتياجات يوم واحد فقط للقوات المحاصرة بل يجب أن يتم توصيل إحتياجات أسبوع علي الأقل وهذا يعني توفير عدد 700 عربة مجنزرة وغير متوافر هذا العدد في هذا الوقت كما أن المنطقة التي ستتحرك فيها هذه العربات يسيطر عليها العدو جويا ومن المؤكد أنها ستتعرض لهجمات جوية عنيفة قد تتسبب في تدميرها وهنا عارض الفريق الشاذلي هذه الفكرة ورفض أن يوقع أمرا كتابيا بتكليف الفرقة الرابعة المدرعة بتنفيذ هذه المهمة المستحيلة فقال أحمد إسماعيل للشاذلي أنا لا أفهم ماذا تريد بالضبط هل تريد للقوات المحاصرة أن يستسلموا فرد الشاذلي قائلا بالطبع لا أريد ذلك ولكن في الوقت نفسه لا أريد أن نفقد الفرقة الرابعة المدرعة دون أن يحدث أى تغيير في الموقف فقال له أحمد إسماعيل كيف تقول ذلك أمام قائد الفرقة المطلوب منه تنفيذ المهمة فرد عليه الشاذلي قائلا إنني أبدى رأيي وعلي مسئوليتي وعموما هناك تقرير من قائد الجيش الثالث التابعة له الفرقة الرابعة المدرعة يؤيد رأيي فقال له أحمد إسماعيل لو لم توقع هذا الأمر الكتابي سأقوم بإخطار الرئيس السادات فأجاب الشاذلي في هدوء يمكنك بالطبع أن تقوم بذلك ثم قام أحمد إسماعيل بتوقيع الأمر الكتابي ولحسن الحظ تم إلغاء هذه المهمة ولم يتم تنفيذها ونجت الفرقة الرابعة المدرعة من الدمار المؤكد .
وبوصول قوات الطوارئ الدولية إلي جبهة القتال وتفعيل قرار وقف إطلاق النار بدأت الأمور تأخذ إتجاها آخر مع تدخل الولايات المتحدة الأميريكية وإيفاد وزير خارجيتها الدكتور هنرى كيسنجر إلي المنطقة وبدء مفاوضات الكيلو 101 علي طريق القاهرة السويس الصحراوى بين الجانب المصرى والذى ترأسه اللواء محمد عبد الغني الجمسي رئيس هيئة العمليات وبين الجانب الإسرائيلي الذى ترأسه الجنرال أهارون ياريف وذلك تحت إشراف الجنرال أنزيو سيلاسفو قائد قوات الطوارئ الدولية والتي أسفرت في النهاية عن إتفاقية سميت بإتفاقية النقاط الست والتي بموجبها تم السماح بمرور الإمدادات الطبية والتعيينات والمياه إلي القوات المحاصرة وإلي مدينة السويس كما تم فك الحصار البحرى الذى فرضته القوات البحرية المصرية علي باب المندب وتم السماح بمرور السفن المتجهة إلي ميتاء إيلات الإسرائيلي كما تم البدء في تبادل الأسرى بين الجانبين وكنوع من الضغط علي مصر وإجبارها علي تقديم تنازلات من أجل فك الحصار عن الجيش الثالث كان الإسرائيليون يتعمدون تعطيل كل شئ ويتعنتون في إجراءات وصول الإمدادات الغير عسكرية إلي القوات المحاصرة ويقومون بتفتيش السيارات التي تحملها تفتيشا دقيقا كما رفضوا السماح للسائقين المصريين بتعدى علامة الكيلو متر 101 وأصروا علي أن يتولي قيادتها إما سائقون إسرائيليون أو سائقون يتبعون قوات الطوارئ الدولية وفي خلال شهر نوفمبر والنصف الأول من شهر ديسمبر عام 1973م وصلت إلي مصر إمدادات عسكرية من بعض الدول العربية والدول الصديقة كان أهمها عدد من الدبابات عوض إلي حد ما العدد الكبير مما تم تدميره خلال المعارك الني تمت بصفة خاصة أيام 14 و17 و18 أكتوبر عام 1973م وتم إعادة حشد الفرقتين المدرعتين 4 و21 وفرق المشاة الميكانيكية 3 و6 و21 إلي جانب وحدات من الصاعقة والمظلات ووضعت هذه القوات تحت قيادة اللواء سعد مأمون الذى كان قد تعافي وغادر المستشفي بعد تعرضه لأزمة قلبية يوم 14 أكتوبر عام 1973م وسميت هذه القوات قوات تصفية الثغرة وقد وقع الإختيار علي اللواء سعد مأمون لكونه كان متصلا بالحرب منذ فترة الإعداد لها وتوليه قيادة الجيش الثاني أكبر تشكيل قتالي في الجيش المصرى والأداء المتميز الذى أداه هذا الجيش تحت قيادته في الأيام الأولي لحرب أكتوبر عام 1973م وحتي إصابته بالأزمة القلبية وتم وضع خطة سميت بالخطة شامل لتصفية الثغرة وأصبحت جاهزة للتنفيذ منذ يوم 24 ديسمبر عام 1973م بعد أن تدربت عليها الوحدات التي ستقوم بتنفيذها وتم إعتمادها من رئيس الأركان والقائد العام والقائد الأعلي للقوات المسلحة المصرية وكانت في تلك الآونة قد بدأت حرب إستنزاف ضد الجيب الإسرائيلي في الثغرة غرب القناة خلال فترة الحشد ووضع خطة تصفية الثغرة علي الرغم من سريان قرار وقف إطلاق النار بهدف عدم السماح للقوات الإسرائيلية بأى فترة هدوء أو راحة وحرمانها من تثبيت دفاعاتها أو تحصينها هندسيا .
ومن الناحية العسكرية كان الجيب الإسرائيلي المتواجد غرب القناة قد أصبح يمثل مأزقا عسكريا ووضعا خطيرا للقوات المتواجدة فيه حيث أصبح هذا الجيب منفصلا عن قواعده في سيناء ولا يربطه بها سوى ممر ضيق عرضه حوالي 10 كيلو مترات مهدد بأن يتم قطعه بواسطة القوات المصرية التي أصبحت تحيط به من كل جانب كما كانت القيادة الإسرائيلية مضطرة لنقل جميع الإحتياجات الإدارية اللازمة لقواتها غرب القناة لمسافة تصل إلي حوالي 300 كيلو متر مما قد يعرضها لخطر مهاجمتها برا وجوا كما أنه نتيجة إمتداد وقت الحرب من يوم 6 أكتوبر عام 1973م وحتي أواخر شهر ديسمبر عام 1973م إضطرت إسرائيل إلي الإحتفاظ بتعبئة الإحتياطي لمدة طويلة وهو ما يخالف سياستها المعهودة في تعبئة الإحتياطي لمدة قصيرة حيث بذلك أصبح إقتصادها القومي مهددا بالشلل والإنهيار ولذا فبعد جولات مكثفة من المفاوضات ورحلات مكوكية لوزير الخارجية الأميريكي الدكتور هنرى كيسنجر بين القاهرة وتل أبيب تم في يوم 18 يناير عام 1974م التوقيع علي الإتفاقية الأولي لفض الإشتباك بين القوات المصرية والقوات الإسرائيلية والتي كان أهم بنودها أن تقوم إسرائيل بسحب قواتها من غرب وشرق القناة إلي مسافة حوالي 30 كيلو متر شرق القناة بينما تقوم مصر بسحب قواتها من شرق القناة مع إحتفاظها بعدد 7000 جندى وضابط بالإضافة إلي عدد 30 دبابة علي ألا يتجاوز وجودها شرق القناة مسافة 10 كيلو مترات شرقها وفي الوقت نفسه تتواجد قوات الطوارئ الدولية التابعة للأمم المتحدة في المنطقة الفاصلة بين القوات المصرية والقوات الإسرائيلية وعرضها حوالي 20 كيلو متر مع النص علي أن هذه الإتفاقية لا تعد إتفاقية سلام بين الطرفين بل هي مجرد خطوة للوصول إلي معاهدة سلام دائمة بين الطرفين يتم التفاوض بين الطرفين بشأنها داخل إطار مؤتمر جنيف للسلام الذى نادت به الأمم المتحدة في ذلك الوقت .
|