بقلم المهندس/ طارق بدراوى
tbadrawy@yahoo.com
يقع قصر فرساي ويسمي أيضا مهد الحرية في منطقة فرساي الواقعة على بعد عشرين كيلومتر إلى الجنوب الغربي من مدينة باريس العاصمة الفرنسية كما يبعد عن مطار شارل ديجول بحوالي أربعين كيلومترا وعن مطار أورلي خمسة وعشرين كيلومترا ويوفر المطاران مختلف وسائل النقل التي تمكن زائرى باريس من زيارته حيث أنه يعد من أشهر القصور الأوروبية وأجملها على الإطلاق ومن أفخم القصور التي تم بناؤها في العالم وأكبرها مساحة ويعود تاريخ بداية بنائه إلى القرن السابع عشر الميلادى وهو يعد حاليا من أشهر المعالم السياحية في فرنسا ويستقطب العديد من السياح على مدار العام ويعكس هذا القصر في تصميمه وفي بنائه الفن المعماري الكلاسيكي الفرنسي في القرون الوسطى كما يبين مدى ثروة وقوة المملكة الفرنسية في ذلك الوقت وقد بدأ بناء هذا القصر عام 1624م وذلك عندما أمر الملك لويس الثالث عشر الذى حكم فرنسا مابين عام 1610م وعام 1643م ببناء بيت صغير له كان مبنيا بالطوب الأحمرعلى تل قرية فرساي ليقيم فيه أثناء رحلاته للصيد فيها وكانت منطقة فرساي وقتها قرية ريفية صغيرة وقد قام الملك لويس الثالث عشر بشراء الأراضي المحيطة بإستراحته الصغيرة وأمر أن يتم توسيعها ولما تولي الحكم الملك لويس الرابع عشر والذى كان يلقب بالملك الشمس والذى حكم فرنسا طوال 71 عاما من عام 1643م وحتي وفاته عام 1715م وكانت هذه أطول فترة حكم لملك في تاريخ فرنسا وفي تاريخ أوروبا بوجه عام قرر بعد مرور حوالي 39 سنة من فترة حكمه في عام 1682م أن يتخذ من هذا البيت مقرا له فأمر بتوسعته وتحويله إلى قصر ليقيم فيه فأمر المعماريين لويس لوفاو وجولز آردوين ومهندس الحدائق أندريه لونوتر ومهندس الديكور تشارلز ليربون بتصميم القصر وحدائقه ليصبح المقر الرئيسي للسلطة الفرنسية .
وقد إستغرق بناء قصر فرساى سنوات عديدة وذلك في الفترة الممتدة بين عام 1664م وعام 1710م كما أقام فيه الملك لويس السادس عشر الذى حكم فرنسا مابين عام 1774م وعام 1792م مع زوجته ماري أنطوانيت وهما من الأشخاص الذين تم إعدامهم أثناء الثورة الفرنسية بالمقصلة يوم 21 يناير عام 1793م بالساحة الحمراء بباريس والتي أصبحت اليوم ميدان الكونكورد الذى تزينه المسلة المصرية التي كان قد أهداها محمد علي باشا والي مصر لفرنسا تقديرا لجهود العلماء الفرنسيين في إكتشاف الآثار المصرية القديمة والقائمة هناك منذ يوم 25 أكتوبر عام 1838م وقد بقي هذا القصر محط إهتمام الملوك والأباطرة والمقر الرئيسي للسلطة حتى قيام الثورة الفرنسية عام 1789م وبعدها تعرض القصر للإهمال الشديد وتعرض تكرارا للسلب والنهب وفقد بعض من تحفه الفنية وذلك حتي عام 1833م حين قام الملك لويس فيليب والذى حكم فرنسا مابين عام 1830م وعام 1848م بتحويل هذا القصر إلى متحف لتاريخ فرنسا وقام بجمع العديد من قطع الأثاث والرسومات واللوحات الفنية الراقية لأشهر الرسامين العالميين والمنحوتات والتحف التي تمثل أحداث تاريخية وأشخاص كان لهم دور مشهود في تاريخ فرنسا فيه وليفتتح بعد ذلك عام 1837م كمتحف والذى يعتبر في وقتنا الحالي من أشهر المتاحف في العالم بأسره كونه كان قديما مقرا للأسرة الحاكمة في فرنسا وهو يتكون من ثلاثة طوابق ومن عدة مبان متقابلة وتمتد واجهته الرئيسية إلى نحو ثمانين مترا ويحتوي على قطع عديدة من الأثاث والأسقف المصنوعة من الذهب ويضم أكثر من 2143 نافذة و1252 مدفأة و67 سلم وقد تم تصنيفه على أنه رمز معماري فني رائع ويعتبر من مواقع التراث العالمي كما تصنفه منظمة اليونيسكو خاصة أنه يوجد به آلاف من اللوحات الفنية الشهيرة والثمينة ويعمل فيه أكثر من عشرة آلاف موظّف .
ويتكون قصر فرساى من ثلاثة طوابق كبيرة كانت تتسع لعشرين ألف شخص ويحتوي على شقة للملك تضم سبع قاعات كبيرة وأخرى للملكة تضم صالون النبلاء وصالات عديدة للعرض تحتوي حاليا على أكثر من ثلاثة آلاف تمثال ومنحوتة وستة آلاف لوحة زيتية أبدعها أمهر وأبرع الرسامين كما يحتوى القصر أيضا حجرة خاصة بالملكة لها أبواب خفية وهي التي هربت منها الملكة ماري أنطوانيت أثناء المسيرة الحاشدة التي توجهت إلى قصر فرساي خلال أحداث الثورة الفرنسية ومن أهم قاعات قصر فرساى قاعة كبيرة تسمى قاعة المرايا والتي توجد فيها سبع عشرة قوسا مكسوا بالمرايا وكل قوس منها يحتوي على إحدى وعشرين مرآة تعكس النوافذ المطلة على حدائق القصر الشاسعة ويبلغ إرتفاعها 37 مترا وتغطيها قبة رسمت عليها رسومات رائعة أنجزها الرسام شارل لوبران والذى كان يعتبر الرسام الأول للملك لويس الرابع عشر وتمثل هذه الرسومات أعظم رسم جداري تم إنجازه في فرنسا حيث طلب منه الملك تسجيل الحوادث المهمة التي عاشها وعاصرها خلال حكمه سواء الإنتصارات العسكرية أو الإصلاحات الإدارية والإقتصادية فإستوحى شارل لوبران من خياله وضاعف من الصور المجازية الخادعة للنظر والنقوش الحقيقية والوهمية والمناظر الخلابة الرائعة وخطر بباله أن يضع الملك نفسه في وسط السقف في رسم مركزي هائل أعطاه الكاتب المسرحي الفرنسي الشهير جان راسين العنوان الشهير الملك يحكم بنفسه وقد تم ترميم هذه القاعة ثلاث مرات بين عام 1750م وعام 1950م .
وكانت هذه القاعة مخصصة للعائلة والبلاط الملكي كما كانت تجرى بها مراسم الإحتفاء بالسفراء والمواليد كما أقيمت بها العديد من حفلات زواج الأمراء والحفلات التي كان ينظمها ملوك فرنسا مع النبلاء والأعيان والأجانب وبعد سقوط النظام الملكي في فرنسا ظلت القاعة تستخدم لإستقبال العديد من المناسبات والإحتفالات ففي عهد الإمبراطورية الفرنسية الثانية أعاد الإمبراطور نابليون الثالث الذى حكم فرنسا من عام 1848م وحتي عام 1870م وزوجته الإمبراطورة أوجيني إحياء حفلات الرقص التي كانت تنظم في العهد القديم وإستقبلا فيها الملكة ڤيكتوريا ملكة بريطانيا مابين عام 1837م وعام 1901م في يوم 25 أغسطس عام 1855م كما شهدت القاعة أيضا توقيع معاهدة فرساى في يوم 28 يونيو عام 1919م الخاصة بإنهاء الحرب العالمية الأولي ونسبت إلي المكان الذى تم التوقيع عليها فيه وهو قصر فرساى وقد تم التوقيع على هذه المعاهدة بعد مفاوضات إستمرت 6 أشهر بعد مؤتمر باريس للسلام في نفس العام 1919م وتضمنت توقيع الحلفاء المنتصرين في الحرب علي إتفاقيات منفصلة مع القوى المركزية الخاسرة في الحرب وهي الإمبراطورية الألمانية والإمبراطورية النمساوية المجرية والدولة العثمانية وبلغاريا وقد تم تعديل هذه المعاهدة فيما بعد في يوم 10 يناير عام 1920م لتتضمن إعتراف ألمانيا بمسؤولية الحرب ومن ثم يترتب عليها تعويض الأطراف المتضررة ماليا .
وقد شهدت هذه القاعة أيضا حدثا هاما آخر لا يقل أهمية عن توقيع معاهدة فرساى سبقها بحوالي 50 سنة وهو تأسيس الرايخ الألماني الثاني بعد أن أُعلن الملك البروسي فيلهلم الأول قيصرا للإمبراطورية الألمانية في يوم 18 من شهر يناير عام 1871م بعد الإنتصار السريع للقوات الألمانية في الحرب مع فرنسا خلال الحرب الفرنسية البروسية والتي يشار إليها أحياناً بإسم الحرب السبعينية وكانت خلال الفترة من يوم 19 يوليو عام 1870م إلى يوم 10 مايو عام 1871م حيث نشب صراع مسلح بين الإمبراطورية الفرنسية الثانية بقيادة نابليون الثالث والولايات الألمانية للإتحاد الألماني الشمالي بقيادة مملكة بروسيا والذى كان من نتائجه أن حقق الألمان والبروسيين إنتصارات حاسمة في شرق فرنسا بلغت ذروتها في حصار مدينة ميتز خلال عام 1870م وأيضا في معركة سيدان وتم أسر الإمبراطور نابليون الثالث وهزيمة جيش الإمبراطورية الثانية الفرنسية بشكل حاسم وأعلنت حكومة مؤقتة بإسم حكومة الدفاع الوطني الفرنسية وقيام الجمهورية الفرنسية الثالثة في يوم 4 سبتمبر عام 1870م ثم تمكن الألمان من الوصول إلي أطراف باريس وتم ضرب الحصار عليها فقام أعضاء الحكومة المؤقتة التي كانت قد تشكلت فيها بالفرار من الحصار بإستخدام منطاد وقاموا يتشكيل قوات لمقاومة الألمان في الريف الفرنسي للدفاع عن باريس وفي تلك الأثناء إستسلمت القوات الفرنسية المحاصرة في ميتز وأسر الألمان منهم 140 ألف فرنسي وبعدها بثلاثة أشهر سقطت باريس في القبضة الألمانية يوم 28 يناير عام 1871م بعد أن وصلت الأحداث إلى ذروتها وإقتحم الألمان العاصمة وقتلوا وأسروا الكثير وأضرموا النار في قوس النصر الذى يعد من أشهر رموز فرنسا وبذلك إستسلمت الأمة الفرنسية وتم الإعلان عن قيام إمبراطورية ألمانيا من داخل غرفة المرايا وسط قصر فرساي وجدير بالذكر أن الفرنسيين لم يبلعوا هذه الهزيمة التي أهانت كرامتهم وعزتهم ومن هنا بدأ العد التنازلي للحرب العالمية الأولى عقب هذه الهزيمة مباشرة حيث أصبحت مسألة إستعادة الكرامة الوطنية هي الشغل الشاغل للفرنسيين وبرغم الإستقرار الذي حل في المنطقة إلا أن رغبتهم في إستعادة ما فقدوه كانت كبيرة فكان أن تحالفوا مع عدة دول لحرب الألمان بعدما أعلنوا الحرب قبل الجميع عام 1914م سعيا لإستعادة كرامتهم وكان لهم ذلك بعد إنتصارهم هم وحلفاؤهم الإنجليز في هذه الحرب والتي إنتهت بتوقيع معاهدة فرساى المشار إليها في السطور السابقة كما كان من نتائج الحرب الفرنسية البروسية أيضا إحياء الألعاب الأوليمبية في العصر الحديث بعد إندثارها طويلا وتعود المبادرة في ذلك إلى الفرنسي البارون بيير دي كوبرتان الذي توخى من خلالها هدفين أولهما زيادة شعبية الرياضة في وطنه حيث إعتقد كوبرتان أن سوء اللياقة البدنية للجنود الفرنسيين كان أحد اسباب هزيمتهم في هذه الحرب وثانيهما أن توحيد مختلف البلدان بواسطة منافسات سلمية يعد أفضل وسيلة لتجنب الحروب وبالفعل أقيمت أول دورة للألعاب الأوليمبية في العصر الحديث في أثينا عام 1896م وتقرر أن تجرى كل 4 سنوات في أحد المدن العالمية وأقيمت الدورة التالية عام 1900م في باريس .
ولقصر فرساى حدائق كبيرة وشاسعة تمتد على حوالي مساحة 800 هكتار وتحتوي على ما يقارب 200 ألف شجرة وهي واحدة من الحدائق الأكثر شهرة في العالم ويزورها في السنة حوالي ستة ملايين زائر وقد أدرجت هذه الحدائق أيضا على قائمة اليونيسكو للتراث العالمي ومن أهم ما فيها حدائق البرتقال التي تقع في جنوب شرق هذه الحدائق وهي عبارة عن أكثر من ألف شجرة برتقال تحفظ داخل صناديق من شهر مايو إلى شهر أكتوبر ثم توضع في الهواء الطلق باقي شهور العام ونافورة لاتونا ذات التصميم الذي يشبه كعكة الزفاف وهي مؤلفة من عدد 4 طبقات تضم كل واحدة منها العديد من التماثيل والزخارف المذهلة ونافورة أبولو المصنوعة من الذهب الخالص وكهف أبولو كما تنتشر فيها النوافير في كل جانب من جوانبها ويزور هذا القصر وحدائقه الملايين من السياح سنويا ولذلك فهو يعتبر إحدى الوجهات السياحية المهمة في الجمهورية الفرنسية فهو من الآثار الخالدة والراقية التي تتميز ببساطة تصميمها التي بقيت شامخة وباقية حتّى وقتنا هذا ولذا فهو يستقطب أعداد كبيرة من السياح والزوار من كل بلاد العالم مما يدل على أصالة وعراقة القصر الذي تحيط به المزارع والغابات التي تتواجد فيها النوافير والأشجار والمزروعات والتي تعتبر من أكبر المزارع في باريس بأكملها .
|