بقلم المهندس/ طارق بدراوى
tbadrawy@yahoo.com
قصر عمرة أو قصير عمرة هو قصر صحراوي أموي يقع في شمال الصحراء الأردنية في منطقة الأزرق في محافظة الزرقاء والتي تبعد حوالي 75 كيلو متر شرقي العاصمة الأردنية عمان وقد تم بناؤه علي أرجح الأقوال في عهد الخليفة الأموى الثامن يزيد بن عبد الملك بن مروان الذى كانت مدة خلافته قصيرة مابين عام 101 هجرية الموافق عام 720م وعام 105 هجرية الموافق عام 724م وإن كانت هناك أقوال أخرى تقول إنه قد تم بناؤه في عهد الخليفة الأموى السادس الوليد بن عبد الملك مابين عام 93 هجرية الموافق عام 712م وعام 96 هجرية الموافق عام 715م ونظرا لأن بناءه صغير الحجم نسبيا مقارنة بالقصور والقلاع الفخمة التي كان يتم تشييدها خلال الحقبة الأموية وما بعدها لذلك يسميه البعض قصير عمرة وقد بقي هذا القصر منسيا في الصحراء الأردنية إلى أن إكتشفه فريق من علماء الآثار يترأسهم عالم الآثار الهنغاري الويز موزيل عام 1897م وقام بترميمه علماء من المتحف الوطني الأسباني وأدرج ضمن قائمة مواقع التراث العالمي لمنظمة اليونيسكو عام 1985م ويعد هذا القصر من أكثر القصور والمنشآت التاريخية التي تمثل نموذجا للفن الإسلامي في التاريخ القديم سواء من حيث الهندسة المعمارية أو تزيين جداريات القصر من خلال الرسم الذي كان يطلق عليه وقتها الفريسكو وهو أحد الطرق الفنية التي إستخدمها المسلمون في العصور الوسطى لزخرفة مبانيهم بالألوان المائية والتي إمتازت بالتنوع والإختلاف والجرأة وقد تم تنفيذها في هذا القصر عن طريق كسوة الجدران بطبقة من الجص ومن ثم تم فوقها رسم الرسومات المراد تنفيذها بالألوان المائية وقد إستخدم عدد من الألوان في هذه الرسومات وهي اللون الأزرق واللون البني الفامق والبني الفاتح واللون الأصفر الداكن واللون الأخضر اللازوردي .
وعندما شيد هذا القصر الصغير كان هناك نهر إلي جواره وبجانبه هضبة صغيرة بني القصر عليها وقد تم إكتشاف قصور وقلاع أموية أخرى في البادية الأردنية منها المشتى والخزانة والحلابات والطوبة وحمام الصرخ وكان السبب في تشييد هذا القصر في صحراء أو بادية الأردن لكي يكون بعيدا عن صخب المدينة وهموم الحكم وليكون مقرا لإستراحة ملوك وأمراء بني أمية خلال رحلات الإستجمام والصيد والتي كان يواظب دائما عليها هؤلاء الخلفاء ويوصف القصر بأنه يشبه القلعة أو الحصن في تصميمه الداخلي حيث كان يستعمل أيضا كحصن فكان يضم حامية حربية لمواجهة التهديدات وقد تم تشييده من الحجر الجيري والبازلت وهو يتكون من قاعة إستقبال مستطيلة الشكل ذات عقدين يقسمانها إلى ثلاثة أروقة لكل رواق قبو نصف دائري ويتصل الرواق الأوسط في الجهة الجنوبية بحنية كبيرة على جانبيها غرفتان صغيرتان تطلان على حديقتين كانتا تستخدمان للقيلولة وتزدان أرضية الغرف والقاعة بالفسيفساء التي تمثّل زخارف نباتية أما الغُرف الأخرى فمكسوة بالرخام وللقصر حمام مجاور لقاعة الإستقبال يتكون من ثلاث قاعات إثنتان مسقوفتان بأقبية نصف دائرية والثالثة مسقوفة بقبة صغيرة ويتكون الحمام الذي لا يزال بحالة جيدة من ثلاث قاعات باردة وفاترة وساخنة والأخيرة مزودة بأنابيب للبخار بما يعد نظام متقدم جدا في هذا العصر لتدفئة المياه والحمام حيث كان هذا النظام يعتمد علي الهواء الساخن الذي كان يمر تحت أرض الحمام فيسخنها ويسخن أرض البرك والمغاطس المملوءة بالماء فتبقى المياه محتفظة بحرارتها دون أن تبرد وملحق بالحمام غرفة كبيرة لخلع الملابس مزودة بمقصورتين وقد تم تزويد القصر أيضا بشبكة تغذية مائية تمر من تحته حيث أنه توجد في ساحة القصر بئر ماء عمقها 40 مترا وقطرها 1.8 متر وسعتها حوالي 100 متر مكعب من المياه وكان يتم ملء هذا البئر من وادي البطم عندما يهطل المطر وتنساب المياه في ذلك الوادي حيث كان يتم رفع الماء من البئر بواسطة ساقية قديمة إلي خزان يوجد بجانب البئر وكان الماء ينساب منه في أنابيب فخارية تنقسم إلي خطين أحدهما يتجه إلى الساحة الداخلية ليغذي النافورة الموجودة على يسار المدخل والآخر ليزود الحمام وغرفة الحمام .
وعلى جدران القصر نجد رسوم تجسيدية ونقوشات عديدة مواضيعها تتعدد فمنها مشاهد من رحلات الصيد والحيوانات التي وجدت في المنطقة في تلك الحقبة ومنها الأسود والنمور والغزلان والنعام ومن أبرز هذه اللوحات الجدارية لوحة تمثل قطيعا من الحمير الوحشية وهي تنظر إلى الخلف بينما تطارده كلاب الصيد المدربة ولوحة ثانية لرجال على ظهور الخيل وكلاب يطاردون غزلانا وحميرا وحشية ولوحة ثالثة تجسد إمرأة شبه عارية تقف على حافة حوض إستحمام صغير أو بركة ماء وخلفها رجل وتشبه هذه المرأة آلهة الحب والجمال عند الإغريق أفروديت وتكاد تكون رغم عريها مثالية أكثر من كونها مغرية وما زال علماء الآثار يبحثون عن هويتها وعلاقتها بصاحب القصر وسبب تصدرها المشهد ولم يصلوا لتفسير لذلك حتي اليوم وبالإضافة إلى ذلك توجد لوحة أخرى تضم ستة ملوك وهم إمبراطور الصين والحاكم الساساني الفارسي والإمبراطور البيزنطي ونجاشي الحبشة والملك القوطي رودريك والخاقان التركي وهم حكام وقادة العالم المعروفين في خلال الحقبة الأموية ويشير بعض المؤرخين إلى عدم وضوح معنى لهذه اللوحة أو سبب وجودها في قصر أموي لكنها قد تشير إلى تفوق الخليفة الأموي على أعدائه من الإمبراطوريات الأخرى خلال هذه الفترة وكتبت أسماء هؤلاء الملوك باللغتين العربية واليونانية كما توجد العديد من الصور التي تجسد مرحلة هامة في تاريخ الدولة الأموية والإمبراطوريات القائمة خلال هذه الحقبة ومن اللوحات الجدارية الطريفة والمسلية والغير معروف مغزاها حتي اليوم الموجودة في هذا القصر صورة حيوان أشبه بالدب يعزف على آلة موسيقية وصورة لصياد يطارده أسد ومشهد لراقصين يقومون بحركات رياضية .
وبالإضافة إلي ما سبق توجد بقبة الحمام رسومات تمثل السماء وهي متزينة بالكواكب والنجوم والأبراج السماوية وتتميز بهندستها الرائعة الجميلة وأيضا توجد بها رسومات تخص الآلهة الأسطورية للإغريق ولهذا سميت هذه القبة بإسم قبة النجوم والأبراج وهذه الرسومات يعتبرها علماء الآثار ذات أهمية كبيرة لأنها على الأرجح أقدم تصوير للأبراج السماوية على سطح كروي ويشبه هذا الحمام بوجه عام الحمامات الرومانية في تخطيطها وشكلها وتصميمها ومكوناتها وفي نهاية الرواق الأوسط لقاعة الإستقبال عثر على صورة جدارية للخليفة الأموى مؤسس القصر جالسا على العرش ومحاط بهالة ومعه بعض مرافقيه وكانت هناك كتابة تشير لإسم الخليفة غير أنها للأسف الشديد قد تعرضت للتلف دون أن يتمكن أحد من قراءتها وقد زينت غرفة تغيير الملابس الملحقة بالحمام بمشاهد للحيوانات وبعض الأنشطة البشرية وخاصة أداء الموسيقى وهناك صورة واحدة غامضة لملاك على شكل إنسان يحدق في السماء كما توجد ثلاثة وجوه على السقف تمثل مراحل الحياة وفسرها المسيحيون في المنطقة أن الوجه الأوسط هو سيدنا عيسي المسيح عليه السلام وعلى جدران وسقف الحمام الساخن مشاهد من النباتات والأشجار مشابهة لتلك الموجودة في الفسيفساء في الجامع الأموي في دمشق إلي جانب صور أخرى لبعض النساء العاريات في أوضاع مختلفة ويؤكد ذلك أن في القرون الأولى للإسلام كانت تستخدم التصاوير والرسومات الجدراية للشخص العاري ولذا فإننا نجد في قصر عمرة العديد من هذه اللوحات التي تجسد نساء وأطفال عراة أو شبه عراة بأسلوب مليء بالحركة والحياة .
|