الاثنين, 17 يونيو 2024

abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
الرئيسية
بانوراما
فرعونيات
بلاد وشركات
الحدث السياحي
سحر الشرق
سياحة وإستشفاء
أم الدنيا
حج وعمرة
أعمدة ثابتة
درجات الحرارة
اسعار العملات
abou-alhool

الجمالية- ج1

الجمالية- ج1
عدد : 08-2018
بقلم المهندس/ طارق بدراوى
tbadrawy@yahoo.com
(موسوعة كنوز أم الدنيا)


حى الجمالية من أقدم وأعرق أحياء القاهرة عاصمة مصر وهو يتمتع بشهرة تاريخية وعالمية لأنه يعتبر مجمع تراث القاهرة منذ بنائها منذ أكثر من ألف عام ففيه الجامع الأزهر وجامع الحاكم بأمر الله وجامع الأقمر وغيرها وفيه أسوار القاهرة وابوابها مثل باب زويلة وباب الفتوح وباب النصر وغيرها وفيه المدارس الأيوبية والمملوكية وخان الخليلى والصاغة والنحاسين وهناك رأيان في سبب تسمية حي بالجمالية الرأى الأول يفيد بأن إسم الحي منسوب إلى الأمير بدر الدين الجمالي وزير الخليفة المستنصر بالله الفاطمي الذي بنى الأسوار ذات الأبواب الحجرية حول القاهرة بعد أن تهدمت أسوار جوهر الصقلي والرأى الثاني يفيد بأن أصل التسمية يعود إلى بناء الأمير جمال الدين الإستادار في العصر المملوكي الجركسي وتحديدا في عام 811 هجرية الموافق عام 1409م مدرسته الشهيرة المسماة المدرسة الجمالية والتي كانت من أعظم مدارس القاهرة في المنطقة المعروفة الآن بالجمالية رغم أن السلطان فرج بن برقوق إستبدل إسمها من المدرسة الجمالية إلى المدرسة الناصرية إلا أن العامة ظلوا يسمون المنطقة بالإسم الأول لتلك المدرسة وهو الجمالية ويزخر حي الجمالية بالكثير من الآثار التي لها تاريخ إسلامي فيكفي أن يقع بالحي شارع المعز لدين الله الفاطمي الذي يحتوي على كثير من الآثار التي يأتي إليها السياح والذى يعد متحفا مفتوحا زاخر بعبق التاريخ .

ويشمل الحي جامع الأزهر الشريف أهم معالم مصر الإسلامية بالإضافة إلي خان الخليلي أشهر الأسواق التجارية والذي يقصده السياح لشراء الهدايا من مصر ومقهى الفيشاوي وبيت القاضي وحارة اليهود وبيت الست زينب خاتون وبيت الهراوي وبيت السحيمي وحي الحسين الذي يقع به مسجد الحسين بن علي بن أبي طالب حفيد النبي محمد صلي الله عليه وسلم وتبلغ مساحة هذا الحى العريق تقريبا 2.5 % من مساحة القاهرة الحالية أى حوالي 36 كم مربع ويحده من الشمال حى الحسينية وحي الظاهر ومن الجنوب حى الدرب الأحمر ومن الشرق جبل المقطم الذي كان فوقه قلعة الجبل مقر إقامة وحكم سلاطين وولاة مصر منذ عصر الدولة الأيوبية وحتي عصر الخديوى إسماعيل في منتصف القرن التاسع عشر الميلادى ومن الغرب حي باب الشعرية وحي الموسكى ويضم حى الجمالية 18 شياخة أهمها شياخات الجمالية وبرقوق وقايتباى والبندقدار والمنصورية والدراسة وبها جامع الإمام الحسين بن علي رضي الله عنهما والأهرام والعطوف وقصر الشوق والخواص وباب الفتوح وخان الخليلي والخرنفش وبين السورين .

ويحد حى الجمالية التاريخي من الشرق شارع المعز لدين الله ومنطقة بين القصرين ومن الشمال والغرب باب الفتوح وباب النصر وجزء من سور القاهرة الفاطمي ومن الجنوب شارع الأزهر وفي العصر الفاطمي كانت هذه المنطقة خمس مساحة القاهرة تقريبا وكانت فيها قصور الخلافة الفاطمية وملحقاتها وبعد نهاية الدولة الفاطمية سنة 1171م على يد السلطان صلاح الدين الأيوبي تدهور حال القصر الفاطمي وأصبح يسكن في أجزاء منه عامة الناس وأسس الأمير جهاركس الخليلى وكان أحد أمراء الدولة المملوكية في عهد السلطان الظاهر برقوق سوق خان الخليلى سنة 1382م على أنقاض تربة الخلفاء الفاطميين في مصر والتي عرفت بإسم تربة الزعفران وكانت على الجزء الجنوبي من قصر الخلافة الفاطمي وفي سنة 1409م حل الأمير جمال الدين يوسف الإستادار الوقفيات في منطقة رحبة باب العيد وبنى مدرسة ومن بعده سكنت عامة الشعب في المنطقة فظهرت فيه الأزقة التي تشعبت مع مرور الأيام وظهر بعد ذلك حى الجمالية .

والآن تعالوا بنا نتجول بين الاثار الإسلامية التي يضمها حي الجمالية ولنبدأ بالجامع الأزهر والذى يعد من أهم المساجد في مصر ومن أشهر المساجد علي مستوى العالم الإسلامي وهو جامع وجامعة في نفس الوقت منذ أكثر من 1000 عام وقد بدأ إنشاؤه علي يد جوهر الصقلي قائد الخليفة الفاطمي الأول المعز لدين الله وبأمر منه عام 359 هجرية الموافق عام 970م وكان قد أسس أولا مدينة القاهرة عام 358 هجرية الموافق عام 969م ثم بدأ في إنشاء الجامع الأزهر بعد ذلك بعام حيث تم وضع حجر أساسه يوم 14 رمضان عام 359 هجرية وإستغرق البناء سنتين ليتم الافتتاح في شهر رمضان عام 361 هجرية فكان أول مساجد مدينة القاهرة التي إكتسبت بعد ذلك لقب مدينة الألف مئذنة كما أنه يعد أول أثر فاطمي في مصر وقد إختلف المؤرخون في أصل تسميته بالجامع الأزهر وإن كان علي الأرجح أن الفاطميين سموه بهذا الإسم تيمنا بالسيدة فاطمة الزهراء رضي الله عنها إبنة النبي عليه الصلاة والسلام وكان الهدف في البداية من بناء الجامع الأزهر أن يكون مركزا لنشر المذهب الشيعي في مصر فقد كان الخليفة الفاطمي الأول في مصر المعز لدين الله هو الإمام الرابع لطائفة الشيعة الإسماعيلية وأيضا لكي تصبح القاهرة مركزا لتلك الطائفة وفد بذل الخلفاء الفاطميون جهدا جبارا لكي يتحول أهل مصر من المذهب السني الذى يتمسكون به إلى مذهبهم هذا ولكن باءت تلك الجهود بالفشل الذريع وبقي أهل وشعب مصر على مذهبهم السني الوسطي الذى يميزهم عن أى شعب آخر فالمصريون يحبون آل البيت النبوى ولكن دون تقديس قد يدخلهم في مخالفة الشرع الحنيف وفي نفس الوقت يتبعون سنة النبي عليه الصلاة والسلام وبعد إتمام بناء الجامع الأزهر تم تعيين عدد 35 عالم به لتدريس العلوم الدينية من قرآن وحديث وفقه وخلافه وكان بذلك ثاني أقدم جامعة قائمة بشكل دائم في العالم بعد جامعة القرويين في تونس والتي أنشأها الفاطميون أيضا وفي عهد الخليفة الفاطمي العزيز بالله مابين عام 975م وعام 996م تم توسيع الجامع الازهر وترميم ماتصدع من جدرانه ومن بعده أكمل الخليفه الحاكم بأمر الله أعمال الترميم وصنع له بابا خشبيا عام 1010م وفي ذلك الوقت بدأ الجامع الأزهر يضيق بالمصلين وكان الخليفة العزيز بالله قد بدأ في بناء مسجده وأكمله إبنه الحاكم بأمر الله ولذلك عرف بإسمه وكان خارج حدود سور القاهرة في ذلك الوقت وفقد الجامع الأزهر بعض من مكانته ولكنه إستعادها مرة اخرى في عهد الخليفة المستنصر الذى زاد في مساحة المسجد وأجرى بعض التجديدات وإستمر ذلك في عهد الخلفاء الفاطميين الذين جاءوا من بعده وكذلك تم إنشاء مكتبة ضخمة بالجامع الأزهر عام 1005م وتم تزويدها بالآلاف من الكتب والمخطوطات وبمجيء العصر الأيوبي بعد الإطاحة بالفاطميين عام 1171م علي يد السلطان صلاح الدين الأيوبي مؤسس دولة الأيوبيين تم إهمال الجامع الأزهر ومكتبته طوال حكم تلك الدولة بسبب أن الأزهر في أثناء حكم الفاطميين كان يدعو لمبادئ التعاليم الشيعية والتي عاداها جميع سلاطين الدولة الأيوبية وإن كان قد تمت بعض أعمال الترميم بالأزهر في عهد هؤلاء السلاطين وبعد نهاية عصر الأيوبيين ومجيء عصر المماليك عادت إلى الأزهر أهميته وتحديدا من بداية عصر السلطان الظاهر بيبرس عام 1266م وعادت أعمال الترميم والتجديد والإصلاح والتوسعة للأزهر من جديد وتوالت بعد ذلك الإضافات والتجديدات في الجامع الأزهر في عصر المماليك ففي عصر السلطان المملوكي الناصر محمد بن قلاوون تم إنشاء المدرسة المسماة بالمدرسة الطيبرسية عام 1309م علي يد الأمير علاء الدين طيبرس قائد الجيوش وتم إلحاقها بالأزهر كما أنشأ الأمير علاء الدين أقبغا المدرسة الأقبغاوية والحقها أيضا بالأزهر وكان لها محراب بديع ومنارة رشيقة ومن بعده في عهد السلطان الأشرف برسباى أنشأ الأمير جوهر القنقبائي المدرسة الجوهرية في الجانب الشرقي من الجامع وتضم 4 ايوانات ومحراب أيضا بديع وتعلوها قبة منقوشة وفي عهد السلطان قايتباى تم إضافة مئذنة رشيقة للجامع تعد من أجمل مآذن القاهرة ومن بعده أضاف السلطان قنصوة الغورى المئذنة ذات الرأسيين والتي تعتبر طراز فريد من المآذن لم يتكرر بعد ذلك وفي العصر العثماني نجد أن الكثير من الولاة قد أضافوا إلى الأزهر عدة أروقة وزوايا منها رواق الحنفية ورواق الأتراك ورواق السليمانية ورواق السلام وزاوية العميان وكانت أكبر عملية إعمار وتجديد في ذلك العصر ما قام به الأمير عبد الرحمن كتخدا عام 1753م حيث تمت أكبر توسعة للجامع كما أضاف إليه قبة بديعة وأنشأ باب المزينين وهو باب الجامع الرئيسي حاليا وفي عصر محمد علي باشا وخلفائه خلال القرن التاسع عشر الميلادى تم عمل تجديدات وإصلاحات أيضا كان أهمها ماتم خلال فترة حكم الخديوى عباس حلمي الثاني عام 1897م حيث تم إنشاء مكتبة ضخمة تم تزويدها بنفائس الكتب والمخطوطات العربية والإسلامية كما تم إنشاء رواق جديد تمت تسميته الرواق العباسي نسبة إليه كما تم تجديد المدرسة الطيبرسية وتبلغ مساحة الجامع الأزهر حاليا بعد كل ماتم من توسعة وإضافات خلال العصور المختلفة حوالي 12 ألف متر مربع وفي وقت بنائه كانت مساحته تبلغ نصف هذه المساحة تقريبا وأصبح له 8 أبواب منها بابان علي الجانب الغربي للجامع والمطل علي ميدان الأزهر هما باب المزينين والباب العباسي نسبة إلى الخديوى عباس حلمي الثاني وي الجانب الجنوبي توجد 3 أبواب هي أبواب المغاربة والشوام والصعايدة وفي الجانب الشرقي يوجد بابان هما باب الحرمين وباب الشورية وفي الجانب الشمالي يوجد باب الجوهرية كما أصبح للجامع 5 مآذن منها عدد 3 مآذن أعلى باب المزينين منها مئذنة الأقبغاوية ومئذنة قنصوة الغورى ذات الرأسين إلى جانب مئذنة بجانب باب الصعايدة ومئذنة بجانب باب الشورية وكان الأزهر عند إنشائه عبارة عن صحن تطل عليه 3 أروقة أكبرها رواق القبلة وحاليا ينقسم الأزهر إلى رواقين الرواق القديم الكبير ويلي الصحن والرواق الجديد وهو ما أضافه الأمير عبد الرحمن كتخدا وهو يرتفع عن الرواق القديم بنصف ذراع وبالمسجد أكثر من 380 عمود من الرخام الجميل جلبت تيجانها من المعابد المصرية القديمة كما يوجد عدد من البواكي المرتكزة علي عقود وأكتاف أو علي أعمدة رخامية وجدير بالذكر أن موقع الجامع الأزهر موقع متميز حيث يقع بين مكانين يزخران بالآثار الإسلامية العظيمة هما الدرب الأحمر والجمالية حيث نجد علي مقربة منه جامع الإمام الحسين ومسجد محمد بك أبو الدهب ومسجد عبد الرحمن كتخدا ووكالة الغورى ووكالة الصناديقية ووكالة بازرعة ومنزل الست زينب خاتون الأثرى ومنزل ووقف الست وسيلة خاتون وبيت الهراوى وحوض قايتباى ومدرسة العيني وسبيل أبو الإقبال وزاوية أحمد شعبان .

وبعد زيارتنا للجامع الأزهر تعالوا بنا لنزور منزل أو بيت الست زينب خاتون وهو بيت أثرى يقع خلف الجامع الأزهر بالقاهرة ويتميز بجمال التصميم وروعة البناء مما جعله مقصدا لزيارة المهتمين بالآثار الإسلامية وأيضا لمخرجي الأفلام السينمائية والمسلسلات التليفزيونية التاريخية وقد تم بناء هذا المنزل عام 1486م علي يد الأميرة شقراء هانم حفيدة السلطان المملوكي الناصر بن قلاوون أحد سلاطين دولة المماليك ولم تبخل علي عمارته وتجميله فكان حقيقة منزلا رائعا ليس له مثيل في عصره وظل هذا المنزل الرائع في عمارته وتصميمه ملكا لها حتى عام 1517م عندما دخل العثمانيون مصر وإنتقلت ملكية المنزل بعدها من مالك لآخر وفي أواخر القرن الثامن عشر الميلادى كانت هناك خادمة لدى محمد بك الألفي أحد زعماء المماليك تسمي زينب فأعتقها وبعد تحريرها من الرق تزوجت أميرا يدعي الشريف حمزة الخربوطلي وبذلك أصبحت أميرة هي الأخرى لكون زوجها أميرا وتم إضافة لقب خاتون إلي إسمها وهو لقب يعني المرأة الشريفة ولذلك أصبح الإسم الذى تعرف به هو زينب هانم خاتون واكراما لها قام زوجها بشراء منزل شقراء هانم حفيدة السلطان المملوكي الناصر حسن بن قلاوون وتسمي المنزل بإسمها منزل زينب خاتون من يومها وحتي وقتنا هذا وكانت هي آخر من سكن به قبل أن يتم ضمه إلى وزارة الأوقاف المصرية والتي كانت تؤجره للعديد من الشخصيات وكان آخر من أجره أحد القادة العسكريين الإنجليز خلال فترة الإحتلال الإنجليزي لمصر ويعتبر منزل زينب خاتون نموذجا للعمارة المملوكية في مصر فمدخل البيت تم تصميمه بحيث لا يمكن للضيف القادم من الخارج أن يرى من بداخل المنزل وهو ماتمت تسميته في العمارة الإسلامية بالمدخل المنكسر ويؤدى المدخل إلي حوش كبير يتوسط أركان المنزل الأربعة وهو كان يسمي في العمارة الإسلامية بصحن البيت أو فناء البيت وكان الهدف منه هو ضمان وصول ضوء الشمس والهواء إلى جميع واجهات البيت وماخلفها من غرف البيت المختلفة ومما يذكر بخصوص تاريخ هذا البيت ومامر عليه من أحداث أنه في زمن الحملة الفرنسية علي مصر مابين عام 1798م وعام 1801م وبداية نضال وجهاد المصريين ضد الفرنسيين كانت زينب خاتون تؤوى في بيتها المجاهدين الذين كان الفرنسيون يطاردونهم وتداوى الجرحى منهم وقد عثر في بيتها علي سرداب وجد مدفونا به عدد 27 جثة يظن أنها جثث بعض الجرحى من المجاهدين ضد الحملة الفرنسية الذين كانوا يستشهدون تأثرا بجراحهم مما ينفي تماما مقولة إن المرأة في العصرين المملوكي والعثماني كانت حبيسة بيتها وراء المشربيات ولا عمل لها غير خدمة زوجها في البيت والحمل والولادة واقتصار دورها في إطار عالم الجوارى والحريم فهاهي زينب خاتون تثبت عكس ذلك وتبرهن أن للمرأة دور هام في الحياة العامة تساهم به وتشترك فيه مع الرجال غير خدمة زوجها والحمل والولادة سواء في وقت السلم أو في وقت الحرب .

ولنتحرك الآن من الجامع الأزهر ونتوجه صوب جامع الإمام الحسين رضي الله عنه والذى بني لأول مرة في عهد الفاطميين سنة 549 هجرية الموافق لسنة 1154 ميلادية تحت إشراف الوزير الفاطمي الصالح طلائع بن رزيك الذى كان وزيرا للخليفة الفاطمي الفائز ثم الخليفة العاضد ويضم المسجد 3 أبواب مبنية بالرخام الأبيض تطل على خان الخليلي وبابا آخر بجوار القبة ويعرف بالباب الأخضر وقد سمي المسجد بهذا الإسم نظرا لإعتقاد البعض بوجود رأس الإمام الحسين مدفونا به إذ تحكي بعض الروايات أنه مع بداية الحروب الصليبية في القرن الثاني عشر الميلادى خاف حاكم مصر الخليفة الفاطمي الفائز على الرأس الشريف من الأذى الذي قد يلحق بها في مكانها الأول في مدينة عسقلان بفلسطين فأرسل يطلب قدوم الرأس إلى مصر وحمل الرأس الشريف إلى مصر ودفن في مكانه الحالي وأقيم المسجد عليه تكريما للإمام الحسين بن علي رضي الله عنه وأرضاه وقد أجريت دراسة أكاديمية حول هذا الموضوع مفادها التأكيد علي أن موضع الرأس بالقاهرة وهو أيضا إمتداد للرأي السابق حيث يروي المؤرخ العربي الشهير المقريزي أن الفاطميين قرروا حمل الرأس من عسقلان إلى القاهرة وبنوا له مشهدا كبيرا وهو المشهد القائم الآن في حي الحسين في القاهرة وهو ما حققه المؤرخ أيمن فؤاد سيد أستاذ الدراسات الفاطمية في جامعة القاهرة في كتابه الشهير الدولة الفاطمية في مصر إستنادا الى منهج البحث العلمي إذ يقول إن أهم مشهد أضافه الفاطميون الى الطبوغرافية الدينية للقاهرة هو المشهد الحسيني حيث نقل الفاطميون في سنة 548 هجرية رأس الحسين بن علي بن أبي طالب والتي كانت مدفونة في مدينة عسقلان بفلسطين خوفا عليها من الفرنجة الصليبيين ودفنوها داخل قصر الحكم الفاطمي في قبة الديلم التي يؤدي إليها باب الديلم وهو باب القصر الفاطمي الكبير الجنوبي وهناك رواية محلية بين المصريين ليس لها مصدر معتمد سوى حكايات الناس وكتب المتصوفة مفادها أن الرأس جاءت مع زوجة الحسين عنهشاه زنان بنت يزدجرد الثالث آخر حكام دولة الفرس الذى سقطت دولته في عهد الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه وكان قد تم أسرها وأهداها الخليفة عمر بن الخطاب إلي الإمام الحسين حيث تزوجها وأنجب منها الإمام علي زين العابدين وهي الملقبة في مصر بأم الغلام والتي فرت من كربلاء على فرس بعد مقتل الإمام الحسين زوجها هو ومعظم أهل بيته ونفر كثير من أصحابه ومؤيديه علي يد جيش تابع ليزيد بن معاوية بن أبي سفيان ثاني خلفاء الدولة الأموية في شهر المحرم عام 61 هجرية والغلام المقصود هنا هو الإمام علي زين العابدين إبنها من الإمام الحسين وهو الوحيد من أبناء الإمام الحسين الذى نجا من مذبحة كربلاء وكان صغيرا في ذلك الوقت ولذلك سمي بالغلام وسميت أمه بأم الغلام وهو يعد الإمام الرابع من أئمة الشيعة الإثني عشر بعد الإمام علي بن أبي طالب وإبنيه الإمامين الحسن والحسين ويعد نسله هو النسل الوحيد الباقي المنتمي لآل بيت الرسول صلي الله عليه وسلم حتي يوم القيامة وقد تجدد بناء مسجد الإمام الحسين للمرة الأولي في أيام والي مصر عباس باشا الأول في منتصف القرن التاسع عشر الميلادى وتم تجديده مرة أخرى أيام فترة حكم الخديوي إسماعيل ومرة ثالثة في عهد الخديوى عباس حلمي الثاني في أوائل القرن العشرين الماضي وبعد عمليات التجديد هذه لم يبق في هذا المسجد أى آثار من العهد الفاطمي إلا الباب الأخضر فقط والواقع قرب قبة الضريح كما أنه من الجدير بالذكر أن المهندس الإسلامى الشهير عبدالرحمن كتخدا قد قام في عام 1185 هجرية الموافق عام 1861م ببناء القبة والجزء العلوي من مئذنة الباب الأخضر وفى عام 1311 هجرية الموافق عام 1893م في عهد الخديوى عباس حلمي الثاني تم إنشاء حجرة صغيرة داخل المسجد لكي تضم بعض الآثار النبوية مثل سيف رسول الله صلى الله علية وسلم وخصلة من شعره وقد تم زيادة مساحة المسجد بعد ذلك لأكثر من النصف وأضيف له مبنى مكون من دورين وكذلك دورة مياه مستقلة عن المسجد وفى عام 1965م أهدت طائفة البهرة الهندية مقصورة من الفضة المرصعة بصفوف من الماس للمسجد لكي تحيط بالضريح ويشتمل مبنى مسجد الإمام الحسين على خمسة صفوف من العقود المحمولة على أعمدة رخامية ومحرابه بني من قطع صغيرة من القيشاني الملون بدلا من الرخام وهو مصنوع عام 1303 هجرية في عهد الخديوى توفيق وبجانبه منبر من الخشب يجاوره بابان يؤديان إلى القبة وثالث يؤدي إلى حجرة الآثار النبوية المشار إليها سابقا والمسجد مبني بالحجر الأحمر على الطراز القوطي أما منارته التي تقع في الركن الغربي القبلي فهي من عمل أبى القاسم السكري عام 633 هجرية الموافق عام 1235م وهي حافلة بالزخارف الأيوبية وقد بنيت على نمط مشابه لنمط وطراز المآذن العثمانية فهي أسطوانية الشكل ولها دورتان يفصل بينهما مقرنصات رائعة الشكل وتنتهي برأس مخروطية رشيقة وللمسجد ثلاثة أبواب من الجهة الغربية وباب من الجهة القبلية وباب من الجهة البحرية يؤدي إلى صحن به مكان الوضوء .

ومن مسجد الإمام الحسين نتجه إلي سوق خان الخليلي الشهير الملاصق له والذى يتمتع بجذب سياحي كبير بالنسبة لزوار القاهرة ومصر بشكل عام ويتميز بوجود بازارات ومحلات ومطاعم شعبية كما يتميز بكثرة أعداد السياح وإعتياد سكانه عليهم ويعد خان الخليلي واحدا من أعرق أسواق بلاد الشرق ويزيد عمره على 600 عام وما زال طرازه ونسقه المعمارى الأصيل باقياً على حاله منذ عصرالمماليك وحتى الآن وقد هاجر إليه عدد كبير من تجار مدينة الخليل الفلسطينية وسكنوه والآن توجد به جالية كبيرة من أهل الخليل تسكن به وتعمل بالتجارة وقد سمي بهذا الإسم نسبة لمؤسسه وهو أحد الأمراء المماليك كان يدعى جركس الخليلي وهو من المهاجرين الأوائل إلي مصر الذين وفدوا إليها من مدينة الخليل بالضفة الغربية بفلسطين المحتلة وسكنوا ومارسوا نشاطهم التجارى به وكان كبير التجار في عصر السلطان المملوكي برقوق عام 1400م ويعرف المؤرخ العربي الأشهر المقريزي الخان فيقول إن الخان مبنى مربع كبير يحيط بفناء ويشبه الوكالة تشمل الطبقة السفلي منه الحوانيت وتضم الطبقات العليا المخازن والمساكن وليس هناك ماهو أمتع من التجوال في هذا السوق سيرا على الأقدام داخل الأزقة والحوارى والتي تثير الدهشة والإعجاب نظرا لكيفية تنسيقها وتخطيطها بالإتقان والإبداع الذى نراه في هذا السوق فالأزقة متراصة كحبات عقد متداخلة كقوس قزح متعدد الألوان ولايعرف أحد حتى الآن النمط أو الطراز أو الفكر المعمارى الذى تم بناء وتأسيس هذا الحي على أساسه فإنك تجد الأرض مبلطة بحجر بازلتي أسود لامع والسوق مسقوف بخشب متين تحدى الزمن وعوامل التعرية وظل صامدا لم يتلف بسببها والشمس تتسلل إلي داخل حوانيت ومتاجر عديدة تكون مع بعضها سلسلة متصلة ومترابطة يسلم أحدها الآخر ومليئة بالكنوز والتحف والقطع واللوحات الفنية النادرة والمصنوعة بمهارة فائقة ومما يميز هذا السوق ماتبقى من مشربيات وأسبلة جميلة مشغولة واجهاتها بالنحاس وفيها أحواض الماء التي كانت تروي العطشان وعابرى السبيل في الزمن الماضي حيث يزخر الحي بالعديد من البيوت الشهيرة التي يعود تاريخها إلي العصرين المملوكي والعثماني وفي داخل الأزقة الضيقة تجد نفسك وسط زحام أسطوري من البشر والمقاعد الخشبية التي رصها أصحاب المقاهي لجذب الرواد وبمجرد أن تدخل الشارع يتناهى إلى سمعك عبارات الترحيب المصرية الأصيلة خفيفة الظل وكلمات أولاد البلد المرحبة تدعو زوار الحي سواء من المصريين أو الأجانب للفرجة وتسمع نداء طريف يشدو به البائعون وهو نداء اللي مايشتري يتفرج ولو دخلت أحد الحوانيت فإن البائع يستقبلك مبتسما ومرحبا قائلا عبارة مصرية شعبية أصيلة وهي مصر نورت ويرد الزائر الذي له خبرة بعالم القاهرة السحري ومفرداتها اللغوية قائلا مصر منورة بأهلها ويبدأ البائع في عرض ما لديه من بضائع ولاتفارقه إبتسامته وكلماته المتدفقة حول جودة بضاعته وأنها صنعت خصيصاً لعشاق الفن اليدوي وفي الحقيقة فإن تجار الخان خبراء في فن البيع وورثوا التجارة والشطارة عن الآباء والأجداد وهم يعرضون الأصيل والمقلد من البضائع ولهم ولع عجيب بالمساومة كما يتسمون بصبر وجلد على إقناع الزبون ببضاعتهم وتاريخيا يعتبرحي خان الخليلي واحد من ثمانية وثلاثين سوقا كانت موزعة أيام المماليك على المحاور الرئيسية بمدينة القاهرة ويقع مكانه وسط المدينة القديمة فوق مقابر الخلفاء الفاطميين الذين حكموا مصر من منتصف القرن العاشر الميلادى وحتي منتصف القرن الثانى عشر الميلادى وكان الخليفة الفاطمي الأول المعز لدين الله الفاطمي قد أحضر معه حين قدومه إلي مصر من القيروان بتونس توابيت ثلاثة من أسلافه ودفنهم في مقبرته التي أنشأها بالقاهرة بعد تأسيسها حيث دفن هو وخلفاؤه أيضا وقد أمر جركس الخليلي مؤسس الحي بنقل المقابر إلى أماكن أخرى وتأسيس سوق للتجار مكانها وخان الخليلي يعتبر بحق معرض دائم ومستمر كان ومايزال تعرض به البضائع في القاهرة القديمة حيث تتلاصق المعارض وتمتلئ الحارات بالحوانيت التي تعرض نفس البضاعة بأسعار متفاوتة ممايتيح فرصة ممتازة للمشتري في أن ينتقى مايريده ويختاره بحيث يكون الأجود والأقل سعرا في نفس الوقت عن طريق الفصال والمساومة لكي يحصل في النهاية على الأمتن والأرخص فهنا بضائع من كل صنف ولون من الذهب والماس والفضة وجميع أنواع العطور والبخور إلى أوراق البردي التي تحمل كلمات اللغة الهيروغليفية وتمائم وأيقونات وقصائد غزلية ونقوشات باللون الأزرق تحكي في إختصار مدهش وعجيب أجمل حكاية عشق في التاريخ حكاية إيزيس وأوزوريس التي يقبل عليها السياح الأجانب وغيرها من القصص والأساطير الفرعونية الشهيرة .

وبعد جولتنا في الجامع الأزهر وبيت الست زينب خاتون وجامع الإمام الحسين وسوق خان الخليلي تعالوا بنا نجلس علي مقهي الفيشاوى الشهير الذى يقع إلي جوار مسجد الإمام الحسين لنحتسي الشاى الأخضر بالنعناع الذى يشتهر به المقهي وحيث سنجد في إستتقبالنا رائحة النارجيلة بأنواعها المختلفة عند إقترابنا منه كما ستطالعنا الوجوه العربية والأجنبية التي يزدحم ويكتظ بها المقهي العتيق والعريق في نفس الوقت وقد أنشيء هذا المقهي في القرن الثامن عشر الميلادى لصاحبه فهمي الفيشاوى أحد فتوات حي الجمالية حيث كان المقهي هو المقر الذي يدير منه شئون المنطقة وأصبح المقهي بعد ذلك مقصدا لطلاب العلم للإستذكار وخاصة طلبة الأزهر كما كان ملتقي للحركات الطلابية السرية بهدف الإعداد للمظاهرات ضد جيش الإحتلال الإنجليزي في أواخر القرن التاسع عشر الميلادى وأوائل القرن العشرين الماضي وذلك تحت ستار تناول الشاي الأخضر مع النعناع الذي تميز المقهي بتقديمه لرواده عبر تاريخه الطويل وفي فترة الحرب العالمية الثانية كان يلجأ إليه محبو السهر بعيدا عن إزعاج الغارات حيث كانت أبواب المقهي تغلق وفي الداخل يمارس الرواد لعب الطاولة والدومينو وخلافه وكان من أشهر رواد هذا المقهي الأديب الكبير نجيب محفوظ صاحب جائزة نوبل في الأدب .
 
 
الصور :