بقلم المهندس/ طارق بدراوى
tbadrawy@yahoo.com
الساعاتي هو الحرفي الذى يقوم بصنع وتصليح الساعات ولكن الآن وبعدما أصبحت الساعات تصنع بواسطة إستخدام الآلات أصبح صانعو الساعات اليوم يقومون بإصلاح الساعات فقط أو تغيير بطارياتها الفارغة ولكن تظل الساعات التي كانت تصنع باليد هي أصل حرفة صنع الساعات والتي كانت تدل على جودة الساعة ولذلك إذا طلب من أحد من يعمل في إصلاح الساعات الحديثة في الوقت الحاضر أن يقوم بإصلاح أحد الساعات العتيقة أو الساعات اليدوية القديمة فقد لا يستطيع القيام بذلك لأنه يجب أن يكون إصلاحها من قبل صناعها القدامي حيث من الصعب جدا أن تتم معالجة ساعة من قبل صانع آخر غير صانعها الأصلي هذا وتختلف المهارات والأدوات المطلوبة لإصلاح الساعات من صانع إلى آخر ولذا فإن صناعة الساعات هو حقل منفصل واسع تختلف فيه أطرافه عن بعضها البعض ودائما يكون المشهد المألوف لمن يزاول مهنة إصلاح الساعات هو إنهماكه فوق طاولته الخشبية الصغيرة وقد حشد عليها عشرات الساعات ومئات من قطعها الصغيرة مع بعض المفكات الرفيعة وبعد أن يلصق بعينه اليمنى عدسة مكبرة صغيرة سوداء اللون ينكب منحنيا على هذه الطاولة ليغوص في عالم ساعة يد نسائية رقيقة أو يبحر في أحشائها بأنامله المبدعة وبحرفية عالية تتلمس العطل الذى أصابها وتعيد ضبط تكتكاتها .
وتعتبر مهنة الساعاتي من المهن الفنية القديمة والتي غالبا ما يتوارثها الأبناء عن الآباء والأجداد أو يتم إحتراف البعض في العمل بها من خلال العمل كأجراء لدى الساعاتية وقد ظهرت محلات الساعاتيةعلى نطاق ضيق في أواخر العشرينيات من القرن العشرين الماضي حيث كانت الساعات في ذلك الوقت باهظة الثمن ولا يرتديها إلا المقتدرون فكانت ساعات الجيب الكبيرة الحجم نسبيا والتي تتدلى من سلسلة معدنية تعلق بعروة ياقة السترة وتوضع في جيبها الأعلى الصغير هي السمة الأبرز لرجالات ذلك العصر حيث كانت تميل معظم الشخصيات المعروفة في الماضي إلى ساعات الجيب نظرا للهيبة التي تضفيها على حاملها والمظهر اللافت للنظر وخصوصا عندما تكون ألوانها ذهبية أو مطلية بالذهب وكانت حينذاك لساعة الجيب خصوصية ونكهة مختلفة عن غيرها من الساعات فنوع الساعة وقيمتها تدل على مساحة اليسر الذي يتمتع به حاملها كما أن تدليها من جيب صاحبها يمنحه مظهرا خاصا لكونها كانت تخبئ في جيب خاص بالقرب من القلب وتتدلى سلسلتها للدلالة عليها ولكن بالطبع فقد تغير هذا الحال في وقتنا الحاضر كما تغير حال الكثير من الأشياء الراقية والجميلة التي إختفت من حياتنا اليوم .
وعقارب الزمن التي لا تعرف التوقف لم تُبعد فقط ساعات الجيوب عن القلوب بل طالت أيضا جدران البيوت التي كانت تزدان بساعات حائطية خشبية معروفة ببندولها النحاسي الراقص والتي كانت معلما أساسيا في معظم بيوت الخمسينيات والستينيات من القرن العشرين الماضي فلم يكن هناك بيت يخلو من تلك الساعات الحائطية حيث كانت دقاتها علي رأس كل ساعة خلال اليوم تسمع في وقت واحد في معظم البيوت ولكنها اليوم شارفت على الإندثار لصالح ساعات أخرى بلاستيكية أو معدنية في أحسن الأحوال وهذه الساعة الخشبية كانت في الماضي تعد تحفة فنية تزين صالون البيت ويحرص الكثيرون على إقتنائها أما اليوم فهي مجرد قطعة من البلاستيك ومكانها أحد حوائط المطبخ في أغلب الأحيان أما ساعات اليد فقد ظهرت لاحقا وحظيت بخصوصية مميزة إذ أن إبتكارها أنهى زمن إحتكار الرجال لإرتداء الساعات كما كان الحال في عهد ساعات الجيب فأصبح للسيدات نصيبهن من الساعات أيضا بحيث باتت الساعة جزءا لا يتجزأ من زينة المرأة وعنصرا أساسيا في صندوق مجوهراتها وكانت ماركات مثل باتريك فيليب وأورينت ورادو وأوميجا ويونيفرسال وهي ساعات سويسرية الصنع هي الأكثر شهرة وطلبا في تلك الفترة ويحكي أحد الساعاتية القدماء عن ذكريات الماضي أنه قد جاءه ذات مرة مهندس ألماني يعمل في شركة أجنبية ويحمل معه ساعة حائط خشبية قديمة وسأله إن كان يستطيع إصلاحها أم لا ففحصها وطلب منه مهلة يومين وبالفعل عاد بعد يومين ليجد عقارب الساعة تعمل بإنتظام كضربات القلب ففرح جدا وطلب منه أن يخبره كيف إستطاع إصلاحها رغم أن الكثيرين قبله فشلوا في ذلك فأراه أدواته التي إستخدمها في إصلاح الساعة العتيقة وهي عبارة عن مفك صغير وملقط وفرشاة فإستغرب جدا وأبدى دهشة بالغة كيف إستطعت إصلاح الساعة بهذه الأدوات البسيطة وشكرني ثم أعطاني مكافأة سخية وخرج حاملا ساعته و هو سعيد جدا .
ولم تغَير عقارب الزمن في أشكال الساعات فقط بل طالت أيضا من مكانتها كأداة ترسم صورة حاملها وتبرز مكانته الإجتماعية وقدراته المالية فالإستيراد العشوائي أغرق الأسواق بمئات الساعات الرخيصة الثمن بحيث باتت الساعات تباع في الشوارع والطرقات علي الأرصفة حيث يوجد منها مئات الأنواع في السوق اليوم وهي لكونها رخيصة السعر فإنها رديئة الصنع ولا تعمر طويلا ومعظمها تحمل أسماء لماركات غير معروفة وبالتالي لا تستمر بالعمل مدة طويلة رغم ألوانها البراقة ولدرجة أن تكلفة إبدال البطارية يساوي تقريبا سعر الساعة وهي جديدة وبالتالي لم يعد الناس يصلحون ساعاتهم بل يستبدلونها بغيرها بسهولة .
ولكن إذا كان الناس يتجهون اليوم لإستبدال ساعاتهم عوضا عن إصلاحها بسبب رخص سعرها فهل معنى هذا أن مهنة الساعاتي في طريقها للإندثار فللأسف الشديد هذه هي الحقيقة اليوم حيث أصبح العائد المالي من العمل في هذه المهنة ضعيفا للغاية بعد أن كانت هذه المهنة مزدهرة جدا عندما كانت الساعة جزء من شخصية الرجل وليس من السهولة إستبدالها أو تغييرها مما أدى إلي أن الساعاتية يعانون اليوم من قلة الزبائن بسبب كثرة الساعات المستوردة وعزوف الكثيرين عن إصلاحها لسهولة إستبدالها لذلك ومع قلة العمل فقد لجأوا إلي بيع الساعات الجديدة إلى جانب إصلاح الساعات سواء القديمة أو الجديدة وذلك لمجاراة حال السوق كما إتجه الكثيرون منهم إلي تعلم مهنة إصلاح أجهزة التليفونات المحمولة التي إنتشرت إنتشارا كبيرا في العالم كله وذلك لتأمين مصدر دخل مناسب لهم ويقول الساعاتية القدماء إن الفارق بين إصلاح ساعة وإصلاح جهاز تليفون محمول كبير صحيح أن الموبايل اليوم يضم ساعة ومنبه في إعداداته إلا أن آلية العمل مختلفة تماما وبالتالي فإن عملية الإصلاح والأدوات مختلفة تماما وطبعا العائد المالي من إصلاح التليفونات المحمولة أكبر بكثير من إصلاح الساعات لأن إبدال جهاز التليفون المحمول بجهاز آخر ليس يسيرا أو سهلا على الناس .
وفي الماضي كان لكل حرفة شيخ مهمته الأساسية أن يتولى الإشراف على المهنة ومتابعة العاملين فيها ومدى إلتزامهم بأخلاقياتها وأصولها بالإضافة إلى تدريب كوادر جديدة تضمن إستمرارية المهنة ونقلها وتوريثها من جيل إلي جيل وللأسف اليوم يغيب شيخ مهنة الساعاتية وأصبح كل ساعاتي اليوم مسؤول عن عمله وعن الإستمرار في المهنة وتوريثها لأبنائه إن إستطاع ليستمروا فيها من بعده إن إستطاعوا وإلا كان البديل هو التوقف عن مزاولتها لصالح مهنة أخرى تؤمن دخلا معيشيا مقبولا ويقول ممارسو هذه المهنة إنها مهنة ممتعة وتحتاج إلى تشغيل مخ فهي ليست حرفة سهلة بل على العكس تحتاج إلى مهارة كبيرة ودقة خاصة وخبرة طويلة حيث كانت الساعات قديما تصنع باليد وبحرفية كبيرة على العكس من ساعات اليوم الرخيصة الصنع والثمن كما تتطلب هذه المهنة أيضا تركيزا عاليا وبراعة متميزة حتي يستطيع الساعاتي تحديد مكان العطل وإصلاحه وإعادة الساعة للعمل من جديد خاصة إذا كانت الساعة من الماركات النادرة أو من التي يصعب على الكثير من المصلحين إصلاحها وعودة الحياة إليها ثانية وعلي ذلك فإن مهنة الساعاتي ليست بالمهنة العادية أو السهلة .
|