بقلم المهندس/ طارق بدراوى
ريتشارد ميلهاوس نيكسون هو الرئيس السابع والثلاثين للولايات المتحدة الأميريكية مابين يوم 20 يناير عام 1969م وحتي تقديمه لإستقالته يوم 8 أغسطس عام 1974م بعد مرور عام ونصف تقريبا من فترة رئاسته الثانية بسبب فضيحة ووترجيت تحت وطأة تهديد الكونجرس بإدانته والتي سنتعرض لها بالتفصيل في السطور القادمة كما أنه كان نائب الرئيس الأميريكي الرابع والثلاثين دوايت أيزنهاور الذي شغل منصب رئيس الجمهورية من يوم 20 يناير عام 1953م وحتي يوم 20 يناير عام 1961م بناءا علي ترشيح الإثنين كرئيس وكنائب للرئيس في الإنتخابات التي أجريت يوم 20 نوفمبر عام 1952م وقد خاض حملة رئاسية غير ناجحة عام 1960م حيث خسر بصعوبة كبيرة أمام جون كيندى كما خسر أيضا سباق الفوز بمنصب حاكم كاليفورنيا في عام 1962م وعلاوة علي ما سبق فقد كان زعيماً للتيار العالمي المضاد للتيار الإنغلاقي داخل الحزب الجمهوري كما عمل كممثل للحزب الجمهوري في ولاية كاليفورنيا التي تقع في غرب الولايات المتحدة وتعد أكبر الولايات الأميريكية تعدادا للسكان وثاني الولايات من حيث المساحة وقد ولد نيكسون في مدينة يوربا ليندا بولاية كاليفورنيا في يوم 9 يناير عام 1913م وكان الإبن الثاني من بين خمسة أبناء لفرانك نيكسون وهانا ميلهاوس نيكسون وكان والده مالكا لمحطة خدمات وبقالة كما كان يمتلك مزرعة ليمون صغيرة في بلدته يوربا ليندا في حين كانت والدته عضوا في جمعية الأصدقاء وكان لها تأثير كبير عليه وكانت بدايات حياة نيكسون صعبة إذ يسجل عنه قوله كنا فقراء لكن العظيم في الأمر هو أننا لم نكن نعرف ذلك كما مرت العائلة بحدثين مأساويين أثناء فترة طفولة وشباب ريتشارد هما موت أخيه الأصغر عام 1925م بعد مرضه بفترة وجيزة وموت أخيه الأكبر عام 1933م بسبب مرض السل وكان ريتشارد يحبه كثيرا وقد إلتحق نيكسون في البداية بمدرسة فلرتون الثانوية ولكنه إنتقل بعد ذلك إلى مدرسة ويتير الثانوية وفيها ترشح لرئاسة إتحاد الطلبة إلا أنه خسر أمام طالب له شعبية أكبر وعندما تخرج من المدرسة وكان في المرتبة الثانية على طلاب صفه نال منحة للدراسة في جامعة هارفارد الشهيرة ولكن عائلته لم تتمكن من تأمين نفقات سفره ومعيشته فإلتحق بكلية ويتيير وفيها ذاع صيته بسبب قدرته العظيمة على خوض النقاشات وتميزه في إنتاج الأعمال الدرامية ومهاراته الرياضية .
وعند تخرجه من الكلية عام 1934م حصل على منحة كاملة لدراسة القانون في جامعة ديوك في ديورهام في ولاية نورث كارولاينا التي تقع شرقي الولايات المتحدة ثم بعد تخرجه منها عام 1937م عاد إلى بلدته لمزاولة مهنة المحاماة في شركة كروب آند بولي ومما يذكر أن نيكسون كان في هذه الفترة على وشك أن يتم قبوله بالمباحث الفيدرالية المعروفة بإسم الإف بي آي ليكون عميلا فيها إلا أن تخفيضات في الميزانية حالت دون ذلك وبعد عامين أي في عام 1939م أصبح شريكاً في شركة بيولي ونوب ونيكسون ليلتقي بعد ذلك بفترة وجيزة بتيلما كاترين رايان والتي عرفت بعد ذلك بإسم بات وكانت معلمة وممثلة هاوية بينما كانا يمثلان معا في إحدى المسرحيات في المسرح المحلي وفي عام 1940م تزوجا وأنجبا إبنتين هما تريشا وجولي وفي نفس العام إشترك مع مجموعة من رجال الأعمال لإقامة شركة لتعبئة العصائر ولكن هذا المشروع فشل بعد عامين فقط من إقامته فتركه وإلتحق بالعمل في الحكومة فعمل في إدارة التحكم في الأسعار في العاصمة الأميريكية واشنطن وكان مرتبه الأسبوعي في البداية 61 دولار ثم إرتفع بعد ذلك إلى 90 دولار لكن لم تعجبه طريقة أداء الجهاز الحكومي لذلك إستقال بعد فترة قصيرة وتطوع في سلاح البحرية الأميريكية في شهر يونيو عام 1942م على الرغم من إعفائه من الخدمة العسكرية لكونه أحد أعضاء جماعة الأصدقاء ولعمله المتعلق بقانون التلوث النفطي وقد ظل به حتى شهر مارس عام 1946م وتلقى تدريباته الرئيسية في ويست بوينت بولاية رود آيلاند حيث تعرف على وليم روجرز الذي أصبح وزير خارجيته فيما بعد وبعد إنتهاء التدريب الأساسي في شهر أغسطس عام 1944م عين في سلاح الجو التابع للبحرية الأميريكية في الاميدا بولاية كاليفورنيا ثم إنتقل بعد ذلك إلى القوات البحرية في العاصمة واشنطن وكانت الولايات المتحدة قد أعلنت دخولها الحرب العالمية الثانية إلي جانب الحلفاء قبل ذلك بحوالي سنتين ونصف وعمل نيكسون في وحدة نقل جوي تابعة للبحرية الأميريكية في المحيط الهادي وبقي فيها حتى نهاية الحرب في عام 1945م وفي أثناء فترة خدمته في البحرية حصل علي عدة ترقيات حتى وصل إلى رتبة رائد بحري ولما إنتهت خدمته في السلاح البحرى الأميريكي وعاد إلى الولايات المتحدة عاد حاملا على كتفه نجمتين والعديد من الأوسمة وإنضم إلي الحزب الجمهوري الأميريكي .
وفي عام 1946م وبعد عودته إلى الحياة المدنية تواصلت معه مجموعة من الأعضاء الجمهوريين في جماعة الأصدقاء حيث شجعوه على الترشح لإنتخابات مجلس النواب وأقنعوه بمدى إحتياج الحزب له كنائب في الكونجرس لِما يتميز به من صفات قيادية تجعله منافسا قويا لأي من مرشحي الحزب الديموقراطي المنافس وكان عليه أن يخوضها في مواجهة المرشح الديموقراطي الليبرالي الذي ظل عضوا في الكونجرس طوال خمس فترات جيري فورهيز وكانت هذه هي بداية حياة نيكسون السياسية وخلال حملته الإنتخابية ظهر نيكسون خطيبا سياسيا بارعا يعرف كيف يجذب الجماهير إليه ويقنعها بأفكاره فقد كان يمقت النظرية الشيوعية وكان على خلاف أيديولوجي واسع مع النظريات المسيطرة على الحزب الديموقراطي وما له من قاعدة عريضة في النقابات العمالية التي يسيطر عليها أصحاب الميول الإشتراكية وقد ركز نيكسون في حملته على أن هذه النقابات العمالية التي تساند منافسه من الحزب الديموقراطي موالية للشيوعية وكذلك إستغل نيكسون في حملته الإنتخابية مزاعم عن شائعات حول تعاطف فورهيز مع الشيوعيين وهو تكتيك إستخدمه طوال حياته السياسية ونجح نيكسون بالفعل امام منافسه بأغلبية ساحقة وفاز بمقعد في مجلس النواب الأميريكي في شهر نوفمبر عام 1946م وفي الفترة الأولى له في منصبه وعلى الرغم من حداثة عهده بعضوية الكونجرس ومؤسساته إلا أن نشاطه كان ملفتا للأنظار ومثيرا للإعجاب فقد إنضم إلى اللجنة المهتمة بشئون التعليم وتنظيم لوائح العمل كما تمكن من صياغة مشروع قانون يحدد العلاقة بين العمال وأصحاب العمل عرف بإسم قانون تافت هارتلي كما تم إختياره ليكون عضوا في اللجنة الخاصة بدراسة تقديم الولايات المتحدة قروض ومعونات لدول أوروبا الغربية لبناء إقتصادها وهكذا فقد ذاع صيته بوصفه يؤمن بالأممية في السياسات الخارجية وزار في هذه الآونة بعض دول قارة أوروبا لتقصي الأمور فيما يتعلق بخطة مارشال التي كانت قد أعلنتُ حديثا آنذاك ويمكننا تعريف هذه الخطة بأنها هي المشروع الإقتصادي لإعادة تعمير أوروبا بعد إنتهاء الحرب العالمية الثانية حيث كان قد ترتب على هذه الحرب تدمير الإقتصاد الأوروبي وإنهياره وكساده إلى حد كبير وعميق مما أدى إلى إنتشار الفقر والبطالة بشكل واسع في معظم دول أوروبا مما خلق تربة خصبة لإنتشار الشيوعية كما كان واضحا من الخطط السوفيتية انذاك ومن هنا كان لزاما علي الولايات المتحدة الأميريكية صاحبة أقوى إقتصاد آنذاك والتي لم تتضرر كثيرا من جراء الحرب أن تتصرف بسرعة قبل إنتشار المد الشيوعي في غرب أوروبا وان تهتم بمحور الإقتصاد كأهم عامل مؤثر فكان مشروع مارشال بادرة أولية لإنعاش إقتصاديات دول غرب أوروبا وقد أعلن جورج مارشال وزير الخارجية الأميريكي حينذاك والذى ينسب إليه هذا المشروع بنفسه عنه في يوم 5 يونيو عام 1947م في خطاب وكان مما قاله في هذا الخطاب إنه قبل أن تتبرع الولايات المتحدة بأي مساعدات مالية يتعين أن يكون هناك نوع من الإتفاق بين دول أوروبا حول كيفية إنفاق هذه الأموال وقد تعمد ترك التفاصيل مبهمة منتظرا ليرى ما سيحدث .
وكان نيكسون من أشد أعضاء هذه اللجنة تحمسا لهذا المشروع وكان يعتقد أن تنفيذه سيكون له أثر فعال في وقف المد الشيوعي في غرب أوروبا وقد أثار تألق أداء نيكسون وعدائه المستحكم للشيوعية إعجاب كل من تعاملوا معه وسرعان ما أُسندت إليه رئاسة اللجنة الخاصة لبحث وسائل الحد من إنتشار المبادئ الشيوعية في الهيئات الحكومية وبعد عامين وفي عام 1948م أعيد إنتخابه لفترة نيابية ثانية عن ولاية كاليفورنيا بمجلس النواب إمتدت حتى عام 1950م ومما يذكر أن متابعته وملاحقته لقضية الجاسوس السوفيتي الجير هيس قد دعمت وعززت سمعته كمعاد للشيوعية وجعلته مشهورا على المستوى القومي حيث قام بوصفه عضوَا في لجنة نشاطات البيت الأميريكي في الفترة ما بين عام 1948م وعام 1950م بدور بارز في التحقيقات مع هذا الجاسوس الذي كان مسؤولا سابقَا في وزارة الخارجية الأميريكية وكانت تسبقه سمعته وفي الوقت الذي كان الكثيرون يصدقون هيس كان نيكسون يعتقد تماما بالمزاعم حول تجسس هيس لصالح الإتحاد السوفيتي وكان هيس قد أنكر أمام اللجنة التي شكلت للتحقيق معه كافة التهم الموجهة إليه بشدة وفند مزاعم قدمها شخص يدعي ويتيكر شيمبرز ضده مما دفع نيكسون لإستدعاء هيس لمنصة الشهود وإخضاعه لإستجواب شديد أدى بهيس إلى الإعتراف بأنه كان يعرف شيمبرز لكن بإسم آخر وهو ما أدى إلي ثبوت تهمة الحنث باليمين علي هيس ليقضي خمس سنوات في السجن وقد جاء هذا الإستجواب ليؤكد على وطنية نيكسون بوصفه مناهضَا متحمسَا للشيوعية وفي عام 1950م إنتخب نيكسون كسيناتور في مجلس الشيوخ عن ولاية كاليفورنيا أيضا بعد أن قاد حملة إنتخابية ناجحة ضد منافسته هيلين جاهاجان مرشحة الحزب الديموقراطي التي إتهمها بأنها تروج للأفكار الشيوعية وفاز نيكسون بمقعد مجلس الشيوخ بأغلبية ساحقة وخلال عمله كسيناتور إستمر نجمه في الصعود إذ عمل باللجنة المنوط بها مراقبة جميع العمليات الحكومية ذات الطبيعة الإستراتيجية ويذكر أن نيكسون قد إنتقد بشدة موقف حكومة الرئيس هارى ترومان حيال الحرب الكورية التي نشبت بين عام 1950م وعام 1953م الأمر الذي حدا بالرئيس ترومان أن يقيل قائد القوات الأميريكية هناك الجنرال دوجلاس ماك آرثر الذي إعتبر مسؤولا عن تقصير الحكومة الأميريكية في التخطيط الجيد لهذه الحرب وبالإضافة إلى عمله كسيناتور كان نيكسون نشطا على مستوى الحزب الجمهوري فقد كان حريصا على اللقاء المستمر بقيادات الحزب وقد قدر عدد الخطب التي كان يلقيها في إجتماعات الحزب بحوالي 12 خطبة في الشهر وكان عداؤه الشديد للشيوعية وحضوره وكلامه المؤثر وصوته الجهوري خلال إلقاء هذه الخطب مبعثا لإلتفاف أعضاء الحزب حوله على الرغم من صغر سنه حينذاك .
وفي الإنتخابات الرئاسية التي أجريت في شهر نوفمبر عام 1952م إختار المرشح الرئاسي الجمهوري دوايت أيزنهاور نيكسون ليكون نائبه في هذه الانتخابات وكان إختيار أيزنهاور مبنيا على سمعة نيكسون كمعاد للشيوعية إضافة إلى أنه يمثل ولاية كبيرة لها وزنها الإنتخابي وخلال الحملة الإنتخابية نشرت مجلة النيويورك بوست قصة تحت عنوان أموال نيكسون السرية إتهمته فيها بأنه جمع مبلغ 18 ألف دولار أثناء عمله كسيناتور إستغلها في مصاريفه الشخصية خلال الحملة الإنتخابية وقد أدى هذا الإتهام إلي تعرض أيزنهاور لضغوط شديدة من بعض أعضاء الحزب الجمهورى للتخلي عن نيكسون لكن آيزنهاور كان يدرك أنه لن يفوز بالسباق الرئاسي بدون نائبه نيكسون فأتاح له الفرصة لتبرئة إسمه وفي يوم 23 سبتمبر عام 1952م ألقى نيكسون خطابا تليفزيونيا مؤثرا مدته ثلاثين دقيقة أكد فيه أنه تلقى هذا المبلغ بالفعل ولكنه نفى أي إنفاق منه على مصاريفه الشخصية بل أكد أنه صرف لتمويل أمور سياسية عامة ثم سرد أملاكه كلها في خطابه ورد الكرة إلى ملعب خصومه السياسيين فزعم أنه على خلاف زوجات العديد من السياسيين الديموقراطيين فإن زوجته بات لا تملك معطفا من الفرو بل لديها فقط معطف قماش جمهوري متواضع ثم كانت خاتمة الخطاب التي إعترف فيها نيكسون بقبول هدية واحدة فقط أثناء عمله في السياسة وهو كلب كوكر سمته إبنته تريشا ذات السنوات الستة تشيكرز وفي نهاية خطابه أهاب نيكسون بالمشاهدين أن يرسلوا برقيات وخطابات تأييد له إذا كانوا مقتنعين ببراءته وصدق حديثه وبالفعل إنهالت الخطابات والبرقيات على مقر الحزب الجمهوري مطالبة ببقاء نيكسون في السباق الإنتخابي وفي اليوم التالي للخطاب قرر أيزنهاور إستمرار نيكسون معه في المعركة الانتخابية كنائب له وعلي الرغم من إعتقاد نيكسون في بادئ الأمر أن خطابه التليفزيوني كان فاشلا إلا أن الناس إستجابوا لما أصبح يعرف بإسم خطاب تشيكرز وقد رسخت هذه التجربة في ذهن نيكسون إنعدام ثقته بالإعلام وهكذا أدى خطاب تشيكرز جنبا إلى جنب مع تحالف آيزنهاور ونيكسون إلى الإطاحة بمنافسيهم مرشحي الحزب الديموقراطي وبذلك إستطاع نيكسون تلافي كارثة سياسية محققة كادت أن تقضي علي مستقبله السياسي إلي الأبد وليفوز أيزنهاور بمنصب الرئيس ونيكسون بمنصب نائب الرئيس وعمره لم يتجاوز 39 عاما وبذلك كان نيكسون ثاني أصغر نائب رئيس للولايات المتحدة الأميريكية منذ نشأتها .
ومما يذكر أنه أثناء عمله نائبا للرئيس زاد نيكسون من أهمية ومهام منصبه فساعد على تمرير مشاريع القانون التي إقترحها أيزنهاور مثل مشروع قانون الحقوق المدنية عام 1957م كما شارك في سن سلسلة من التخفيضات الضريبية التي أصبحت جوهر منهج السياسات الإقتصادية لدى الجمهوريين منذ ذلك الوقت وإلى جانب عمله كنائب رئيس كان نيكسون مشغولا بأمور الحزب الجمهوري ذلك أن أيزنهاور كان رجلا عسكريا ليست له خبرة كبيرة في الشئون الحزبية ولذلك فقد أرسـله في مهمات دبلوماسية إلى 56 دولة فأداها بنجاح وخلال رحلة له إلي الإتحاد السوفيتي كان نيكسون يفتتح خلالها الجناح الأميريكي في أحد المعارض إلتقى مع الزعيم السوفيتي نيكيتا خروشوف ودار بينهما حديث في قاعة تعرض فيها الأجهزة المنزلية التي توضع في المطبخ الأميريكي وإستمر الحديث حتى بدأ خروشوف في إنتقاد أسلوب المواطن الأميريكي وهنا إنبرى نيكسون للدفاع عن نظام الحياة الأميريكي ثم عرج إلى نقد الحكومة السوفيتية لمنعها أساليب الحياة العصرية عن المواطن السوفيتي وبدا خروشوف في موقف العاجز عن الرد على نيكسون أو إستخدام الحجة والمنطق في حديثه وكان لهذا الحديث الذي عرف بمواجهة المطبخ أثر كبير في زيادة شعبية نيكسون لدى الشعب الأميريكي وعلاوة علي ذلك وخلال فترة رئاسته تعرض أيزنهاور لثلاث أزمات مرضية خطيرة تولى خلالها نيكسون المسؤوليات الرئاسية فقد أصيب أيزنهاور بأزمة قلبية عام 1955م ثم أجريت له عملية جراحية في أمعاءه الدقيقة عام 1956م كما أصيب بإنسداد في شرايين المخ عام 1957م وفي الإنتخابات التي أجريت في شهر نوفمبر عام 1956م فاز الرئيس أيزنهاور في إنتخابات الرئاسة لفترة ثانية وإستمر نيكسون معه في منصبه نائبا للرئيس أيزنهاور طوال فترة رئاسته الثانية والتي إستمرت حتي يوم 20 يناير عام 1961م ,
وفي الإنتخابات الرئاسية التي كانت ستجرى يوم 20 نوفمبر عام 1960م فاز نيكسون بتزكية الحزب الجمهوري له بأغلبية مطلقة ليمثل الحزب في هذه الانتخابات إلا أن التنافس على الفوز فيها كان شديدا وشرسا بينه وبين المرشح الديموقراطي الشاب صاحب الكاريزما السيناتور جون كيندي ممثل ولاية ماساتشوستس في مجلس الشيوخ وأطلق نيكسون حملته الإنتخابية في بدايات الستينيات من القرن العشرين الماضي في مواجهة منافسه وإستخدم نيكسون خبرته في الحملات الإنتخابية في حين أنعش كيندي السباق إلى الرئاسة بحيوية ونشاط جديدين ودعا إلى ضرورة أن يتولى الرئاسة جيل جديد من السياسيين منتقدا إدارة آيزنهاور لتعريضها أمن الولايات المتحدة الوطني للخطر إلا أن نيكسون دافع عن إدارة آيزنهاور دفاعا مستميتا بوصفه كان شريكا له في إقرار سياساته وإستخدمت في هذه الإنتخابات وسائل الإعلام بشكل غير مسبوق وتم لأول مرة التخطيط لأربع محاورات تليفزيونية بين نيكسون وكيندي الأمر الذى أصبح تقليدا متبعا في الانتخابات الرئاسية الأميريكية بعد ذلك وكان عمل نيكسون يرتكز على جهوده في البداية وعلي الرغم من خبرة نيكسون السياسية مقارنة بمنافسه لكن لم تسعفه أوضاعه الصحية أثناء بعض الحوارات التليفزيونية ومن ثم كانت النتيجة في النهاية أنه هزم في هذه الإنتخابات بفارق ضئيل جدا قدره 118550 صوت وأثني عليه لروحه الرياضية ومهنيته بعد خسارته على الرغم من مزاعم بوجود عمليات فساد قد تكون أثرت على العملية الإنتخابية وبعد 14 عاماً في معترك الحياة السياسية في واشنطن عاد نيكسون إلى مسقط رأسه في ولاية كاليفورنيا حيث أسس مكتبا للمحاماة وبلغ دخله في عام واحد فقط من مزاولة نشاط المحاماة مجموع دخله في الأربعة عشر عام التي قضاها في العمل السياسي وبعد سنتين وفي عام 1962م كان نيكسون هو مرشح الحزب الجمهوري في إنتخابات حاكم ولاية كاليفورنيا بعد أن ضغط الحزب الجمهوري عليه ليقبل ترشيح الحزب له في هذه الإنتخابات وتردد نيكسون في بادئ الأمر لكنه في النهاية قبل تزكيه الحزب له وكان من المتوقع أن يفوز بسهولة فهو الذي خسر إنتخابات الرئاسة بفارق ضئيل للغاية في الأصوات إلا أن المفاجأة تفجرت بهزيمته في الإنتخابات أمام منافسه الديموقراطي إدموند براون الذي فاز بفارق 300 ألف صوت وفي صبيحة اليوم التالي لظهور نتيجة الإنتخابات عقد نيكسون الغاضب مؤتمرا صحفيا هاجم فيه رجال الإعلام بشدة متهما إياهم بتشويه صورته أمام الناخبين الأمر الذي أدى إلى هزيمته في الإنتخابات كما أعلن كذلك أن هذا هو آخر مؤتمر صحفي له وفسرت هذه العبارة حينذاك على أنها إعلان لإعتزال نيكسون العمل السياسي .
ومابين عام 1963م وعام 1968م إنتقل نيكسون بعد هزيمته في انتخابات ولاية كاليفورنيا إلى ولاية نيويورك وأصبح شريكا في مكتب محاماة ذائع الصيت وعمل نيكسون من خلاله محاميا لمدة خمسة أعوام كسب فيها أيضا أموالا كثيرة وشهرة عريضة في ساحات القضاء إلا أن طموحات نيكسون السياسية كانت أكبر من الحصول فقط على دخل أعلى وحقا فإنه لم يدخل في السباق الرئاسي في الانتخابات التي أجريت في يوم 20 نوفمبر عام 1964م والتي فاز بها مرشح الحزب الديموقراطي ليندون جونسون الذى كان نائبا للرئيس جون كيندى وأكمل فترة رئاسته بعد إغتيال هذا الأخير يوم 22 نوفمبر عام 1963م طبقا للدستور الأميريكي الذى يقضي بتولي نائب الرئيس المنتخب منصب الرئيس في حالة خلو هذا المنصب نتيجة أي سبب من الأسباب مثل وفاته أو إستقالته ولكنه عاد مرة أخرى يجرب حظه في مجال السياسة وخاض المعركة الانتخابية علي منصب رئيس الجمهورية التي أجريت في يوم 20 نوفمبر عام 1968م وذلك بعد إنعقاد مؤتمر الحزب الجمهوري على شاطئ مدينة ميامي بولاية فلوريدا والذى كان نيكسون خلاله أكثر الجمهوريين شعبية وفاز بتزكية الحزب له من أول إقتراع ليكون هو مرشح الحزب في الانتخابات الرئاسية في شهر فبراير عام 1968م وفي ذلك العام كان الشعب الأميريكي في أشد مراحل الصراع ضد الحرب في فيتنام في الشوارع وعلى شاشات التليفزيون على حد سواء فوعد نيكسون بعودة القوات الأميريكية وإرساء السلام في فيتنام من دون مذلة للطرف الأميريكي وهو ما عزز من مكانة نيكسون وسمعته بين الناخبين وشن مع سبيرو آجينيو الذى إختاره ليخوض معه الإنتخابات علي منصب نائب الرئيس حملة إعلامية مؤثرة ومدروسة هاجما فيها الحزب الديموقراطي وأنصاره نظرا لإرتفاع معدلات الجريمة وما أسموه تخاذلا أمام السوفييت وترسانتهم النووية كما إزدادت شعبية نيكسون نتيجة إغتيال الزعيم الزنجي مارتن لوثر كينج يوم 4 أبريل عام 1968م ثم إغتيال روبرت كيندى شقيق الرئيس الراحل جون كيندى الذى تم إغتياله يوم 22 نوفمبر عام 1963م الذى كان مفترضا أن يكون منافس نيكسون في الإنتخابات الرئاسية في يوم 5 يونيو عام 1968م وتمكن نيكسون من الفوز في هذه الإنتخابات بنسبة 43.4% من الأصوات بينما حصل منافسه هيوبرت همفري مرشح الحزب الديموقراطي علي نسبة 42.7% أما النسبة المتبقية وهي 13.5% فقد حصل عليها جورج والاس المستقل وبهذه النتيجة أصبح نيكسون رئيسا للولايات المتحدة حتي عام 1972م وفي شهر أغسطس من العام المذكور جرت تزكية نيكسون مجددا من قبل حزبه لخوض إنتخابات الرئاسة الأميريكية مرة أخرى وكان منافسة هذه المرة من الحزب الديموقراطي هو السيناتور جـورج ماكجفرن وفاز نيكسون بفترة رئاسة ثانية بحصوله على نسبة 61% من الأصوات بينما حصل ماكجفرن على 38% منها فقط .
وكان نيكسون كما ذكرنا قد إختار سبيرو أجينيو حاكم ولاية ميريلاند نائبا له منذ انتخابات عام 1968م والذي ظل في منصبه من عام 1969م حتى عام 1973م والذى كان يدافع بشدة عن الحكومة وينتقد وسائل الإعلام والديموقراطيين المعارضين وفي عام 1973م وجهت له تهمة قبول رشاوى أثناء عمله حاكما لولاية ميريلاند وأيضا بعد أن أصبح نائبا للرئيس وبعد أسابيع من الإجراءات القانونية إتفق أجينيو مع المدعين أنه لكي يتجنب المحاكمة سوف يستقيل من منصبه وقد نشر المدعي العام الأميريكي وثيقة من أربعين صفحة يشرح فيها بالتفصيل أفعال أجينيو غير اللائقة على مدار عشر سنين ونتيجة لتلك الوثيقة حوكم أجينيو وأدين وحكم عليه بدفع عشرة آلاف دولار غرامة ووضعه لمدة ثلاث سنوات تحت المراقبة ومع ذلك ظل أجينيو يدعي البراءة وأنه لم يترك وظيفته ليتجنب المحاكمة ولكن لأنه لم يكن على وفاق مع رئيس العاملين بالبيت الأبيض في ذلك الوقت الكسندر هيج ومما يذكر أن حكومة نيكسون طوال فترة حكمه قد ضمت وزيرين من أفضل وزراء الخارجية الذين أنجبتهم الولايات المتحدة الأميريكية أولهما وليم روجرز والذي ظل في منصبة من عام 1969م حتى منتصف عام 1973م وثانيهما هو الدكتور هنري كيسنجر الذى خلف روجرز وشغل منصب وزير الخارجية منذ منتصف عام 1973م حتى عام 1977م وفي الحقيقة فقد كان إرث الرئيس نيكسون عند توليه منصبه صعبا للغاية فقد ورث بلدا يعصف بها عدد من المشاكل الداخلية وتجتاحها موجات من أعمال العنف والشغب مابين البيض والسود علاوة علي أنها كانت في حالة حرب في فيتنام ولديها أكثر من نصف مليون جندي في هذه البلاد والتي تقع على بعد آلاف الكيلومترات عن الولايات المتحدة وكانت هذه الحرب قد تورطت فيها الولايات المتحدة الأميريكية حيث كانت أطراف الحرب الرسمية دولتا فيتنام الشمالية وفيتنام الجنوبية ولكن تلقى الجيش الفيتنامي الشمالي الدعم من الإتحاد السوفيتي والصين وحلفاء شيوعيين آخرين أما الجيش الفيتنامي الجنوبي فقد تلقى الدعم من الولايات المتحدة الأميريكية وكوريا الجنوبية وأستراليا وتايلاند وحلفاء آخرين مناهضون للشيوعية وتدريجيا بدأت الولايات المتحدة تتورط في هذه الحرب وتتصاعد وتيرة التدخل الأميريكي فيها بداية من أواخر عام 1960م في أواخر عهد الرئيس دوايت أيزنهاور ثم في عهد الرئيس جون كيندى ومن بعده الرئيس ليندون جونسون ففي خلال عهد الرئيس كيندي بدأت ترتفع أعداد القوات الأميريكية في فيتنام تدريجيا فمن أقل من ألف جندي عام 1959م إلى 16 ألف جندي عام 1963م وبعد إغتيال كيندى وبحلول عام 1964م كان عدد القوات الأميريكية المتدخلة في الصراع في فيتنام قد بلغ 23 ألف جندي ثم تصاعد العدد أكثر في أعقاب حادث خليج تونكين عام 1964م والتي زعم فيها أن مدمرة أميريكية قد إشتبكت مع سفينة حربية هجومية تابعة لفيتنام الشمالية وأعقب ذلك إتخاذ قرار تمت تسميته قرار خليج تونكين بواسطة الرئيس الأميريكي حينذاك ليندون جونسون بزيادة عدد الجنود الأميريكيين وأصبح العدد 184 ألف جندي وفي كل عام كانت تتزايد أعدادهم الأميريكيين على الرغم من التقدم القليل في الصراع حتي وصل إلي حوالي 543 ألف جندي عام 1969م في بداية عهد الرئيس نيكسون وقد ظلت هذه المشكلة قائمة طوال فترة تولي الرئيس جونسون منصب رئيس الولايات المتحدة وأيضا خلال فترة الرئاسة الأولي للرئيس نيكسون ويرى بعض الأميريكيين أن هذه الحرب كانت بمثابة حرب بالوكالة في حقبة الحرب الباردة وكان غالبية الأمريكيين يعتقدون أن هذه الحرب كانت غير اخلاقية وغير مبررة .
وبتولي الرئيس نيكسون منصبه كرئيس للولايات المتحدة أعلن عن عزمه الحد من الوجود الأميريكي في فيتنام وفي قارة آسيا بشكل عام وبالفعل بدأ نيكسون في سحب القوات الأميريكية من فيتنام تدريجيا فبعد أن كان تعداد القوات الأميريكية في الأراضي الفيتنامية كما ذكرنا في السطور السابقة 543 ألف جندي في عام 1969م إنخفض هذا العدد إلى 345 ألف جندي في أواخر عام 1972م إلا أنه بدلا من الوجود العسكري المكثف عمد الجيش الأميريكي إلى تدريب وتسليح القوات المسلحة لفيتنام الجنوبية وفي شهر أبريل عام 1970م وافق نيكسون على مهاجمة المعاقل الشيوعية في شرق كمبوديا في عملية عسكرية إستغرقت شهرين وإحتجاجا على هذه العملية شهدت البلاد إضرابات للطلاب ضد قصف كمبوديا وكانت نتيجة هذه العملية العسكرية النجاح في سحق أوكار الشيوعيين في المنطقة وتم مصادرة أسلحتهم وقطع خطوط إمداداتهم وعلى الرغم من النجاح الذى حققته هذه العملية العسكرية فقد هوجم نيكسون في الكونجرس هجوما عنيفا وإتهم بتصعيد الحرب بدلا من العمل على إخمادها وأصدر الكونجرس قرارا يقضي بعدم السماح لنيكسون بإستخدام القوة في لاوس وكمبوديا إلا أن ذلك لم يوقف خطة نيكسون بإستمرار القصف الجوي على المواقع الشيوعية في كمبوديا وفي شهر فبراير عام 1971م غزت قوات فيتنام الجنوبية لاوس لقطع طرق الإمدادات عن فيتنام الشمالية وبالطبع لم تكن فيتنام الجنوبية لتفعل ذلك لولا المظلة الجوية المحكمة التي وفرتها القوات الأميريكية إضافة إلى القصف المدفعي والإمداد بالمؤن والذخيرة وفي ربيع عام 1972م أرادت فيتنام الشمالية إحراج نيكسون العائد لتوه من زيارة تاريخية للصين تعهد فيها بالعمل على إنهاء الحرب الفيتنامية فقصفت قواتها سايجون عاصمة فيتنام الجنوبية قصفا مكثفا مع التهديد بغزوها وفي هدوء الواثق من نفسه وضع نيكسون الألغام في ميناء هايفونج وهو المنفذ الوحيد الذي تصل عن طريقه الإمدادات والأسلحة من الصين إلى فيتنام الشمالية كما أمر بالقصف الجوي المستمر لعاصمة فيتنام الشمالية هانوي ولدهشة قادة فيتنام الشمالية لم يؤثر هذا التصعيد على العلاقات الوليدة بين الصين والولايات المتحدة كما أن نيكسون إستقبِل بحفاوة في الإتحاد السوفيتي عندما زاره في شهر مايو عام 1972م عقب القصف الجوي الأميريكي لهانوي وكان لهذه العوامل مجتمعة أثرا كبيرا على قبول فيتنام الشمالية البدء في مفاوضات سلام لإنهاء الحرب وتحقيق مصالحة وطنية وإختار نيكسون لهذه المفاوضات أستاذا جامعيا كان أيضا يعمل مستشارا للرئيس في البيت الأبيض لشئون الأمن القومي وهو هنري كيسنجر الذي ذاع صيته كدبلوماسي بارع ثم وزيراً للخارجية فيما بعد وعلى الرغم من صعوبة المفاوضات إكتشف كيسنجر وجود رغبة حقيقية في السلام لدى قادة فيتنام الشمالية وبعد مفاوضات شاقة ومضنية مملوءة بالمراوغات الدبلوماسية والإختلاف على معنى النصوص وتباين الترجمات توصل الجميع إلى إتفاق لإحلال السلام تم توقيعه في العاصمة الفرنسية باريس في يوم 23 يناير عام 1973م وبموجب هذا الإتفاق تم التوصل إلى إتفاق لوقف إطلاق النار بين الأطراف المتحاربة والذى دخل حيز التنفيذ يوم الثامن والعشرين من الشهر ذاته وتم تشكيل لجنة مصالحة وطنية بين الفصائل المتحاربة وبحلول شهر أبريل عام 1973م كان آخر جندي أميريكي قد غادر فيتنام وكان من أهم البنود في هذه الاتفاق الإفراج عن 600 أسير حرب أميريكي قضوا سنوات طوال في غياهب الأسر وكان بلا شك لرجوعهم فرحة كبيرة لدى جماهير الشعب الأميريكي وعبر نيكسون عن فرحته بالإتفاق قائلا إنه سلام مشرف وجدير بالذكر أن حرب فيتنام كلفت الولايات المتحدة 110 مليار دولار وخلفت وراءها عدد 58 ألف قتيل وعدد 304 ألف مصاب وبذلك إستطاعت الولايات المتحدة الأميريكية بواسطة كيسنجر الخروج من المستنقع الفيتنامي الذى تورطت فيه لمدة حوالي 14 سنة وتم منحه هو ولي دك ثو المفاوض الرئيسي عن الجانب الفيتنامي الشمالي جائزة نوبل للسلام لعام 1973م .
وفي مجال العلاقات الخارجية ساند نيكسون إنضمام الصين إلي الأمم المتحدة في شهر أكتوبر عام 1971م متخليا بذلك عن عدائه التقليدي للشيوعية كما حاول إقناع العالم بالسماح لتايوان بالإبقاء على مقعدها أيضا بالمنظمة الدولية وفي شهر فبراير عام 1972م قام برحلة سلام للصين حيث إستقبل بحفاوة بالغة وزار خلالها سور بادالينج وسور الصين العظيم وإلتقي بالرئيس الصيني ماوتسي تونج وبعد المحادثات إتفقت الحكومتان علي فتح صفحة جديدة من العلاقات الودية بينهما وذلك بعد قطيعة إستمرت عقدين من الزمان وعلي التوسع في الإتفاقيات العلمية والثقافية والتجارية وكان نيكسون أول رئيس أميريكي يزور الصين وأول رئيس أميريكي يزور دولة ليس بينها وبين الولايات المتحدة علاقات دبلوماسية وقام نيكسون أيضا في إطار تعزيز العلاقات الأميريكية مع كافة دول العالم بفتح قنوات إتصال بين القيادتين الأميريكية والسوفيتية عقب توليه الرئاسة مباشرة عام 1969م حيث بدأت محادثات الحد من الأسلحة الإستراتيجية التي إستكملت عام 1972م في العاصمة الفنلندية هلسنكي وفي أثناء الزيارة التي قام بها الرئيس نيكسون للإتحاد السوفيتي بداية من يوم 22 من شهر مايو عام 1972م والتي إستغرقت 9 أيام حمل المفاوضون إتفاقهم من هلسنكي إلى العاصمة السوفيتية موسكو حتى يستطيع قادة الدولتين التوقيع عليه هناك ولم يكتف نيكسون وبريجنيف بما أنجزاه خلال هذه الزيارة فقط بل عملا على تكوين علاقات صداقة جيدة بينهما وخلال هذه الزيارة تحدث نيكسون إلى الشعب السوفيتي عبر شاشات التليفزيون وأعرب لهم عن رغبة الولايات المتحدة في السلام والقضاء على إحتمالات قيام حرب نووية تفني كل من على الأرض وفي عام 1973م زار الزعيم السوفيتي ليونيد بريجينف الولايات المتحدة الأميريكية حيث وقع مع الرئيس نيكسون إتفاقية عدم إعتداء نووي وعدة إتفاقيات أخرى للتبادل العلمي والثقافي وإستيراد الحبوب بأسعار مخفضة وهكذا بدأت صفحة جديدة في العلاقات بين القوتين العظميين آنذاك وعلاوة علي ذلك ففي إطار أزمة الشرق الأوسط والصراع العربي الإسرائيلي تمكن وليم روجرز وزير الخارجية في حكومة نيكسون عام 1970م من إقناع الأطراف المتحاربة بالموافقة علي مبادرته بوقف إطلاق النار لمدة ثلاثة أشهر تبدأ من شهر أغسطس عام 1970م وحتي شهر نوفمبر عام 1970م وإعطاء الفرصة للوسيط الدولي للأمم المتحدة جونار يارنج للتوسط بين الجانبين العربي والإسرائيلي من أجل التوصل إلي سلام دائم وعادل بين الجانبين إلا أن هذه المبادرة قد باءت بالفشل نتيجة تعنت الجانب الإسرائيلي وعدم وجود رغبة صادقة لديه في التوصل لإتفاقية سلام وفي عام 1973م إندلعت حرب العاشر من رمضان السادس من أكتوبر وقرب نهايتها أرسل نيكسون وزير خارجيته هنري كيسنجر الذى خلف روجرز في منصبه إلى المنطقة والذى قام بجهود كبيرة أدت إلى توقيع إتفاقية فض الإشتباك بين القوات المتحاربة في كل من الجبهتين المصرية والسورية وبدأ العداء للولايات المتحدة يقل في المنطقة وإستقبل نيكسون بحفاوة بالغة عند زيارته لأربعة دول عربية خلال شهر يونيو عام 1974م هي مصر وسوريا والسعودية والأردن في منتصف عام 1974م وهي الزيارات التي إلتقي خلالها بالرئيس المصرى أنور السادات والرئيس السورى حافظ الأسد والملك فيصل بن عبد العزيز آل سعود ملك المملكة العربية السعودية والملك حسين بن طلال ملك الأردن .
وفي المجال الداخلي جمدت إدارة نيكسون عام 1971م المرتبات والأسعار ثم إستبدل هذا التجميد فيما بعد بنظام آخر لوضع قيود على علاقة المرتبات بالأسعار وأصدر نيكسون قرار بأن الولايات المتحدة الأميريكية لن تغطي الدولارات الموجودة خارج حدودها برصيد من الذهب كما كان متبعا من قبل وبذلك فقد إنخفض سعر الدولار أمام العملات الأخرى وترتب علي ذلك أن أصبحت أسعار المنتجات الأميريكية رخيصة فشجع ذلك على زيادة التصدير وإنخفضت نسبة البطالة وعلى الرغم من هذه الجهود فشلت الحكومة في وضع حد للتضخم المتزايد بإستمرار نظرا لإرتفاع أسعار المواد الغذائية من ناحية وإرتفاع أسعار البترول بعد حظر تصديره من الدول العربية من ناحية أخرى عام 1973م فيما عرف بأزمة النفط أو صدمة النفط الأولى والتي بدأت في يوم 15 أكتوبر عام 1973م عندما قام أعضاء منظمة الدول العربية المصدرة للبترول والتي تتألف من الدول العربية أعضاء منظمة الأوبك بالإضافة إلى مصر وسوريا بإعلان وقف إمدادات النفط للدول الغربية والولايات المتحدة الأميريكية والتي تؤيد إسرائيل في صراعها مع سوريا ومصر لدفعها من أجل إجبار إسرائيل على الإنسحاب من الأراضي العربية المحتلة في حرب يونيو عام 1967م وفي الوقت نفسه إتفق أعضاء أوبك على إستخدام نفوذهم على ألية ضبط أسعار النفط في أنحاء العالم من اجل رفع أسعاره وذلك بعد فشل المفاوضات مع شركات النفط العظمى التي أطلق عليها الأخوات السبع في وقت سابق من شهر أكتوبر عام 1973م ومما لا شك فيه أن قرار حظر تصدير النفط من جانب الدول العربية المصدرة له كان له تأثيره الفعال علي تبني سياسة أكثر إعتدالا من جانب الدول الغربية واليابان تجاه الصراع العربي الإسرائيلي وأيدت جميعها التمسك بقرار مجلس الأمن الشهير رقم 242 الذى يقضي بإنسحاب إسرائيل من جميع الأراضى التي إحتلتها بعد حرب الخامس من شهر يونيو عام 1967م ولننتقل الآن إلي جانب آخر من الأحداث التي شهدتها الولايات المتحدة الأميريكية في عهد الرئيس نيكسون ففي مجال غزو الفضاء وفي يوم 20 يوليو عام 1969م هبط رائد الفضاء الأميريكي الشهير نيل أرمسترونج قائد مركبة الفضاء أبوللو 11 على القمر وبذلك أصبح أول إنسان يطأ القمر بقدميه وقد كرمه الرئيس نيكسون هو ومساعديه وإستمرت بعد ذلك رحلات الفضـاء تباعا في عصر نيكسون وفي آخـر هبوط لمركبة الفضاء أبوللو 17 على القمر قضى رائدا الفضاء يوجين كيرنان وهاريسون شميت خمسة وسبعين ساعة على القمر مسجلين بذلك رقما جديدا في البقاء على سطح القمر وجمعوا خلال رحلتهم 250 رطلا من الصخور القمرية .
وفي الختام نأتي إلي آخر الأزمات التي واجهها نيكسون وأنهت مسيرته السياسية التي إستمرت 28 عاما ففي يوم 17 من شهر يونيو عام 1972م أُلقيَ القبض على خمسة أعضاء في لجنة إعادة انتخاب الرئيس بتهمة إقتحام المقر الرئيسي للحزب الديموقراطي الوطني في مبنى ووترجيت في العاصمة الأميريكية واشنطن وكان هؤلاء الخمسة هم بيرنارد بيكر وجيمس ماكورد ويوجينيو مارتينيز وفرانك ستورجيس وفيرجيليو جوانزالز وبعد عامين من التحقيق معهم تم الإعلان عن الجرائم التي إرتكبت بإسم الرئيس نيكسون منها التجسس على أنشطة الحزب المنافس إذ وضع المسؤولون عن حملة إعادة إنتخاب الرئيس نيكسون أدوات تجسس داخل المقر الرئيسي للحزب الديموقراطي في مبنى ووترجيت عرفوا عن طريقها العديد من المعلومات الحساسة التي يعتقد أنها ساعدت على إعادة إنتخاب نيكسون ومنها أيضا أن فرقة من المنتمين للحزب الجمهوري قاموا بألاعيب كثيرة لإثارة الوقيعة ونشر الخلاف بين أعضاء الحزب الديموقراطي المنافس كما إقتحمت وحدة تابعة للبيت الأبيض مكتب الطبيب النفسي دانييل إلسبرج وهو مسؤول سابق في الحكومة نشر وثائق غاية في السرية عن أسباب الحرب الفيتنامية وفي شهر يوليو عام 1974م وجهت لجنة العدالة القضائية برئاسة الديموقراطي بيتر رودينو ثلاث تهم للرئيس نيكسون وهي إعاقة العدالة وإساءة إستخدام سلطاته الرئاسية وعدم الإمتثال للإستدعاءات القضائية ودافع محامي البيت الأبيض جون دين عن الرئيس نيكسون مبررا أعماله بأنه قد يكون لا علم له بها إلا أنه نصح بالتعتيم والتغطية عليها عند علمه بها إلا أن وجود نظام التسجيل الصوتي في البيت الأبيض الذي وضعه الرئيس نيكسون بنفسه كان سببا رئيسيا في كشف أركان الجريمة فقد أصدرت المحكمة العليا أمرا بتسليم شرائط التسجيل التي سجلها هذا النظام وتقديمها لهيئة التحقيق لمعرفة ما إذا كان نيكسون على علم بهذه الجرائم أم لا وعندما سلمت الشرائط للمحكمة وجد أحد الشرائط وبه فراغ يستغرق حوالي 18 دقيقة ونصف والذي قرر الخبراء أنه قد مسح عمدا وكنتيجة لهذا الدليل وشهادة الشهود بات مؤكدا أن إتهاما رسميا سوف يوجه إلى الرئيس نيكسون من قبل مجلس النواب فإذا ثبت الإتهام فإن مجلس الشيوخ إذا وافق بأغلبية 60% من أعضائه أن يثُبت هذا الإتهام ومن ثم يتم عزل الرئيس من منصبه وقبل أن تتطور القضية إلى هذا الحد فضل الرئيس نيكسون أن يقدم إستقالته من منصبه وكان ذلك في يوم الثامن من شهر أغسطس عام 1974م وفي خطاب الوداع قال نيكسون لم أكن إنهزاميا أبدا وتركي لمنصبي هو أمر تبغضه كل ذرة في جسدي لكن بصفتي رئيسا يجب أن أضع مصلحة بلادى الولايات المتحدة أولا كما قال إنه قرر الإستقالة لأن إستمراره في منصبه مع الصراع لإثبات براءته سوف يستغرق وقت وإهتمام وإنتباه الكونجرس وإهتمامه وإنتباهه هو شخصياً في الوقت الذي يجب أن يكون التركيز فيه على تحقيق السلام بالخارج وتعزيز العلاقات الخارجية وتحقيق الرخاء من دون تضخم في الداخل وجدير بالذكر أن الرئيس نيكسون كان هو اول رئيس للولايات المتحدة يقدم إستقالته وهو في منصبه وحتي الآن لم يتكرر هذا الموقف هذا وبإستقالة الرئيس نيكسون تولي نائبه جيرالد فورد مسؤوليات الرئاسة خلفا له وليستكمل المدة المتبقية من الفترة الثانية للرئيس نيكسون حتي نهاية عام 1976م وفي يوم 8 سبتمبر عام 1974م أصدر الرئيس فورد عفوا رئاسيا عن نيكسون شمل جميع الجرائم التي يعاقب عليها القانون الفيدرالي والتي قد يدان بها لدى محاكمته ومما يذكر أن هذه الفضيحة قد أثارتها صحيفة واشنطن بوست الشهيرة بواسطة الصحفيين كارل برنستين وبوب وود ورد ونتيجة لذلك إهتزت سمعة الحزب الجمهورى بشدة وفقد الكثير من شعبيته ومن ثم فقد حينذاك عدد 5 مقاعد فى الكونجرس وعدد 49 مقعدا بمجلس النواب لصالح الديموقراطيين وأصبح تمويل الحملات الإنتخابية خاضعا للرقابة الفيدرالية وعلاوة علي ذلك مالت الكفة في الانتخابات الرئاسية عام 1976م نحو الحزب الديموقراطي وفاز مرشحه جيمي كارتر بمنصب الرئيس في مواجهة منافسه المرشح الجمهورى الرئيس جيرالد فورد خليفة الرئيس نيكسون .
وبعد الإستقالة عاد نيكسون إلى كاليفورنيا ثم إنتقل مرة أخرى إلي نيويورك حيث إستقر بها وفي يوم 22 يونيو عام 1993م توفيت زوجته بات نيكسون بعد إصابتها بسرطان الرئة وهو ما تقبله نيكسون بصعوبة وحزن عليها حزنا شديدا وبعد عشر شهور بالتمام من موتها كانت وفاته في يوم 22 أبريل عام 1994م جراء إصابته بجلطة في المخ في مدينة نيويورك وسجي جسده أمام باحة مكتبة نيكسون وإصطف طابور طويل يقترب من 50 ألف شخص تحت الأمطار الغزيرة لمدة 18 ساعة لوداع الرئيس الراحل كما حضر جنازته الرئيس الأميريكي حينذاك بيل كلينتون إلى جانب أربعة رؤساء سابقين كانوا علي قيد الحياة هم جيرالد فورد وجيمي كارتر ورونالد ريجان وجورج بوش الأب ودفن بجانب زوجته في مسقط رأسه في يوربا ليندا في ولاية كاليفورنيا وقد كتب نيكسون العديد من الكتب مثل الحرب الحقيقية وقادة السلام الحقيقي ولا فيتنام بعد الآن ونصر بلا حرب وما بعد السلام كما كانت له بعض الأقوال المأثورة منها :-
-- من لا يغامر في الفشل لا يحرز النجاح
-- إن من يكرهونك لا يفوزون إلا لو كرهتهم وحينها ستدمر نفسك
-- إن أفضل حديد يجب أن يمر بأكثر النيران حرارة
-- إن أي تغيير يتم مقاومته لأن البيروقراطيين لديهم مصلحة هائلة في الفوضى التي يتواجدون فيها
-- يمكنني التحمل وكلما ساءت الأمور كلما أصبحت أهدأ |