بقلم المهندس/ طارق بدراوى
وخلال الفترة الأولي لبوتين والتي إمتدت من عام 2012م وحتي عام 2018م حيث كان قد تم تعديل الدستور الروسي لتصبح مدة الرئاسة 6 سنوات بدلا من 4 سنوات أدى إنخفاض أسعار النفط إلي جانب العقوبات الغربية التي فرضت علي روسيا في بداية عام 2014م بعد ضم روسيا لشبه جزيرة القرم والتدخل العسكري في شرق جمهورية أوكرانيا المواجه لجمهورية روسيا والتي تعد ثاني أكبر دولة في أوروبا الشرقية حيث إتهمت روسيا بدعم الإنفصاليين في شرق أوكرانيا ونشر جنود لها في داخل البلاد وتلا ذلك فرض عقوبات إقتصادية عليها من قبل الولايات المتحدة والإتحاد الأوروبي أثرت سلبا على الإقتصاد الروسي مما أدى إلي إنحسار الإستثمار وهبوط قيمة العملة مما أدى إلى إنكماش الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 3,7٪ في عام 2015م وبخصوص عملية ضم روسيا لشبه جزيرة القرم فبالعودة إلي الوراء قليلا فقد برزت أوكرانيا منذ يوم 30 ديسمبر عام 1922م كأحد مؤسسي دولة الإتحاد السوفيتي وتوسعت غربا بعد الحرب العالمية الثانية وجنوباً في عام 1954م كما تم ضم شبه جزيرة القرم إليها ثم حصلت أوكرانيا على الإستقلال مرة أخرى بعد تفكك الإتحاد السوفيتي في عام 1991م وفي عام 2014م قامت ثورة في أوكرانيا وكانت جزءا من إضطرابات أوسع في جنوب وشرق البلاد وقد بدأ الأمر مساء يوم 21 نوفمبر عام 2013م بسلسلة من أحداث العنف والإضطرابات المدنية في العاصمة الأوكرانية كييف إحتجاجا علي رفض الحكومة الأوكرانية إتفاقية الشراكة بين أوكرانيا والإتحاد الأوروبي وتصاعدت الأحداث بسرعة مما أدى في غضون أيام قليلة لسقوط حكومة الرئيس فيكتور يانوكوفيتش وتشكيل حكومة جديدة وبعد فترة من الهدوء النسبي بدأت الأحداث تتصاعد من جديد بإندلاع مظاهرات مناهضة للحكومة بداية من يوم 18 فبراير عام 2014م وإشتبك المتظاهرون مع الشرطة ومن ثم بدأت أعمال الشغب عندما تقدم عدد من المتظاهرين إلي ساحة أوروميدان في كييف التي تقع في محيط البرلمان الأوكراني لدعم إستعادة دستور أوكرانيا إلى شكله عام 2004م والذي كان قد أُلغي من قبل المحكمة الدستورية الأوكرانية بعد فترة وجيزة من إنتخاب فيكتور يانوكوفيتش رئيسا للبلاد في عام 2010م وقامت الشرطة بسد الطريق أمامهم وصارت المواجهة عنيفة وقد نقل عن مراسلين من هيئة الإذاعة البريطانية أن كلا الجانبين يلقي باللوم على الطرف الآخر وقامت الشرطة بإطلاق المدافع والرصاص المطاطي وبعد ذلك الذخيرة الحية بما في ذلك الأسلحة الآلية وبنادق القنص وقنابل الغاز المسيل للدموع وقنابل الفلاش في محاولة لصد الآلاف من المتظاهرين الذين ردوا بالأسلحة البيضاء والأسلحة النارية والمتفجرات البدائية وحطم المتظاهرون مقر حزب الأقاليم وأضرموا فيه النار كما قاموا بتعطيل جميع الإتصالات وخدمات الإنترنت بين القرم وبقية أنحاء أوكرانيا وتم أيضا حل المجلس الأعلى في القرم وحكومة الحكم الذاتي وإستبدل رئيس مجلس وزراء القرم أناتولي موهيليوڤ بسيرجي أكسيونوڤ وإزداد الموقف سوءا وتصاعد الموقف بإقتحام الشرطة مخيم الإحتجاج الرئيسي وإجتياح ساحة أوروميدان وكانت حصيلة هذه الأحداث الدامية سقوط 82 شخصا على الأقل قتلي بينهم 13 من رجال الشرطة وأكثر من 1100 جريح ورأى المعلقون السياسيون حينذاك أن أوكرانيا كانت على شفا حرب أهلية .
وفي ليلة 22/23 فبراير عام 2014م عقد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إجتماعاً طوال الليل مع رؤساء الأجهزة الأمنية الروسية لمناقشة مسألة تخليص الرئيس الأوكراني المخلوع والموالي لروسيا فيكتور يانوكوفيتش وفي نهاية الإجتماع قال يجب علينا أن نبدأ العمل على إعادة شبه جزيرة القرم إلى روسيا وفي يوم 23 فبراير عام 2014م إندلعت في مدينة سيفاستوبول عاصمة القرم مظاهرات موالية لروسيا والمعارضة للأحداث التي وقعت في كييف وأرادت المزيد من التكامل مع روسيا بالإضافة إلى توسيع الحكم اذاتي أو ربما إستقلال القرم وخلال هذه الأحداث تم تعزيز القوات الروسية المرابطة في القرم بحسب إتفاقية ثنائية كان قد تم إبرامها بين روسيا وأوكرانيا في السابق كما دخلت سفينتان من أسطول البلطيق الروسي المياه الأوكرانية وإتهمت كييف روسيا بالتدخل في الشئون الداخلية لأوكرانيا بينما أنكر الجانب الروسي رسمياً هذه المزاعم وإستولت القوات الروسية المتخفية والتي لم ترتدي أي إشارة عسكرية على المجلس الأعلى أو ما يعرف ببرلمان القرم في يوم 27 فبراير عام 2014م كما إستولت كذلك على مواقع إستراتيجية في جميع أرجاء شبه جزيرة القرم مما أدى إلى تنصيب حكومة سيرجي أكسيونوف الموالية لروسيا على شبه الجزيرة وفي يوم 1 مارس عام 2014م فوض البرلمان الروسي الرئيس بوتين بإستخدام القوة العسكرية في أوكرانيا وفي أعقاب ذلك طلب الزعيم الموالي لموسكو سيرجي أكسيونوڤ المساعدة من روسيا وفي اليوم نفسه أعلن الرئيس الأوكراني المؤقت أولكسندر تورچينوڤ أن تعيين أكسيونوف رئيسا لوزراء القرم غير دستوري وأن هناك معلومات تفيد بحدوث تزوير أثناء التصويت على الإستفتاء الخاص بتغيير حكومة القرم وأفاد مكتب المدعي العام أن أي قرارات تصدر بموجب هذا الإستفتاء مخالفة لدستور أوكرانيا والقرم وفي اليوم التالي 2 مارس عام 2014م كانت القوات الروسية في القرم قد حاصرت العديد من القطع العسكرية الأوكرانية كما أعلنت أوكرانيا نداء المعركة الكاملة والتعبئة العامة في البلاد وأعلنت وزارة الدفاع الأوكرانية أن هناك محاولات مضللة حول إستسلام الجيش الأوكراني في القرم وأن هذه المعلومات تتنافى مع الواقع وأدانت الولايات المتحدة وحلفائها هذا التدخل الروسي في القرم ودعت روسيا للإنسحاب من شبه جزيرة القرم وفي يوم 6 مارس عام 2014م صوت أعضاء المجلس الأعلى لجمهورية القرم ذاتية الحكم على الإنفصال رسميا عن أوكرانيا والإنضمام إلى روسيا الإتحادية وتم إجراء إستفتاء عام يوم 16 مارس عام 2014م على إنضمام جمهورية الحكم الذاتي في القرم من أوكرانيا إلى روسيا الإتحادية وتحويلها إلى جمهورية القرم وصرح المسؤولون بأن الإقبال على التصويت كان كبيرا وأعلنت نتيجة الإستفتاء بأن 95.5% من الناخبين في القرم يدعمون الإنضمام لروسيا وذلك علي الرغم من أن الكثير من تتار أوكرانيا والكثير من المعارضين كانوا قد أعلنوا مقاطعتهم للتصويت في هذا الإستفتاء وفي يوم 17 مارس عام 2014م أعلن برلمان القرم رسمياً الإستقلال عن أوكرانيا وطالب بإنضمام القرم إلى روسيا الإتحادية وقد رأت الحكومة الأوكرانية وتتار القرم وعدد من الدول أن هذا الإستفتاء الذي أجرته سلطات شبه جزيرة القرم غير دستوري وغير شرعي وفي اليوم التالي للإستفتاء وافق الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على مشروع معاهدة ضم جمهورية القرم إلى الإتحاد الروسي وتزامن ذلك مع إعلان روسيا عن ضمها لشبه جزيرة القرم يوم 18 مارس عام 2014م .
وقد أدانت أوكرانيا وكثير من رؤساء حكومات العالم الضم الروسي لشبه جزيرة القرم وجميع الإجراءات التي قامت بها روسيا فيها وإعتبرته إنتهاكا للقانون الدولي والإتفاقات الموقعة بين روسيا وأوكرانيا بشأن المحافظة على السلامة الإقليمية لأوكرانيا بما في ذلك الإتفاق المتعلق بإقامة رابطة الدول المستقلة عام 1991م وإتفاقات هلسنكي ومذكرة بودابست بشأن الضمانات الأمنية في عام 1994م ومعاهدة الصداقة والتعاون والشراكة بين الإتحاد الروسي وأوكرانيا وأدى ذلك إلى قيام مجموعة الدول الثماني الصناعية الكبرى حينها بتعليق عضوية روسيا في المجموعة ثم طرحت حزمة أولى من العقوبات ضدها تضمنت تجميد أصول وحظر سفر 20 مواطنا روسيا كما منعت العقوبات تعامل مصرف روسي هو بنك روسيا مع النظام المصرفي الأميريكي وقالت وزار ة الخارجية الأميريكية إن هذا المصرف يتعامل معه العديد من المسؤولين الروس وعلاوة علي ذلك فقد قامت اليابان بإيقاف المفاوضات التي كانت تجريها مع روسيا بخصوص الإستخدام السلمي للفضاء وتبادل الإستثمارات وإلغاء تأشيرات الدخول بين البلدين وقد رفضت الجمعية العامة للأمم المتحدة أيضا الإستفتاء وضم القرم وإعتمدت قرارا غير ملزم يؤكد السلامة الإقليمية لأوكرانيا ضمن حدودها المعترف بها دوليا كما أكد هذا القرار أيضا علي أن الإستفتاء المشار إليه والذى تم إجراؤه بشبه جزيرة القرم إستفتاء باطل من أساسه ولا يمكن أن يشكل الأساس لأي تغيير في وضع شبه جزيرة القرم واهاب القرار بجميع الدول والمنظمات الدولية عدم الإعتراف بضم روسيا لشبه جزيرة القرم ووصف وزير الخارجية الأميريكي التصرفات الروسية بأنها عمل عدائي لا يصدق ودعت مفوضية الشئون الخارجية في الإتحاد الأوروبي روسيا إلى التعبير عن وجهة نظرها بطريقة سلمية وأعلنت روسيا أن قواتها ستظل متمركزة في شبه جزيرة القرم حتي يسودها الهدوء وحتى يعود الوضع السياسي فيها لطبيعته وإعترفت بحكومة أكسينوف التي كان قد تم تعيينها مؤخرا في القرم وبعمدة سڤاستوپول عاصمتها وكذلك بالإستفتاء وما قد يترتب عليه ولم تعترف سوى عدد 7 دول بدولة القرم التابعة لروسيا كما عادت الجمعية العامة للأمم المتحدة وأعلنت مجددا في عام 2016م عدم الإعتراف بهذا الضم وأدانت الإحتلال المؤقت لجزء من أراضي أوكرانيا وهي جمهورية القرم المتمتعة بالحكم الذاتي ومدينة سيفاستوبول وقد عارض الإتحاد الروسي مسمي الضم حيث دافع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين عن الإستفتاء بحجة إمتثاله وتماشيه مع مبدأ حق تقرير المصير للشعوب كما كان رئيس مجلس الوزراء الروسي ديمتري ميدفيديف قد قال في شهر يوليو من عام 2015م إن القرم قد إندمجت تماما في روسيا وعلى الرغم من ذلك حدث إنتعاش للإقتصاد الروسي في عام 2016م مع نمو الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 0.3٪ ومن ثم إنتهت حالة الركود الإقتصادى التي كانت قد سادت البلاد .
ومن الأحداث الهامة التي وقعت أثناء الولاية الثانية لبوتين أيضا كان الدور الروسي في الحرب الأهلية السورية المستمرة من عام 2011م وحتي وقتنا الحاضر حيث بداية من شهر سبتمبر عام 2015م عززت روسيا حضورها العسكري في سوريا وذلك بعد أن طلب الرئيس السوري بشار الأسد دعما عسكريا من موسكو من أجل كبح القوات المعارضة له في الحرب ومن ثم قامت روسيا بنشر عدد 21 طائرة هجوم أرضي من نوع سوخوي25 وعدد 12 مقاتلة إعتراضية من نوع سوخوي24 وعدد 6 قاذفات متوسطة من نوع سوخوي34 وعدد 4 من نوع سوخوي30 متعددة الأدوار بالإضافة إلى عدد 15 مروحية في مطار باسل الأسد الدولي قرب اللاذقية وتم تخصيص عدة وحدات دفاع جوى لحماية هذا المطار والطائرات الرابضة به إضافة إلي عدد من الطائرات بدون طيار تستخدم لتنفيذ طلعات إستطلاعية وقد تضمنت القوات الروسية أيضا عدد 6 دبابات من طراز تي90 وعدد 15 قطعة مدفعية وعدد 35 عربة جند مدرعة وعدد 200 من مشاة البحرية مع منشآت إسكان تسع 1500 فرد كذلك تم حشد عدد من قاذفات بي إم30 سمرش قرب اللاذقية وفي يوم 30 سبتمبر عام 2015م طلب الرئيس فلاديمير بوتين من مجلس الإتحاد الروسي السماح بنشر القوات المسلحة في سوريا وقطع المجلس البث الحي للمناقشة التي تحولت إلى جلسة مغلقة ومنح الرئيس الروسي التفويض بإستخدام القوات المسلحة في الخارج بالإجماع وصرح بوتين بالقول سندعم الجيش السوري فقط في كفاحه الشرعي ضد التنظيمات الإرهابية تحديدا وسيكون هذا الدعم جويا فقط دون مشاركة في العمليات البرية وأشار الرئيس الروسي أيضا إلى أن هناك الآلاف من المنضمين للتنظيمات الإرهابية من مواطني الدول الأوروبية وروسيا ودول الإتحاد السوفيتي السابق مشيرا إلي أن المرء ليس بحاجة لأن يكون خبيرا في الشئون الأمنية ليعلم أنه إذا إنتصر هؤلاء في سوريا فسيعودون إلى بلادهم ويعودون إلى روسيا أيضا وصرحت وزارة الدفاع الروسية بتنفيذ 20 غارة جوية على 8 مواقع تابعة لتنظيم داعش الإرهابي وصرح المتحدث بإسم الوزارة أن الضربات جاءت بعد عملية إستطلاع جوي ومعلومات تلقتها القوات الروسية من هيئة الأركان العامة السورية وقال القائد العام لجبهة الشام التابعة للجيش السوري الحر إن الطائرات الروسية قصفت مقرا لتجمع العز التابع للجيش الحر في بلدة اللطمانة بريف حلب الشمالي بالرغم من أن راية الجيش الحر كانت مرفوعة فوق المقر ونقل مراسل قناة الجزيرة أن 30 شخصا قتلوا في الغارات التي وقعت بريف حمص وحماة وفي يوم 1 أكتوبر عام 2015م أكد رئيس لجنة القوات المسلحة في مجلس الشيوخ الأميريكي السيناتور جون ماكين أن الغارات الروسية إستهدفت وحدات من الجيش السوري الحر دربتها وكالة المخابرات المركزية الأميريكية قائلًا يمكنني أن أؤكد تمامًا أنهم يشنون غارات على مجندينا المنتمين للجيش السوري الحر الذي سلحته ودربته وكالة المخابرات المركزية الأميريكية لأننا نملك إتصالًا مع أشخاص هناك وفي نفس اليوم أيضا كذّب الرئيس الروسي فلاديمير بوتين هذه الإدعاءات وإعتبر أن التقارير التي أشارت إلي سقوط ضحايا بين المدنيين هجوما إعلاميا مشيرا إلى أن هذه الإدعاءات ظهرت قبل بداية الغارات الروسية وفي يوم 7 أكتوبر عام 2015م ووفقًا لوزارة الدفاع الروسية قامت سفن أسطول بحر قزوين بإطلاق 26 صاروخ على 11 موقعا لداعش في ريف الرقة وحلب وإدلب وذكر رئيس إدارة العمليات العامة في رئاسة الأركان الروسية إن المعلومات حول المواقع المستهدفة جمعتها المخابرات الروسية وفي يوم 14 مارس عام 2016م أمر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بسحب بعض القوات الروسية من الأراضي السورية وفي يوم 27 مارس عام 2016م إستطاع الجيش السورى وحلفاؤه إستعادة مدينة تدمر التاريخية بعد دعم جوي من روسيا وفي يوم 18 يونيو عام 2016م قام وزير الدفاع الروسي شويجو بزيارة مفاجئة لسوريا حيث إلتقى بالرئيس السورى بشار الأسد وتفقد القوات الروسية المرابطة في سوريا وفي يوم 16 أغسطس عام 2016م ضرب الطيران الروسي أهدافا في سوريا مستخدما للمرة الأولى قاذفاته إنطلاقا من مطار همدان العسكري في شمال غرب إيران وفي يوم 14 أكتوبر عام 2016م صادق بوتين على إتفاق بين دمشق وموسكو حول نشر قوات جوية روسية في قاعدة حميميم السورية لفترة غير محددة وفي يوم 22 ديسمبر عام 2016م أعلنت الحكومة السورية إستعادة السيطرة الكاملة على مدينة حلب وأعلنت وزارة الدفاع الروسية أن كتيبة من الشرطة العسكرية الروسية قد إنتشرت في نفس اليوم في حلب لضمان أمنها وفي اليوم التالي 23 ديسمبر عام 2016م إتصل بوتين بالأسد لتهنئته بتحرير حلب وأمر بتوسيع القاعدة البحرية الروسية في مدينة طرطوس وفي يوم 29 ديسمبر عام 2016م أصدر بوتين مرة أخرى قرارا بتقليص القوات الروسية في سوريا وفي يوم 12 مايو عام 2017م سيطر الجيش السوري على مدينة إدلب بدعم من القوات الجوية الروسية التي كثفت غاراتها لتحرير ريف المحافظة وفي يوم 12 سبتمبر عام 2017م زعم الجيش الروسي أن الجيش السوري يسيطر على 85% من مساحة سوريا وفي يوم 14 أكتوبر عام 2017م تمكن الجيش السوري بغطاء ودعم جوي روسي من تحرير مدينة الميادين في محافظة دير الزور من قبضة داعش وفي يوم 3 نوفمبر عام 2017م إستطاع الجيش السورى أن يسيطر علي مدينة دير الزور بدعم جوي روسي وفي يوم 19 نوفمبر عام 2017م سيطر الجيش السوري على مدينة البوكمال الحدودية مع العراق بدعم جوي روسي أيضا وفي يوم 7 ديسمبر عام 2017م أعلنت وزارة الدفاع الروسية تحرير سوريا كاملة من تنظيم داعش الإرهابي وبالإضافة إلي ما سبق عندما إستولى تنظيم داعش على مدينة تدمر مرة أخري في شهر ديسمبر عام 2016م إستعادتها القوات السورية بمساعدة القوات الجوية الروسية في يوم 2 مارس عام 2017م وفي يوم 11 ديسمبر عام 2017م أعلن الرئيس الروسي بوتين سحب جزء من قواته من سوريا أخيرا ويجب التذكير بأن هذا الإنسحاب غير الكلي من الأراضي السورية كان بوتين يستهدف منه تعزيز موقعه في النظام الدولي لمواجهة نظرائه في أوروبا وأمريكا من ناحية ومن ناحية أخرى كان لا يعني أبدا تخلي بوتين كليا عن حليفه بشار الأسد وإن كان قد ضغط عليه لتقنين مطالبه في مفاوضات جنيف والتي كانت قد بدأت الجولة الأولي لها منذ شهر مارس عام 2016م بين الحكومة السورية والمعارضة تحت رعاية الأمم المتحدة ومجموعة محادثات فيينا للسلام في سوريا ومجلس الأمن التابع للأمم المتحدة بحضور مبعوث الأمم المتحدة للأزمة السورية ستافان دي ميستورا وإستمرت بعد ذلك المفاوضات عبر 7 جولات أخرى والتي أعلن في نهايتها مبعوث الأمم المتحدة فشلها في يوم 15 ديسمبر عام 2017م ومن جهته حمل رئيس وفد الحكومة السورية في المفاوضات بشار الجعفري وفد المعارضة المسؤولية عن فشل هذه المباحثات قائلا إن دمشق لم تكن ترغب في فشلها لكن المعارضة وضعت شرطا مسبقا وهو أن الرئيس الأسد لا يمكن أن يكون له دور في الإنتقال السياسي في سوريا وبدوره قال رئيس وفد المعارضة السورية نصر الحريري إن على المجتمع الدولي فعل المزيد لإقناع الحكومة السورية بالتفاوض وأن المحادثات في خطر حقيقي وأن حكومة الرئيس الأسد غير راغبة فيها رغم الضغط عليها من حليفتها روسيا .
ومما يذكر عن بوتين أنه خلال فترة ولايته الثانية قد حصل على المركز الأول في قائمة مجلة فوربس لأكثر الشخصيات العالمية تأثيرا لمدة 3 سنوات متتالية عام 2013م وعام 2014م وعام 2015م على التوالي كما فاز بوتين في عام 2014م بوسام التميز لأكثر الشخصيات تأثيرا في العالم ما بين قائمة الملوك والرؤساء وكبار السياسيين خلال التصويت الذي دشنه المجلس الدولي لحقوق الإنسان والتحكيم والدراسات السياسية والإستراتيجية وفي أواخر عام 2016م وبعد ظهور نتيجة الإنتخابات الرئاسية الأميريكية التي أجريت في شهر نوفمبر من العام المذكور إتهم مسؤولون في حكومة الولايات المتحدة الرئيس الروسي بوتين بالتدخل ضد مرشحة الحزب الديموقراطي هيلاري كلينتون لدعم مرشح الحزب الجمهورى دونالد ترامب حيث أعلن المدعي الأميريكي الخاص الذي يحقق في تدخل موسكو في الإنتخابات الرئاسية الأميريكية عام 2016م توجيه الإتهام إلى 13 روسيا بزعم إدارتهم لحملة سرية للتأثير في عملية التصويت وقد تضمنت لائحة الإتهام التي تتضمن الرؤية المبدئية الأولى للمحقق الخاص روبرت مولر تفاصيل عن عملية مذهلة أُطلِقت في عام 2014م في محاولة لإحداث إنقسام إجتماعي في الولايات المتحدة والتأثير في السياسة الأميريكية بما في ذلك الإنتخابات الرئاسية عام 2016م وزعم مولر أنه في منتصف عام 2016م قادَ يفجيني بريجوجين الحليف المقرب من الرئيس الروسي بوتين وبتعليمات منه مجموعة ركزت عملها على تعزيز حملة ترامب وتحقير منافسيه وعلي رأسهم المرشحة الديموقراطية هيلاري كلينتون وزعم أيضا أن مئات الأشخاص تناوبوا على العمل ضمن هذه المجموعة بميزانية تقدر بملايين الدولارات كما وجه المدعي الخاص الإتهام أيضا إلى ثلاث شركات في إطار هذه القضية وقد نفي كل هذه الإتهامات والإدعاءات كل من ترامب وبوتين وإنتقداه بشكل متكرر وفي عام 2017م وتحت قيادة بوتين أحرزت روسيا نتائج سيئة في مؤشر مدركات الفساد التابع لمنظمة الشفافية الدولية وشهدت تراجعا في الديموقراطية وفقا لمؤشر الديموقراطية التابع لوحدة الإستخبارات الإقتصادية ومؤشر فريدوم هاوس للحرية في العالم بما في ذلك إحراز رقم قياسي سئ هو 20/100 في تصنيف فريدوم في التقرير العالمي الصادر في العام المذكور وهو تصنيف لم يعط منذ زمن الإتحاد السوفيتي وعموما فإن الخبراء لا يعتبرون أن روسيا تحت حكم بوتين دولة ديموقراطية مستشهدين بسجن وقمع المعارضين السياسيين وتقليص حرية الصحافة وعدم وجود إنتخابات حرة ونزيهة وقد إتهمت منظمات حقوق الإنسان والناشطين بوتين أيضا بإضطهاد النشطاء السياسيين فضلا عن الأمر بتعذيبهم أو إغتيالهم إلا أنه رفض جميع هذه الإتهامات وفي شهر مارس عام 2018م أعيد إنتخابه كرئيس لروسيا لمدة ست سنوات أخرى تنتهي في عام 2024م بعد أن حصل على 76٪ من أصوات الناخبين .
وختاما لمقالنا هذا ففي خلال الأيام الأخيرة وبداية من أوائل عام 2020م شهد الوضع في محافظة إدلب التي تقع شمال غرب سوريا تصعيدا حادا للتوتر بين القوات التركية المتواجدة هناك والقوات الحكومية السورية التي تخوض عمليات ضد المسلحين في المنطقة الذين يتبع غالبيتهم تنظيم هيئة تحرير الشام وهو تنظيم جبهة النصرة سابقا وحدث تبادل للضربات بين العسكريين الأتراك والسوريين في المنطقة تعرضت فيه مواقع القوات السورية ومواقع حليفتها روسيا ومنها قاعدة حميميم الجوية للقصف اليومي وهجمات بإستخدام طائرات مسيرة بدون طيار ولم تؤد المشاورات الروسية التركية حول الوضع في إدلب حتى الآن إلى أي نتائج تذكر ويسعى نظام الرئيس السوري بشار الأسد لإخضاع هذه المنطقة لسلطته ولذا تتقدم قواته بدعم من سلاح الجو الروسي وبالفعل إستحوذت على العديد من المواقع الهامة بينها مدينة معرة النعمان الرئيسية التي تعرضت للقصف الشديد وإخلائها من البشر حيث باتت محافظة إدلب هي المعقل الأخير للفصائل المسلحة والجهادية ويسمي الأسد الهجوم عليها المعركة الحاسمة الكبرى والتي يسعى الأسد وحليفته روسيا مؤخرا لإعادة السيطرة على المناطق التي تسيطر عليها ميليشيات هيئة تحرير الشام كما يجاهر الحليفان بأنهما يريدان القضاء على جهاديي الهيئة التي إنبثقت عن تنظيم القاعدة وتفيد معطيات المبعوث الخاص الأميريكي إلى سوريا جيمس جيفري بأن الجيش السوري وسلاح الجو الروسي وجها أكثر من 200 ضربة جوية ضد السكان المدنيين وبدورها أقامت تركيا التي تقف إلى جنب الفصائل المعارضة والجهادية 12 مركزا في المحافظة بهدف مراقبة وقف إطلاق النار لكن العديد من الإتفاقات حول وقف إطلاق النار بين روسيا حليفة الرئيس بشار الأسد من جهة وتركيا من جهة أخرى باءت إلى حد الآن بالفشل ويبدو أن الجيش السوري حسب معطيات وزارة الدفاع التركية قد قتل خلال تقدمه الأخير خمسة جنود أتراك وموظفا مدنيا كانوا جزءا من قافلة هاجمها جنود الرئيس بشار الأسد بالرغم من أنهم أحيطوا علما بمواقع القوات التركية وردت تركيا بهجوم مضاد وحسب معطيات الرئيس التركي رجب طيب أردوغان تم أثناء ذلك قتل 35 جنديا سوريا وقال أردوغان بأنه لم يكن ممكنا عدم الرد على هذا النوع من الهجمات وسنواصل الإنتقام وفي خطاب موجه إلى روسيا قال الرئيس التركي لا يحق لكم الوقوف معترضين في طريقنا بيد أن الجيش الروسي اعلن من جانبه بأن الطرف التركي لم يطلعه على تحركاته ولذلك فقد تم إستهداف الجنود الأتراك بقصف من القوات الحكومية السورية والبعض يرى في الهجوم أيضا رسالة من روسيا إلى تركيا لتوخي التحفظ خارج حدودها بينما يرى أردوغان نفسه كضامن للقوى المعارضة ويقول كريستيان براكيل مدير مؤسسة هاينريش بول في إسطنبول بالنسبة إلى تركيا يتعلق الأمر في إلتزامها في إدلب أيضا بالحصول على مقعد في طاولة المفاوضات عندما يتعلق الأمر بالنظام القادم في سوريا وعموما فبعد أسابيع قليلة ستحل السنة التاسعة للحرب في سوريا التي بات واضحا أن نظام بشار الأسد هو المنتصر عسكريا فيها لكن من أجل بسط الهيمنة على كامل سوريا تنقصه السيطرة على محافظة إدلب وتدعمه روسيا من أجل تحقيق هذا الهدف .
ومن باب تقييم الموقف الروسي من الأزمة السورية فقد كان المكسب الرئيسي الذي حققه بوتين نتيجة تدخله في سوريا هو تعزيز المكانة الدولية لروسيا في النظام الدولي وعلاقتها بالأطراف الفاعلة فيه مثل الولايات المتحدة ودول أوروبا الغربية بالتحديد فقلبه لموازين القوى على الأرض وإنسحابه قبل مباحثات جنيف بيوم واحد كان إشارة واضحة لعدم رضاه عن أجندة نظام الأسد غير الواقعية حيث أثبت بوتين أنه الوحيد القادر على إعادة الحياة للنظام من خلال تدخله العسكري وأنه أيضا الوحيد القادر على عقلنة أجندته المتطرفة والضغط عليه من أجل إجراء إنتخابات برلمانية فقط وإستثناء الرئاسة منها وبذلك فإنه يثبت أنه رجل الحرب ورجل المفاوضات في سوريا مما جعل نظراءه في أوروبا وأمريكا يتناسون الأزمة التي كادت أن تقطع شعرة معاوية بينهم وبينه في عام 2014م والمتمثلة في أزمة أوكرانيا وضمه لشبه جزيرة القرم وسكت كل من كان يتحدث عنها أو يطالب بوتين بالإنسحاب منها وبذلك أثبت بوتين لنظرائه أركان النظام الدولي أنه العنوان الصحيح والوحيد لعلاج أزمات إستعصى حلها على رؤساء دول أوروبا التي ترزح بلادهم تحت موجات الهجرة التي وقفوا عاجزين عن أي عمل حيالها وعلاوة علي ذلك فإن هناك مكاسب أخرى حققتها روسيا من عمليتها العسكرية في سوريا مثل تعزيز إطلالتها الإستراتيجية على البحر المتوسط من خلال قواعدها العسكرية ونشر صواريخ متطورة وكذلك ما صرح به وزير الدفاع الروسي بأن العملية العسكرية أتاحت خبرة حقيقية للقوات الروسية لم تكن لتحصل عليها من خلال التدريبات العسكرية وعن الحياة الشخصية للرئيس الروسي فيلاديمير بوتين ففي عام 1980م إلتقى بوتين بليودميلا وكانت تعمل مضيفة طيران آنذاك وتزوجا عام 1983م وأنجبا إبنتين هما ماريا التي ولدت عام 1985م وييكاترينا التي ولدت عام 1986م وفي شهر يونيو من عام 2013م أي بعد حوالي ثلاثين عاما من الزواج أعلن الزوجان عن إعتزامهما الطلاق وقدما لذلك تفسيرات مقتضبة إلا أنهما أكدا أن القرار إتخذ من كلا الطرفين بالتراضي أما من حيث ديانة فلاديمير بوتين ومعتقداته وطائفته الأصلية فقد ولد لعائلة مسيحية من الروم الأرثوذوكس ومن المعروف عنه أيضا أن لديه كلاب أليفة يحبها كثيرًا ويصطحبها معه إلى المحادثات السياسية حيث يشير البعض إلى أنه يسعى بذلك إلى إخافة قادة العالم ولعل من أشهر الحوادث على ذلك إصطحابه لكلب اللابرادور الخاص به في إجتماع عقده مع المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل مع علمه بخوفها من الكلاب ومن المعروف عنه أيضا أنه يجيد التحدث باللغة الألمانية بطلاقة إلا أنه لا يجيد اللغة الإنجليزية جيدا .
تابع الجزء الاول من المقال عبر الرابط التالى
http://www.abou-alhool.com/arabic1/details.php?id=43898 |