بقلم المهندس/ طارق بدراوى
بليز باسكال فيزيائي ورياضي وفيلسوف لاهوتي فرنسي إشتهر بتجاربه على السوائل في مجال الفيزياء وبأعماله الخاصة بنظرية الإحتمالات في الرياضيات وهو من إخترع الآلة الحاسبة وعلاوة علي ذلك فقد إستطاع باسكال أن يسهم في إيجاد أسلوب جديد في النثر الفرنسي بمجموعته الرسائل الريفية وقد أدت أعمال باسكال المهمة في مجال ضغط السوائل إلى إيجاد المبدأ المسمى قانون باسكال الذي ظهر خلال الخمسينيات من القرن السابع عشر الميلادي وينص هذا المبدأ على أن السوائل الموجودة في الأوعية المغلقة تنقل الضغوط الواقعة عليها من جهة معينة بشكل متساوي في كافة الجهات كما قام بتوضيح العمليات التي تقوم بها ضاغطات الهواء والمضخات الفراغية والرافعات الهيدروليكية ورافعات السيارات وقد ساعدت تجارب باسكال أيضا على إثبات أن للهواء وزنا وأن ضغط الهواء يمكن أن ينتج فراغا وبذلك أزال شكوك العلماء في ذلك الوقت في إمكانية وجود الفراغ وفضلا عن ذلك فقد قام باسكال بإجراء بعض التجارب لإثبات نظرية العالم الإيطالي إيفانجليستا توريشللي المتعلقة بتدفُّق السوائل المحفوظة في خزان عبر فتحة فيه وعلاقة هذا التدفُّق بإرتفاع السائل في ذلك الخزان وفي نفس الفترة قدم باسكال وعالم الرياضيات الفرنسي بيير دي فيرما والذى ينسب إليه تأسيس نظرية الأعداد الحديثة وكذلك إكتشاف الهندسة التحليلية نظرية الإحتمالات وناقشا بعض تطبيقاتها .
كما قام باسكال في عام 1654م بتصميم تنظيم ثلاثي من الأرقام يكون فيه كل رقم مساويا لمجموع الرقمين المجاورين له من جهة اليمين وعلى جانبه الأيسر في الصف الذي يكون أعلاه مباشرة ويمكن إستخدام هذا التنظيم الذي سمي مثلث باسكال في حساب الإحتمالات وبالإضافة إلي هذه الأعمال إخترع باسكال أيضا آلة حاسبة تؤدي عمليات الجمع والطرح وقد حصل علي براءة إختراع لها وسميت بإسمه وحاول تسويقها تجاريا لكنها لم تجلب له ربحا كبيرا بسبب غلو ثمنها في ذلك الوقت ومن ثم عدم إقبال الجمهور على شراءها .
ولد باسكال في يوم 19 يونيو عام 1623م بمدينة كلير مونتـ فيراند بجنوب شرق فرنسا وكان الإبن الثالث في عائلته وكان والده إتيان باسكال يعمل في جمع الضرائب فضلًا عن كونه عالم رياضيات موهوب أما والدته أنطوانيت فقد توفيت عندما كان باسكال صغيرا وإنتقلت الأسرة إلى باريس عام 1631م عندما كان باسكال في الثامنة من عمره وهناك عمل والده على وضع منهج مبتكر يمكنه من تعليم إبنه في المنزل وثمة إعتقاد بأن لجوء إتيان إلى هذه الطريقة يرجع إلى معاناة باسكال من بعض المشاكل الصحية ولعل المفارقة في هذا الأمر هي قيام الوالد بحذف مادة الرياضيات من المنهج التعليمي لإبنه والتي كان قد أظهر نبوغا فيها منذ أن كان طفلا خوفا من إفتتانه بها وبالتالي إنصرافه عن دراسة المواد الكلاسيكية مثل التاريخ والأدب والفن وغيرها ومن ثم كان المنهج الدراسي في البداية موجهًا صوب دراسة اللغات وتحديدا اللغتين اللاتينية واليونانية ولكن خطة الوالد ما لبثت أن جاءت بنتائج عكسية فقد إزداد إهتمام باسكال بدراسة الرياضيات وباشر بحثَه في المواضيع الهندسية بنفسه حتى أنه وضع مصطلحاته الخاصة نظرًا لكونه غير مطلع على تلك المستخدمة في التعليم الرسمي لمادة الرياضيات .
وقد أُعجب الوالد بإصرار باسكال الصغير وبراعته في الرياضيات فأباح له الإطلاع على مؤلفات العالم اليوناني إقليدس وسمح له بمرافقته إلى الإجتماعات التي كانت تعقد في باريس ويحضرها كبار علماء الرياضيات وهناك قدم باسكال ذو الستة عشر عاما في عام 1639م نظريته الرياضية الخاصة بتصميم تنظيم ثلاثي من الأرقام والمشار إليها في السطور السابقة وفي العام التالي 1640م عزمت الأسرة على الرحيل من باريس مجددا بسبب الإضطرابات السياسية في فرنسا آنذاك فإرتحلت إلى مدينة روان وفي ذات العام نشر باسكال أول مؤلفاته التي عالج فيها موضوع الهندسة الإسقاطية كما تناول المخروطيات وبعدها القطاعات المخروطية وكما ذكرنا في السطور السابقة كان قد بدأ يهتم بالهندسة منذ كان عمره 12 عاما عندما قرأ كتاب العناصر لإقليدس ومن ثم أكمل إهتمامه بشكل رصين بالنسبة للدائرة والمخروط والكرة والأمكنة الهندسية لنقطة متغيرة وفي عام 1642م عكف باسكال على إبتكار آلة أطلق عليها اسم باسكالين وقد تميزت هذه الآلة بإحتوائها على أقراص يمثل كل واحد منها رقما عدديا وبالتالي كانت قادرة على إجراء عمليات الجمع والطرح فقط حيث كانت غير قادرة علي عمليات الضرب والقسمة وكان هذا مما يعيبها ولذا فقد إضطر باسكال إلى المواظبة على تحسينها وتطويرها لمدة 9 أعوام صمم خلالها 50 نموذجا إلا أن مرضه وعدم عثوره على مصمم ساعات كفء لم يمكنه من تنفيذ تصميم آليات الضرب والقسمة لآلته لذلك كانت عمليات الضرب تتم بطريقة الجمع المتكرر أما القسمة فكانت تتم بطريقة الطرح المتكرر وفي نهاية عقد الأربعينيات من القرن السابع عشر الميلادى ركز باسكال تجاربه على العلوم الفيزيائية فسار على خطى العالم الإيطالي توريشللي وحاول إكتشاف كيفية تقدير الضغط الجوي من حيث الوزن وأراد أن يجيب علي سؤال كان يحير الفيزيائيين في زمانه وهو لماذا يشير بارومتر تورشيللى الزئبقى دائما إلى 76 سم وإذا إستبدلنا الزئبق بالماء فانه يشير إلى 10 متر وماهو السر خلف هذه الارقام الثابتة التى لا تتغير وقام باسكال بإجراء تجربة في عام 1648م لقياس الضغط الجوي على إرتفاعات مختلفة عند الصعود على جبل بإعطاء قريب له يهوى تسلق الجبال بارومتر زئبقى وطلب منه ان يخبره ماذا سوف تكون قراءته عند قمة الجبل ووجد متسلق الجبال ان البارومتر لايشير إلى 76 سم بل إلى 66 سم وهنا أدرك باسكال أن الأرقام ليست ثابتة ولكنها تعتمد على ضغط الغلاف الجوى وكلما صعدنا إلى أعلى كلما قل الضغط حتى ينعدم ومن ثم جاءت نتائجه لتؤكد صحة نظرية توريشللي بشأن سبب التغيرات البارومترية وبحلول عقد الخمسينيات من القرن السابع عشر الميلادى عزم باسكال على إبتكار آلة ذات حركة دائمة ساعيا من وراء ذلك إلى جعلها تنتج كميات إضافية من الطاقة وعلى الرغم من فشل تجاربه ومحاولاته في تحقيق ذلك الهدف إلا أنه إكتشف بشكل عرضي آلة الروليت في عام 1655م وبعد إبتكار هذه الآلة تواصل باسكال مع العالم بيير دي فيرما وتناقشا حول موضوع هذه الآلة وألعاب القمار والتجارب التي أجراها باسكال فإكتشف هذا الأخير وجود إحتمال ثابت لتحقيق نتيجة معينة عندما يتعلق الأمر برمية النرد فكان هذا الإكتشاف بمثابة حجر الأساس لنظرية الإحتمالات الرياضية وقد نشرت كتابات باسكال حول هذا الموضوع بعد وفاته وعلاوة علي ذلك فعلى الرغم من عدم وجود تواريخ دقيقة ومحددة ذكر البعض أن باسكال إخترع نموذجا بدائيا لساعة اليد فقد كان من المعروف أنه يضع ساعة الجيب على معصمه ويثبتها بواسطة سلسلة وبوسعنا طبعا الإفتراض أنه أقدم على ذلك تسهيلا لعمله أثناء إنشغاله وإنهماكه بإبتكارات وإختراعات أخرى .
ولننتقل الآن إلي جانب آخر في حياة باسكال ففي عام 1644م تعرض والد باسكال إلى إصابة دفعته إلى ملازمة المنزل وكان هذا الحادث نقطة تحول وأدى إلي تغيير جذرى في المعتقدات الدينية للأسرة فقد تلقى الوالد علاجه على يد طبيبين من أتباع الطائفة اليانسينية إحدى طوائف الكنيسة الكاثوليكية وتنسب الى كاهن هولندي يحمل إسم يانسين وبفعل التأثير الناجم عن كلام هذين الطبيبين إعتنقت الأسرة هذا المذهب الجديد وأضحى باسكال شخصا مسيحيا متدينا أما أخته جاكلين فقد أصبحت راهبة وإنشغل باسكال في هذه الحركة الدينية وفي أواخر عام 1654م وكان عمره 31 عاما دخل ديرا من أديرة هذه الجماعة في مدينة بورت رويال وقد اثارت هذه الحركة غضب وإحتجاج المنظمة اليسوعية والتي تعد واحدة من أهم وأكبر الرهبانيات الفاعلة في الكنيسة الكاثوليكية والتي تتواجد في 112 منطقة جغرافية موزعة على قارات العالم الست ويوجد مركزها الرئيسي في العاصمة الإيطالية روما ووصفت هذه الحركة المسماة باليانسينية بالبدعة وأدانت قائدها أنطوني آرنولد وردا على هذا الإتهام قام باسكال فورًا بنشر 18 كتيبا ساخرا سميت الرسائل الريفية أو الإقليمية وقد لاقت هذه الرسائل شعبية عظيمة في خلال عام 1656م وعام 1657م حيث قام باسكال في يوم 23 ويوم 26 يناير عام 1656م بنشر الرسالتين الأولى والثانية والتي كتبها تحت إسم مستعار هو لويس دي مونتالت إلى صديق له في الإقليم وإلى الآباء اليسوعيين المبجلين عن أخلاقياتهم وسياساتهم وكان إطارهما ذكيا فقد زعم إنهما تقريران من باريس إلى صديق له عن المسائل الخلقية واللاهوتية التي كانت يومئذ تثير الأوساط الفكرية والدينية في العاصمة باريس ومما يذكر أنه قد أبدع في كتابته لهذه الرسائل أسلوبا أدبيا إستشرف مستوى جديد في النثر الفرنسي حيث توافرت لباسكال حماسة المؤمن الجديد وذكاء رجل الدنيا وتهذيبه وإستمر باسكال خلال عام 1656م وحتي يوم 24 مارس عام 1657م في نشر رسائله تباعا وفي اليوم المذكور كانت الرسالة الثامنة عشر والأخيرة والتي تحدى فيها البابا نفسه ذلك أن البابا إسكندر السابع كان قد أصدر في يوم 16 أكتوبر عام 1656م تنديدا آخر بالحركة اليانسينية ومن ثم تعمد باسكال أن يذكر قراءه بأن حكم البابا عرضة للخطأ كما أخطأ في حالة العالم الإيطالي جاليليو جاليلي وبعد ذلك عاد البابا وأدان الرسائل مرة أخرى في يوم 6 سبتمبر عام 1657م ولكن كانت فرنسا المثقفة قد قرأتها كلها وظل باسكال بعد ذلك يدافع منذ عام 1658م وحتى وفاته عن عقيدته وقد وجدت بعض أجزاء من عمله هذا بعد وفاته وتم تجميعها في كتاب طبع بإسم بنسيز ويعبر هذا العمل عن إيمانه بأن هناك حدود للحقائق التي يمكن أن يدركها العقل وأن الإيمان من القلب بالرسالة المسيحية هو المرشد الرئيسي إلى الحقائق وقد جاء هذا الكتاب مليئًا بالتأكيدات التي ربما تبدو مثيرة للجدل في عصرنا الحالي ولعل الجزء الأكثر إثارة للجدل هو رهان باسكال المعتمد على نظرية الإحتمالات والذي يحض المشككين بوجود الله إلى الإيمان به على إعتبار أنهم سيخسرون كل شيء إذا إكتشفوا وجوده بعد موتهم أما إذا كان غير موجود فلن يخسروا شيئا بإيمانهم .
وختاما لمقالنا عن بليز باسكال نذكر ما قاله المؤرخ البريطاني دونالد آدمسون عنه حيث وصفه بأنه كان شخصية معقدة تتصف بالعديد من السمات مثل المثابرة والعند والسعي إلى الكمال بالإضافة إلى حب الجدل الذي يبلغ درجة القسوة أحيانًا ولكنه بالرغم من ذلك كان يسعى دائما ليكون شخصا وديعا ومتواضعا .
ولابد أن نذكر أيضا إن طائفة اليانسينين كانت تعادي طائفة اليسوعيين عداءا شديدا كما كانت دائما على النقيض منها حيث كانت طائفة اليسوعيين تشجع الإنشغال بالعلوم الدنيوية مثل الرياضيات والفيزياء والكيمياء والطب والهندسة والإقتصاد وغيرها جنبا إلي جنب مع العلوم الدينية بينما كانت ترى طائفة اليانسينيين بحرمانية الإنشغال بالعلوم الدنيوية وتري أن العلوم الشرعية الوحيدة التي ينبغى الاهتمام بها وإكتسابها هى العلوم الدينية وماعدا ذلك فهى بدع يجب الإبتعاد والإنصراف عنها .
ومن ثم كان باسكال يعانى صراعا نفسيا شديدا فهو كان عاشقا للعلوم والرياضيات من ناحية ولكنه كان من الناحية الاخرى إنسانا متدينا جدا ويؤمن بتعاليم جماعة اليانسينيين وفى النهاية إنتصر حب الدين على حب العلم لديه فهجر العلم والرياضيات وعمل كاهنا كاثوليكيا حتى مماته وكان ينتقد ديكارت كثيرا ويقول إنه لا يمكن أن يغفر له ما صنعه حيث كانت أفكاره مؤداها أنه بعد ان خلق الله العالم تركه للقوانين ولم يعد له دور فيه.
وأخيرا نذكر أن باسكال قد عانى من أمراض مزمنة في جهازه الهضمي منذ أن كان في سن المراهقة وقد أثر ذلك بشكل كبير على صحته إلي أن توفي بتاريخ 19 أغسطس عام 1662م في منزل شقيقته في باريس نتيجة إصابته بورم خبيث في المعدة وكان عمره آنذاك 39 عاما ومع قصر عمره فقد إستطاع تحقيق العديد من الإبتكارات والإكتشافات التي ساهمت بشكل كبير في التطورات التي حدثت لاحقا في مجالات الرياضيات والهندسة والفيزياء وعلوم الحاسوب . |