abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool الرئيسية abou-alhool
بانوراما
فرعونيات
بلاد وشركات
الحدث السياحي
سحر الشرق
سياحة وإستشفاء
أم الدنيا
حج وعمرة
أعمدة ثابتة
درجات الحرارة
اسعار العملات
abou-alhool
شاعر الجغرافيا
شاعر الجغرافيا
عدد : 04-2021
بقلم المهندس/ طارق بدراوى
موسوعة كنوز “أم الدنيا”

جمال محمود صالح حمدان أحد أعلام الجغرافيين المصريين وصاحب كتاب شخصية مصر وهو يوصف بلقب شاعر الجغرافيا لقدرته على تبسيط هذا العلم المتخصص وتقديمه بأسلوب شائق وسلس إلى عموم القراء وذلك عبر ربطه الجغرافيا بالتاريخ والتحليلات الإستراتيجية كما أن الكثيرين يلقبون العالم الراحل بالمفكر والفيلسوف نظرا إلى تجاوز إنتاجه العلمي حدود المعلومات الجغرافية الجافة والإنطلاق بها إلى التحليل والتفسير والربط ما بين التاريخ والأحداث وإستشراف المستقبل أيضا وبذلك إستطاع أن يتربع وحده دون غيره على عرش قلة من عظماء المصريين الذين إتسموا بعمق التحليل وشجاعة الطرح وربما يأتي ذلك من أنه قد إمتلك عبقرية المزج ما بين الجغرافيا ذلك العلم الحائر وفق تعبيره ومختلف فروع المعرفة الإنسانية تاريخا وفلسفة سياسة وثقافة دينا وإجتماعا وقد تجلت عبقرية المزج تلك في فكرته الجوهرية عبقرية المكان من خلال كتابه الشهير شخصية مصر والذى يعد بمثابة ركيزة أساسية لمشروعه الفكري العملاق في كل ما تناوله من قضايا مصيرية في حياة المصريين وكان ميلاد عالمنا الجغرافي الكبير في يوم 4 فبراير عام 1928م في قرية ناي بمحافظة القليوبية شمالي القاهرة ونشأ في أسرة كريمة طيبة تنحدر من قبيلة بني حمدان العربية التي نزحت إلى مصر في أثناء الفتح الإسلامي وكان والده أزهريا وكان يعمل مدرسا للغة العربية في مدرسة شبرا التي إلتحق بها ولده جمال وحصل منها على الشهادة الإبتدائية عام 1939م وقد إهتم الأب بتحفيظ أبنائه السبعة القرآن الكريم وتجويده وتلاوته على يديه مما كان له أثر بالغ على شخصية جمال حمدان وأشقائه وعلى إمتلاكه نواصي اللغة العربية مما غلب على كتاباته الأسلوب الأدبي المبدع وبعد الإبتدائية إلتحق جمال حمدان بالمدرسة التوفيقية الثانوية وحصل على شهادة الثقافة عام 1943م ثم حصل على التوجيهية الثانوية عام 1944م وكان ترتيبه السادس على القطر المصري ثم إلتحق بكلية الآداب قسم الجغرافيا وكان طالبا متفوقا ومتميزا خلال مرحلة الدراسة في الجامعة حيث كان منكبا على البحث والدراسة متفرغا للعلم والتحصيل وحصل علي ليسانس الآداب عام 1948م بتفوق .


وبعد التخرج تم تعيين جمال حمدان معيدا بكليته ثم أوفدته الجامعة في بعثة إلى بريطانيا عام 1949م حصل خلالها على الدكتوراة في فلسفة الجغرافيا من جامعة ريدنج عام 1953م والتي تقع في مدينة ريدنج في بيركشاير والتي تأسست عام 1892م وهي إحدى الجامعات العريقة الراسخة في المجال البحثي والتعليمي والتدريبي على جميع المستويات المحلية والوطنية والعالمية وكان موضوع رسالته سكان وسط الدلتا قديما وحديثا وللأسف لم تترجم رسالته تلك حتى وفاته وبعد عودته من بعثته إنضم إلى هيئة التدريس بقسم الجغرافيا في كلية الآداب جامعة القاهرة ثم رقي أستاذا مساعدا وأصدر في فترة تواجده بالجامعة كتبه الثلاثة الأولى وهي جغرافيا المدن والمظاهر الجغرافية لمجموعة مدينة الخرطوم عاصمة السودان والتي يطلق عليها المدينة المثلثة ودراسات عن العالم العربي وقد حصل بهذه الكتب على جائزة الدولة التشجيعية عام 1959م كما كانت هذه الكتب هي السبب في لفت الأنظار إليه من جانب الحركة الثقافية في مصر وفي الوقت نفسه أكسبته غيرة بعض زملائه وأساتذته داخل الجامعة وللأسف فإن هذه الظاهرة متكررة وكم قتلت من المواهب وأجبرت الكثير من الأساتذة والباحثين المتميزين إلي ترك الجامعة والسفر للعمل في الخارج وبالفعل ففي عام 1963م تقدم جمال حمدان بإستقالته من الجامعة إحتجاجا على تخطيه في الترقية إلى وظيفة أستاذ والتي كان يستحقها عن جدارة وإستحقاق وإختيار أحد المحظوظين ليشغل منصب رئاسة قسمه بعد منحه لرتبة الأستاذية دون إعتبار لأية كفاءة علمية ولم تقبل الجامعة إستقالته إلا بعد عامين حاولت خلالهما ثنيه عن قراره دون جدوى وبتقديمه إستقالته تفرغ للبحث والتأليف حتى وفاته علي الرغم من أنه قد عرضت عليه كثير من المناصب التي يلهث وراءها الكثيرون وكان يقابل هذه العروض بالإعتذار مؤثرا تفرغه في صومعة البحث العلمي فعلى سبيل المثال تم ترشيحه عام 1983م لتمثيل مصر في إحدى اللجان الهامة بمنظمة الأمم المتحدة ولكنه اعتذر عن ذلك رغم المحاولات المتكررة لإثنائه عن الإعتذار كما إعتذر أيضا بأدب ورقة عن عضوية مجمع اللغة العربية بالقاهرة وكذلك عن رئاسة جامعة الكويت وغير ذلك الكثير وكانت فترة التفرغ هذه هي البوتقة التي أفرزت التفاعلات العلمية والفكرية والنفسية لهذا العالم الجغرافي الكبير وقد قال في هذا الصدد إن واحدا من أخطر عيوب مصر هي أنها تسمح للرجل العادي المتوسط بل للرجل الصغير الذى لا يمتلك الكفاءة بأكثر مما ينبغي وتفسح له مكانا أكبر مما يستحق فشرط النجاح والبقاء في مصر أن تكون إتباعيا لا إبتداعيا تابعا لا رائدا محافظا لا ثوريا تقليديا لا مخالفا ومواليا لا معارضا وهكذا وبذلك تتكاثر الأقزام على رأسها ويقفزون على كتفها فتتعثر خطاها وأقدامها وسط العمالقة . وحقا كان جمال حمدان مهموما بتخصصه الأكاديمي الدقيق في علم الجغرافيا وهو ما دفعه لأن ينتقل به من حيز الدراسات التقليدية إلى حيز الجغرافيا السياسية أو علم ما يسمى بالجغرافيا المقارنة وفي هذا يقول لا بد أن يخوض الجغرافي طريقا شاقا من أجل الإلمام بكل التكنيك العلمي الجديد ويأخذ عنه فكرة واضحة لا لكي يتحول إلى متخصص فيه بل مجرد متلصص عليه ولأن الجغرافيا هي فلسفة المكان وفلسفة الأرض وفلسفة العالم برمته فلذلك فإننا ندعو إلى بلوغ الحد الأقصى من العلم والعلمية في الجغرافيا لتواكِبَ عصـر العلم والتكنولوجيا الفائقة وفي الوقت ذاته إلى قلب الجغرافيا وموطنها النهائي وهو فلسفة المكان أي بلوغ الحد الأقصى من المعرفة العلمية مع الحد الأقصى من المعرفة الفلسفية وتحقيق ومواءمة هذه الثنائية هي جوهر فن الجغرافيا ومن ثم فقد فقد إستحق أيضا أن يطلق علي جمال حمدان لقب العبقري من زمن فات وأحد أفذاذ عصره حيث أنه لم يكن مجرد جغرافي بارع ولكنه كان مفكرا مبهرا تميز من خلال قراءته المتعمقة للتاريخ وقدرته على ربط الجغرافيا بالتاريخ وإضفاء الطابع الإستراتيجي على أفكاره وتحليلاته الأمر الذي منحها العمر المديد والقدرة على التعايش مع تقلبات السياسة بعد مرور كل هذه الأعوام من فهمه لطبيعة الجغرافيا وتداعياتها المرعبة في فهم السياسة ولعل شيئا من هذا الفهم العميق لتقلبات السياسة نلحظه حاليا من مجريات الأحداث السياسية التي تتأثر بالعوامل الجغرافية التي تفجر الصراع حول السيطرة على الثروات لصالح دولة دون أخرى تماما كما يحدث من حالات اللهاث من جانب الدول الكبرى في قارتي أمريكا وأوروبا في التكالب على أفريقيا التي تمتلك 65% من معادن العالم ومواده الخام ولم يكن حمدان ينظر للجغرافيا بوصفها علما وضعيا يعتمد على دراسة الموقع والتضاريس فحسب ورغم قدرته على تبسيط هذا العلم المتخصص وتقديمه بأسلوب شائق وسلس إلى عموم القراء عبر ربطه الجغرافيا بالتاريخ والتحليلات الإستراتيجية التي تشمل بالضرورة دراسة أوجه الحياة بكل دقائقها ومن ثم النفاذ إلى روح المكان لإستشفاف عبقريته الذاتية وذلك يتجلى واضحا في صراع الدول الكبرى على القارة السمراء أفريقيا كما ذكرنا في السطور السابقة في محاولاتها المستميتة وسعيها الدؤوب لإلتهام ثرواتها بدعوى نشر برامج من شأنها تطوير دولها والإرتقاء بشعوبها وهو أمر في الواقع لايرقى إلى مستوى نهضة الشعوب بقدر ما يجنح نحو نوع من الإستعمار الجديد ومن هنا كانت رؤيته واضحة وقادرة على إستشراف المستقبل وتبدو أكثر وضوحا في توقعه لسعي الغرب لخلق صراع مزعوم بين الحضارات .


ولقد فهم حمدان منذ أن كان طالبا بكلية الآداب قسم الجغرافيا أن الجغرافيا هى فن الجمال بحيث تصبح الخريطة بمثابة الشفرة ولغة الجغرافيا الأساسية وهى لغة عالمية غير مكتوبة وإنما مرسومة والأطلس قاموسها وهذ مما يدفعنا نحن وغيرنا ممن تشبعوا بعلمه الغزير للتساؤل عما إذا كنا إزاء أديب ضل طريقه إلى الجغرافيا أم إزاء جغرافي ضل طريقه إلى عالم الأدب هذا تساؤل يفرض نفسه علينا ونحن نتعمق في رؤية هذا العبقري الجمالية لفن الجغرافيا والتي صاغها بأسلوبه المتدفق في التعبير عن درجة عشقه لعبقرية وروح المكان وعلى الرغم من أن ما كتبه جمال حمدان قد نال بعد وفاته بعضا من الإهتمام الذي يستحقه إلا أن كثيرا من المهتمين بفكر جمال حمدان صبوا جهدهم على شرح وتوضيح عبقريته الجغرافية متجاهلين في ذلك جانبا مهما بل يعد الألمع في فكر حمدان وهو قدرته على التفكير الإستراتيجي حيث لم تكن الجغرافيا لديه إلا رؤية إستراتيجية متكاملة للمقومات الكلية لكل تكوين جغرافي وبشرى وحضاري ورؤية للتكوينات وعوامل قوتها وضعفها وهو لم يتوقف عند تحليل الأحداث الآنية أو الظواهر الجزئية وإنما سعى إلى وضعها في سياق أعم وأشمل وذو بعد مستقبلي أيضا ويبدو هذا جليا أيضا في تصوره للهوية المصرية حيث يؤكد حمدان نظرية الأبعاد الأربعة ويقسمها إلى أبعاد غير مادية مكتسبة تتمثل في كل من العروبة وهي بعد ثقافي والإسلام وهو بعد ديني وحضاري وأبعاد جغرافية طبيعية كالأفريقية والأورومتوسطية ويخلص بعد إستعراضها جميعا إلى القول أن تكون مصريا فهذا يعني في الواقع إجتماع شيئين في الوقت الواحد الأرض والشعب الوطن والقومية فالمصرية للمصري هى قاعدة الأساس وقاعدة الإرتكاز وهي قاعدة مركبة من عنصرين ولها أبعاد خارجية أكثر إتساعا أبعاد جغرافية طبيعية بحتة أي إقليمية من صنع المكان والطبيعة وهي بإختصار أبعاد مكانية ثم أبعاد بشرية وعلي الرغم من تفسيره الرائع للهوية المصرية فإن جمال حمدان عاني كثيرا جدا مثل أنداده من كبار المفكرين الإستراتيجيين في العالم من عدم قدرة المجتمع المحيط بهم على إستيعاب ما ينتجونه إذ أنه غالبا ما يكون رؤية سابقة لعصرها بسنوات وهنا يصبح عنصر الزمن هو الفيصل للحكم على مدى عبقرية هؤلاء الإستراتيجيين فقد كان الراحل العظيم يمتلك قدرة ثاقبة على إستشراف المستقبل متسلحا في ذلك بفهم عميق لحقائق التاريخ ووعي متميز بوقائع الحاضر والدليل على ذلك أنه كان صاحب السبق في فضح أكذوبة أن اليهود الحاليين هم أحفاد بني إسرائيل الذين خرجوا من أرض فلسطين خلال حقب ما قبل الميلاد وإنما ينتمي هؤلاء إلى إمبراطورية الخزر التترية التي قامت بين بحر قزوين والبحر الأسود وإعتنقت اليهودية في القرن الثامن الميلادي وهو ما أكده بعد ذلك بعشر سنوات الروائي والصحفي والناقد الإنجليزي الجنسية والمجرى المولد آرثر كوستلر والذى يعد واحدا من أصحاب الأصوات والأفكار الأدبية والسياسية المهمة في القرن العشرين الماضي وكان من أهم مؤلفاته كتاب القبيلة الثالثة عشرة الذي صدر عام 1976م .

ومن خلال تحليل متعمق للظروف التي أحاطت بقيام المشروع الصهيوني أدرك حمدان مبكرا أن الأمن يمثل المشكلة المحورية لهذا الكيان اللقيط وإعتبر أن وجود إسرائيل رهن بالقوة العسكرية وبكونها ترسانة وقاعدة وثكنة مسلحة مشيرا إلى أنها قامت ولن تبقى وهذا ما ندركه جيدا إلا بالدم والحديد والنار ولذا فهي دولة عسكرية في صميم تنظيمها وحياتها ولذا أصبح جيشها هو سكانها وسكانها هم جيشها وليته عاش حتى عشية صفقة القرن التي أطلقها الرئيس الأميريكي السابق دونالد ترامب والتي وصفت من جانب كثير من المراقبين بأنها مؤامرة القرن لتصفية القضية الفلسطينية ليرى بنفسه كيف تصر إسرائيل على أن أي إتفاق سلام يجب أن يشمل الإعتراف الفلسطيني بإسرائيل كدولة قومية للشعب اليهودي حتى تضمن الأمن في النهاية ويمكننا تخيل أن حمدان وكأنه يطل من قبره الآن ليرى ما يدور حاليا في كواليس السياسة العالمية حيث حدد جمال حمدان قبل عدة عقود الوظيفة التي من أجلها أوجد الإستعمار العالمي هذا الكيان اللقيط بالإشتراك مع الصهيونية العالمية وهي أن تصبح قاعدة متكاملة آمنة عسكريا ورأس جسر إستراتيجي ثابت ووكيل عام إقتصادى أو عميل خاص إحتكارى وهي في كل ذلك تمثل فاصلا أرضيا يمزق إتصال المنطقة العربية ويخرب تجانسها ويمنع وحدتها وإسفنجة غير قابلة للتشبع تمتص كل طاقاتها ونزيفا مزمنا في مواردها ومن جانب آخر إذا ما قلبنا في صفحات جمال حمدان الإبداعية سنجد أنه يتمتع بحالة نادرة من نفاذ البصيرة والقدرة الإستراتيجية على إستشرف المستقبل ووصف الأمم والشعوب وكأنه يراها في اللحظة الآنية وليس قبل عدة قرون مضت فقد وصف تركيا بأنها قوة شيطانية مترحلة بلا تاريخ أو حضارة وإتخذت لنفسها وطنا بالتبني حتى كتابتها إستعارتها من العرب وإستطرد في وصفه قائلا إنها غراب يقلد مشية الطاووس والأتراك يشعرون بعقدة نقص تجاه مصر التي أذلتهم وسحقت جيوشهم لكنها نسيت ذلك وتناطح أسيادها العرب الآن هكذا وصف عالم الجغرافيا جمال حمدان تاريخ تركيا القديم والحديث كاشفا عن كراهيتهم للعرب وكتابة تاريخ أسود فوق جثث الآلاف من العرب الأبرياء ورصد في كتاباته تاريخ الأتراك الأسود أيضا في البلاد العربية والإسلامية منذ أقدم العصور وحتى القرن العشرين الماضي وكان من أشهر مؤلفاته التي تطرق فيها لتاريخ الأتراك والعثمانيين على وجه الخصوص إستراتيجية الإستعمار والتحرير وشخصية مصر دراسة في عبقرية المكان وشخصية مصر وتعدد الأبعاد والجوانب ومذكرات في الجغرافيا السياسية ولقد أكد حمدان في كتابه إستراتيجية الإستعمار والتحرير أن الأتراك كانوا وبالا على الدولة العباسية وسبب ضعفها وسقوطها في النهاية حيث يقول كانت الموجة الغزنوية التركية أول ما وصل المنطقة العربية من برابرة العالم الإسلامي في القرن الحادي عشر الميلادى وإنتزعت بلاد فارس وما جاورها ثم بدأت قوة الأتراك السلاجقة الوافدة من آسيا تتسلل وتظهر في الدولة العباسية حتى إستطاعوا أن يقتطعوا منها أجزاء كثيرة في غرب آسيا فأقاموا قاعدتهم في كرمان وهمدان ثم في آسيا الصغرى وعلاوة علي ذلك فقد تنبأ جمال حمدان بتفكك كتلة الدول الشرقية التي كانت تدور في فلك دولة الإتحاد السوفيتي ثم تفكك دولة الإتحاد السوفيتي نفسها وحصول جمهورياته علي إستقلالها عنه وكان ذلك قبل هذا الحدث بأكثر من 20 سنة .


وبقى لنا أن نقول إن جمال حمدان قد أنتج نحو 29 كتابا منها دراسات في العالم العربي وأنماط من البيئات ودراسة في جغرافيا المدن ونشرت في عام 1958م بالقاهرة والمدينة العربية وبترول العرب والإستعمار والتحرير في العالم العربي ونشرت في عام 1964م بالقاهرة وقناة السويس وأفريقيا الجديدة ونشرت عام 1975م بالقاهرة وعلاوة علي كتبه فله 79 بحثا ومقالا ولكن بلا أدني شك فإن درة أعماله هو كتاب شخصية مصر دراسة في عبقرية المكان المكون من أربعة مجلدات تقترب من أربعة آلاف صفحة وهذا الكتاب يعد دراسة في الهوية المصرية وليس مجرد دراسات في الجغرافيا وصدرت طبعته الأولى عن دار الهلال إبان هزيمة عام 1967م في توقيت حرج بالنسبة إلى المصريين نظرا إلى الظرف القائم وقتها ثم عكف عليها عشر سنوات لتخرج كتاب مكون من أربعة أجزاء من الحجم الكبير بين عام 1980م وعام 1984م وهذا الكتاب يعد بحق درة التاج في أعماله الإبداعية والفكرية ومازال يحقق مبيعات كبيرة خاصة في الدورات السنوية لمعرض القاهرة الدولى للكتاب رغم مرور 28 عاما على رحيله عن عالمنا ويشمل الجزء الأول من هذا الكتاب شخصية مصر الطبيعية حيث يعرض الكاتب ما يتعلق بالجيولوجيا والجغرافيا المصرية والصحراوات المصرية التي تمثل النسبة الأكبر في مساحة مصر سواء الغربية أو الشرقية وبالطبع أفرد الكاتب جزء خاصا لوادي النيل شريان الحياة في مصر أما الجزء الثانى فهو يشمل شخصية مصر البشرية حيث يذكر الكاتب ملامح التجانس الطبيعي والمادي والحضاري والبشري والعمراني للشخصية المصرية وكذلك الحضارة المصرية من العصر الفرعوني حتى ثورة يوليو عام 1952م ومراحل تطور الحضارة المصرية على مر العصور كما يعرض الحياة السياسية في مصر وجوانبها الإستراتيجية بينما يشمل الجزء الثالث شخصية مصر التكاملية حيث يتضمن عرض للجوانب الإقتصادية في الشخصية المصرية والتي كانت الزراعة هي ركيزتها الأولى ثم تطور الصناعة والثروة المعدنية في مصر كما يتضمن هذا الجزء أيضا الشخصية التكاملية وخريطة المجتمع المصرى والعلاقات المصرية العربية بين الوطنية المصرية والقومية العربية وأخيرا يشمل الجزء الرابع شخصية مصر الحضارية وهي دراسة للمجتمع المصري والعاصمة بإعتبارهما بنية وبوصلة خريطة المجتمع المصرى ويطالب الكثيرون القائمين علي الثقافة والتعليم في مصر بضرورة الإهتمام بتعميم فائدة هذا الكتاب على تلاميذ المدراس وطلاب الجامعات خاصة أنه يتمتع بأسلوب متميز ويمزج بين عدة علوم مختلفة فالجغرافيا كما يراها حمدان هي تلك التي إذا عرفتها عرفت كل شئ عن نمط الحياة في هذا المكان أو ذاك حيث أن جغرافية الحياة التي إن بدأت من أعلى آفاق الفكر الجغرافي في التاريخ والسياسة فإنها لا تستنكف عن أن تنفذ أو تنزل إلى أدق دقائق حياة الناس العادية في الإقليم ومن هنا يتثنى لأجيال الشباب الحالية معرفة حقائق مصر التي يعيشون فيها ولا يدركون عبقرية المكان والزمان على هذه الأرض الطيبة التي صنعت الحضارة منذ فجر التاريخ وماتزال تجري مع مياه النيل حتى الآن .


وفي يوم السبت 17 أبريل عام 1993م عثر على جثة عالمنا الكبير جمال حمدان في منزله بمنطقة الدقي والنصف الأسفل منها محروقا وإعتقد الجميع أن حمدان قد مات متأثرا بالحروق والتي شبت ننيجة تسرب الغاز أثناء إعداده كوب من الشاي ولكن الدكتور يوسف الجندي مفتش الصحة بمحافظة الجيزة أثبت في تقريره أن الفقيد لم يمت مختنقا بالغاز كما أن الحروق ليست سببا في وفاته لأنها لم تصل لدرجة إحداث الوفاة وإكتشف المقربون من الدكتور حمدان إختفاء مسودات بعض الكتب التي كان بصدد الإنتهاء من تأليفها وعلى رأسها كتابة عن اليهودية والصهيونية والذى يقع في ألف صفحة وكان من المفروض أن يتسلمه منه ناشره يوسف عبد الرحمن في اليوم التالي كما إختفت مسودات كتاب ثان إسمه العالم الإسلامي المعاصر والذى كان في الأصل كتاب قديم كتبه عام 1965م ثم عاد وأكمله وتوسع فيه بعد ذلك لدرجة أنه أصبح كتابا جديدا كان علي وشك نشره بالإضافة إلي مسودات كتاب ثالث عن علم الجغرافيا وكان من الملفت للنظر أن النار التي إندلعت في المنزل لم تصل لكتب وأوراق الدكتور حمدان مما يعني إختفاء هذه المسودات بفعل فاعل وحتى هذه اللحظة لم يعلم أحد سبب الوفاة ولا أين إختفت مسودات الكتب التي كانت تتحدث عن اليهود ومما يؤكد حتمية قتله ما رواه أشقاؤه عبد العظيم حمدان وفوزية حمدان أنهم فوجئا بأن الطباخ الذي كان يطبخ له قد كسرت قدمه وأنه قد عاد إلي بلده ولم يعرف له مكان بعد ذلك وأمر آخر أن جارة كانت تسكن في البيت الذي يسكن فيه جمال حمدان قالت إن هناك رجلا وإمرأة خواجات كانوا قد سكنا في الشقة الموجودة فوق شقته لمدة شهرين ونصف الشهر قبل موته ثم إختفيا بعد ذلك مباشرة ولم يظهر لهما أي أثر وأخيرا فقد فجر أمين هويدى مدير المخابرات العامة المصرية الأسبق مفاجأة من العيار الثقيل حول الكيفية التي مات بها جمال حمدان حينما أكد أن لديه ما يثبت أن جهاز الموساد الإسرائيلي هو الذي قتل جمال حمدان بسبب كتبه عن اليهودية والصهيونية وفضحه لأكاذيب اليهود والصهاينة التي يروجونها منذ مطلع القرن العشرين الماضي وليلحق بالعديد من العلماء المصريين الذين يعد مصرعهم أو إختفاءهم ألغاز لم يتم فك طلاسمها حتي يومنا هذا أولها يتعلق بمصرع الدكتورة سميرة موسي أول عالمة ذرة مصرية في الولايات المتحدة في يوم 15 من شهر أغسطس عام 1952م قبل عودتها بأيام إلي مصر وكانت قد إستجابت لدعوة لزيارة معامل نووية في ضواحي ولاية كاليفورنيا في اليوم المذكور وفي الطريق إلي كاليفورنيا الوعر المرتفع ظهرت سيارة نقل ضخمة فجأة لتصطدم بسيارتها بقوة وتلقي بها في وادي عميق وقام سائق السيارة زميلها الهندي في الجامعة الذي يقوم بالتحضير للدكتوراة بالقفز من السيارة وإختفي إلي الأبد ولم يعثر له علي أى أثر وكانت كل الدلائل تشير طبقا للمراقبين علي أن الموساد هي التي دبرت هذا الحادث وإغتالتها كنتيجة لمحاولتها نقل العلم النووي إلى مصر والوطن العربي في تلك الفترة المبكرة وقرب توصلها إلي إختراع جهاز لتفتيت المعادن الرخيصة إلى ذرات عن طريق التوصيل الحراري للغازات ومن ثم تصنيع قنبلة ذرية رخيصة التكلفة وكانت تنوي أيضا إنشاء معمل خاص لها تجرى فيه تجاربها في منطقة الهرم بـمحافظة الجيزة وقام والدها بالفعل بشراء قطعة الأرض اللازمة لذلك .

وكان أيضا ممن يظن أن الموساد قد قام بإغتيالهم عالم الذرة المصرى سمير نجيب الذى يعتبر من طليعة الجيل الشاب من علماء الذرة العرب فقد تخرج من كلية العلوم بجامعة القاهرة في سن مبكرة وتابع أبحاثه العلمية في الذرة ولكفاءته العلمية المميزة تم ترشيحه في بعثة دراسية بالولايات المتحدة الأميريكية وعمل هناك تحت إشراف أساتذة الطبيعة النووية والفيزياء وسنه لم تتجاوز الثالثة والثلاثين عاما وأظهر نبوغا مميزا وعبقرية كبيرة خلال بحثه الذي أعده في أواسط الستينيات خلال بعثته إلى أمريكا لدرجة أنه أنهي إعداد رسالته قبل الموعد المحدد بعام كامل وتصادف أن أعلنت جامعة ديترويت الأميريكية عن مسابقة للحصول على وظيفة أستاذ مساعد بها في علم الطبيعة وتقدم لهذه المسابقة أكثر من مائتي عالم ذرة من مختلف الجنسيات وفاز بها الدكتور سمير نجيب وحصل على وظيفة أستاذ مساعد بالجامعة وبدأ أبحاثه الدراسية التي حازت على إعجاب الكثير من الأمريكيين والتي أثارت قلق الصهاينة والمجموعات الموالية للصهيونية في أمريكا وبدأت تنهال عليه العروض المادية لتطوير أبحاثه ولكنه خاصة بعد حرب يونيو عام 1967م شعر أن بلده ووطنه في حاجه إليه وصمم العالم على العودة إلى مصر وحجز مقعدا على الطائرة المتجهة إلى القاهرة في يوم 13 أغسطس عام 1967م وما أن أعلن الدكتور سمير عن سفره حتى تقدمت إليه جهات أميريكية كثيرة تطلب منه عدم السفر وعرضت عليه الإغراءات العلمية والمادية المتعددة لكي يبقى في الولايات المتحدة الأميريكية ولكنه رفض كل الإغراءات التي عرضت عليه وفي ليلة سفره فوجئ أثناء قيادته لسيارته بسيارة نقل ضخمة ظن في البداية أنها تسير في الطريق شأن باقي السيارات ولما مر منها وجد أن السيارة تتعقبه ثم أسرعت سيارة النقل ثم زادت من سرعتها لتصطدم بسيارته وتحطمها وليلقي مصرعه على الفور وفيما بعد كان إختفاء عالم الذرة المصرى نبيل القليني والذى كان قد تخرج من كلية العلوم بجامعة القاهرة ولفت نظر أساتذته بعد ذلك بأبحاثه ودراساته المتميزة في علوم الذرة فقررت الكلية إيفاده في بعثة دراسية إلي كلية العلوم بجامعة براغ بدولة تشيكوسلوفاكيا لعمل المزيد من الأبحاث والدراسات في مجال الذرة وفي صباح يوم 27 يناير عام 1975م خرج من منزله ومن يومها إختفي تماما ولم يعثر له علي أثر ولما إنقطعت أخباره وإتصالاته عن إدارة كلية العلوم بجامعة القاهرة قامت بمخاطبة نظيرتها في العاصمة التشيكية براغ للإستفسار عن مصيره ولكنها لم تتلق ردا وبعد تكرار محاولات الإتصال أجابت الأخيرة بأن العالم قد إختفى تماما بعد تلقيه إتصالا هاتفيا بمنزله والمثير هنا في هذه القضية هو كيفية معرفة جامعة براغ أن العالم المصري قد تلقي إتصالا هاتفيا في شقته قبل خروجه وهنا تشير الوقائع إلى وقوف جهاز الموساد الإسرائيلي وراء هذا الإختفاء المثير للدهشة حيث كان يتمتع هذا الجهاز الإستخباراتي بأذرع طويلة في دول أوروبا الشرقية ومن المعلوم أن هذا الجهاز كان قد أسس مجموعة أطلق عليها إسم المجموعة إكس وألحقت به وحدة مختصة بالإغتيالات بهدف التحري وجمع المعلومات عن العلماء العرب . وعن الحياة الشخصية لعالمنا الكبير جمال حمدان فقد عاش أعزبا طوال عمره ولم يتزوج وقد حظي بالعديد من التقدير والتكريم داخل مصر وخارجها حيث حصل على جائزة الدول التشجيعية في العلوم الاجتماعية عام 1959م كما منح جائزة الدولة التقديرية في العلوم الإجتماعية أيضا عام 1986م ومنحته الكويت جائزة التقدم العلمي عام 1992م وفضلا عن ذلك حصل على وسام العلوم من الطبقة الأولى عن كتابه شخصية مصر عام 1988م وفي حفل إفتتاح قناة السيويس الجديدة في يوم 6 أغسطس عام 2015م إستشهد الرئيس عبدالفتاح السيسي بإحدى مقولاته عن قناة السويس وهي أن القناة هي نبض مصر والقلب النابض فى النظام العالمي وهي مركز النقل الأول لقارة أوروبا داعيا إلى توسيع القناة كمصل مضاد لوباء الناقلات العملاقة وأننا يجب أن نطمئن لأن مستقبل القناة مشرق وعلق يومها الرئيس السيسي قائلا والآن فإن نبوءة جمال حمدان تتحقق أمام أعيننا وفضلا عن ذلك فقد تم إختيار جمال حمدان شخصية العام في الدورة رقم 51 لمعرض القاهرة الدولي للكتاب التي إنعقدت مابين يوم 22 يناير حتي يوم 4 فبراير عام 2020م كما كان لجمال حمدان العديد من الأقوال منها :-

-- لقد خرج العرب من الصحراء ودخلوا التاريخ بفضل الإسلام وما كان لهم هذا ولا ذاك بدون الإسلام ولم يكن الإسلام بالنسبة للعرب مجرد رسالة من السماء فقط ولكن أيضا نجدة من السماء .

-- كارثة فلسطين وقيام دولة إسرائيل علي أرضها هي ببساطة أن الصهيونية العالمية طلبت دولة لليهود في فلسطين فأسسها لهم العرب بمعني أن قيام دولة إسرائيل وضياع فلسطين هو مسئولية العرب والعجز والجبن والتفرق العربي والذي حدد نتيجة الصراع العربي الإسرائيلي هو الصراع العربي العربي وإن الفلسطينيين لم يبيعوا فلسطين لليهود ولكن العرب هم الذين باعوا فلسطين والفلسطينيين لإسرائيل .

-- إذا كان اليهود يقولون لا معني لإسرائيل بدون القدس فنحن نقول لهم لا معني للعرب بدون فلسطين .

-- يقولون الإسلام وحضارة الغرب نقيضان لا يمكن أن يجتمعا ليكن ويبقي أن الإثنين قد جاء كل منهما ليبقي ولابد من تعايشهما معا إلى الأبد على الكرة الأرضية ولا يمكن نفي أحدهما من الكرة الأرضية فالتعايش محتوم عليهما أما الصراع فعبث لأنه لن ينتهي ولن ينهي وجود أي منهما .

-- مصر في النهاية ليست شعبا له حكومة بقدر ما هي حكومة لها شعب .

-- كانت مصر الطبيعية حديقة لا غابة وكانت علي العكس بشريا غابة لا حديقة وإن كانت زراعيا مزرعة لا مرعى فقد كانت سياسيا مرعى لا مزرعة .

-- لقد تحرر الإنسان المصري أخيرا أو يوشك على التحرر من التخلف ولكنه لم يتحرر قط أو بعد من الأسر ولقد ظفر بالتنمية نسبيا لكنه لم يظفر بالحرية إطلاقا وأصبح إنسانا متقدما نوعا لكنه ليس إنسانا حرا حقا .