بقلم المهندس/ طارق بدراوي
موسوعة" كنوز الدنيا"
شارع الأحنف بن قيس هو أحد شوارع ضاحية مصر الجديدة التي تعد من أرقي ضواحي القاهرة وهو يمتد من نقطة تقاطعه مع شارع أبو العلاء المعرى الموازى لشارع الحجاز أحد أهم وأطول شوارع الضاحية الراقية ويمتد موازيا لشارع كعب بن مالك وشارع إبن هشام وشارع معاذ بن جبل وينتهي بنقظة تقاطعه مع شارع الشيخ علي عبد الرازق وينسب هذا الشارع إلي التابعي الضحاك وقيل صخر بن قيس بن معاوية أحد أسياد بني تميم والذى أمن بالنبي محمد ﷺ قبل وفاته لكنه لم يره ولذا فهو تابعي ولقب بالأحنف نظرا لحنف رجليه وهو العوج والميل وكان مولده في العام الثالث قبل الهجرة بأرض البصرة ببلاد العراق وضرب به المثل في الحلم والورع فكانوا يقولون في حلم الأحنف وذكاء القاضي إياس ولقد دعا له النبي ﷺ دون أن يلتقيه أو يراه فقال اللهم إغفر للأحنف ويقول الأحنف في ذلك بينما كنت أطوف بالبيت الحرام في زمن الخليفة الثالث عثمان بن عفان رضي الله عنه إذ جاء رجل من بني ليث فأخذ بيدي وقال لي ألا أبشرك فقلت بلى قال هل تذكر إذ بعثني رسول الله ﷺ إلى قومك بني سعد فجعلت أعرض عليهم الإسلام وأدعوهم إليه فقلت أنت إنه ليدعوكم إلى خير وما حسن إلا حسنا فبلغت ذلك إلى رسول الله ﷺ فقال اللهم إغفر للأحنف فقال الأحنف هذا من أرجى عملي عندي وقد قدم الأحنف المدينة المنورة في عهد الخليفة الثاني عمر بن الخطاب رضي الله عنه مما أتاح له مقابلة عدد كبير من كبار الصحابة رضوان الله عليهم ليتربي علي أيديهم وليتعلم منهم ويأخذ عنهم مما كان له من كبير الأثر في حياته حيث تعلم من الخليفة عمر بن الخطاب وتعلم من الإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه وجلس مع أبي ذر الغفاري رضي الله عنه وأخذ عن الخليفة الثالث عثمان بن عفان رضي الله عنه وتعلم من عبد الله بن مسعود رضي الله عنه وغيرهم من أصحاب النبي ﷺ .
وبعد وفاة النبي ﷺ وتولي الخلافة أبو بكر الصديق وإرتدت الكثير من قبائل العرب عن الإسلام وإدعي البعض النبوة وكان منهم مسيلمة بن حبيب المعروف بالكذاب سيد بني حنيفة جاءه الأحنف مع عمه ليسمعا منه فلما خرجا من عنده سأله عمه كيف رأيت مسيلمة فقال الأحنف رأيته علي الباطل فهو يفتري الكذب على الله وعلى الناس فقال عمه ممازحا ألا تخشى على نفسك إن أخبرته فقال الأحنف عند ذلك أخالفك عنده فهل تحلف أنك لم تكذبه كما فعلت فضحك عمه وقال بلى وبعد وفاة أبي بكر الصديق وتولي عمر بن الخطاب الخلافة كان من مواقف الأحنف بن قيس التي تدل على أن سيدنا عمر بن الخطاب كانت له توجيهات قوية وتأثير كبير عليه روايته بأنه لما وصل خبره إلى الخليفة عمر بن الخطاب في المدينة المنورة وكان لا يعرفه أراد أن يختبره فدعاه إلى المدينة وأبقاه فيها عاما كاملا يعطيه أعمالا ويراقبه فيها وقال له سيدنا عمر بن الخطاب بعد إنتهاء السنة يا أحنف إن النبي ﷺ قد حذرنا من كل منافق عليم والمنافق العليم هو من يعرف عن الإسلام الكثير ويدعو إلى ما يخالفه بالطعن فيه فحاولت إختبارك سنة ووضعتك تحت عيني فوجدت علانيتك حسنة وإني لأرجو أن تكون سريرتك مثل علانيتك وإنا كنا نتحدث إنما يهلك هذه الأمة كل منافق عليم وكان مما قاله سيدنا عمر أيضا للأحنف مربيا إياه يا أحنف من كثر ضحكه قلت هيبته ومن مزح إستخف به ومن كثر كلامه كثر سقطه ومن كثر سقطه قل حياؤه ومن قل حياؤه قل ورعه ومن قل ورعه مات قلبه ويرصد لنا الحافظ الذهبي في سير أعلام النبلاء أن للأحنف بن قيس مواقف عديدة مع أمير المؤمنين عمر بن الخطاب كانت بمنزلة العلامات الهامة في حياة الأحنف فيوما أوفد أبو موسى الأشعري وفدا من أهل البصرة إلى عمر بن الخطاب فيهم الأحنف بن قيس فلما دخلوا عليه تكلم كل رجل من رجال الوفد بشأن نفسه وكان الأحنف آخر من سيتكلم فقام وحمد الله وصلى على النبي ﷺ وأثنى على عمر ثم قال يا أمير المؤمنين إن أهل الشام نزلوا منازل أهل قيصر وإن أهل مصر نزلوا منازل فرعون وأصحابه وإن أهل الكوفة نزلوا منازل كسرى الفرس ومصانعه في الأنهار العذبة والجنان الحسنة وفي مثل عين البعير وأتتهم ثمارهم قبل أن يحصدوا وإن أهل البصرة نزلوا في سنحة نشاشة لا يجف ثراها ولا ينبت مرعاها طرفها في بحر أجاج وطرفها بالفلاة لا يأتينا شئ إلا في مثل مدى النعامة فإرفع خسيستنا ولا تفشي وقيصتنا وزد في رجالنا رجالا وفي عيالنا عيالا وأصغر درهمنا وأكبر فقيرنا فأعجب عمر بمقولته وقال للقوم أعجزتم أن تكونوا مثل هذا إنه والله السيد ثم أعطى الجميع جوائزهم فلما أراد أن يعطي الأحنف قال والله يا أمير المؤمنين ما قطعنا إليك الفلوات أي الصحاري ولا ضربنا للقائك أكباد الإبل في البكور والعشيات لنيل الجوائز وما لي حاجة إليك إلا حاجة قومي التي ذكرت فإن تقضها تكون قد كفيت ووفيت فإزداد عمر إعجابا به وقال والله إن هذا سيد أهل البصرة ولما أراد وفد البصرة المغادرة رأى عمر ثوبا ناعما فسأل عن صاحبه فأخبروه بأن صاحبه هو الأحنف فسأله عن ثمنه فقال 8 دراهم مع أن ثمنه الحقيقي 24 درهم لكن الأحنف قال ذلك لأنه يعرف عمر ومع ذلك قال له عمر هلا إشتريت ثوبا بدرهمين وتركت الباقي لأهلك أو تصدقت به ثم قال خذوا من أموالكم ما يصلح شأنكم وضعوا الفضول في مواضعها تريحوا أنفسكم وتربحوا وقال الأحنف عن ذلك الموقف كانت هذه هي الكذبة الوحيدة التي كذبتها في حياتي حياءا وخجلا من عمر .
وغير الخليفتين الراشدين عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان والصحابة الكرام كان ممن له أثر كبير في نفس الأحنف عمه صعصعة الذي تعلم منه الحلم والأناة تلك الخصلتان اللتان يحبهما الله ويقول الأحنف بن قيس لأصحابه عن ذلك أتعجبون من حلمي وخلقي إنما هذا شئ إستفدته من عمي صعصعة بن معاوية شكوت إليه وجعا في بطني فأسكتني مرتين ثم قال لي يا إبن أخي لا تشك الذي نزل بك إلى أحد فإن الناس رجلان إما صديق فيسوءه وإما عدو فيسره ولكن إشك الذي نزل بك إلى الذي إبتلاك، ولا تشك قط إلى مخلوق مثلك لا يستطيع أن يدفع عن نفسه مثل الذي نزل بك يا إبن أخي إن لي عشرين سنة لا أرى بعيني هذه سهلا ولا جبلا فما شكوت ذلك لزوجتي ولا غيرها وكان ممن تعلم منهم الأحنف الحلم والأناة أيضا يس بن عاصم المنقري وقد سئل الأحنف يوما ممن تعلمت الحلم فقال من قيس بن عاصم المنقري لقد إختلفنا إليه فى الحلم كما يختلف إلى الفقهاء فبينما نحن عنده يوما وهو قاعد بفنائه محتب بكسائه أتته جماعة فيهم مقتول ومكتوف فقالوا هذا إبنك قتله إبن أخيك قال فوالله ما حل حبوته حتى فرغ من كلامه ثم إلتفت إلى إبن له في المسجد فقال أطلق عن إبن عمك ووار أخاك وإحمل إلى أمه مائة من الإبل دية إبنها فإنها غريبة وكان من مناقبه أيضا كما ورد في أسد الغابة لإبن الأثير أن رجلا خاصم الأحنف وقال لئن قلت واحدة لتسمعن عشرا فقال الأحنف لكنك إن قلت عشرا لم تسمع واحدة وقال إبن المبارك قيل للأحنف بم سودوك قال لو عاب الناس الماء لم أشربه وقال ما نازعني أحد إلا أخذت أمري بأمور إن كان فوقي عرفت له قدره وإن كان دوني رفعت قدري عنه وإن كان مثلي تفضلت عليه وقال لست بحليم ولكني أتحالم وبخلاف الحلم والأناة يقول إبن الجوزى في صفة الصفوة وإبن الأثير في أسد الغابة إن الأحنف كان قواما كثير الصلاة بالليل كما كان كثير الصيام وقد قيل له لما تقدم به السن يا أحنف إنك شيخ كبير وإن الصيام يضعفك فقال إني أعده لسفر طويل والصبر على طاعة الله سبحانه أهون من الصبر على عذابه وكان الأحنف إذا أذنب ذنبا ذهب إلى بيته وهو مهموم ويوقد شمعة ويضع المصباح قريبا منه ويضع إصبعه على المصباح ثم يقول يا أحنف ما حملك على أن صنعت كذا يوم كذا ندما علي ما فعله وروى عنه مقولته إنه قد عرض نفسه علي القرآن الكريم فلم يجد نفسه بشئ يشبهه إلا الآية الكريمة في سورة التوبة وآخرون إعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا عسي الله أن يتوب عليهم إن الله غفور رحيم وكان يقول اللهم إن تغفر لي فأنت أهل ذاك وإن تعذبني فأنا أهل ذاك وذات يوم صعد الأحنف بن قيس فوق بيته فأشرف على جاره فقال سوءة سوءة فقد دخلت على جاري بغير إذن لا صعدت فوق هذا البيت أبدا كما إتصف الأحنف بن قيس كذلك برجاحة العقل ويرصد الحافظ الذهبي في السير قول هشام بن عقبة شهدت الأحنف بن قيس وقد جاء إلى قوم في دم فتكلم فيه وقال إحتكموا قالوا نحتكم ديتين قال ذاك لكم فلما سكتوا قال أنا أعطيكم ما سألتم لكن إسمعوا إن الله سبحانه وتعالي قضى بدية واحدة وإن النبي ﷺ قضى بدية واحدة وإن العرب تعاطى بينها دية واحدة وأنتم اليوم تطالبون وأخشى أن تكونوا غدا مطلوبين فلا ترضى الناس منكم إلا بمثل ما سننتم قالوا ردها إلى دية واحدة وكان من أقواله المشهورة إن أحد الناس سأله وقال له يا أبا بحر إن فيك أناة شديدة فأين العجلة في أمورك فرد قائلا إني قد وجدت في نفسي عجلة في ثلاثة أمور في صلاتي إذا حضرت حتى أصليها وفي جنازتي إذا حضرت حتى أضعها في حفرتها وكما نعلم أن النبي كان يحض على إسراع دفن الموتى وفي إبنتي إذا خطبها كفؤها حتى أزوجها وسأله ذات يوم أحد الناس فقال يا أحنف بمَ سدت قومك وأنت أحنف أعور فقال بتركي ما لا يعنيني .
وعلاوة علي ما إتصف به الأحنف بن قيس من ورع وتقوى وحلم وأناة ورجاحة عقل كان له دور عظيم في إنقاذ جيش العلاء بن الحضرمي والي البحرين عندما أراد أن يصنع بالفرس شيئا ويحرز النصر عليهم كنصر سعد بن أبي وقاص على الفرس في القادسية التي كانت عام 15هـجرية من دون أن يفكر في مغبة المعصية وأهمية الطاعة اذ كان الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه قد نهاه عن الغزو في البحر ونهي غيره إتباعا لرسول الله ﷺ وابي بكر رضي الله عنه خوفا من أخطار ركوب البحر بلا كفاية خاصة وتجربة طويلة بركوبه ولكن العلاء ندب الناس إلى فارس بالمخالفة لتعليمات الخليفة فأجابوه وكان معه خليد بن المنذر بن ساوي والجارود بن المعلى وسوار بن همام فأمرهم على الجند وعبرت الجنود من البحرين إلى فارس لكن أهل فارس تمكنوا من قطع خطوط رجعة المسلمين وبين سفنهم فقام خليد في الناس فخطبهم وهاجموا الفرس وقاتلوهم قتالا شديدا بمكان يدعي طاوس فقتل سوار والجارود وقتل من أهل فارس أعداد غفيرة ثم خرج المسلمون يريدون البصرة فلم يتمكنوا من الرجوع الى البحر وإضطروا بسبب تفوق الفرس الساحق أن يعسكروا ويتحصنوا ولما بلغ عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن صنيع العلاء من بعثة ذلك الجيش في البحر بالمخالفة لتعليماته إشتد غضبه عليه وكتب إليه بعزله وتوعده وأمره بتأمير سعد بن أبي وقاص عليه وكان هذا أول عقاب عاقبه سيدنا عمر بن الخطاب له على معصيته الشديدة التي ألحقت الأذى بالمسلمين في معركة طاوس ثم أرسل رسالة إلى سيدنا عتبة بن غزوان بأن يخرج علي وجه السرعة جيشا كثيفا من المسلمين لنجدة الجيش الإسلامي الموجود في هذه المنطقة و الذى كان في وضع خطير وسط منطقة جبال والمسلمون لم يتعودوا على هذه الأرض وعلى إِثر هذه الرسالة جهز سيدنا عتبة بن غزوان في أقل من يومين جيشا تعداده 12 ألف مقاتل ومع المسلمين في الجيش عاصم بن عمرو التميمي والأحنف بن قيس وحذيفة بن محصن وعرفجة بن هرثمة وكان على رأس الجيش أبو سبرة بن أبي رهم وكلهم قادة مخشهود لهم بالكفاءة وخرج الجيش وسار بجوار شط العرب ثم بجوار شاطئ خليج فارس على الجبال يجنبون الخيل ويركبون البغال سِراعا حيث كانت البغال الفارسية التي غنموها من فارس تستطيع السير على الجبال بخلاف الخيول العربية وقد وفر ذلك مرونة شديدة للجيش الإسلامي ووصل الجيش الإسلامي إلى الجيش المحاصَر في منطقة فارس ويدخل المسلمون مع جيش الفرس في معركة شديدة وكانت النتيجة أن إنهزمت القوات الفارسية هزيمة منكرة وإجتاحهم المسلمون وإستطاع الجيش الإسلامي أن يفك الحصار عن الجيش المحاصَر ورجع به إلى البصرة فلم يكن مطلوبا منه فتح هذه البلاد .
تابع الجزء الثانى من المقال عبر الرابط التالى
https://www.abou-alhool.com/arabic1/details.php?id=51399 |