بقلم المهندس/ طارق بدراوى
موسوعة كنوز “أم الدنيا”
السلطان عثمان غازى هو أبو الملوك السلطان الغازي فخر الدين قره عثمان خان الأول بن أرطغرل بن سليمان شاه القايوي التركماني والذى كان زعيما لعشيرة قايى التركية وعامل سلاجقة الروم على إحدى إمارات الثغور الأناضولية وذلك قبل أن يقوم بتأسيس السلالة العثمانية التي حكمت بلاد البلقان والأناضول والمشرق العربي وشمال قارة أفريقيا طيلة 600 عام إلى أن إنقضى أجلها مع إعلان قيام الجمهورية التركية الحديثة علي يد مصطفي كمال أتاتورك عام 1922م وكان مولد السلطان عثمان غازى في عام 656 هجرية الموافق عام 1258م في نفس اليوم الحزين الذى إستيقظت فيه الأمة الإسلامية على فجيعة سقوط بغداد حاضرة الخلافة العباسية ومقتل آخر خليفة عباسي المستعصم بالله علي يد جحافل الجيش المغولي بقيادة هولاكو مما أصاب القلوب بالصدمة والألسنة بالذهول فعجزت عن وصف هول المجازر والجرائم التي سطرها التتار المغول السفاحون في المنطقة حيث إكتسح اللون الأحمر المشهد حيث تم قتل أكثر من مليون شخص وتغير لون نهر الفرات لحجم الدم المسفوك وحجم حبر الكتب المهدورة التي ألقيت به علاوة علي هدم معالم حضارة بزغت لعقود بشكل لم يسبق له مثيل فتفشى شعور اليأس بين المسلمين وتحطمت الآمال في محنة التتار لكن القدر كان يخبئ لهذه الأمة صناعة مجد عجيب ففي الجانب الآخر من الخريطة حيث كانت قبيلة قايى التركية المسلمة تحتضن مولودها الجديد في نفس هذا اليوم الكارثي في خيمة زعيم القبيلة الغازي أرطغرل بن سليمان شاه وزوجته حليمة خاتون وسماه والده بإسم عثمان خان تيمنا بإسم الخليفة الثالث وأحد الصحابة العشرة المبشرين بالجنة عثمان بن عفان رضي الله عنه ولم يكن أرطغرل يعلم يومئذ أن هذا المولود والذى كان أصغر أبنائه سنا سيقترن إسمه بقيام وتأسيس دولة إسلامية كبرى مترامية الأطراف تعيد للخلافة التي إندثرت في بغداد أمجادها وتسجل أحد أروع سير بناء الدول في تاريخ المسلمين وتنال شرف فتح القسطنطينية عاصمة الروم البيزنطيين عام 1453م علي يد السلطان محمد الفاتح أحد أحفاده كما نبأنا بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ما سيحدث إنعطافة تاريخية عالمية بنهاية العصور الوسطى وبداية العصور الحديثة بحسب المؤرخين دولة يدوم ملكها لمدة 6 قرون متواصلة تترامى أطرافها شمالا وغربا في قارة أوروبا وتملك بلاد القرم ومحيط البحر الأسود وبلاد القفقاس وبلاد أوروبا الشرقية وبلاد البلقان وتصل إلى وسط النمسا وشمال إيطاليا ومن ثم كانت أول دولة مسلمة في التاريخ الأوروبى تصل بجيوشها الجرارة إلى قلب القارة العجوز وتنعطف جنوبا لتملك الشام والعراق والحجاز واليمن ثم دول شمال أفريقيا وأكثر جزر البحر المتوسط وتستلم مفاتيح مصر وتستلم معها مقاليد الخلافة من آخر الخلفاء الرمزيين لبني العباس الذين كان مقرهم في القاهرة في كنف دولة المماليك عام 922 هجرية الموافق عام 1517م وتزدان بتاريخ مجيد جمع شتات المسلمين تحت راية الجهاد التي شقت الأرض دفعا وطلبا في مواجهة دول وممالك أوروبا الذين ورثوا راية الروم بعد سقوط القسطنطينية والتي تغير إسمها بعد فتحها إلي إسلامبول أي أرض الإسلام ثم إلي إسطنبول .
ولا شك أن أرطغرل الأب الذي تمرس وأجاد فنون الفروسية وشهدت له الأرض بمسيرة جهاد مبهرة وفتوحات مثيرة قد أورث إبنه عثمان أسرار النجاح والوصايا النيرة التي فعلت مفعولها في مستقبله كما ورثها من والده سليمان شاه الذي قضى نحبه غرقا أثناء عبوره نهر الفرات بِفرسه فأفلحت تربيته وبارك الله في نسله عقودا متوالية وبخصوص قبيلة أرطغرل قايي التركية يقال إنها تعود إلى يافث بن نبي الله نوح عليه السلام وكان قد دفعها تقدم المغول في أوائل القرن الثالث عشر الميلاديّ إلى النزوح غربا صوب الأناضول حيث سكنت في منطقة تابعة لسلطنة السلاجقة وحازت على دعم الدولة السلجوقية وسلطانها علاء الدين وهذه الدولة هي إحدى الدول الإسلامية التي قامت في بلاد الأناضول وإتخذت من مدينة قونيه التركية عاصمة لها وهي تقع في وسط جنوب الأناضول وكانت قد بلغت ذروة مجدها عندما إتخذها السلاجقة عاصمة لدولتهم وكانت هذه الدولة قد شكلت بدايةً الجناح الغربي من دولة السلاجقة العظام قبل أن تنفصل عنها وتصبح دولة قائمة بِحد ذاتها بعدما تفككت الدولة السلجوقية إلى عدة سلطنات وإمارات وأتابكيات وكان السلاجقة مسلمين سنيين من الناحيتين الدينية والمذهبية أما عرقيا فكانوا من الترك وأقطع السلطان علاء الدين أرطغرل مناطق كثيرة وأقطع عشيرته بعض الأراضي الخصبة قُرب أنقرة بعد أن حاز على ثقته بسبب شجاعته وحبه للغزو والقتال وصار لا يعتمد في حروبه مع مجاوريه إلا عليه وعلى رجاله وكان عقب كل إنتصار يحققه يقطعهُ أراضي جديدة ويمنحه أموالا جزيلة وظل أرطغرل حليفا للسلاجقة حتى أقطعه السلطان السلجوقي منطقة في أقصى الشمال الغربي من الأناضول على الحدود البيزنطية في المنطقة المعروفة بإسم إسكي شهر وهي تقع في منطقة مرمرة بتركيا حاليا على مرتفعٍ يسهل الدفاع عنه من جهة على الطريق الرئيسي الممتد من مدينة القسطنطينية عاصمة الدولة البيزنطية إلى مدينة قونيه عاصمة الدولة السلجوقية من جهة أُخرى وتكمن أهمية هذا المركز بفعل التجزئة السياسية لِلمنطقة التي أعطت الوحدات الصغيرة أهمية أكثر من ذي قبل وهناك بدأت العشيرة حياة جديدة ويبدو أن السلطان السلجوقي رغب في إستغلال مواهب العشيرة العسكرية والكفاءة القتالية العالية لأبنائها لحراسة الحدود مع الروم لذلك منح العشيرة تلك الأراضي لصد أي هجوم بيزنطي على بلاده وعلي بلاد المسلمين وظفر أرطغرل بلقب أوچ بكي أي محافظ الحدود وكان منح هذا اللقب يتمشى مع التقاليد التي درجت عليها الحكومة السلجوقية وهو منح أي رئيس عشيرة يعظم أمره ويلحق به عدد من العشائر الصغيرة لقب محافظ الحدود غير أن أرطغرل كان ذا طموحات وأطماعٍ سياسية بعيدة المدى فلم يقنع بهذه المنطقة التي أقطعه إياها السلطان السلجوقي ولا باللقب الذي ظفر به ولا بمهمة حراسة وحماية الحدود والمحافظة عليها ولذا فقد شرع يهاجم بإسم السلطان السلجوقي ممتلكات البيزنطيين في مناطق الأناضول فإنتزع منهم عدد من المدن والقرى والبلدات وإستطاع أن يوسع أراضيه خلال مدة نصف قرن من الزمان قضاها كأمير على مقاطعة حدودية .
وكانت وفاة أرطغرل بمرض النقرس عام 680 هجرية الموافق عام 1281م عن عمر يناهز التسعين عاما وخلفه إبنه عثمان والذى كان قد نشأ في المناخ السياسي والعسكرى الذى تحدثنا عنه في السطور السابقة نشأة فارس مسلم كما هي عادة فتيان قبائل الترك المرتحلة فأتقن فنون المصارعة والمبارزة بالسيف منذ صغره وإحترف ركوب الخيل والرمي بالنبال والصيد وبرزت مهاراته أمام أقرانه ورافق هذا الإعداد البدني إعداد روحي حيث تلقى عثمان تعليما إسلاميا من مشايخ الصوفية الذين تأثر بهم في زمانه وعلى رأسهم معلمه الشيخ إده بالي القرماني الذي تتلمذ على يده بتوجيه من والده وكان لهذا الشيخ إده بالي مكانة كبيرة لدى الأب أرطغرل وتتحدث الروايات التاريخية عن وصيته لإبنه عثمان بضرورة إحترام شيخه وملازمته والأخذ بنصائحه ومشورته وهي الوصية التي بقي جزء صغير منها مكتوبا عند قبر أرطغرل جاء فيه إنظر يا بني يمكنك أن تؤذيني ولكن لا تؤذ الشيخ إده بالي فهو النور لعشيرتنا ولا يخطئ ميزانه قدر درهم كن ضدي ولا تكن ضده فإنك لو كنت ضدي سأحزن وأتأذى أما لو كنت ضده فإن عينين تنظر إليك وإن نظرتا فلن ترياك إن كلماتي ليست من أجل الشيخ إده بالي بل هي من أجلك أنت ولتعتبر مقالتي هذه وصية لك وحين توفي أرطغرل بعد سيرة عظيمة حافلة بالفتوحات والإنتصارات كان قد أسس لقبيلته ولدولة السلاجقة مكانة قوية في المنطقة وورث هذه المكانة الكبيرة إبنه عثمان وهو في سن الرابعة والعشرين عاما على الأرجح نظرا لكفاءته وقدراته القيادية التي أظهرها خلال مرافقة أبيه في ساحات الجهاد والحروب والغزوات وأيضا من خلال مجالس القضاء والمشورات ومن ثم تسلم عثمان قيادة القبيلة وإستمر على نهج أبيه من أجل إستكمال رسالة السلطنة السلجوقية الرومية من أجل فتح الأراضي الرومية كافة وإدخالها ضمن الأراضي الإسلامية والخلافة العباسية وشجعه على ذلك حال الضعف الذي دب في جسم الإمبراطورية البيزنطية وأجهزتها حيث أتاح له ذلك سهولة التوسع بإتجاه غربي الأناضول وفي عبور مضيق الدردنيل إلى بلاد أوروبا الشرقية الجنوبية أكثر مما أتاح له الإلتفات نحو جيرانه المسلمين بالإضافة إلى إنهماك البيزنطيين في الحروب في أوروبا وحقق نجاحات مبهرة وكذلك فعل خلفاؤه فقد تابعوا الحملات التي بدأها عثمان إلى أواسط القرن السابع عشر الميلاديّ لتتحول الإمارة التي وضع أُساسها إلى إمبراطورية عالمية كبرى .
ومن بين الروايات لكيفية إستلام عثمان الحكم تلك التي تشير إلى إعجاب السلطان السلجوقي علاء الدين به وبشجاعته وفروسيته وإقدامه حتى قال عنه أنا أنتظر مثله منذ سنوات ثم نصبه زعيما على قبيلته خلفا لأبيه دون معارضة من أفرادها وبدوره قام عثمان بإثبات جدارته بتولي الحكم وأخلص الولاء للسلطنة السلجوقية الرومية على الرغم مما كانت تتخبط فيه من إضطراب وما كان يتهددها من أخطار فإنطلق في ميادين الجهاد والغزو والفتوحات فضم لدولة السلاجقة عام 688 هجرية الموافق عام 1289م قلعة قره جه حصار المعروفة بإسم القلعة السوداء أو أفيون قرجة حصار وبعد تمام فتح هذه القلعة سار عثمان بجنوده ناحية شمال صقاريا فأغار على قلعتيّ كوینوك وينيجه طاراقلي وعاد محملا بالغنائم وفي عام 1295م شرع عثمان بمهاجمة الثغور البيزنطية بإسم السلطان السلجوقي والخليفة العباسي ففتح عدة حصون وقاد عشيرته إلى سواحل بحر مرمرة والبحر الأسود فسر السلطان علاء الدين بهذا كثيرا ومنحه لقب بك وأقطعه جميع الأراضي التي فتحها وسمح له بضرب العملة ورفع إسمه في خطبة الجمعة وكان أئمة المساجد يذكرون على المنابر أولا إسم الخليفة العباسي في مصر ثم السلطان السلجوقي في قونيه وأخيرا إسم الأمير المحلي عثمان بك بن أرطغرل وفي عام 699 هجرية الموافق عام 1300م أغارت قطعان المغول التتار بطريقتها الوحشية على بلاد آسيا الصغرى وإحتلت مدينة قونيه عاصمة الدولة السلجوقية ففر سلطان السلاجقة علاء الدين من عاصمته ودخل بلاد الروم وتوفي فيها في نفس العام وقيل إنه قتل كما قتل أيضا إبنه غياث الدين وهو يواجه جحافل المغول وبذلك سقطت الدولة السلجوقية مما تسبب في حالة من الفوضى والهرج والمرج وفي هذه الأثناء كان عثمان هو الوجهة الأنسب لجنود الدولة السلجوقية الفارين من المغول بخبراتهم العسكرية فإحتضنهم عثمان وإزداد بهم قوة وهكذا بعد الدولة السلجوقية التي دام سلطانها لأكثر من قرنين من الزمان وإنتهت على يد المغول بدأ بزوغ الدولة العثمانية يلمع ليسد فراغها وكان عثمان قد أدرك مسبقا حساسية الظرف مع توالي هجمات المغول وأحسن قراءة المستقبل كما هي عادته فأعلن إستقلال أراضيه عن الدولة السلجوقية قبيل سقوطها وإتخذ من مدينة سكود أو سوجوت عاصمة لدولته وإلتفت حوله الجماهير لتصبح الدولة الواعدة في المنطقة وقد ترسخ هذا الوضع بعد سقوط الدولة السلجوقية رسميا ومما زاد من أهمية الإنجاز التاريخي لعثمان موقع دولته الذى كان يقع بالقرب من طريق الحرير الذي يربط المناطق الرومية في الغرب بالمناطق التي يسيطر عليها المغول في الشرق فإستفاد عثمان بشكل رائع من الخصائص الإستراتيجية والإقتصادية التي تميزت بها دولته وبكونها منطقة محاذية ومتاخمة للمناطق البيزنطية ومن ثم تحولت دولة عثمان إلي قبلة للمسلمين من التركمان الطامعين في الجهاد والغزو ونشر دين الإسلام وأيضا للدراويش وغيرهم كما إعتبرت ملاذا للفلاحين الفارين من بطش وعنف جحافل المغول .
وقبل أن نسترسل في أعمال وإنجازات عثمان بن أرطغرل نستعرض قصة زواجه فمما يذكر أن عثمان كان يبيت في تكية معلمه الشيخ إده بالي التي ترعرع في ظلها منذ صغره في رحلة طلبه للعلم وكان للشيخ إبنة إسمها مال خاتون بينما تذكرها روايات أخرى بإسم بالا خاتون أو بالا رابعة خاتون وما أن رآها عثمان حتى تعلق بها ورغب في الزواج منها لجمالها وصلاحها لكن معلمه رفض هذا الزواج وأصاب عثمان الحزن العميق لرفضه ومع ذلك أظهر الصبر والجلد ورفض الإقتران بغيرها حتى جاءه الفرج برؤيا رآها دفعت والدها للتراجع وقبول زواجهما مستبشرا وتقول الروايات التاريخية إن عثمان قص على معلمه رؤياه حيث رأى الهلال صعد من صدر شيخه إده بالي وبعد أن صار بدرا نزل في صدره أي في صدر عثمان ثم خرجت من صلبه شجرة كالسراي نمت في الحال حتى غطت العالم بظلها وإستقرت جبال ثلاثة تحتها وخرجت أنهار النيل ودجلة والفرات والدانوب من جذعها ورأى ورق هذه الشجرة كالسيوف والرماح يحولها الريح نحو مدينة القسطنطينية وتحت الأغصان وقف صبيان نصارى شقر وعلى رؤوسهم تل أبيض ينشدون الشهادة يتبعها عهد الولاء للسلطان وكان الخلق من حول هؤلاء الصبيان بلا عدد على شواطئ الأنهار وفي خلجانها يشربون ويزرعون ويصنعون الفساقي كما كانوا يتوالدون والخير يورف في ديارهم ولا يكف الصبيان عن الإستظلال بغصون الشجرة والإنشاد وقد سر الشيخ إده بالي كثيرا بهذه الرؤيا وأظهر تفاؤله الكبير بها وقبل بتزويج إبنته إلى تلميذه عثمان وبشره بأن أسرته ونسله سوف يحكمون العالم وقال له واصفا ما يكون عليه الحاكم الصالح عثمان الأول أيَ بني الآن أصبحت ملكا من الآن فصاعدا نحن نغتاظ وأنت تسعد لنا الشقاء وعليك الهناء لنا الإتهام وعليك الإحتمال نحن العاجزون الخطاؤون وأنت الصبور نحن المتقاتلون وأنتم العادلون نحن الحاسدون النمامون المفترون وأنتم المتسامحون أي بني من الآن فصاعدا نحن نتشرذم وأنت توحد نحن نتكاسل وأنت تنذر وتدفع أي بني الصبر الصبر فالزهرة لا تتفتح قبل أوانها إياك والنسيان إرع شعبك وستزدهر دولتك أي بني حملك ثقيل وشأنك عسير وسلطتك معلقة بشعرة أعانك رب العالمين ومما يذكر أن عثمان أمهر إبنة الشيخ إده بالي قرية في منطقة بيله جك حيث كان مقر التكية الخاصة بوالدها وكان زواجه منها في عام 1280م ومما يذكر أيضا بعض المؤرخين أنه قد تزوج من إمرأتين حيث كانت زوجته الأخرى إبنة الوزير السلجوقي عمر عبد العزيز بك وعموما فمن الصعب الجزم بشأن زوجة عثمان هل كانت واحدة أو إثنتين وقد أنجب عثمان عدد ثمانية أبناء سبعة ذكور وبنت واحدة وهم أورخان بك الذى خلفه بعد وفاته وإستمر علي نهجه في الجهاد ونشر دين الإسلام وباظارلي بك وچوبان بك وحميد بك وعلاء الدين باشا ومالك بك وصاووجي بك وفاطمة خاتون .
وقد أعقب محطة زواج عثمان بإبنة الشيخ إده بالي ظهور عثمان اللافت للنظر على الساحة السياسية وإكتسابه لوصف زعيم الجهاد في المنطقة وإعتبرها بعض المؤرخين بالخطوة السياسية البارعة إذ أن الشيخ إده بالي كان قائدا للفرقة البابائية المنسوبة إلى بابا إسحق الذي كان قد قاد ثورة ضد سلاجقة الروم منذ حوالي عام 1239م إلى أن قبض عليه وشنق عام 1241م وكان يملك نفوذا وتأثيرا كبيرين في المنطقة لكن براعة عثمان لم تتوقف عند حسن إختياره لصهره بل أيضا في علاقاته مع جيرانه وتحالفاته المدروسة وتمكنه ببراعة فائقة من الدمج بين التقاليد التركية والإسلامية والبيزنطية وكسب قلوب الناس بحسن معاملتهم وإقامة العدل بينهم ويذكر من هذه العلاقات علاقة عثمان مع جماعات الآخيين وهي من الجماعات المنظمة التي نشأت في الأناضول وإشتهر أعضاؤها بممارسة التجارة والعديد من الحرف ورفعوا شعار العدل ومنع الظلم وإتباع الشريعة الإسلامية والأخلاق الحميدة والتدخل عسكريا عند الحاجة له وكان من هذه العلاقات أيضا علاقة الصداقة بين عثمان وكوسه ميخائيل حاكم قرية هرمنكايا الرومي التي إستفاد منها عثمان كثيرا فيما بعد حيث تذكر الروايات التاريخية أن عثمان تلقى تحذيرا من كوسه ميخائيل بأن مؤامرة سرية أُحيكت ضده من قبل صاحبي قلعتي بيله جك ويار حصار لقتله أو أسره وكانا قد وجها له دعوة لحضور حفل زفاف ولديهما في القلعة الأولى وبعد أن علم عثمان بمكرهم أرسل أربعين فارسا من فُرسانه إلى الحفل متنكرين بأزياء النساء وفي رواية أخرى بأزياء مساكين وما أن دخل هؤلاء قلعة بيله جك حتى أشهروا السيوف وتمكنوا من أسر كافّة المدعوين بما فيهم العروسين وفتحوا القلعة وسيطروا عليها وتشير بعض الدراسات التاريخية إلى أن هذه الواقعة أُسرت فيها إبنة الحاكم البيزنطي تكفور وتدعى هولوفيرا فإصطفاها عثمان لإبنه وخليفته أورخان وأصبح إسمها نیلوفر خاتون وأنجبت أول إمرأة أجنبية في سلطان عثمان إبنا لأورخان أسموه مراد والذى خلف أباه أورخان ويقال أيضا إنها قد أنجبت له إبن آخر إسمه سليمان وفضلا عن ذلك كان من العلاقات الطيبة التي أرساها عثمان أيضا تحالفه مع القبائل التركمانية القادمة إلى الأناضول فإستفاد من نشاطهم وقوتهم حيث كان الكثير من هؤلاء التركمان محاربين محترفين شجعان وأشداء يتلهفون إلى الجهاد والغزو كما إستفاد عثمان من المتدينين منهم بأن عهد إلى شيوخهم ودراويشهم مهمة تربية من يفتقدون التربية الإسلامية السليمة وتعليمهم فرائض وتعليمات الدين الإسلامي وإشباعهم بالقيم التي تعظم من الجهاد والغزو والفتوحات لزيادة رقعة دار الإسلام .
وقد إتبع عثمان سياسة إستراتيجيةً بأن قام بتركيز فتوحاته على البيزنطيين مما أدى إلي إنتشار صيته في الأوساط الرومية وذلك إلي جانب إنتشار شعبيته في الأوساط الإسلامية وقد تحاشى عثمان أي صدام مع جيرانه من الإمارات المسلمة المجاورة لدولته مثل إمارات القرمان ومنتشا وصاروخان وغيرها رغم أنه كان يواجه تحديا كبيرا من هذه الإمارات المتفرقة المستبدة التي شغلتها الدنيا عن الجهاد ومقارعة الأعداء مما أطمع فيهم المغول والصليبيون وبدلا من أن يتحالفوا ويتحدوا مع عثمان وقفوا حجر عثرة أمام أي فرصة إتحاد وشكلوا بذلك عبئا ثقيلا على حركة الفتح الإسلامي ومع ذلك تمكن عثمان بسياسة تفادي قتالهم من جذب وتسخير جميع القوى المسلمة في حرب الروم وقد تجلت براعة وحنكة عثمان أيضا في إتباع سياسة لدولته الناشئة إستوحى نظامها من الدولة السلجوقية والسعي في تحقيق أهدافه بإرادة قوية وبعزيمة مبهرة ورؤية واضحة ويقول المؤرخ أحمد رفيق في موسوعته التاريخ العام الكبير كان عثمان متدينا للغاية وكان يعلم أن نشر دين الإسلام حول العالم واجب مقدس وكان يمتلك فكر سياسي واسع ومستنير ولم يكن تأسيسه لدولته حبا وطمعا في السلطة وإنما حبا في نشر دين الإسلام الحنيف وفي نفس الإطار يقول المؤرخ التركي المعاصر قادر مصر أوغلو لقد كان عثمان بن أرطغرل يؤمن إيمانا عميقا بأن وظيفته الوحيدة في الحياة هي الجهاد في سبيل الله من أجل إعلاء كلمة الله ولذا فقد كان مندفعا وتواقا علي الدوام بكل حواسه وما أوتي من قوة وجهد نحو تحقيق هذا الهدف العظيم وبإختصار فقد كانت أهداف عثمان سامية ونبيلة كما كانت سياسته بصيرة ونفسه مترفعة عن سفاسف ومتع الدنيا فمن الله عليه بالنجاح والتوفيق وإقامة دولة علية قادت الأمة الإسلامية لمدة 6 قرون واجهت خلالها العديد من المؤامرات والدسائس الخارجية والداخلية وتحالفات الدول الإستعمارية الكبرى ضدها وعلي رأسها روسيا وبريطانيا وفرنسا .
وقد سعى عثمان بعد فتحه قلعتي بيله جك ويار حصار إلى القضاء على صاحب إینه كول الذي حالف عامل قراجة حصار على العثمانيين سابقا كي يحول دون إبرام أي تحالف آخر بين بقايا الإمارات البيزنطية في الأناضول وقاد جيشه طورغود ألب فحاصر قلعة إینه كول ثم إلتحق عثمان به وتمكن من فتحها وتقول بعض المصادر التاريخية إن عثمان منح هذه القلعة إلى طورغود ألب ولذلك سميت البلدة فيما بعد طورغود تيمنا بأول أمير مسلم عليها ومن جانب آخر عاش عثمان حالة عداء قصوى مع المغول ويعتقد أن صراعه مع المغول والكرميانيين كان أشد في أوائل عهد دولته إلا أن عثمان سدد ضربات قاصمة للقوات المغولية في منطقته فجهز جيشا بقيادة إبنه أورخان وسيره لقتال المغول قبل تحالفهم مع النصارى فأوقع بهم هزيمة كبيرة شتتت شملهم وقتلت فكرة الإتحاد مع البيزنطيين في مهدها فأحبط بذلك مكر الروم ومخططاتهم ومن المهم الإشارة إلى أن عثمان بعد أن رتب بيته الداخلي وإستتب له الأمر ونال شرف الفتوحات المتتالية للحصون والبلدات أرسل إلى جميع أمراء الروم ببلاد آسيا الصغرى يخيرهم بين ثلاثة أُمور الإسلام أو الجزية أو الحرب فأسلم بعضهم وفي مقدمتهم صديقه كوسه ميخائيل والذي أصبح من خاصة عثمان وجاءت منه ذريته المشهورة في التاريخ العثماني بإسم عائلة ميخائيل أوغلو وقد إستجاب بعض الروم بدفع الخراج والجزية والبعض الآخر بالقتال وتبع ذلك تشكيل الأُمراء البيزنطيين في المناطق القريبة من الدولة العثمانية الناشئة في كل من بورصة ومادانوس وأدرهنوس وكته وكستله في عام 700 هجرية الموافق عام 1301م حلفا صليبيا لمحاربة عثمان والقضاء على دولته وحينها كان تخطيط عثمان للوصول إلى مدينة بورصة أكثر المدن الرومية تحصينا وأهمية في الأناضول واضحا كهدف من أهدافه الطموحة وفي ربيع عام 1302م زحف الإمبراطور البيزنطي ميخائيل التاسع برجاله حتى وصل جنوب منطقة مغنيسيا ببلاد اليونان وهو يعتزم الإشتباك مع العثمانيين وطردهم من مناطق التخوم لكن العثمانيين تجنبوا القتال المباشر مع البيزنطيين وأنهكوهم بالإغارة على البلدات والمواقع البيزنطية الصغيرة لينتزعوها الواحدة تلو الأُخرى حتى تمكنوا من تطويق الإمبراطور البيزنطي وعزلوه في مغنيسيا فتفكك جيشه دون قتال وإنسحب أغلب الروم عائدين إلى القسطنطينية وتجدر الإشارة هنا إلى أسلوب عثمان في القتال حيث كان يتعمد إنهاك عدوه ومحاصرة المدن والبلدات بشكل منفرد ليسيطر عليها بعد عزلها وإضعافها ثم بعد دخوله وضبط سيطرته عليها يقيم فيها العدل ويحسن معاملة سكانها مما يكسبه قبولا ورضا بحكمه من قبل السكان المحليين .
وقد دفعت تحركات الإمبراطور البيزنطي القرى والبلدات الإسلامية الحدودية إلى الإلتفاف أكثر حول عثمان خاصة بعد ما أظهره من قدرات قيادية وعسكرية عالية ومعاملات إسلامية وقيم راقية فتحولوا لدعامة قوية لدولة عثمان الأولى كما إلتحق بصفوف عثمان بعض القادة الروم الذين إختاروا العمل معه على أن يعودوا لبلادهم وكان قسم منهم من أسرى الحروب المعتقين وقسم آخر ممن إعتنقوا الإسلام حديثا ممن أعجبوا بأخلاق عثمان ومبادئه ومن ثم أقبلوا على إعتناق الدين الإسلامي ولم تقف جاذبية مشروع عثمان عند هذا الحد بل جذبت أيضا الكثير من الجماعات الإسلامية تحت لواء العثمانيين كجماعة غزاة الروم أو غزياروم بالتركية وهي جماعةٌ إسلاميةٌ كانت ترابط على حدود الإمبراطورية البيزنطية وتصد هجماتهم عن المسلمين منذُ عهد الخليفة العباسي المهدي بالله وقد أكسبتها هذه المرابَطة خبرات فائقة في حرب الروم ولا يمكننا أن ننسي أيضا النواة الأولى لعثمان وهم رفاق دربه من قادة جماعات الآخيين الفتيان الذين سارعوا إلى الإنضمام إليه وملازمته خلال مسيرته الجهادية ويذكر التاريخ منهم الغازي عبد الرحمٰن وآقچه خوجة وقونور ألب وطورغود ألب وحسن ألب وصالتوق ألب وآيكود ألب وآق تيمور وقره مرسل وقره تكين وصامصا چاويش والشيخ محمود وغيرهم من قادة الآخيين وقُدامى المحاربين الذين خاضوا الحروب والمعارك تحت قيادة عثمان كما كانوا أيضا تحت قيادة والده أرطغرل من قبل كما إنضم إلى صفوف عثمان أيضا جماعة حاجيات روم أي حجاج أرض الروم وهي جماعة معنية بالعلم الشرعي وتفقيه المسلمين بأمور الدين كما كان لها هدف آخر يتمثل في معاونة الجند المجاهدين خصوصا في القتال .
وبعدما فشلت تحركات الإمبراطور البيزنطي ميخائيل التاسع أعاد ولده الإمبراطور البيزنطي أندرونيقوس الثاني حشد جيوشه لِقتال المسلمين فأرسل سراياه بِقيادة جرجس موزالون فعبر بهم مضيق البوسفور حتى وصل سهل بافيوس على تخوم المدينة وتقابل الجمعان في السهل يوم 1 من شهر ذى الحجة عام 701 هـجرية الموافق يوم 27 يوليو عام 1302م وكان العثمانيون قد حشدوا جيشا بقيادة عثمان نفسه وسرعان ما إلتحم الجيشان وإنكسر الخط الأمامي البيزنطي وإنهزمت مقدمة الجيش فتراجع موزالون بجنوده وسجل عثمان إنتصارا حاسما وكان لهذه المعركة أثر بالغ في التاريخ الإسلامي عموما والعثماني خصوصا إذ إعتبر الكثير من المؤرخين أن النصر العثماني في هذا اليوم قد شكل الولادة الفعلية للدولة العثمانية نظرا لكونه قد منح الدولة العثمانية الناشئة خصائص وسمات الدولة المستقلَّة الفعلية القابلة للحياة والتي أثبتت لجيرانها إثباتا قاطعا أن جيوشها قادرة على الغزو وإلحاق الهزيمة بأكبر الأعداء والتصدي لهم كما أتاح هذا النصر لعثمان أن يسيطر بعد حين على مدينتي إزنيق ونيقية في أقصي شمال غرب الأناضول وهنا حول عثمان أنظاره نحو حدود دولته الجنوبيَّة بعد أن إستتب له الأمر شمالا ووصل إلى بحر مرمرة والبحر الأسود وهزم جيوش الإمبراطوريَّة البيزنطيَّة وإطمأن إلى عدم قدرتها على مقارعته قريبا فهاجم البلدات والقرى والحصون الرومية المحيطة بِمدينة يني شهر تمهيدا لفتحها فأرسل حملةً كبيرة إلى قلعة يوند حصار ففتحها وضمها إلى أملاكه ثُم إنقض على يني شهر ودخلها منتصرا وإتخذها قاعدة أو عاصمةً له مؤقتا وعمل على تحصينها وتقوية أسوارها ثم راح يرسل الحملات ضد القلاع والمدن البيزنطية القريبة ففتح قلاعا عدة منها لفكه وآق حصار وقوج حصار وحصن كته وحصن كبوه وحصن يكيجه طرا قلوا وحصن تكرر بيكاري وقلعة مرمرة جق وقلعة كوبري حصار ومما يذكر أن فتح القلاع سالفة الذكر رمى إلى ضرب حزام أمني على مدينة يني شهر حيث أحاطها عثمان بذلك بسلسلة محكمة من الحصون الأمامية لدرء أى خطر عنها كما فتح جزيرة كالوليمني الواقعة في بحر مرمرة على مقربة من خليج مودانيا الأمر الذي أدى إلى سيطرة العثمانيين على الطريق المائي الذي يربط بين مدينتي بورصة والقسطنطينية وعلاوة علي ذلك فقد إستولي العثمانيون علي قلعة تريكوكا الواقعة بين مدينتي بورصة وإزنيق والتي تشرف على طريق المواصلات بين هذه الأخيرة وإزميد وبذلك أطل العثمانيون على البوسفور ومن ثم أقلقت هذه الفتوحات صاحب بورصة البيزنطي فجمع قواته وتحالف مع أُمراء أترانوس ومادانوس وتكه وكستل وساروا للقاء عثمان وجيشه وإلتحم الجيشان معا في معركة سميت دينباز أو ديمباز إنتصر فيها العثمانيون وتمكنوا من فتح كستل ومادانوس وقُتل أميراهما في المعركة كما أُسر أمير كته وتضاربت الروايات حول مصيره فأشارت إحدى الروايات أنه أُعدم أمام قلعته فإستسلمت حاميتها للعثمانيين وفي المقابل أشارت روايةٌ أُخرى أنه فر من ساحة المعركة ولجأ إلى أولوباد فلحق به العثمانيون وضربوا الحصار عليها وأيقن أميرها أن لا قدرة له على قتال العثمانيين فإستسلم لهم وأبرم مع عثمان أول معاهدة عسكرية في تاريخ الدولة العثمانية سلم بموجبها القلعة بشرط ألا يمر من فوق الجسر الموجود أمام البلدة إلى داخلها أي عثماني مسلم فأجابه عثمان إلى طلبه.
وركز عثمان تحركاته العسكرية بعد ذلك في التوسع في إتجاهين أولهما إتجاه إلى الشمال حتى نهر سقاريه في إتجاه البحر الأسود وثانيهما إتجاه إلى الجنوب الغربي في إتجاه بحر مرمرة وقد تمكن من تحقيق أهدافه في كلا الإتجاهين بحلول عام 1308م حيث نجح في عزل آخر مدينة بيزنطية إستراتيجية في المنطقة وهي بورصة التي تقع أسفل جبل أوليمبس أو أولو طاغ وكانت بورصة محصنة تحصينا جيدا وتمكن البيزنطيون من الإستمرار في فتح طرق الإتصال الخاصة بهم مع البحر لتلقي إحتياجاتهم من الإمدادات من القسطنطينية مما مكنهم من الصمود طويلا بعد سقوط المناطق المحيطة ببورصة في أيدي العثمانيين ولكن سيطرة عثمان على مودانيا قطعت آخر إتصال بين بورصة والعالم الخارجي في عام 721 هجرية الموافق عام 1321م وإضطر المدافعون عنها لتقديم الجزية لعثمان لمدة 5 سنوات ثم إنتهي الأمر بسقوط المدينة في يوم 2 من شهر جمادى الأولي الموافق يوم 6 أبريل عام 1326م على يد الجيش العثماني الذي قاده أورخان بن عثمان خليفة أبيه في شؤون الحرب والسياسة والذي كان ينتظر خبر هذا الإنتصار بشغف كبير وهو على فراش المرض وإستسلم حاكم بورصة البيزنطي أفرينوس لجيش العثمانيين وسط حالة من الضعف الكبير الذي نخر في القصر البيزنطي المنهار وإعتنق الإسلام بعد ذلك بل ودخل في خدمة الجيش العثماني فمنحه عثمان لقب بك وأصبح من القادة العثمانيين البارزين ودخل معه عدد من القواد الذين أعجبوا بالإسلام ويأسوا من دائرة فشل الدولة البيزنطية التي أنهكها الصراع على العرش وقد سجل التاريخ لجوء المتصارعين على هذا العرش في القسطنطينية للعثمانيين طلبا للمساعدة مما أكسب الدولة العثمانية مكانة كبيرة في المنطقة وقد شكل فتح مدينة بورصة بعد صبر وجلد كبيرين من العثمانيين خطوة هامة لهم فقد توسعت أملاكهم فبعد أن كانت عبارة عن تخوم بدوية فقد أصبح لها حدود وسكان مستقرين وقدرات لتكوين جيش منظم يسمح بحماية الدولة العثمانية الناشئة وقيادة مزيد من الفتوحات والتوسعات مما مثل خطوة كبيرة نحو الإستقلالية والإكتفاء ومع فتح مدينة بورصة تم إختيارها لكي تكون عاصمة الدولة العثمانية وظلت هكذا حتي تم نقل العاصمة مرة أخرى إلي مدينة إدرنه في عام 1365م وذلك بعد أن تم فتحها في عهد السلطان العثماني مراد الأول ثالث السلاطين العثمانيين في عام 1362م والتي تقع علي الجانب الأوروبي من البوسفور في أقصي شمال غرب تركيا الحديثة قرب الحدود اليونانية والبلغارية وذلك قبل أن يتم نقل العاصمة للمرة الأخيرة إلي مدينة القسطنطينية عام 1453م علي يد السلطان محمد الثاني المعروف بمحمد الفاتح سابع السلاطين العثمانيين .
ومما لا شك فيه أنه كانت توجد عوامل أخرى في خارطة العالم الإسلامي ساعدت عثمان على بسط سلطانه وتجاوز تحديات كبرى كتحدي المغول فقد كان المسلمون في عصر المماليك يقودون معارك ضارية ضد المغول ويواصلون قتالهم منذ معركة عين جالوت الفاصلة بقيادة السلطان سيف الدين قطز والظاهر بيبرس وكان من المعارك التاريخية التي تسببت في إنهيار إمبراطورية المغول معركة مرج الصفر التي نشبت في يوم 2 من شهر رمضان عام 702 هجرية الموافق يوم 20 أبريل عام 1303م بالقرب من مدينة دمشق في الشام وكانت المعركة بين المماليك بقيادة السلطان المملوكي الناصر محمد بن قلاوون سلطان مصر والشام والمغول بقيادة قتلغ شاه نويان نائب وقائد محمود غازان إلخان أي سلطان مغول فارس وإنتهت المعركة بإنتصار المسلمين لتنتهي معها طموحات محمود غازان في السيطرة على الشام والتوسع في العالم الإسلامي حيث شهدت المرحلة بعدها ضعفا كبيرا للقوة الميدانية للمغول وبعد أن إستتب الأمر في يد عثمان بشكل كامل بعد نزوح قسم كبير من الروم عن ثغور آسيا الصغرى إلى القسطنطينية وما تبقى لهم من بلاد في قارة أوروبا بعد أن حسم أمرهم عثمان بتخييرهم بين البقاء والعيش في ظل دولته أو الإلتحاق بإخوانهم بينما بقي قسم آخر شكل شريحة كبيرة من رعايا الروم القاطنين في ظل الدولة العثمانية ووزع عثمان المناطق المفتوحة على أقاربه وقادة جيشه فأعطى إسكي شهر لِأخيه كندز بك وقراجة حصار لإبنه أورخان ويار حصار لحسن ألب وإینه كول لِطورغود ألب وأمام هذا المشهد من الضعف والهزيمة لجأ الإمبراطور البيزنطي أندرونيقوس الثاني إلى التحالف مع المغول الذين كانوا يسيطرون آنذاك على وسط وشرقي الأناضول أي علي المناطق التي تقع شرقي الدولة العثمانية الناشئة فأرسل إلى الإلخان محمود غازان يعرض عليه التقارب الأُسري بالزواج وقيام تحالف بين الدولتين الإلخانية المغولية والبيزنطية لكن كما أسلفنا حرمت هزيمة محمود غازان في مرج الصفر المغول من طموحاتهم التوسعية وتتحدث الروايات التاريخية عن مدى التأثير البالغ لهذه الهزيمة وحجم الهم والغم الذي وقع على قلبه حتى مرض وسال الدم من أنفه وأفرغ غضبه على قادة جيوشه فأعدم بعضهم وأذل البعض الآخر ولم يعش بعد ذلك طويلا حيث كانت وفاته في يوم 6 من شهر شوال عام 703 هجرية الموافق يوم 11 مايو عام 1304م وبموت محمود غازان مات معه أي أمل في تحالف مغولي بيزنطي لكنه من جانب آخر فتح الباب واسعا لطموحات وأحلام عثمان .
وبعد أن إستقرت الأمور للعثمانيين في عاصمتهم الجديدة بورصة شرع أورخان بن عثمان في تنظيم أحكامها وتحصين قلاعها ثم توجه بعد ذلك بالبشرى لوالده عثمان الذي كان طريح الفراش ولما دخل على والده وشاهده ينازع الموت إغرورقت عيناه بالدموع وخاطبه قائلا يا أعظم سلاطين البر والبحر كم قهرت أبطالا وإفتتحت بلدانًا ما لي أراك في هذه الحالة فأجاب عثمان لا تجزع يا بني هذا مصير الأولين والآخرين وإنني الآن أموت فرحا مسرورا لكونك تخلفني وتقوم مقامي بإدارة هذا الملك السامي ثم فاضت روحه بعد صراع مرير مع داء المفاصل أو النقرس إلى جانب الصرع الذي أُصيب به في سنواته الأخيرة وكان النقرس مرضا وراثيا في الأُسرة العثمانية وعانى منه الكثير من سلاطينها ولم يفت عثمان تنظيم أمور دولته من بعده حيث أوصى بالملك لإبنه الثاني أورخان لإمتلاكه مقومات الإمارة الفذّة على عكس أخيه الأكبر علاء الدين باشا الذي كان يميل أكثر للورع الديني والعزلة وقد إختلف المؤرخون في تحديد موعد وفاة عثمان فقيل إنه توفي في يوم 21 رمضان عام 726 هـجرية الموافق ليوم 21 أغسطس عام 1326م عن عمر يناهز السبعين عاما وقال المؤرخ العُثماني روحي چلبي الذي عاش خلال القرن الخامس عشر الميلادى ودون تاريخ الدولة العثمانية حتى عام 1481م في كتابه الشهير تواريخ آل عثمان إن وفاة السلطان عثمان غازي كانت عام 1320م وعموما فإنه من المؤكد أن وفاته كانت بعد فتح مدينة بورصة وبعد وفاة شيخه إده بالي بِثلاثة أو أربعة أشهر وبعد وفاة زوجته إبنة شيخه بشهرين ودفن عثمان في البداية في مدينة سوجوت أو سكود ثُم أمر إبنه أورخان بنقل رفاته منها إلى مدينة بورصة وذلك تنفيذا لوصية أبيه التي كتبها قبل مماته والتي قال فيها يا بني عندما أموت ضعني تحت تلك القبة الفضية في بورصة وقد دفن في بورصة بعد ذلك العديد من السلاطين العثمانيين وأقيمت لهم أضرحة بها منها غير ضريح السلطان عثمان غازى مؤسس الدولة العثمانية وأول السلاطين العثمانيين ضريح السلطان بايزيد الأول وضريح السلطان محمد الأول وضريح السلطان مراد الثاني وأسرهم وفي عهد السلطان عبد العزيز تم تجديد مقبرة السلطان عثمان غازى بمدينة بورصة بعد أن تهدمت بسبب زلزال شديد ضرب المدينة في عام 1855م ثم أمر السلطان عبد الحميد الثاني بعد ذلك في أواخر القرن التاسع عشر الميلادى ببناء مقام له في مدينة سكود حيث دفن للمرة الأولي .
وفي النهاية لا نملك سوى الترحم علي السلطان عثمان غازى وكلمة حق أخيرة نقولها في حقه فقد كانت سياسته المالية مبهرة فسمح له زهده بتقديم أفضل إدارة مالية سواء في الحرب أو في السلم وكان يعتبر الأموال والغنائم من حق الناس أجمعين وليست حكرا على الأُمراء ويذكر أنه في زيارة له مع قادة جيشه إلى سوق مدينة فتحوها لم يستطع تقبل فكرة أن الضريبة من حق البكوات وحدهم فرفض الحصول عليها على الرغم من أنها كانت تمثل دخلا كبيرا لدولته ورأى بدلًا من ذلك أن توزع على الناس بالحق ولا يأخذ منها البتة وكانت هذه الصفة إنعكاس لشخصيته التي تربت على التعاليم الإسلامية والعادات والتقاليد البدوية التي تجعل من الإيثار والجود والكرم صفة للفرسان النبلاء وهذا يدفعنا لذكر قصة يوم النهب في السادس من شهر مايو من كل عام وفيه كان يفتح زعيم القبيلة بيته للناس يأخذون منه ما يشاءون دون أن يخرج منه شيئا لنفسه وسمي هذا اليوم فتح بيت السيد أو نهب بيت السيد وكان عثمان يحرص على هذا التقليد طيلة حياته ولم يورث عثمان ورثته ذهبا ولا فضةً بل أورثهم سيفا ومجدا وهو سيفه الخاص الذي إشتهر بإسم سيف عثمان فورثه عنه إبنه أورخان ثم حفيده مراد الأول ليتوارثه السلاطين العثمانيون من بعده كتقليد في حفل تتويج السلاطين ومبايعتهم بالخِلافة في حفل كبير يقام عادة في جامع الصحابي أبي أيوب الأنصاري بمدينة إسطنبول على يد شيخ الإسلام في ذلك الزمان أو شريف قونيه وقد وصفه المؤرخ قُطب الدين النهروالي قائلا إن عثمان كان للسيف والضيف كثير الإِطعام فاتك الحسام كثير البذل واسع العطاء شجاعا مقداما على الأَعداء وعلاوة علي ما سبق كان زهد عثمان في حياته يظهر على ملبسه فلم يكن يرتدي إلا الملابس البسيطة وكان كثير الصدقة على الفقراء والمساكين وذكر أنه كان يتصدق بكل ما يقع في يده حتى بملابسه التي كان يهبها للفقراء كما فتح عثمان بيته ليضيف فيه الجميع دون تمييز بين غني وفقير أو بين مسلم ونصراني وبذلك فقد إستقطب الكثير من الروم الذين إعتنقوا الإسلام على يديه وتآلفت القلوب من حوله وساعدته سياسة حسن المعاملة مع غير المسلمين تحت ظل سلطانه في كسب تأييد الأهالي النصارى الذين ظلوا علي دينهم وحتى جنود الحاميات الذين لم يقفوا ضده فقد تولى عثمان رعاية الأرامل والأيتام الروم ومنحهم العطايا وغنائم غزواته كما كان يفعل مع أبناء قبيلته كما أنه أظهر رفقا بكبار السن وكان إذا وعد أوفى فعندما إشترط أمير قلعة أولوباد البيزنطية حين إستسلم للجيش العثماني ألا يمر من فوق الجسر أي عثماني مسلم إلى داخل القلعة إلتزم بذلك عثمان هو ومن جاء بعده فكانت سياساته بعيدة النظر سببا في إسلام عدد كبير من النصارى ولا شك أن تدين عثمان وإلتزامه بالشريعة الإسلامية كان عنوان مسيرته وقد ظهر ذلك مبكرا منذ بداية هذه المسيرة في طريقة تعامله مع الدولة السلجوقية فقد كان عثمان يرسل خمس غنائم الغزوات والمعارك إلى السلطان السلجوقي ويقسم الباقي على جنوده المحاربين فكسب محبتهم وفي المقابل إستياء السلطان وحين راجعه في ذلك رد عليه بأنه ينفذ أمر الله لا أمر السُلطان لأن هذا هو حكم شريعة الإسلام فرد عليه السلطان بِأن يفعل ما يشاء ولا يتجاوز أوامر الله .
|