بقلم المهندس/ طارق بدراوى
موسوعة كنوز “أم الدنيا”
السلطان محمود الأول هو السلطان العثماني الخامس والعشرون للدولة العثمانية وخليفة المسلمين التسعون والسابع عشر من آل عثمان الذين حملوا لقب أمير المؤمنين وهو إبن السلطان مصطفى الثاني بن محمد الرابع بن إبراهيم الأول بن أحمد الأول بن محمد الثالث بن مراد الثالث بن سليم الثاني بن سليمان القانوني بن سليم الأول بن بايزيد الثاني بن محمد الفاتح بن مراد الثاني بن محمد الأول جلبي بن بايزيد الأول بن مراد الأول بن أورخان غازي بن عثمان بن أرطغرل مؤسس الدولة العثمانية وهو شقيق السلطان عثمان الثالث والذى خلفه بعد وفاته وكانت مدة سلطنته قصيرة أقل من 3 سنوات وقد تولي السلطان محمود الأول السلطنة خلفا لعمه السلطان أحمد الثالث الذى تم خلعه بعد ثورة القوات الإنكشارية بزعامة المتمرد بترونا خليل في يوم أول أكتوبر عام 1730م ومن ثم فقد إستلم السلطان محمود الأول الحكم في ظروف شديدة التوتر حيث برز المتمرد بترونا خليل كقائد فعلي للدولة ومعه الطغمة التي قامت بالإنقلاب العسكرى ضد السلطان أحمد الثالث وكانت الأمور تدور آنذاك بشكل سريع للغاية ولم يستوعب حكام الولايات أو كبار قادة الجيش ما حدث وقد حدث كل ذلك والتهديد الصفوى للحدود الشرقية للدولة كبير وكانت هناك مخاوف من غزو مرتقب لچورچيا وأرمينيا أو حتى للأناضول نفسه من جانب الصفويين ويمكننا من أجل الدراسة الأكاديمية وحسن الإستيعاب للفترة الطويلة التي حكمها السلطان محمود الأول والتي بلغت 24 عاما أن نقسم هذه الفترة إلى ثلاث مراحل متساوية زمنيا تقريبا المرحلة الأولى وهي تسع سنوات من عام 1730م إلى عام 1739م وهي مرحلة صاخبة جدا حاربت فيها الدولة العثمانية ثلاث دول دون توقف هي الدولة الصفوية الشيعية وروسيا والنمسا والمرحلة الثانية وهي سبع سنوات من عام 1739م إلى عام 1746م وهي مرحلة هادئة نسبيا حاربت فيها الدولة العثمانيةُ الدولة الصفوية الشيعية فقط والمرحلة الثالثة والأخيرة ثماني سنوات من عام 1746م إلى عام 1754م وكانت هادئة تماما ولم تجر فيها أي حروب مطلقا .
وكان ميلاد السلطان محمود الأول في يوم 2 أغسطس عام 1696م في مدينة إدرنه ولما تعدى سن الطفولة درس السلطان على يد كبار العلماء في الدولة العثمانية من أمثال شيخ الإسلام فيض الله أرضروملي وهو أول من بايعه عند جلوسه علي عرش آل عثمان وكانت شخصية السلطان تتسم بالعقل والوقار والدقة والحذر وعلى قدر عال من الثقافة والخلق ويذكر المرادى أن السلطان محمود الأول قد أرسل بعد أن تولي السلطنة يطلب حضور معلمه فيض الله إلى العاصمة العثمانية إسطنبول فسار إلى أن وصلها فقابله السلطان بوافر الإنعام ومزيد الإحترام وإجتمع به عدة مرات وأعطاه أمرا سلطانيا بالإذن له بالحج بدلا عنه فحج بدلا عنه وبعد عودته هيأ له مكانا مناسبا للإقامة بإسطنبول وكان يجتمع به كثيرا ويستفتيه في الكثير من الأمور وقد تولي السلطان محمود الأول العرش في عام 1730م بعد خلع عمه السلطان أحمد الثالث بعد ثورة القوات الإنكشارية بزعامة المتمرد بترونا خليل الذى سيطر على الحكم في بداية فترة حكم السلطان محمود الأول والذى أصبح آنذاك بمثابة دمية يحركها المتمرد بترونا خليل والذى أصبح في الواقع هو الحاكم الحقيقي في البلاد وكان هذا المتمرد مغامرا جريئا ينحدر من أصل ألباني وكان قد تدرج في الوظائف الوضيعة حتى عمل نادلا في حمام ثم عمل جنديا عاديا وكان دائما من محركي حركات العصيان بين الجنود الإنكشارية وصار له نفوذ في الدولة لتأثيره على مواطنيه من الإنكشارية المنحدرين من أصل ألباني وهم الذين أطلقوا عليه لقب بترونا أي نائب الأدميرال فلما تم خلع السلطان أحمد الثالث وتنصيب السلطان محمود الأول ركب مع السلطان يوم تنصيبه ليحضر مراسيم تقليده سيف عثمان كما هي العادة وظن أن الأمور قد جرت على هواه فأخذ بإسم السلطان يعزل من يشاء ويعين من يشاء وكان وقحا يحضر أمام السلطان حافياً وبلباس الجندية العادى في تهديد مبطن للسلطان بأنه يمكنه خلعه كسلفه في أى وقت وكان أيضا من أعماله المستفزة أنه كان يقترض مبالغ مالية من جزار يوناني إسمه ياناكي لينفقه على تدبير الشغب وتحريك مثيري الإضطرابات وتجاوز كل حدود الوقاحة حين أراد أن يكافئ ياناكي فطلب من السلطان محمود تعيينه أميرا على مولدافيا وما كانت الدولة العثمانية لتقبل بمثل هذا الأفاك مسيطرا على أمورها وبخاصة أن تصرفاته الفجة الحمقاء قد أثارت عليه إستنكار العقلاء وحسد السفهاء وكذلك سخط عليه رؤساء الإنكشارية من غير الألبان كما أنه كنتيجة لتعدي جماعة بترونا خليل على أموال الناس وأعراضهم إنعدم الأمن في العاصمة إسطنبول .
وفي البداية لم يشأ السلطان محمود الأول أن يتهور فتنقلب عليه الأمور وعلى الدولة ولذلك هادن السلطان هذا المتمرد وصبر عليه وأشركه في الديوان ولكنه كان ينتظر الفرصة المواتية للتخلص منه لهذا أعرض السلطان عن الحديث في مسألة ما يرتكبه بترونا خليل من أعمال فجة مستفزة وتعامل مع الأمور بشكل طبيعي لعدة أسابيع حتى إطمأن بترونا خليل إلى نجاحه وتمكنه من السيطرة علي أمور الدولة وكان قادة الإنكشارية يحقدون عليه لبلوغه مكانة لا يستحقها ولكونه ضغط على السلطان لعزل رموز كبرى منهم وقام السلطان محمود الأول بعمل ترتيب سرى كبير للتخلص من هذا الكابوس وتعاون في هذا العمل مع الصدر الأعظم وخان القرم وقائد البحرية السابق بالإضافة إلى عدد من قادة الإنكشارية وفي يوم 25 نوفمبر عام 1730م وفي أثناء إجتماع للديوان وفي وجود السلطان قامت فرقة من الجيش بإغتيال بترونا خليل وإثنين من كبار مساعديه كان منهما الجزار اليوناني ياناكي وقامت عدة فرق في وقت متزامن بالقبض على أعوانه في المدينة والذين تراوحت أعدادهم بين عشرة آلاف وثلاثين ألفا وتم إعدام عدد كبير منهم وبذلك إجتث التمرد والمحرضون عليه من جذوره وظلت المتابعة لبقايا المشتبه فيهم في إسطنبول لمدة عامين تقريبا وتم إجلاء عدد كبير من الألبان من العاصمة وقد أدت هذه الإجراءات الصارمة إلى خمود الفتنة تماما وظل الحال هادئًا على المستوى الداخلي بقية فترة حكم السلطان محمود الأول كلها وبعد الخلاص من هذا الكابوس وجهت الدولة إهتمامها لمعالجة القلاقل القائمة علي حدودها الشرقية حيث كانت هناك مصيبة كبرى تنتظرها وهي مصيبة النمو المفاجئ للدولة الصفوية الشيعية وإستغلَّت الدولة العثمانية الشهور الأولى الشتوية من عام 1731م لإعداد جيش مناسب لحرب الدولة الصفوية ثم خدمتها الظروف السياسية خدمة كبيرة في صيف العام نفسه بتوفير فرصة حرب مناسبة وجيدة حيث هزم الأفغان شقيق القائد الصفوى نادر الإفشاري في مدينة مشهد في إقليم خراسان أقصى شرق الدولة الصفوية هزيمة كبيرة فإضطر نادر الإفشارى إلى أن يذهب لنجدة أخيه بالجيش الرئيسي للدولة الصفوية وإضطر أن يمكث مع شقيقه حوالي عام كامل وقد أدى هذا إلى تحقيق فائدتين للعثمانيين الأولى أن القائد نادر الإفشارى أوقف كل أعماله على الجبهة العثمانية مما أعطي الدولة العثمانية فرصة لإلتقاط الأنفاس والثانية أن الشاه الصفوي طهماسب الثاني شعر أن الأضواء كلها سلطت على نادر الإفشاري فأراد أن يقوم هو منفردا بعمل عسكرى كبير يعيد له هيبته كشاه للدولة الصفوية ورئيس للقائد نادر الإفشاري وجيشه ولما كانت خبرته قليلة فقد أوقع نفسه ودولته في أزمة كبيرة .
وكان تخطيط طهماسب الثاني أن يقوم بغزو أرمينيا لإستعادتها من الدولة العثمانية ولعله كان ينوى بعدها أن يغزو چورچيا كذلك فيعيد منفردا دون نادر الإفشاري إقليمين مهمين للصفويين ووصلت هذه الأخبار للدولة العثمانية فكانت فرصة لملاقاة الصفويين دون قائدهم القدير نادر الإفشارى ودون الجيش الصفوى الرئيسي ومن ثم أخرج العثمانيون جيشين لهذه المهمة جيش من إسطنبول عليه قائد موهوب هو حكيم أوغلو باشا إتجه إلى أرمينيا حيث طهماسب يحاول ضمها وجيش من بغداد عليه واليها القوي أحمد باشا إتجه إلى غرب إيران الخالية تماما من الجيوش الصفوية الموزعة الآن بين خراسان مع نادر الإفشارى وأرمينيا مع طهماسب وحقق الجيشان العثمانيان بدايةً من شهر يوليو عام 1731م وقبل نهاية العام نجاحا باهرا وملموسا حيث تمكن أحمد باشا من السيطرة على الأقاليم الغربية للدولة الصفوية فأخذ كرمنشاه وهمدان وفي الوقت نفسه إنتصر حكيم أوغلو باشا على طهماسب في أرمينيا وإسترد كل ما كان في يد العثمانيين سابقا من إقليم أذربيچان بل وإسترد كذلك مدينتي أورمية وتبريز المهمتين وهما في إيران الحالية وقطع طريق العودة بذلك على الشاه الصفوى الذى لم يدر ماذا يفعل ونظرا إلى عدم قدرة نادر الإفشارى على ترك خراسان إضطر الشاه إلى طلب السلام مع الدولة العثمانية والتي وافقت سريعا لضمان التنفيذ وهي في موقف القوة قبل عودة القائد نادر الإفشارى وبعد مفاوضات سريعة بين أحمد باشا والشاه وقعت معاهدة عرفت بمعاهدة أحمد باشا وذلك في يوم 10 يناير عام 1732م وفيها وافق الشاه الصفوى على إعادة كل الأراضي التي أخذها نادر الإفشاري العام المنصرم من الدولة العثمانية بإستثناء مدينة تبريز وبذلك مسحت هذه المعاهدة معظم ما حققه قائدهم العسكرى الفذ نادر الإفشاري وحقا كان النصر العثماني كبيرا لكنه كان مؤقتا فلقد عاد نادر الإفشارى غاضبا إلى أصفهان في شهر أغسطس عام 1732م بعد إسقاطه لمدينة مشهد ولم يكمل حملته التي كان ينوى القيام بها في بلاد الأفغان وفي ثورته العارمة لضياع كل ما أنجزه في عام 1730م ضد العثمانيين تم خلع الشاه طهماسب الثاني ووضع على عرش الدولة إبنه الرضيع عباس الثالث وكان يبلغ من العمر 8 شهور فقط وكان هذا يعني أن الحاكم الفعلي للبلاد صار القائد العسكري للجيش نادر الإفشارى ومن فوره أعلن هذا الأخير عدم موافقته على المعاهدة المبرمة مع العثمانيين وبدأ مباشرة في تجهيز جيش لحرب الدولة العثمانية مجددا .
وإختار نادر الإفشارى أن يكون الصدام مع العثمانيين على أرض العراق وتحديدا في بغداد حيث أنه كان يدرك الأهمية الكبرى لبغداد عند العثمانيين ويريد أن يأخذها ليقايض بها على چورچيا وأرمينيا كما أنه كان يعلم أن القوة التي بها كبيرة وإصابتها ستؤدى إلى نتائج مهمة فضلا عن رغبته في الإنتقام من واليها القوى الذي أوقع بهم الهزيمة في الولايات الغربية للدولة الصفوية والذى كان وراء عقد المعاهدة المهينة للصفويين ولم ينتظر نادر الإفشاري مرور الشتاء بل توجه فور إعداد الجيش إلى بغداد ووصلها وبدأ في حصارها في يوم 12 يناير عام 1733م وكان الجيش الصفوي يزيد على مائة ألف مقاتل بالإضافة إلى أعداد غفيرة من العامة والفلاحين الصفويين وصلت بهم بعض التقديرات إلى مائتي ألف غير الجيش مما يجعل إجمالي الجيش الصفوى حوالي ثلاثمائة ألف ولهذا لم يستطع أحمد باشا والي بغداد الخروج من المدينة ولكنه أبدى هو وجيشه مقاومة بطولية لمنع الصفويين من غزو المدينة وبنى الصفويون في خلال هذا الحصار حوالي ألفين وسبعمائة برج للحصار ولكن المدينة صمدت حتي جاء جيش الإنقاذ من إسطنبول في شهر يوليو عام 1733م أى بعد حوالي سبعة شهور من الحصار وكان هذا في الواقع وصول متأخر ولكنه كان قويا وكان الجيش العثماني يضم ثمانين ألف مقاتل تحت قيادة القائد القدير طوبال عثمان باشا والذى كان صدرا أعظم أسبق حيث كان قد تولى الصدارة العظمي لمدة ستة شهور من شهر سبتمبر عام 1731م إلى شهر مارس عام 1732م وعلى الرغم من أدائه الجيد في أثناء فترة ولايته وتحسينه للإقتصاد وتخفيضه للأسعار وتدعيمه لتسليح الجيش وتقويته للعلاقات العثمانية الفرنسية إلا أنه عزل دون سبب معلن ويبدو أن السلطان محمود الأول كان حريصا على كثرة تغيير المسئولين بشكل عام ليضمن عدم تضخم سلطة أحدهم وجدير بالذكر أن نعلم أن كلمة طوبال في التركية وهي لقب عثمان باشا تعني الأعرج حيث كان هذا العسكرى القدير والسياسي البارع أعرج حيث كان قد أصيب قديما في ساقه إصابة أعاقته بصورة دائمة ومع ذلك لم تمنعه إعاقته من التفوق البارز في قيادته للجيوش في أشد الميادين ضراوة ولا في إدارته للدولة في أصعب الظروف حيث ظل مع إعاقته شعلة من النشاط والحركة كما كان يتميز بحمية إسلامية واضحة وكان طوبال باشا قد إستدعي لهذه المهمة العسكرية الخطرة وعلى الرغم من أنه كان في السبعين من عمره فإنه كان يتحرك كشاب في العشرين من مره وبالطبع فقد علم نادر الإفشاري بقدوم الجيش العثماني فترك إثني عشر ألف جندي لمواصلة حصار بغداد وتوجه ببقية الجيش لملاقاته شمالا قبل وصوله إلي بغداد لئلا يحاصر بينه وبين قوات أحمد باشا.
وإلتقى الجيشان في سامراء على بعد مائة كيلو متر شمال بغداد حيث دارت أكثر الحروب دموية في تاريخ نادر الإفشارى وكانت المعركة بين العثمانيين والصفويين قد بدأت في الصباح الباكر ليوم 19 يوليو عام 1733م وكان التفوق في بدايتها للصفويين بل إنهم إستطاعوا أن يسيطروا على عدة مدافع للعثمانيين وبدا أن الأمر قد يتجه لكارثة عسكرية قد تحل بالعثمانيين ومع ذلك كان طوبال باشا رابط الجأش وإستطاع بعد إستدعاء عشرين ألف من قوات الإحتياط أن يقلب الوضع لصالحه ولم تأت الظهيرة إلا وكان التفوق لصالح العثمانيين وقد ظهرت في هذه المعركة البراعة العسكرية لطوبال باشا في إختياره لمواقعه الحربية التي جعلت جنوده يسيطرون على مياه نهر دجلة القريبة بينما حيل بين الصفويين والماء آخذين في الإعتبار أن الحرب تدور في أشد أوقات السنة حرارة كما أن المواقع التي إختارها طوبال باشا كانت تجعل إتجاه الريح في وجوه الجنود الصفويين مما أسهم في التأثير سلبا عليهم ولم يقبل أى من طرفي المعركة بوقف القتال بل إستمر القتال العنيف بينهما في ظروف صعبة للغاية وفي حملة شديدة للجيش العثماني سقط نادر الإفشاري من على جواده وسرت إشاعة في جيشه على خلاف الحقيقة أنه قتل وتفكك الجيش الصفوى عند سماع ذلك وفر في كل إتجاه ثم إنطلقوا هاربين إلى بلادهم وحقق العثمانيون إنتصارا ساحقا وفقد الصفويون في المعركة ثلاثين ألف جندى بينما فقد العثمانيون عشرين ألفا وكانت هذه هي المعركة الوحيدة التي هزم فيها نادر الإفشاري في كل تاريخه العسكرى والممتد من عام 1726م إلى عام 1747م أي لمدة إحدى وعشرين سنة وكانت أعظم نتائج هذه المعركة أن تم رفع الحصار عن بغداد فورا وتوجه طوبال عثمان باشا بجيشه إلى كركوك شمالا والتي نقع علي بعد مائة وأربعين كيلو متر من سامراء ولم يتوقع أحد قط عودة قريبةً لنادر الإفشاري نظرا إلى الهزيمة الثقيلة التي أصابته ونظرا أيضا إلى إقتراب حلول فصل الشتاء ولكن ففي الحقيقة لم تكن هذه الظنون مع هذا القائد في محلها حيث أنه تمكن من جمع جيشه مرة أخرى في غضون ثلاثة شهور فقط وعاد مسرعا إلى العراق ليباغت طوبال باشا وجيشه في كركوك بجيش قوامه مائة ألف مقاتل في الوقت الذي كانت قد وصلت تعزيزات للجيش العثماني جعلته هو الآخر في نفس عدد الجيش الصفوى ودارت موقعة مهولة بين الطرفين على مدار ثلاثة أيام من يوم 24 إلى يوم 26 أكتوبر عام 1733م لكن في هذه المرة كانت الغلبة لنادر الإفشارى وأدرك طوبال باشا أن الدائرة تدور على جيشه ونصحه بعض قادته بالإنسحاب إلى مدينة سامراء للنجاة على الأقل بنفسه لكن الشيخ الكبير والمقاتل الصلب أبى وإخترق الصفوف مع فرقة من جيشه آملا في تعويض الخسارة لكنه تلقي طلقتين ناريتين قاتلتين فسقط من فوق جواده في ميدان القتال شهيدا وأسرع أحد الجنود الصفويين بقطع رأسه وأوصلها إلى قائده نادر الإفشارى .
وبعد إستشهاد طوبال باشا تفرق الجيش العثماني وكانت الهزيمة كبيرة حيث فقد العثمانيون عشرين ألف شهيد بينما لم يفقد الصفويون في هذه المعركة عددا ذا بال وكان رد فعل نادر الإفشاري مع طوبال باشا عجيبا حيث أمر بجمع الرأس المقطوع مع الجسد وأعاده في مراسم تشريفية عظيمة إلى بغداد ليدفن هناك بمعرفة العثمانيين تقديرا للرجل الوحيد الذي إنتصر عليه في كل حياته وعلى الرغم من توقع الجميع لبغداد أن تسقط في يد الصفويين بعد هذه المعركة فإن إنقلابا داخليا في إقليمي فارس وخوزستان أرغم نادر الإفشارى على العودة بجيشه فورا إلى بلاده فحفظت بغداد وكأن الله قد أراد أن يحقق لطوبال باشا هدفه حتى بعد مماته وإستطاع نادر الإفشاري أن يسيطر على الإنقلاب الذى حدث في بلاده سريعا وفي عام 1734م وعام 1735م قام بحملة عسكرية ناجحة في إقليم القوقاز وهي الأرض الواقعة بين البحر الأسود وبحر قزوين وتشمل چورچيا أساسا وأجزاء من أرمينيا وأذربيچان فسيطر عليه بالكامل وبذلك لم يكتف بإسترداد ما إستولي عليه العثمانيون منذ عام 1723م بل تجاوز ذلك إلى الإستيلاء علي غرب چورچيا وغرب أرمينيا وكانا في أيدى العثمانيين قبل ذلك منذ توقيع معاهدة قصر شيرين عام 1639م في عهد السلطان مراد الرابع وحقق أيضا نادر الإفشاري نجاحا آخر في هذه الفترة إذ عقد مع الروس معاهدة صلح في يوم 10 مارس عام 1735م عرفت بإسم معاهدة جانجا وهي مدينة تقع في أذربيچان إسترد بمقتضاها كل الأراضي التي كان القيصر الروسي بطرس الأكبر قد إحتلها قبل ذلك ويشمل ذلك المدن المهمة في أذربيچان كباكو ودربند وكان العجيب آنذاك أن قامت روسيا بإعادة ما كانت قد إحتلته دون قتال حيث لم يكن واضحا للسياسيين في العالم آنذاك سر هذا الوئام الروسي الصفوى مع أن الحرب كانت دائرة على أشدها بينهم منذ سنوات ولكن الأحداث التاريخية التي تلت هذه الأحداث فسرت هذا التصالح حيث كان لكل طرف من المتعاهدين أجندة خاصة تتطلب سلاما على الجبهة الروسية الصفوية فالروس يريدون الغدر بالدولة العثمانية ونقض معاهدة إسطنبول المبرمة عام 1724م في عهد السلطان أحمد الثالث والملزمة بالسلم بينهما وذلك لإعادة الإستيلاء على ميناء آزوڤ علي البحر الأسود أما نادر الإفشارى فكان له طموحات في الهند الغنية وهي تقع علي الجبهة الشرقية للدولة الصفوية ويريد أن يتفرغ لفتحها ومن ثم يريد أولا تأمينا لجبهته الشمالية مع الروس وسيسعى كذلك إلى سلام مع العثمانيين لكي يؤمن جبهته الغربية ليتفرغ لمشروعه الهندي الكبير .
وبعد توقيع معاهدة جانجا المشار إليها في السطور السابقة بحوالي عام أى في عام 1736م تطور الأمر بصورة أكبر وأوضح ليكشف خطط كل فريقٍ للوصول إلى هدفه الإستراتيجي ففي الدولة الصفوية وفي يوم 8 مارس عام 1736م خلع نادر الإفشاري الطفل عباس الثالث الصفوى وأعلن نفسه وللمرة الأولى شاها على الدولة الصفوية وملحقاتها من الأقطار التابعة وصار من يومها معروفا بنادر شاه وهو الإسم الأشهر له في كتب التاريخ وكانت هذه بداية تأسيس الدولة الإفشارية التي ستستمر ستين عاما من عام 1736م إلى عام 1796م وستصل في عهد المؤسس نادر شاه إلى أقصى إتساع وصلت إليه إمبراطورية علي الأراضي الإيرانية الحالية منذ زمن الإمبراطورية الفارسية الساسانية وكانت هذه أيضا هي النهاية الرسمية للسلالة الصفوية كحكام لإيران بعد أن إستمرت أكثر من قرنين كاملين ولم يكن ذهاب الصفويين يعني إنتهاء عداء الإيرانيين الشيعة للدولة العثمانية السنية إنما كان يعني فقط تبدل حامل راية العداء فالآن يريد نادر شاه إستكمال مشروعه الإستراتيجي في زعامة العالم الإسلامي والتوجه إلى ضم أفغانستان والهند المسلمتين ولكن لن يتم هذا إلا بتسكين الجبهة العثمانية وكيف سيتم هذا فهنا يأتي دور روسيا وفي شهر مايو عام 1736م وبعد شهرين فقط من إعلان قيام الدولة الإفشارية في إيران تقدمت القوات الروسية فجأة في إتجاه القرم للقيام بعمليات عسكرية ضد الدولة العثمانية وفوجئ العثمانيون بالهجوم الغادر وصار صعبا عليهم تجهيز جيوش للوقوف على جبهتين قويتين الروس والإفشاريين وهنا تقدم نادر شاه بطلب التفاوض الدبلوماسي مع الدولة العثمانية فقوبل الطلب بالترحيب نظرا إلى حساسية الموقف وعقدت معاهدة الصلح بين الفريقين في يوم 24 سبتمبر عام 1736م وعرفت بمعاهدة إسطنبول وكانت هذه المعاهدة مؤسفة للدولة العثمانية حيث كانت راغبة بشكل كبير في تسكين جانب نادر شاه للتفرغ للروس فقبلت بتسليمه كامل القوقاز والإعتراف به شاها على إيران وهكذا إعترفت الدولة العثمانية بملكية الإفشاريين لكامل چورچيا وأرمينيا وأذربيچان علما بأن هذه الأقطار كلها كانت في يد نادر شاه منذ عام 1735م ولكنه كان يريد الإعتراف بذلك في مقابل السلام وهكذا كانت الأمور تسير بين الدولة العثمانية وإيران على مدار قرون ثلاثة منذ نشأة الدولة الصفوية عام 1501م وإلى نهاية القرن الثامن عشر الميلادى فكان الطرفان يتبادلان الأقطار الضعيفة نفسها التي تفصل بينهما فمثلا كانت مع العثمانيين وأخذها نادر شاه في عام 1730م ثم عادت للعثمانيين في عام 1731م ثم أخذها نادر شاه في عام 1734م وعام 1735م وبعد قليل ستعود مرة أخرى للعثمانيين وفي الحقيقة لم يكن هناك أى معنى للحروب بين العثمانيين والإيرانيين وبعد هذا النهر الجاري من الدماء والسنوات المتعاقبة من الحرب والعداء ظلت الحدود حتى الآن كما هي قبل أول لحظات الصدام بينهما وعموما فبعد توقيع معاهدة إسطنبول المشار إليها أصبح العثمانيون متفرغين لحرب الروس .
وقبل أن نستعرض الحرب العثمانية الروسية التي وقعت بين الدولتين ما بين عام 1736م وعام 1739م نعود إلي الخلف قليلا ففي الفترة بين عام 1733م وعام 1735م دارت في بولندا حرب كبيرة للتنازع على الخلافة بعد موت الملك أوجست الثاني وإشتركت روسيا وكثير من الأقطار الأوروبية الطموحة في السيطرة على بولندا في هذه الحرب وعلى الرغم من خسارة الحزب الذي تنتمي إليه روسيا فإنها خرجت فائزة دبلوماسيا بالسيطرة السياسية على مناطق لاتفيا وليتوانيا التابعتين لبولندا وهذا زاد من قوتها وأرادت روسيا تعزيز ذلك بالوصول إلى المياه الدافئة في البحر الأسود وتجددت طموحاتها في إحتلال ميناء آزوڤ العثماني الذى يقع علي البحر المذكور لذا عقدت معاهدة السلام مع نادر شاه في شهر مارس عام 1736م كما أسلفنا ثم إقتحمت الحدود العثمانية في شبه جزيرة القرم في شهر مايو من العام نفسه وكانت خطوات الروس سريعة حيث إستغلوا إنشغال الدولة العثمانية بإيران وإعتمدوا على إطمئنان العثمانيين تجاههم نتيجة المعاهدة السلمية بينهما ومن ثم إحتلوا عاصمة تتار القرم وأهم مدنهم باخشي سراى في يوم 17 يونيو عام 1736م وبعدها بيومين إحتلوا ميناء آزوڤ وواجهت القوات الروسية مقاومةً عنيفة من تتار القرم لكن لم تتمكن القوات العثمانية في المشاركة في الحرب لإنشغالها بإيران وهذا ما دفعها لعقد معاهدة سلام مع نادر شاه بشروطه المجحفة في شهر سبتمبر عام 1736م وعلى الرغم من عدم مشاركة الجيش العثماني الرئيسي في مقاومة الروس فإنهم إضطروا للإنسحاب ليس فقط للمقاومة التترية ولكن لتفشي الطاعون والمجاعة في الجيش وفقد الروس في هذه الحملة ثلاثين ألف جندى منهم ألفين فقط نتيجة القتال والبقية من الأمراض ومع ذلك ظلت آزوڤ في أيديهم وإن كان الوضع ينذر بكارثة عسكرية لهم عندما يمر الشتاء ويتجهز العثمانيون لحربهم بعد أن أَمنوا جانب نادر شاه خاصة أن هذا الأخير صار مشغولا تماما بالشرق الهندى وهذا الوضع دفع روسيا إلى التواصل مع النمسا من أجل عمل عسكرى مشترك ضد الدولة العثمانية ووجدت روسيا إستجابة من الإمبراطور النمساوي تشارلز السادس وعقدت بين الدولتين معاهدة تحالف في يوم 9 يناير عام 1737م وبعدها بشهور قليلة قامت الحرب النمساوية العثمانية متزامنة مع الحرب الروسية العثمانية .
وستواجه الدولة العثمانية في هذه الحرب إمبراطوريتين كبيرتين في آن واحد أولهما روسيا الطموحة التي تريد أن تثبت أقدامها عالميا خاصة بعد إنتصاراتها التي حققتها منذ سنوات على السويد ومكاسبها الدبلوماسية التي حققتها من حرب الخلافة البولندية ونجاحها في عام 1736م في إحتلال ميناء آزوڤ وثانيهما النمسا الجريحة التي فقدت في حرب الخلافة البولندية عدة ممتلكات في قارة أوروبا في الأراضي المنخفضة وإيطاليا وتريد أن تعوض خسائرها على حساب الدولة العثمانية مستغلة سوء حالتها بشكل عام في السنوات السبع الماضية أى منذ ولاية السلطان محمود الأول في عام 1730م وكانت محصلة الدولة العثمانية حتى الآن بعد حروب الغزو والدفع مع إيران وروسيا تشمل في المجمل خسارتها لأرض تتمثل في أقطار أرمينيا وچورچيا وأذربيچان وميناء آزوڤ فضلا عن خسائر الماء والسلاح والرجال وكان المتوقع وقوع خسائر جديدة قد تكون أفدح لكن ليس المتوقع دائما هو الذى يحدث في عالم السياسة والحرب فدخول النمسا في الحرب ويا للعجب قلب الأوضاع لصالح الدولة العثمانية ورب ضارة نافعة حيث حدث أن إتفقت روسيا والنمسا على الهجوم المتزامن على الدولة العثمانية في شهر يوليو عام 1737م وكان الهجوم من أربع جبهات مختلفة الأولى ستتولاها روسيا وستكون في شبه جزيرة القرم والثلاث الأخريات ستتولاها النمسا وستكون في صربيا والبوسنة والأفلاق وفي بداية الأمر حققت القوات الروسية والنمساوية شيئا من النجاح لكن سرعان ما إنقلب الأمر لصالح الدولة العثمانية حيث إحتلت روسيا قلعتي أوتشاكوڤ وكاراسوبازار في القرم ولكن سرعان ما إنتشر الطاعون في جيشهم فضلا عن المقاومة العنيفة من التتار فإنسحبوا دون نتيجة تذكر اللهم الخسائر وكان الوضع علي القوات النمساوية أصعب فعلى الجبهة الصربية تمكنت النمسا من إحتلال مدينة نيش الصربية في يوم 27 يوليو عام 1737م لكن الجيش العثماني إستردها في أقل من ثلاثة شهور في يوم 20 أكتوبر عام 1737م بعدها إنطلق الجيش العثماني شمالا ليحرر ڤيدين وسمندرية الواقعتين في يد النمسا منذ عام 1717م في أعقاب سقوط بلجراد آنذاك في عهد السلطان أحمد الثالث وعلى الجبهة البوسنية كان الوضع مشابها فقد هاجم جيش النمسا أماكن عديدة في شمال البوسنة لكنه تعرض لمقاومة عنيفة وجدير بالذكر أن المقاومة الشعبية من أهل البوسنة المسلمين مثلت جانبا كبيرا من النجاح في هذه المعارك بل تذكر كثير من المراجع المشاهد البطولية من المرأة البوسنية في هذه المقاومة جنبا إلي جنب مع الرجال وكانت أشهر معارك البوسنة تلك التي وقعت بالقرب من مدينة بانيا لوكا في يوم 4 أغسطس عام 1737م وفيها حقق الجيش العثماني بقيادة والي البوسنة حكيم أوغلو باشا وهو صدر أعظم سابق وبمساعدة جدية من البوسنيين إنتصارا حاسما على النمسا وكان لهذا النصر الفضل والأثر الكبير في حفظ البوسنة بل أيضا تحرير شمال البوسنة المحتل منذ عام 1717م وقد شهدت الجبهة الأفلاقية الرومانية النتائج نفسها حيث هزم الجيش النمساوى في كل معاركه هناك وبالتالي إنسحب دون أدنى نتيجة وهكذا كان عام 1737م على عكس المتوقع سعيدا على الدولة العثمانية تعيسا على دولتي النمسا وروسيا .
وفي العام التالي 1738م توقفت العمليات العسكرية بين العثمانيين من جهة وبين الروس والنمساويين من جهة أخرى نظرا لإنتشار مرض الطاعون في مناطق عديدة في قارة أوروبا وبحلول صيف عام 1739م إستؤنف القتال وكانت النمسا تريد تعويض خسائرها وحفظ هيبتها فأرسلت جيشها الرئيسي إلى صربيا لتأمين بلجراد وإلتقى الجيشان العثماني والنمساوي عند مدينة جروكا والتي تبعد بمسافة حوالي عشرين كيلو مترا فقط من جنوب شرق بلجراد على مدار يوم 21 ويوم 22 يوليو عام 1739م ودارت موقعةٌ شرسةٌ بين الطرفين حقق فيها الجيش العثماني نصرا حاسما وفي يوم 23 يوليو عام 1739م إنسحب الجيش النمساوى إلى بلجراد نفسها ليدعم حاميتها ولم يتردد الجيش العثماني بل تقدم مباشرة صوب بلجراد ومن ثم ضرب الحصار عليها وكان الصدر الأعظم عوض محمد باشا على قيادة الجيش العثماني ولحقت به بعد قليل القوات العثمانية في البوسنة تحت قيادة حكيم أوغلو باشا وتم ضرب الحصار المحكم حول المدينة بداية من يوم 26 يوليو عام 1739م وفي هذه الأثناء كانت قوات روسية تتقدم في البغدان وتمكنت من إحتلال بعض المدن في الشمال لكن أوقفها الجيش العثماني هناك عند نهر بروت وفي صربيا أدركت النمسا أن سقوط بلجراد في أيدى العثمانيين صار مسألة وقت بل شعرت أن الحرب لو إستمرت للعام القادم فإنها قد تفقد إقليم تيميشوار كذلك في شمال نهر الدانوب لذا سارعت بطلب عقد مفاوضات سلام مع الدولة العثمانية وذلك في شهر أغسطس عام 1739م وتذكر المصادر أن الصدر الأعظم السابق محمد يكن باشا إقترح آنذاك على الديوان العثماني إكمال الحرب حيث كان واضحا أن النمساويين مهزومون في كافة الجبهات وأن الفرصة مواتية ليس فقط لإسترداد بلجراد ولكن لعبور نهر الدانوب وإسترداد المجر بكاملها وذلك فضلا عن أنه كان الوضع السياسي الذي تعيشه النمسا في هذه السنوات بعد خسائرها في حرب الخلافة البولندية سيئا للغاية وذلك إلي جانب أن النمسا كانت مقبلة علي أزمة قريبة في حال موت إمبراطورها تشارلز السادس حيث أنه لم ينجب ذكورا وبالتالي لم يكن له وريث ذكر للعرش وقد يترك دولته الكبرى لإبنته الوحيدة ماريا تيريزا ولا يخفى على أحد حجم المشكلات التي يمكن أن تقابل النمسا في هذه الظروف وفي الحقيقة كانت الدولة العثمانية تحتاج إلى قرار جرئ يمكنها من إستغلال الفرص المتاحة أمامها لكنها للأسف كانت تعاني من مرض فقد الطموح والذي أثر على رؤيتها الإستراتيجية فصارت تقنع بالإنتصارات الكبيرة مثل إسترداد بلجراد ولا تبحث عن الإنتصارات المجيدة مثل إسترداد المجر وهذا الموقف يشبه إلي حد كبير ما حدث في عام 1711م في عهد السلطان أحمد الثالث عندما قنع الصدر الأعظم محمد باشا البلطجي بإسترداد آزوڤ من الروس مضيعا فرصة فتح روسيا بكاملها .
وقبلت الدولة العثمانية الجلوس على طاولة المفاوضات مع النمسا والتي كانت عسيرة للغاية وكانت النمسا موافقة على تسليم الدولة العثمانية كل ما هو جنوب نهر الدانوب من صربيا وكذلك شمال البوسنة على أن تحتفظ ببلجراد بينما كان العثمانيون مصرين على ضم بلجراد خاصة أنهم كانوا يحاصرونها بشكل كامل وسقوطها في أيديهم متوقع في أى لحظة وكادت المفاوضات أن تنهار فإضطرت النمسا إلى توسيط السفير الفرنسي لدى الدولة العثمانية مسيو لويس سوڤير وكانت النمسا تعلم أن فرنسا لن تقف إلى جوارها فهي عدوها التقليدى ومع ذلك رغبت في وساطتها لتضمن السلام أما فرنسا فكانت ترغب في الوقوف إلى جوار الدولة العثمانية كيدا في النمساويين من جانب وتوقيفا لتمدد الروس في البغدان من جانب آخر ورغبة في إستمرار العلاقات التجارية مع العثمانيين من جانب ثالث ولم تكن فرنسا صديقا وفيا للعثمانيين إنما كانت مصلحتها في هذا الموقف ويوم أن تتبدل المصالح ستغير فرنسا صداقاتها بسهولة ومع فهم معظم المؤرخين الأوروبيين لهذه السياسة الفرنسية إلا أن فرنسا لم تسلم من إنتقاداتهم لوقوفها إلى جوار العثمانيين على حساب النمسا وروسيا وضغط السفير الفرنسي على النمسا لتقبل بتسليم بلجراد للدولة العثمانية ورفضت النمسا في البداية ولكن بعد الضغط قبلت أن تتنازل عنها ولكن بعد تدمير كل حصونها وقلاعها ورفضت الدولة العثمانية هذا الطرح وإنسحبت من المفاوضات مهددة باللجوء للحل العسكرى فإقترح السفير الفرنسي حلا وسطا بأن تقوم النمسا بتدمير القلاع والتحصينات التي قامت هي ببنائها في خلال الاثنين والعشرين عاما التي كانت تحتل فيها المدينة أي منذ عام 1717م بينما تبقي علي قلاع وتحصينات العثمانيين القديمة والتي بنيت قبل عام 1717م ووافق الطرفان على هذا الإقتراح وهكذا كانت تلك المفاوضات في غاية التعقيد ولقد كتب المؤرخ والمعمارى الفرنسي الشهير مارك أنتوني لوچيه كتابا يزيد على عدد 400 صفحة يشرح فيه التفاصيل المكثفة التي ناقشتها هذه المفاوضات وكان كتابه معتمدا على مذكرات السفير الفرنسي لويس سوڤير ولقد كتب لوچيه في مقدمة كتابه يصف هذه المعاهدة بأنها واحدة من أعظم الأحداث في هذا العصر كله وقد عرفت هذه المعاهدة بمعاهدة بلجراد وتم توقيعها في يوم 18 سبتمبر عام 1739م ودمرت النمسا قلاعها وتحصيناتها الحديثة في بلجراد ووضعت الحرب أوزارها بين الطرفين بموجب هذه المعاهدة لمدة 24 عاما أى حتي عام 1763م في عهد السلطان مصطفي الثالث .
وكانت هذه المعاهدة بمثابة معاهدة رد الإعتبار للدولة العثمانية حيث إسترجعت بها الدولة كل ما فقدته في معاهدة باساروڤيتز التي وقعت في عهد السلطان أحمد الثالث في عام 1718م بإستثناء إقليم تيميشوار المجرى وعلى الرغم من إمكانية الحصول على أكثر من ذلك في هذه الظروف فإن المعاهدة في نهاية الأمر كانت رائعة للدولة العثمانية وحفظت لها هيبتها بلا مبالغة لعدة عقود هذا ولم توقع روسيا على هذه المعاهدة حيث إتفقت النمسا منفردة مع الدولة العثمانية بحثا عن مصلحتها وباعت حليفتها روسيا بلا ثمن ومن ثم وجدت روسيا نفسها وحيدة وسوف تتوجه إليها كل الجيوش العثمانية المنتصرة في صربيا والبوسنة والأفلاق بعد أن حل السلام مع النمسا بموجب المعاهدة المشار إليها في السطور السابقة بل قد تتوجه إليها جيوش العراق والأناضول أيضا بعد غياب نادر شاه في الهند وأيضا فقد وردت الأنباء بإحتمال غزو سويدي مرتقب لروسيا أو بولندا كما ترامت الإشاعات بإحتمال تحالف قريب بين الدولة العثمانية وبين كل من السويد وبروسيا وبولندا وقد دفع هذا كله روسيا إلى أن تتنازل عن كبريائها كما فعلت النمسا وتطلب السلام مع العثمانيين وقبلت الدولة العثمانية هذا الطلب وعقدت معاهدة نيش بين الدولتين في يوم 3 أكتوبر عام 1739م بعد أسبوعين فقط من معاهدة بلجراد وفي هذه المعاهدة وافقت روسيا على الإنسحاب من البغدان التي دخلتها منذ شهرين ووافقت على عدم المطالبة لاحقا بشبه جزيرة القرم ومع ذلك فقد سمح لها ببناء ميناء في آزوڤ ولكن مع تدمير كل التحصينات والقلاع هناك فيصبح ذا قيمة تجارية فقط كما أكدت المعاهدة على عدم السماح للسفن الروسية بدخول البحر الأسود إلا تحت أعلام عثمانية وهكذا أغلقت هاتان المعاهدتان صفحة المرحلة الأولى من فترة حكم السلطان محمود الأول بطريقة جيدة حيث هدأت الجبهة النمساوية بمعاهدة بلجراد وكما هدأت الجبهة النمساوية هدأت أيضا الجبهة الروسية بمعاهدة نيش مدة تسعة وعشرين سنة أي حتي عام 1768م في عهد السلطان مصطفي الثالث أيضا .
|