الأربعاء, 29 أبريل 2026

abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
الرئيسية
بانوراما
فرعونيات
بلاد وشركات
الحدث السياحي
سحر الشرق
سياحة وإستشفاء
أم الدنيا
حج وعمرة
أعمدة ثابتة
درجات الحرارة
اسعار العملات
abou-alhool

السلطان محمود الأول
-ج2-

السلطان محمود الأول
-ج2-
عدد : 11-2022
بقلم المهندس/ طارق بدراوى
موسوعة كنوز “أم الدنيا”


وبعد الصخب الزائد الذي ميز السنوات التسعة الأولى في عهد السلطان محمود الأول شهدت السنوات السبع التالية هدوء نسبي ومن ثم إلتفتت البلاد إلى إصلاح آثار الحروب الطاحنة التي خاضتها الدولة وتحسين الإقتصاد ففي عام 1740م عقدت الدولة إتفاقية دفاع مشترك مع السويد وجددت الإمتيازات التجارية لفرنسا وفي يوم 20 أكتوبر عام 1740م مات الإمبراطور النمساوي تشارلز السادس تاركا إبنته الوحيدة ماريا تيريزا التي ورثت عرشه وإنقسمت دول أوروبا حول مسألة ولاية إمرأة على عرش الدولة الرومانية المقدسة ومن ثم قامت حرب كبرى هي حرب الخلافة النمساوية شغلت أوروبا كلها ثمانية أعوام من عام 1740م حتي عام 1748م وأضاف ذلك مزيد من الهدوء إلى الدولة العثمانية فم يكن هناك خطر يتهددها من الجانب الأوروبي وكان الخطر الوحيد الذى من المحتمل أن يهددها هو من جانب نادر شاه من ناحية حدودها الشرقية وعموما لم تشهد هذه المرحلة كلها إلا حدثين مهمين الأول الحرب الإفشارية العثمانية والثاني بداية قيام الدولة السعودية الأولي وبالنسبة للحرب الإفشارية فقد كان نادر شاه قد حقق نجاحا غير مسبوق في حملته الشرقية على بلاد الأفغان والهند والتي قام بها في عام 1738م وعام 1739م ففي هذه الحملة ضم أقطارا بالجملة إلى دولته وكانت المساحات التي فتحها في هذه الحملة تشمل أفغانستان وباكستان وشمال الهند وإستطاع أن ينتصر خلالها في معارك عظمى على جيوش ضخمة سواء من الأفغان أو من مغول الهند ويكفي أنه إنتصر بجيش قوامه 55 ألف جندى فقط في موقعة كارنال شمال الهند في شهر فبراير عام 1739م على محمد شاه إمبراطور مغول الهند وهو يقود جيش قوامه 300 ألف جندي وعاد من حملة الهند بغنائم مهولة دفعته لوقف جمع الضرائب من الإيرانيين لمدة ثلاث سنوات وفي عام 1740م قام بحملة كبرى شمال شرق إيران وضم فيها مساحات شاسعة من الأرض تشمل أوزبكستان وطاجيكستان وجنوب قيرغيزستان وجنوب غرب كازاخستان ويضاف إلى كل ذلك مساحات أخرى قام بإحتلالها في شبه الجزيرة العربية في كل من البحرين وعمان وهذا أعطاه سيطرة كبيرة على منطقة الخليج العربي وفي واقع الأمر لم تشهد قارة آسيا منذ الفاتح المغولي الشهير تيمور لنك فاتحا عسكريا مثله كما لم يأت بعده من يقترب من إنجازاته الحربية ولذا فيصفه المؤرخ الإنجليزي إستيفين هيمسلي لونجريج بأنه كان آخر فاتح آسيوى عظيم عرفه العالم وإزاء هذه القوة المفرطة والقيادة البارعة لنادر شاه لم يكن متوقعا منه أن يحترم عهده مع الدولة العثمانية والذي عقده عام 1736م كما أسلفنا حيث كان الغرض من هذا العهد تفريغ طاقته لفتوحات أفغانستان والهند وأواسط قارة آسيا والآن فقد تمت هذه الفتوحات وإستقرت البلاد بعدها فلماذا لا يتجه بأحلامه ناحية الغرب أي ناحية الدولة العثمانية ومع ذلك فمن رحمة الله بها أن نادر شاه بعد تحقيقه إنتصاراته الكبرى تعرض لعدة أمور أضعفت من همته فلم يعد بالنشاط الباهر الذى كان عليه حيث كان من هذه الأمور حدوث إعتلال كبير بصحته وحدوث صراعات داخلية مع إبنه الأمير رضا قولي وصلت إلى قيام نادر شاه بإقتلاع عيني إبنه .


ولم يكن نادر شاه بعد ما حققه من توسعات وإنتصارات يهدف إلى إحتلال مدينة أو ولاية في الدولة العثمانية إنما كان يريد ما هو أبعد من ذلك حيث كان يريد لإيران أن تحل محل الدولة العثمانية في قيادة الأمة الإسلامية لذلك أرسل إلى العثمانيين يطلب منهم الإعتراف بالمذهب الشيعي الجعفرى الذى تعتنقه بلاده كمذهب خامس في الإسلام ولما قوبل هذا بالرفض غضب نادر شاه وأعلن الحرب على الدولة العثمانية بل عزم على غزو إسطنبول ذاتها ومن ثم إسقاط الدولة العثمانية بالكلية ومع ذلك يبدو أنه خاف من إستفزاز المسلمين بإسقاط الدولة العثمانية فوجه حملته إلى العراق بدلا من إسطنبول ففي آخر صيف عام 1743م توجه نادر شاه إلى شمال العراق بقوات بلغت 300 ألف مقاتل وإحتل بسهولة مدينة كركوك في أوائل شهر أغسطس ثم مدينة أربيل بعدها بقليل ثم حاصر مدينة الموصل في منتصف شهر سبتمبر وإستمر الحصار أربعين يوما وصمدت الحامية العثمانية بقيادة حسين الجليلي باشا صمودا كبيرا مما دفع نادر شاه إلى سحب قواته خاصة بعد ورود أخبار إضطرابات داخلية في إيران وبذلك لم تحقق الحملة نتائج تذكر وكان هذا في حد ذاته نجاحا للدولة العثمانية أمام هذا القائد العسكرى الشرس وفي هذا الوقت أيضا زادت الإضطرابات في أركان الدولة الإفشارية بسبب إحتمال إصابة نادر شاه بجنون الشك والإرتياب الذي دفعه للشك في قيادات كثيرة بدولته مما كان يشجعه على القيام بإصدار أحكام إعدام بالجملة ومع ذلك قام بحملتين على الدولة العثمانية في عام 1744م وعام 1745م حقق فيهما إنتصارات كبيرة حول مدينة قارص في إقليم الأناضول وسقط عدد كبير من القتلى العثمانيين ومع ذلك لم تكن هناك آثار كبيرة فعلية على أرض الواقع ولعل السبب في ذلك هو زيادة إضطرابات إيران الداخلية مما كان يمنع نادر شاه من إستثمار إنتصاراته وأخيرا إضطر القائد الإيراني إلى قبول التصالح مع الدولة العثمانية فعقدت معاهدة كردان وهي بلدة بجوار بحر قزوين في إيران في يوم 4 سبتمبر عام 1746م وفيها أقر الطرفان بالحدود المتفق عليها منذ معاهدة قصر شيرين التي أبرمت عام 1639م أي منذ أكثر من قرن مما يعني عودة كل ما فقدته الدولة العثمانية خلال حروب نادر شاه إليها وهكذا كالعادة تنتهي حروب الدولة العثمانية مع إيران دون نتائج ذات معنى على أرض الواقع ولقد كان من الممكن أن يعيد نادر شاه فتح ملف الأناضول والعراق لاحقا لكن الموت لم يمهله حيث إغتالته مجموعة من رجال حكومته وضباطه وأقاربه في يوم 19 يونيو عام 1747م خوفا من إصداره لأحكام إعدام لهم وكان في التاسعة والخمسين من عمره وبمجرد موته تحلَلت إمبراطوريته تماما حيث أعلن معظم حكام الولايات والمقاطعات إستقلالهم عن الدولة الإفشارية التي لم يتبق لها إلا إقليم خراسان وكان هذا التحلل سببا أدى إلى هدوء الجبهة الإيرانية تسعةً وعشرين عاما بعد معاهدة كردان أي حتي عام 1775م في عهد السلطان عبد الحميد الأول .

وأما مسألة قيام الدولة السعودية الأولي فإنه لقرون طويلة لم تشهد منطقة نجد وسط شبه الجزيرة العربية دولةً مركزية وكان هذا يعود إلى طبيعتها الصحراوية القاسية وندرة المياه والواحات وقلة السكان تبعا لذلك حتى في أيام الدول الإسلامية الكبرى كالأموية والعباسية لم تكن سيطرتهم محكمة على هذه المناطق القاحلة ولهذا كان من الطبيعي أن تشهد هذه المناطق سلطات عديدة لعشرات القبائل وكان من الطبيعي أيضا أن تكون الصراعات بينهم كبيرة وأحيانا دموية هذا ولم يصل حكم الدولة العثمانية لمنطقة نجد وإن كانوا حكموا كل المناطق حولها على الأقل في فترة من فترات تاريخهم وفي هذه المناطق المتفرقة وفي عام 1740م قام الشيخ محمد بن عبد الوهاب بدعوة دينية إصلاحية ترمي إلى التوحيد الخالص لله وكانت مشكلة هذه المناطق النائية قلة العلم وغنتشار الجهل عند العامة مما أوقعهم في كثير من البدع المتعلقة أساسا بأضرحة الصالحين ووجد الشيخ عبد الوهاب مقاومة لدعوته في قريته العيينة ووصل الأمر إلى إخراجه منها عنوة وكان الأمر في بدايته دعويا دينيا فقط ولكنه تحول إلى الشكل السياسي عندما وجد الشيخ دعما من أمير مدينة الدرعية التي أصبحت عاصمة الدولة السعودية الأولي وهو محمد بن سعود والذى وافق على نصرة الشيخ إجتماعيا وعسكريا بشرط بقائه في الدرعية بعد ظهور دعوته وعقد الشيخ والأمير بذلك إتفاقًا عام 1744م ويعتبر هذا التاريخ هو تاريخ تأسيس الدولة السعودية المعروفة بالأولى وحدثت صدامات كثيرة بين هذه الدويلة الناشئة وبين القبائل المجاورة ولكنها أخذت في التوسع ببطء في مناطق نجد المحيطة وفي هذه المرحلة التاريخية لم تهتم الدولة العثمانية بهذه الأحداث أولا لأنها تقع في نطاق خارج عن سلطانها وثانيا لأن الدولة السعودية الأولى كانت صغيرة للغاية ولا يخشى من بأسها خاصة أن منطقة نجد كلها بلا تاريخ مخيف في القرون السبعة الأخيرة حيث كانت آخر قوة خطرة حكمت نجد هي قوة القرامطة الإسماعيلية في القرن العاشر الميلادي وثالثا لأن الدولة العثمانية كانت منشغلة للغاية بصراعاتها مع إمبراطوريات النمسا وروسيا وإيران ومن ثم لم تلتفت إلى ما يجرى في هذا الجزء من العالم وستظل العلاقة هادئة بين الدولتين عدة عقود أو بالأحرى لن تكون هناك علاقة مباشرة بين الدولتين في هذه الفترة ولكن عندما تتمدد الدولة السعودية وتلتقي حدودها بحدود الدولة العثمانية عندئذ سيحدث الصراع مستقبلا بعدما قويت الدولة السعودية الناشئة تدريجيا في بدايات القرن التاسع عشر الميلادى في عهد السلطان سليم الثالث ومن بعده في عهد السلطان محمود الثاني الذى إستعان بوالي مصر القوى آنذاك محمد علي باشا والذى تمكن من القضاء علي هذه الدولة وأسر أميرها عبد الله بن سعود وإرساله للسلطان العثماني في إسطنبول مكبلا بالقيود حيث تم إعدامه .

وبداية من عام 1746م بدأت المرحلة الثالثة والأخيرة من حياة وفترة حكم السلطان محمود الأول وكانت على المستوي الدولي هادئة تماما نظرا لعدم وقوع حروب مع الأعداء الثلاثة الذين حاربوها في العقود الأخيرة النمسا وروسيا وإيران وذلك نظرا لوجود إتفاقيات سلام حقيقية بين الدولة العثمانية وبين هؤلاء الأعداء الثلاثة وقد أسهم أيضا في هذا الهدوء الإجباري إنشغال هذه القوى الثلاث في صراعات دولية أخرى أو في مشاكل داخلية ومع ذلك فقد كان من الأحداث المهمة في هذه الفترة نشأة الدولة الزندية في إيران وهي وإن لم يكن لها معاملات مع الدولة العثمانية في هذه المرحلة إلا أن العلاقة ستتطور للصدام لاحقا بعد عهد السلطان محمود الأول أما على المستوى الداخلي في الدولة العثمانية فيمكن الإشارة في هذه المرحلة إلى أمور ثلاثة هي إستقرار الحكومة وقيام دولة المماليك في العراق وإستقلال ظاهر العمر بشمال فلسطين وبخصوص نشأة الدولة الزندية في إيران فإن قبيلة الزند التي تنسب لها هذه الدولة تنتمي إلى فرع اللور من القبائل الكردية وكانت تعيش في إقليم لاكيستان بجنوب غرب إيران ثم رحلهم نادر شاه في عهد الدولة الإفشارية إلى إقليم خراسان الشرقي وبعد وفاة نادر شاه في عام 1747م وتقلص الدولة الإفشارية إنفصل الزنديون عنها بقيادة زعيم قبيلتهم كريم خان الذي عاد بقبيلته إلى المناطق الغربية في إيران وفي عام 1751م أسس كريم خان الدولة الزندية وإتخذ من شيراز عاصمة لها وما لبثت هذه الدولة أن توسعت في وسط وغرب إيران وسيمتد حكمها لاحقًا إلى أذربيچان وكان كريم خان من أكثر حكام إيران إعتدالا في كل تاريخها ولم يكن له عداءات مذهبية في معظم الأحوال بل حاول التقريب بين السنة والشيعة في بلده ولم يعط علماء الشيعة المكانة السياسية التي كانت لهم أيام الدولة الصفوية وهي سياسة قريبة من تلك التي إنتهجها سلفه نادر شاه وعلى الرغم من إعتداله النسبي فإنه سيحمل راية العداء الإيراني المعتاد للدولة العثمانية وسيكون بينه وبينها بعض الصدامات حول العراق مستقبلا .


ونظرا لحالة الهدوء التي مرت بها الدولة العثمانية في المرحلة الثالثة والأخيرة من فترة حكم السلطان محمود الأول فقد إستعاد الإقتصاد العثماني عافيته بعد توقف النزيف العسكرى وكانت العلاقات التجارية مع دول قارة أوروبا نافعةً للدولة وقد أدى هذ التحسّ الإقتصادى والعسكرى إلى استقرار الحكومة في إسطنبول بشكل خاص وفي الدولة بشكل عام وقد أسهم أيضا في هذا الإستقرار تغيير السلطان للصدور العظام والوزراء وحكام الولايات كل فترة لئلا تترسخ سلطة أحدهم في مكان ما فيخرج بعلاقاته المتوطدة عن السيطرة وبإحصاء عدد الصدور العظام في خلال السنوات الأربعة والعشرين التي حكمها السلطان محمود الأول نجد أن عددهم وصل إلي ستة عشر صدرا أعظم وهذا يعني أن متوسط ولاية الصدر الأعظم الواحد كانت سنة ونصف فقط وهذا بلا شك من الممكن أن يكون له مردود سلبي من ناحية أن أى صدر أعظم لا يستطيع أن يضع خطة طويلة الأمد يحقق بها النجاح وقد يهدم الصدر الأعظم الجديد ما بدأه سلفه ولكن من ناحية أخرى لا يستطيع صدر أعظم أن ينفرد بالسلطة أو بالقرار وتظل سلطة السلطان هي الأعلى وأيضا كان السلطان لا يهمل الكفاءات الكبرى على الرغم من حرصه على عدم بقائها في المنصب نفسه فترة طويلة فكان لا يتم الإستغناء عن خدماتهم بشكل كامل بل كان ينقلهم من مكان لآخر للإستفادة من خبراتهم وكفائتهم فكان مثلا يقوم بعزل الصدر الأعظم ليضعه في البحرية مثلا أو يأتي بحاكم ولاية ليعينه قائدا لجيش وهكذا وكمثال على هذا التنقل للشخصيات المميزة يمكن الإطلاع على جانب من سيرة حكيم أوغلو باشا فلقد تقلد هذا الرجل منصب الصدارة العظمى مرتين في حياة السلطان محمود الأول ومرة بعد ذلك في عهد السلطان اللاحق له عثمان الثالث وبين هذه الفترات تقلد مناصب أخرى كثيرة كان منها على سبيل المثال ولاية مصر وأيضا ولاية البوسنة كما تقلد قيادة جيش الأناضول وكانت هذه مجرد أمثلة للمناصب التي تقلدها هذا الرجل المتمكن ويعد حكيم أوغلو باشا مجرد مثال فهو ليس حالة نادرة وكان أمثاله كثيرون وبهذا التغيير المطرد ظل السلطان محمود الأول ممسكا بالزمام ومسيطرا علي أمور الحكم .


وفي عام 1749م وخلال عهد السلطان محمود الأول كان قيام دولة مماليك العراق والذين تعود أصولهم غالبا إلى چورچيا ولا علاقة لهم بمماليك مصر والشام وكان أول من جلبهم للعراق الوالي العثماني حسن باشا ما بين عام 1704م وعام 1723م في عهد السلطان أحمد الثالث ثم حظا حظوه إبنه أحمد باشا ما بين عام 1723م وعام 1747م في عهد السلطانين أحمد الثالث ومحمود الأول واللذان أرادا بناء قوة عسكرية بديلة عن القوات الإنكشارية وقويت شوكة هؤلاء المماليك جدا بالتدريج في عهد أحمد باشا وبعد موته صارت الأمور في أيديهم بشكل غير رسمي لمدة عامين ثم إنقلبوا عسكريا بشكل مباشر على مبعوث السلطان العثماني وذلك في عام 1749م وتقلد زعيم المماليك سليمان أبو ليلة باشا الذي كان واليا على البصرة مقاليد الحكم في الإقليم كله وصار العراق بذلك شبه مستقل عن سلطان الدولة العثمانية وسيستمر هذا الوضع لمدة إثنتين وثمانين سنة أى حتي عام 1831م في عهد السلطان محمود الثاني وكان مماليك العراق يهتمون بإرسال مبعوث خاص إلى السلطان العثماني في العاصمة إسطنبول ليأخذوا تصديقه على تعيين المملوك الجديد على العراق ولذلك ظل العراق ظاهريا داخلا في حدود سلطان الدولة العثمانية وإن كانت قرارته تؤخذ بإنفرادية كاملة عن الحكومة العثمانية الرسمية .

وكان آخر الأمور التي حدثت خلال المرحلة الثالثة من حكم السلطان محمود الأول إستقلال ظاهر العمر بشمال فلسطين والذى كان من قبيلة الزيداني العربية بفلسطين وكان يعمل ملتزما لمنطقة طبرية بشمال فلسطين في فترة الثلاثينيات من القرن الثامن عشر الميلادى خلفا لوالده عمر الزيداني وكان الملتزم هو الشخص الذى كان يدفع إلى الدولة العثمانية الخراج والضرائب عن المنطقة ثم يتولى هو جمعها بمعرفته من أهلها كما أنه كان يقوم يمد الدولة بالجنود عند الحاجة وإتسع سلطان ظاهر العمر وأدرك ضعف قبضة الدولة العثمانية على المناطق التي يعيش فيها فأغراه ذلك بالإستقلال بها عن العثمانيين في خلال حقبتي الثلاثينيات والأربعينيات من القرن الثامن عشر الميلادى وأثناء عهد السلطان محمود الأول إستقل ظاهر العمر بشمال فلسطين كله ولم يكتفِ بطبرية وضم إليه ايضا الجليل والناصرة ودير حنا ثم عكا في عام 1746م ولم يتمكن ولاة الدولة العثمانية في دمشق وصيدا من إزالة حكمه ولا تقليصه وبإتساع ملكه علي هذه الصورة سيصبح تدريجيا من العقبات المهمة أمام الدولة العثمانية ولكن علي الرغم من الإضطرابات التي حدثت في فلسطين والعراق كانت السنوات الثمانية الأخيرة في عهد السلطان محمود الأول من عام 1746م وحتي عام 1754م هادئة وهكذا فبقدر المعاناة والتعب الذى عاناه السلطان في ثلث عهده الأول كانت الراحة في هذا الثلث الأخير وهذا ما حافظ على ثبات الدولة خلال هذه السنوات الثمانية وأخيرا توفي السلطان محمود الأول فجأة وهو يمتطي جواده بينما كان عائدا من صلاة الجمعة عند دخوله باب السراى في يوم 13 ديسمبر عام 1754م وهو في سن الثامنة والخمسين من عمره ليصعد إلى العرش ولي عهده وأخوه الأمير عثمان الثالث بن السلطان مصطفى الثاني والذى لم يدم حكمه سوى 3 سنوات توفي بعدها وتلاه السلطان مصطفى الثالث إبن عمه السلطان أحمد الثالث وتم دفن السلطان محمود الأول بجوار والده السلطان مصطفى الثاني في مسجد السلطانة خديجة تورهان زوجة السلطان عثمان الأول ووالدة السلطان محمد الرابع بإسطنبول وجدير بالذكر أن المؤرخين قد عدوا عصر السلطان محمود الأول أفخر عصر ترقت فيه المعارف السياسية لدى العثمانيين كما أنه قد إستطاع أن يعيد الكثير من الأملاك العثمانية التي كانت قد فقدتها في السابق لصالح روسيا والنمسا والدولة الصفوية الشيعية وبذلك إتسع نطاق الدولة العثمانية في عهده وقد وصفه المؤرخون بأنه كان متصفا بالعدل والإنصاف والحلم والميل للمساواة بين الرعية أيا كانت دياناتهم أو قومياتهم وكان من أهم أعماله تأسيس كلية في عام 1740م إلى جانب جامع أيا صوفيا شملت مكتبة ومدرسة للأولاد وسكنا خاصا للطلبة وبذلك إتسعت فكرة وقف المكتبات لتتضمن المدارس والمساجد وتوجد الكتب التي وقفها في المكتبة السليمانية اليوم تحت إسم مجموعة أيا صوفيا الخاصة أما المدرسة فهي اليوم مركز للتوثيق والتصوير والبحوث وقاعة لمعارض وأنشطة مرتبطة بمسجد أيا صوفيا وأنشأ السلطان محمود الأول أيضا عدد 3 مكتبات أخرى ألحقها بجوامع الفاتح في عام 1742م والوالدة وجلاتا سراى في عام 1754م قبل وفاته بوقت قصير وقد حظا حظوه أيضا كبار رجال دولته والذين أنشأوا مكتبات وقفية مثل مكتبة حكيم باشا أوغلو في عام 1738م ومكتبة عاطف أفندي عام 1741م ومكتبة حاجي بشير أغا عام 1754م وعلاوة علي هذه الأعمال الهامة كان من منجزات السلطان محمود الأول المعمارية في مسجد أيا صوفيا نافورة جميلة رشيقة على ضخامتها تستند قبتها على عدد 8 أعمدة تخرج منها صنابير برونزية وتتوسطها الآية الكريمة وجعلنا من الماء كل شئٍ حي وفضلا عن ذلك فعندما دمر عدد كبير من مساجد العاصمة إسطنبول ومنازلها بسبب حريق كبير وزلازل قوية ضربت العاصمة بادر فورا لإعادة تجديدها كما دفعت الحكومة العثمانية أموالا طائلة لترميم المنازل المدمرة .