السبت , 18 أبريل 2026

abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
الرئيسية
بانوراما
فرعونيات
بلاد وشركات
الحدث السياحي
سحر الشرق
سياحة وإستشفاء
أم الدنيا
حج وعمرة
أعمدة ثابتة
درجات الحرارة
اسعار العملات
abou-alhool

السلطان مصطفي الثالث

السلطان مصطفي الثالث
عدد : 11-2022
بقلم المهندس/ طارق بدراوى
موسوعة كنوز “أم الدنيا”

السلطان مصطفى الثالث هو السلطان العثماني السابع والعشرون للدولة العثمانية وخليفة المسلمين الثاني والتسعون والتاسع عشر من آل عثمان الذين حملوا لقب أمير المؤمنين وهو إبن السلطان أحمد الثالث بن محمد الرابع بن إبراهيم الأول بن أحمد الأول بن محمد الثالث بن مراد الثالث بن سليم الثاني بن سليمان القانوني بن سليم الأول بن بايزيد الثاني بن محمد الفاتح بن مراد الثاني بن محمد الأول جلبي بن بايزيد الأول بن مراد الأول بن أورخان غازي بن عثمان بن أرطغرل مؤسس الدولة العثمانية وهو والد السلطان سليم الثالث وكان قد تولي الحكم خلفا لإبن عمه السلطان عثمان الثالث والذى كان قد تولى السلطنة بعد موت أخيه السلطان محمود الأول وكان عمره وقتئذ يزيد على السادسة والخمسين عاما وبلغت مدة سلطنته أقل من 3 سنوات وحكم السلطان مصطفي الثالث الدولة العثمانية مدة ستة عشر عاما حاول خلالها القضاء علي الفساد والإستمرار في حركة الإصلاحات الداخلية وإتضح خلالها ثبات الدولة العثمانية بشكل بارز ويمكننا القول بأن الأحوال خلال فترة حكمه قد شهدت تقلبا كبيرا فعلى قدر الهدوء الذى شهدته الدولة في بدايات حكمه فقد شهدت الدولة العديد من الأحداث والإضطرابات العنيفة في السنوات الأخيرة من هذا الحكم والتي أدت إلي دخول الدولة العثمانية في طور جديد من أطوارها وعليه فإننا يمكن أن نقسم فترة حكمه إلي مرحلتين الأولى يمكننا أن نطلق عليها مرحلة الثبات النسبي وكانت تعد إمتدادا للهدوء النسبي الذى شهدته الدولة العثمانية في الثماني سنوات الأخيرة من عهد السلطان محمود الأول مرورا بعهد سلفه السلطان عثمان الثالث أما المرحلة الثانية فقد كانت مرحلة سميت بمرحلة الإنهيار الخفي والتي شهدت فيها الدولة العديد من الإضطرابات بالولايات العربية إلي جانب تجدد الصراع العثماني الروسي من جديد وقد عرف عن السلطان مصطفي الثالث خلال هذه المرحلة أنه كان يتابع أخبار هذا الصراع أولا بأول ويشارك في وضع الخطط الحربية ومناقشتها مع قادة جيوشه ويتابع تنفيذها وكان ينزل أشد العقاب بمن يخالفون تلك الخطط أو تقع الهزيمة بهم حتي ينضبط القادة والجند ويؤدون واجباتهم علي خير وجه في ميادين القتال .

وكان ميلاد السلطان مصطفي الثالث في يوم 30 يناير عام 1717م بالعاصمة العثمانية إسطنبول وعاش حياته كأمير عثماني بعيدا عن أمور الحكم وذلك بأمر من إبن عمه السلطان عثمان الثالث كعادة السلاطين العثمانيين المتواجدين في الحكم بإبعاد المرشحين لخلافتهم عن شئون الحكم خشية طمعهم في تولي السلطنة ومن ثم ينقلبون عليهم وتولي السلطنة بعد وفاة إبن عمه السلطان عثمان الثالث في يوم 30 أكتوبر عام 1757م وكانت لدى السلطان مصطفى الثالث ميول إصلاحية جيدة وقد ساعده على تنفيذ بعض هذه الإصلاحات وجود الصدر الأعظم القدير خوجة محمد راغب باشا الذي إستمر في الصدارة العظمي حتى وفاته في عام 1763م وكان لهذا الرجل القدير في تحقيق إستقرار طيب في الدولة العثمانية خلال المرحلة الأولي من فترة حكم السلطان مصطفي الثالث والتي إستمرت من عام 1757م وحتي عام 1768م حيث إهتم السلطان وصدره الأعظم بتحقيق العدل وتخفيف الأعباء عن المواطنين وعملت الدولة على إستقرار قيمة العملة وشجعت التجارة وتم أيضا بناء صوامع كبيرة لتخزين الغلال وكذلك تم الإهتمام بمشاريع توصيل المياه لكل مكان في إسطنبول وفضلا عن ذلك زادت المنشآت المعمارية بشكل كبير وأعيد ترميم وأحيانا إعادة البناء بالكامل للأبنية القديمة المهمة ومن ذلك على سبيل المثال مسجد السلطان محمد الفاتح كما إهتمت الدولة كذلك ببناء مستشفيات حجر صحي على الحدود للإطمئنان على عدم دخول أوبئة من خارج الدولة خاصة أن هذه الفترة كانت تشهد إزديادا فوق المعدلات الطبيعية للطاعون بالذات والأمراض الأخرى ولعل ذلك كان بسبب الحروب العالمية الكثيرة آنذاك وعلاوة علي كل هذه الإنجازات كان من المشاريع التي بحثتها الدولة العثمانية لكنها لم تتمكن من تنفيذها توصيل نهر دجلة بالبوسفور وذلك عن طريق حفر عدة قنوات وإستخدام الأنهار الطبيعية في الأناضول وكان الهدف من هذا المشروع عظيما إذ أنه لو تحقق فسيتم إيصال الخليج العربي حيث يصب نهر دجلة ومن ثم المحيط الهندى بالبوسفور ومن ثم البحر المتوسط فيسهل نقل الغلال من أطراف المملكة إلى إسطنبول ومن ثم يمتنع الغلاء كلية وتكون بذلك الدولة العثمانية قد سبقت فكرة مشروع قناة السويس بأكثر من قرن من الزمان لكن يبدو أن الإمكانات لم تكن متوافرة آنذاك لتنفيذ مثل هذا المشروع الضخم فلم يتم وفي المجال العسكرى تمكن السلطان مصطفى الثالث من الحصول على خدمات البارون دى توت المجرى فعمل ذلك الأخير على بناء القلاع على ضفتي الدردنيل وتسليحها بالمدافع الضخمة لصد أى هجوم بحرى محتمل على الدرنديل وإسطنبول وأسس ورشة لصب المدافع فيها ونظم فرق المدفعية بناءا على النسق الحديث كما أسس عدة مدارس لتخريج ضباط المدفعية وأركان الحرب وضباط البحرية على دراية بأساليب الحرب الحديثة .


وكان من الأمور الهامة في عهد السلطان مصطفى الثالث بدء العلاقات الدبلوماسية الجادة مع دولة بروسيا وهي المانيا حاليا وكان من الجيد أن يبدأ هذا السلطان هذه العلاقات ولكن من المؤسف أن الدولة كانت قد تأخرت إلى هذا التوقيت لتحقيق ذلك حيث لم يكن عند الدولة العثمانية في قرون الثبات الوعي السياسي العميق الذي يجعلها تدخل بقوة في لعبة توازن القوى التي إحترفتها دول قارة أوروبا وقد تسبب هذا الأمر في ضياع الكثير من الفرص التي كان يمكن للدولة العثمانية إستغلالها من أجل تحقيق الكثير من مصالحها وكانت الدولة العثمانية قد ضيعت من قبل فرص التعاون والتحالف مع دولتي بولندا والسويد وعموما فقد بدأت الدولة العثمانية علاقاتها مع مملكة بروسيا القوية والتي ولدت عملاقة وكانت نشأتها في عام 1701م ومنذ ذلك التاريخ وأصبحت المملكة مؤثرة بقوة في الأحداث الأوروبية والعالمية كما كان الجيش البروسي من الجيوش القوية والتي يعمل لها ألف حساب ولم يكن هذا الجيش قويا فقط إنما كان حريصا أيضا على التحديث المستمر مما جعله نموذجا للجيوش الحديثة المثالية وفضلا عن ذلك فقد إهتمت بروسيا بالتقنيات العلمية في كل مجال بالإضافة إلى الفنون والآداب والعلوم الفكرية وقد أدى ذلك إلي أن زادت قوة المملكة جدا بداية من عام 1740م بعد ولاية فردريك الثاني المعروف بفردريك العظيم والذى كان من أقوى ملوك أوروبا آنذاك وإستطاع أن ينقل البلاد نقلة نوعية على كل المستويات وخاصة في الناحيتين السياسية والعسكرية وكان فردريك العظيم يريد تحالفًا ضد النمسا وروسيا وهما ألد أعدائه وحيث إنهما عدوتان للدولة العثمانية كذلك فقد صار التحالف بين بروسيا والعثمانيين منطقيا ومن ثم عقد الطرفان معاهدة دفاع مشترك في عام 1761م وكانت الدولة العثمانية تريد فوق التحالف تحديثَ جيشها وأنظمتها وكانت لديها الرغبة في إرسال بعثات إلى برلين وأيضا إستقدام خبراء ومدربين في شتي المجالات منها بدلا من باريس لعدم إطمئنانها لصداقة الفرنسيين الذين يبحثون أولا عن مصالحهم الخاصة خاصة وأن فترة حكم السلطان مصطفى الثالث كانت قد شهدت فتورا في العلاقات العثمانية الفرنسية وتم بعد ذلك التبادل الدبلوماسي بين الدولة العثمانية وبروسيا بدايةً من عام 1763م وستظل العلاقة بين الدولتين في معظم الأحيان قوية وسيكون للخبراء والمدربين القادمين من بروسيا أثرهم الكبير في تحديث الجيش العثماني ومده بأسلحة حديثة وأيضا سيكون لهم أثر كبير في إقامة العديد من المشاريع العمرانية ومشاريع البنية الأساسية مثل خطوط السكك الحديدية والطرق والجسور وغيرها .

وكان من الأحداث الخارجية التي تحققت خلال المرحلة الأولي من حكم السلطان مصطفي الثالث والتي سيكون لها أثر كبير خلال المرحلة الثانية من حكمه صعود الإمبراطورة كاترين الثانية وهي المعروفة بكاترين العظمى على عرش روسيا في شهر سبتمبر عام 1762م وذلك بعد رحيل زوجها القيصر بطرس الثالث وكان ذلك الحدث نقطة تحول في تاريخ هذا البلد حيث كانت واحدة من أعظم حكام روسيا في كل تاريخها إن لم تكن أعظمهم مطلقا حيث كانت شخصية إستثنائية بحق وقد وصلت إلى هذا المجد على الرغم من كونها ألمانية الأصل ولم تكن تحسن الحديث باللغة الروسية فضلا عن كونها كانت بروتستانتية وتحولت إلى الأرثوذكسية للتمكن من حكم روسيا وقد تمكنت من إنتشال البلاد بعد ولايتها من لهيب الحرب الأهلية ونقلتها إلى السيادة العالمية وفي ظل حكم هذه الإمبراطورة إتسعت مساحة الدولة بشكل عظيم حيث ضمت القرم في الجنوب وألاسكا الأميريكية في الشرق وفتتت إتحاد ليتوانيا وبولندا في الغرب كما صار الجيش الروسي من أعظم جيوش العالم عددا وعدة وفكرا وتخطيطا كما صار الأسطول الروسي وللمرة الأولى في تاريخ روسيا من الأساطيل العالمية المشهورة وعلاوة علي ذلك فقد إهتمت بالتعليم وتحديث أنظمة الدولة وإرتقت بالفنون والآداب حتى صارت روسيا منافسةً لفرنسا في هذه المجالات وإنتعش الإقتصاد في زمانها وكثرت المشاريع العملاقة سواء في مجال الزراعة وهو الأهم في روسيا أو التجارة أو الصناعة وكان هذا كله غير إصلاحاتها في الأنظمة الإدارية في الدولة وتعديلاتها التشريعية المؤثرة فضلا عن قضائها على الفساد وفي الحقيقة فقد كانت ولاية هذه المرأة على روسيا في هذا التوقيت إيذانا بوضع روسيا بقوة في الخريطة العالمية ولم يعد ممكنا للقوى الأوروبية أن تأخذ قرارا دون حساب رد فعل روسيا كما كانت ولايتها إيذانا أيضا بإختلال ميزان القوى الروسي العثماني لصالح روسيا وللمرة الأولى في تاريخ العلاقة بين الدولتين وهو ما سيؤدى إلي إشتعال الصراع والحرب بينهما بعد سنوات قليلة خلال المرحلة الثانية من حكم السلطان العثماني مصطفي الثالث .

وبالنسبة لأوضاع الولايات العربية التابعة للدولة العثمانية خلال المرحلة الأولي من حكم السلطان مصطفي الثالث يجدر بنا أن نقول قبل أن نستعرض أوضاعها خلال فترة الستينيات من القرن الثامن عشر الميلادى إنه لم يشعر العرب في كل تاريخ الدولة العثمانية بإنتمائهم الحقيقي للدولة العثمانية وكان هذا يرجع لأسباب كثيرة منها أن إنضمام كثير منهم للدولة العثمانية كان رغما عن أنوفهم كحالة مصر والسودان والحجاز واليمن والشام بأقاليمه الأربعة سوريا ولبنان وفلسطين والأردن أو لإضطرار لحظي ما لبث أن زال كحالة الجزائر وتونس وليبيا والعراق حيث كانت هذه الأقطار تحت تهديدات عدوانية من إيران أو بعض دول أوروبا مثل فرنسا وإنجلترا وإيطاليا ومن ثم طلبت النجدة من الدولة العثمانية ثم صارت بحكم الضرورة جزءا من الكيان العثماني دون إختيار وكان من الممكن ألا يبحث أحد عن أسباب الإنضمام إلى الدولة العثمانية لو كانت هذه الشعوب تعيش في إستقرار أو كانت لا تعاني من التهميش وفي واقع الأمر كان الإهتمام الأساسي في الدولة العثمانية هو الإهتمام بالعاصمة إسطنبول ثم إقليمي الأناضول وشرق البلقان وهذا قاد الشعوب الأخرى التي تتبع الدولة العثمانية إلى عدم الإكتراث بالحاكم الجديد الذي يحكمها وهل هو من العثمانيين أو المماليك أو العرب أو غيرهم من الأعراق ولم تكن الشعوب حقيقةً تفكر في حتمية الوحدة الإسلامية الشاملة كما أنها كانت غير معنية بمسألة الخلافة الإسلامية فهذه القضية لم تكن مطروحة إعلاميا أو دينيا إنما كان المطروح هو الإرتباط بالجانب القوى الذى يستطيع توفير الغذاء والأمان والحماية ولننتقل الآن إلي بيان أوضاع الولايات العربية خلال المرحلة الأولي من حكم السلطان مصطفي الثالث وهي نهاية عهد الثبات النسبي وبداية الدخول في مرحلة الإنهيار الخفي وجدير بالذكر أن هذه الأحوال في البلاد العربية كان لها إسهام كبير في هذا الإنهيار .

ولنبدأ مع مصر لنجد أنه كانت هناك صراعات كثيرة للوصول إلى منصب شيخ البلد الخاص بالقاهرة العاصمة وهذا المنصب كان يشغله دائما أحد المماليك ويعتبر شاغله هو الحاكم الفعلي للقطر كله وإن كان من الناحية الرسمية يتبع الوالي الباشا العثماني الذي يقوم بتعيينه السلطان العثماني وفي ظل ضعف القبضة العثمانية في هذه الفترة على الولايات البعيدة صار التنافس على كرسي شيخ البلد خارجا عن سيطرة الوالي الباشا العثماني ولم يكن الوصول إلى هذا المنصب سهلا ميسورا بل كان دائما مفروشا بالصعاب والعقبات وممتلئا بالخصوم والمنافسين وحدث في عام 1767م أن وصل إلى هذا الكرسي أحد أمراء المماليك الأقوياء وهو علي بك الكبير والذى لم يقنع برئاسة مصر كتابع للدولة العثمانية ومن ثم أعلن إستقلاله بها وفي عام 1768م إستغل تجدد الصراع العثماني الروسي وإنشغال الدولة العثمانية في حروبها ضد روسيا ولم تكن نتائجها في صالح العثمانيين الذين منوا بخسائر فادحة فإستصدر أمرا من الديوان بعزل الوالي العثماني لمصر وتولى هو منصب القائمقام بدلا من الوالي المخلوع وذلك في يوم غرة شعبان عام 1182 هجرية الموافق يوم 11 من شهر ديسمبر عام 1768م وأتبع ذلك بمنعه قدوم الولاة الأتراك إلى القاهرة فلم ترسل الدولة أحدا منهم على مدى أربع سنوات كما أوقف إرسال الأموال المقررة سنويا على مصر إلى الدولة العثمانية بداية من العام المذكور 1768م وحكم هذا الرجل مصر ستة أعوام من عام 1167م إلى عام 1773م وسيضم إليها قطاعات أخرى من الدولة العثمانية كالسودان والحجاز والشام وسيتعاون مع الروس ضد العثمانيين وفي شمال فلسطين كان ظاهر العمر يحكم مستقلا عن الدولة العثمانية منذ عهد السلطان الأسبق محمود الأول وفي هذه الفترة من ستينيات القرن الثامن عشر الميلادى أعاد تجديد ميناء حيفا كما جعل عكا أحد مراكز تجارة القطن المهمة مع دول قارة أوروبا وذلك بعيدا عن سيطرة العثمانيين وكان جبل لبنان في هذه الفترة تحت حكم الأمير منصور الشهابي وكان الشهابيون يحكمون كمستقلين عن العثمانيين كذلك ومع أن أصول الشهابيين تعود إلى قبيلة بني مخزوم القرشية إلا أن ديانتهم كانت غريبة وغير مفهومة حيث كانوا قد تحالفوا مع الدروز في أواخر القرن السابع عشر الميلادى عن طريق التزاوج والإختلاط فغير ذلك شيئا من عقيدتهم ثم تنصر قطاع كبير منهم في منتصف القرن الثامن عشر الميلادى وإعتنقوا مذهب الموارنة المنتشر في المنطقة وهكذا صار دينهم الحقيقي غير معروف على وجه اليقين لأى مؤرخ وإذا إنتقلنا إلي الحجاز فسنجد أنها كانت تابعة للدولة العثمانية بشكل مباشر ومع ذلك كان من المتعارف عليه أن الدعم العسكرى والإقتصادى يأتي لها عادة من مصر عبر البحر الأحمر وهذا يعني أن إستقلال مصر قد يتبعه ضياع الحجاز بمدينتيه المقدستين مكة المكرمة والمدينة المنورة من الدولة العثمانية وهذا ما سيحدث بالفعل فيما بعد في عام 1770م .


ولنذهب الآن إلي العراق حيث كانت العراق آنذاك تحت حكم مماليك العراق الذين لم يعلنوا الإستقلال الرسمي عن الدولة العثمانية ولكنهم كانوا يديرون أمورهم بعيدا عن سيطرتها حيث لم تكن تعين ولاة بشوات على الولايات العراقية كما كانت تفعل من قبل وكان الحاكم المملوكي على العراق في هذا الوقت هو عمر باشا وكان يملك صلاحيات مطلقة إلى درجة أنه منح شركة الهند الشرقية البريطانية في عام 1763م مركزا في البصرة دون الرجوع للدولة العثمانية مع أن هذا الأمر كان يعد علاقات دولية لها تأثير مباشر على السياسة الخارجية العثمانية وفي عام 1764م إضطرت الدولة العثمانية إلى الإعتراف بهذه الشركة على أنها قنصلية مشمولة بنظام الإمتيازات وكان هذا المركز سببا رئيسيا في بداية السيطرة الإنجليزية على منطقة الخليج العربي ومن ثم إحتلالها وإذا ما إتجهنا إلي ولايات الشمال الإفريقي فقد كان على حاله منذ بداية القرن الثامن عشر الميلادى والذى كان بمثابة إستقلال غير رسمي وإنفصال غير معلن فالجزائر كانت تحت حكم الدايات وتونس تحت حكم الحسينيين أما ليبيا فكانت تحت حكم القرمانليين وكانت هذه الحكومات تمارس حكمها بشكل منفصل تماما عن الدولة العثمانية وكان الأمر يصل أحيانا إلى شن الحروب أو عقد المعاهدات الدولية وكان هذا يتم مع كل دول العالم بلا إستثناء بما فيها الدول ذات العلاقة المباشرة مع الدولة العثمانية بمعنى أن هذه الولايات قد تحارب صديقا للعثمانيين وقد تعاهد عدوا لهم وهذا كله كان يتم وهم غير مستقلين رسميا عن الدولة العثمانية ولا يخفى ما يمكن أن يحدث من إضطرابات سياسية ودبلوماسية نتيجة هذه الممارسات وأخيرا فقد كانت اليمن مستقلة بالفعل عن الدولة العثمانية بشكل رسمي منذ عام 1636م وبالتالي فلم يبقَ من الولايات العربية داخلا في السيطرة العثمانية الحقيقية في ستينيات القرن الثامن عشر الميلادى إلا الولايات السورية وتحديدا دمشق وحلب وبلا شك فقد كان هذا الوضع يحمل أخطارا كبيرة لم يكن يراها معظم المعاصرين آنذاك من السياسيين والعلماء وعامة الشعب وكان الأمر يحتاج لنظرة عميقة لإدراك كارثيته ويبدو أن أصحاب النظرة العميقة والسياسيين المخضرمين في الدولة العثمانية في هذه الفترة كانوا قلة قليلة .


وبعد أن إسنعرضنا أحوال الدولة العثمانية خلال المرحلة الأولي من فترة حكم السلطان مصطفي الثالث وهي المرحلة التي تميزت بالهدوء النسبي حيث لم تنشب خلالها حروب بين الدولة العثمانية وأعدائها التقليديين روسيا والنمسا وإيران إلا أنه منذ أن تولت الإمبراطورة كاترين الثانية حكم روسيا في شهر سبتمبر عام 1762م وهي تضع نصب عينيها الوصول إلى البحر الأسود ولكنها كانت تعلم أن قوة الدولة العثمانية متوازنة مع قوتها في ذلك الوقت ويشهد على ذلك حالة السلم الحقيقية التي عاشتها الدولتان منذ عام 1739م بعد توقيع معاهدة نيش وأرادت كاترين الثانية أن ترجح كفة بلادها عن طريق أمور كثيرة كان منها محاولة التدخل في شئون بولندا لتضاف قوتها إلى قوة الروس وكان هذا التدخل مخالفا لمعاهدة بروت الموقعة عام 1711م وحدث أن مات أوجست الثالث ملك بولندا في عام 1764م فإستخدمت كاترين الثانية نفوذها لتغيير الدستور البولندى لتتمكن من وضع صديقها إستانيسلاڤ بونياتوڤسكي على عرش بولندا وهكذا صارت بولندا تحت السيطرة الروسية ولم تأخذ الدولة العثمانية رد فعل مناسب تجاه هذه المسألة وإن كان قد بدا واضحا أن روسيا تتجهز لحرب كبرى ضد العثمانيين حيث إن سيطرتها على بولندا ستسمح لها بمحاربة الدولة العثمانية في جبهات جديدة غير جبهة القرم المعتادة وتزامن مع هذه السيطرة الروسية على بولندا إعداد عسكرى كبير للجيش الروسي كما تم زيادة سفن الأسطول وفضلا عن ذلك عقدت الإمبراطورة الروسية معاهدات مهمة مع بريطانيا لتدريب جنود البحرية في مقابل تصدير مواد خام مهمة لها ولم يقف جهد كاترين الثانية عند ذلك إنما عقدت معاهدة عجيبة مع بروسيا وكان وجه العجب فيها أن بروسيا كانت تعادى روسيا بشدة وكان الإثنان يتنافسان على بولندا كما أن بروسيا كانت قد عقدت سابقا معاهدة دفاع مشترك مع الدولة العثمانية في عام 1761م وكان العدو المرتقب الذي يمكن للعثمانيين أن يحاربوه هو روسيا فجاءت معاهدة بروسيا مع روسيا مناقضةً لمعاهدتها مع الدولة العثمانية حيث أصبح من الممكن أن ينشب صراع بين الدولة العثمانية وبروسيا ولكن هكذا كانت المصالح هي التي تتحكم في علاقات الدول حيث أرادت بروسيا أن تأخذ دعم روسيا في ضم إقليم سيلزيا من النمسا في مقابل دعمها لروسيا إذا حاربت النمسا أو الدولة العثمانية وكانت هذه التطورات تحدث في عام 1764م ومع ذلك مرت أربع سنوات كاملة دون أن تلتفت الدولة العثمانية إلى تنظيم جيشها وحدودها وعلاقاتها الدبلوماسية مع القوى العالمية بشكل يوازى أو يقترب من الإعداد الروسي .


وبحلول عام 1768م خشيت فرنسا والنمسا من تطور التدخل الروسي في بولندا فأوعزتا إلى الدولة العثمانية أن تدخل الحرب ضد روسيا وبروسيا فقبل السلطان بحرب روسيا ورفض حرب بروسيا لإعجابه بزعيمها ولم تهدف فرنسا والنمسا بطبيعة الحال إلى مصلحة الدولة العثمانية ولكن إلى تحقيق مصالحهما فقط ولذلك لم تكن عندهما نية المساعدة الحقيقية لها في حربها المرتقبة ضد الروس أما السلطان العثماني مصطفى الثالث فقد نظر إلى الأمور بسطحية ولم يقدر للوضع قدره ومن ثم أعجبته فكرة حرب روسيا دون دراسة جادة على أرض الواقع ظانّا أن الأمر لن يعدو أن يكون مناوشات ستكون في صالحه وعلي ما يبدو أن السلطان مصطفى الثالث لم يكن متابعا ومقدرا لمدى التقدم الكبير الذى حققه الجيش والأسطول الروسيان بعد ولاية كاترين الثانية ولم ينتبه إلى أن جيشه لم يحارب منذ عام 1739م على الجبهات الأوروبية ولم يحارب منذ عام 1746م على الجبهة الإيرانية بما يعني أن الجيش العثماني لم يخض قتالا منذ 22 عاما وكانت هذه هي أطول فترة سلام في تاريخ الدولة العثمانية العسكرية فكانت النتيجة أن فقد الجنود قوتهم وطاقاتهم ومهاراتهم كما فقد القادة قدراتهم التخطيطية والقيادية وبالتأكيد فقد صار الفارق ملحوظا بين الجيشين الروسي والعثماني وأيضا لم يفهم السلطان طريقة الأوروبيين في تعاملاتهم الدبلوماسية وهي أن العهود والعقود لم تكن تعني عندهم إرتباطا قانونيا وأخلاقيا يتحتم الإلتزام به إنما كانت تعني تحقيق مصلحة وقتية معينة فإذا ظهرت مصلحة أكبر ألقوا بالعهود والعقود خلف ظهورهم دون أى تردد وهكذا فعل ملك بروسيا فردريك العظيم فقد سبق وأن عقد مع الدولة العثمانية في عام 1761م معاهدة دفاع مشترك تستوجب حربه إلى جانبها ضد روسيا ثم عقد بعدها بثلاث سنوات في عام 1764م معاهدة دفاع مشترك مع روسيا تستوجب حربه إلى جانبها ضد الدولة العثمانية وهذا الجهل بالسياسة العالمية لا عذر فيه للسلطان العثماني ولا لرجال دولته وهذا يعني أن الدولة العثمانية ضد روسيا ستدخل الحرب بلا أعوان أو حلفاء بينما نجد روسيا مدعومة ببولندا وبريطانيا ويحتمل بروسيا أيضا وقد نقلت بعض المصادر دعم بروسيا لروسيا بالمال أثناء حربها مع العثمانيين ومن ناحية أخرى لم يحسب السلطان العثماني مصطفي الثالث ورجاله حساب الإنفلات الكبير للولايات العربية من سيطرة الدولة العثمانية وهذا بلا شك سيكون له عواقب وخيمة في غاية السوء على الوضع السياسي والعسكرى أثناء الحرب حيث سيقود هذا الإنفلات إلى تشتيت الجيش العثماني في جبهات مختلفة وقد يتعاون المنقلبون مع العدو بشكل مباشر وكان أيضا لا ينبغي للعثمانيين أن ينسوا أن معظم سواحل البحر الأبيض المتوسط الشرقية والجنوبية كانت قد صارت تحت حكم هؤلاء المنشقين فسواحل لبنان كانت مع الشهابيين وسواحل فلسطين كانت مع ظاهر العمر وسواحل مصر كانت مع علي بك الكبير وسواحل ليبيا وتونس والجزائر كانت مع حكام هذه البلاد منذ عقود وهذا سيحرم الأسطول العثماني من قواعد إمداد مهمة وقد تمثل موانئ هذه الأقطار عونا للأعداء وأخيرا لم يتابع العثمانيون بإهتمام وجدية ما يحدث في إيران في هذا الوقت حيث كان ظهور كريم خان وتأسيس الدولة الزندية قد يحمل أخطار التوسع الإيراني في الأناضول أو العراق وقد يتطلَب الأمر وجود جيش عثماني ثابت في هذه المناطق الشرقية مما قد يضعف من صلابة القوات العثمانية في الجبهات الأخرى بشكل عام .


وفي ظل هذه الملابسات كان الأولى بالسلطان مصطفي الثالث أن يسعى لتجنب الحرب ضد روسيا أو تأجيلها لا أن يسعى لإشعالها ونعم لن يترك الروسُ العثمانيين وكانت الحرب بالتأكيد حتميةٌ بينهما لكون الروس كانوا حريصين تماما على الوصول إلى سواحل البحر الأسود بل إلى البحر الأبيض المتوسط أيضا ولن يكون هذا إلا بصدام عسكرى مع الدولة العثمانية لكن كان دور القيادة السياسية العثمانية أن تتخير الوقت المناسب للصدام المسلح وأن تسعى بكل وسيلة لإختيار الوقت الأنسب لجيشها حتى يمكنها الوصول لأفضل النتائج وقد قادت الظروف إلى ما كان السلطان العثماني مصطفى الثالث يرغب فيه ففي شهر فبراير عام 1768م وفي بولندا نظم مجموعة من النبلاء ثورة ضد الحكم البولندي الموالي لروسيا وكانت هذه الثورة في مدينة بار في إقليم بودوليا القريب جدا من الحدود العثمانية وهو في دولة أوكرانيا الآن وفي يوم 20 يونيو عام 1768م تمكن الجيش الروسي الذى كان قد إقتحم بولندا في السابق من الإستيلاء علي قلعة بار وعندما فرت فرقة من البولنديين المحاصَرين إلى الحدود العثمانية تبعتهم الجيوش الروسية لفترة داخل الأراضي العثمانية مما مثل خرقا للمعاهدات المبرمة بين البلدين وأوعز السلطان مصطفى الثالث إلى كريم كيراى خان تتار القرم أن يدفع الأمور إلى الأسوأ حتى يجد الحجة الرسمية القوية لإعلان الحرب علي روسيا فهاجم كريم كيراى قوزاق أوكرانيا الموالين للروس فردوا بإقتحام مدينة بالطة العثمانية وهي في أوكرانيا الآن مع ذبح معظم أهلها وقدرت بعض المصادر القتلى المسلمين بألف شخص فأرسلت الدولة العثمانية إحتجاجا شديد اللهجة إلى روسيا التي أنكرت علاقتها بالأمر أو معرفتها به لكن السلطان العثماني مدفوعا بالسفير الفرنسي بإسطنبول والنبلاء البولنديين ومؤيدى الحرب في الدولة العثمانية أعلن في يوم 8 أكتوبر عام 1768م الحرب على روسيا لتبدأ الحرب الروسية العثمانية الكارثية التي ستستمر ست سنوات أى حتي نهاية عهد السلطان مصطفي الثالث وبداية عهد أخيه وسلفه السلطان عبد الحميد الأول في عام 1774م والتي ستمثل بدايتها نهاية حقبة الثبات النسبي للدولة العثمانية وبداية حقبة الإنهيار الخفي وقد إعتبرها المؤرخون واحدة من نقاط التحول في تاريخ الدولة العثمانية وأيضا نقطة تحول في تاريخ روسيا وقارة أوروبا ولذلك فقد أفردوا لها صفحات كثيرة للبحث في أسبابها وخلفياتها لتحليلها وإستخلاص النتائج التي ترتبت عليها .


ومع أن الدولة العثمانية أعلنت الحرب على الروس في شهر أكتوبر من عام 1768م إلا أنها لم تتخذ أى خطوات إيجابية وتلكأت في التحرك حيث خرج جيشها متثاقلا في ربيع عام 1769م إلى ناحية البغدان وقد شجع هذا التردد الروسَ على إقتحام الحدود العثمانية في ثلاث جبهات هي البغدان والقرم والقوقاز وبخصوص جبهة البغدان فقد حقق فيها الروس نجاحا كبيرا حيث حاصروا مدينة خوتين بشمال البغدان وهي في جنوب أوكرانيا الآن ثم أسقطوها في يوم 17 سبتمبر عام 1769م وبعدها إحتلوا العاصمة البغدانية ياسي في يوم 7 أكتوبر عام 1769م ثم إخترقوا الأفلاق وإحتلوا بوخارست في يوم 17 نوفمبر عام 1769م ومنها تشعبت قواتهم لتحتل ولاية الأفلاق كلها وهكذا ففي غضون شهرين فقط سقط إقليمان كبيران مهمان في يد القوات الروسية ولم يكن نجاح الروس في جبهتي القرم والقوقاز مماثلا إذ تعرضوا في جبهة القرم لهزيمة من كريم كيراى خان القرم الذى أَخذ منهم عددا كبيرا من الأسرى وفي جبهة القوقاز وصلوا إلى چورچيا ولكنهم لم يحققوا إنتصارات حاسمة وعلى العموم فقد كانت الحملة إجمالا ضربةً شديدة للدولة العثمانية فقد دخل الشتاء وإنقضى موسم الحرب وستبقى البغدان والأفلاق في يد الروس إلى العام المقبل 1770م قبل أن يتمكن العثمانيون من إستردادهما إن إستطاعوا ولما حل عام 1770م لم تكن الأوضاع بأفضل حالا من سابقتها حيث تلقت الدولة العثمانية عدة صدمات قوية وكانت الصدمة الأولى غير متوقعة تماما حيث ظهر الأسطول الروسي فجأة في بحر إيجة وإستطاع أن يحتل ميناء كورون على الساحل الجنوبي لليونان وكان الأسطول الروسي قد وصل إلي هذه النقطة بعد أن أبحر بقيادة إنجليزية من بحر البلطيق ومنه إلى بحر الشمال فالقنال الإنجليزى ثم المحيط الأطلنطي فمضيق جبل طارق ثم البحر المتوسط كله من غربه إلى شرقه حتى دخل بحر إيجة وحقا فقد كانت رحلته رحلة طويلة وشاقة ويصفها بعض المؤرخين بالرحلة المجنونة والتي كانت لا تقوى عليها الأساطيل الإحترافية الكبرى وكان من الواضح أن العثمانيين لم يتابعوا التطور المذهل الذى كانت قد وصلت إليه البحرية الروسية في ظل حكم الإمبراطورة كاترين الثانية وفي ظل التدريب الإنجليزى المستمر وكانت البحرية الفرنسية قد رصدت دخول الأسطول الروسي في البحر المتوسط وأبلغت الدولة العثمانية عن طريق سفير فرنسا في إسطنبول لكن العثمانيين لم يأخذوا الأمر بمأخذ الجد فهذه هي المرة الأولى في التاريخ التي يدخل فيها أسطول روسي إلى البحر المتوسط ولذا كانت المفاجأة قاسية والأعجب من ذلك أن الأسطول الروسي وصل إلى اليونان في شهر فبراير عام 1770م وهذا يعني خروجه من روسيا في شهر ديسمبر عام 1769م أو في شهر يناير عام 1770م وكان هذا الأمر مستحيل لأن بحر البلطيق تكون مياهه متجمدة في هذا التوقيت وهذا ما جعل العثمانيين مطمئنين إلى عدم قدرة الأسطول الروسي على القدوم في هذا التوقيت ولكن الواقع أن روسيا كانت قد أرسلت عددا من سفنها إلى عدة موانئ أوروبية بدايةً من شهر سبتمبر عام 1769م وقبل أن تتجمد مياه بحر البلطيق وذلك تمهيدًا لخروج هذه السفن في الشتاء لمباغتة العثمانيين الذين لن يتوقعوا أبدا الهجوم في هذا التوقيت وكانت هذه الموانئ تشمل كوبنهاجن في الدانمارك وماهون في أسبانيا وبورتسموث في إنجلترا ولشبونة في البرتغال وفي الحقيقة فقد كان الإعداد الروسي للحملة ممتازا وعلي العكس كان الإعداد العثماني للحرب مع الروس في منتهي العشوائية والسوء .


وكانت الصدمة الثانية للعثمانيين هي إكتشافهم أن المخابرات الروسية كانت قد رتبت إتفاقا سريا مع اليونانيين في شبه جزيرة المورة للقيام بإنقلاب على الدولة العثمانية حال قدوم الأسطول الروسي مع وعد بإقامة دولة يونانية أرثوذكسية برعاية الروس ومن ثم قامت فعلا هذه الثورة التي عرفت بثورة أورلوڤ نسبة إلى قائد الأسطول الروسي اليكسي أورلوڤ وكان نجاح الثورة جزئيا حيث تمكنوا من إحتلال بعض القلاع لكنهم فشلوا في السيطرة على المورة لكن كشفت هذه الثورة عن عدة أمور سلبية أولا ضعف المخابرات العثمانية التي لم تدر شيئا عن مثل هذه الترتيبات وإدراك أن الروس سيستخدمون هذا الأسلوب الخطير في إختراق الدولة العثمانية وهو أسلوب التواصل مع الشعوب التابعة للدولة العثمانية وإغرائها بالإنفصال والتحفيز بالدين ولا ننسى أن الروس أرثوذكس وكذلك معظم الشعوب النصرانية التابعة للدولة العثمانية فكان هذا مدخل في غاية الخطورة والأهمية وثالثا كانت الثورة دليلا على أن الشعوب صارت غير راضية عن الحكم العثماني وتريد الفكاك منه في أقرب فرصة ولا شك في أن فساد الإنكشارية ورجال الحكومة العثمانية الذى دفع المسلمين في الأقطار المسلمة التابعة للعثمانيين إلى البحث عن الإستقلال سيدفع غير المسلمين بصورة أكبر وما حدث في اليونان من المتوقَّع أن يحدث أيضا في أقطار نصرانية أخرى قريبا وكان الشتاء قد دخل في هذا الوقت ومن ثم لم يكن هذا التوقيت مناسبا لأى عمليات عسكرية بحرية من الجانبين ولذلك عسكر الأسطول الروسي في كورون في إنتظار الصيف وكذلك لم يتقدم الأسطول العثماني لملاقاة الروس وبينما لم يستفق العثمانيون من صدمة الأسطول الروسي إذا بهم يتلقون الصدمة الثالثة ولكن في هذه المرة جاءتهم من الداخل فعلى الرغم من إستقلال علي بك الكبير منذ سنوات بمصر فإن السلطان مصطفي الثالث ارد أن يستخدمه في قمع تمرد في مكة المكرمة فأرسل إليه يطلب منه التوجه بجيشه المصري إلى هناك ووافق ذلك رغبة علي بك الكبير في التوسع وأرسل جيشا في شهر يونيو عام 1770م بقيادة تابعه المملوكي محمد بك أبو الذهب لقمع التمرد ثم إنتهى الأمر بضم الحجاز كله لصالحه لا لصالح الدولة العثمانية وصارت مكة المكرمة والمدينة المنورة بذلك خارج السيطرة العثمانية ونودي بعلي بك الكبير في الحرمين الشريفين سلطان مصر وذكر إسمه ولقبه على منابر المساجد في بلاد الحجاز كلها وكان من الواضح أن السلطان مصطفي الثالث ضعيف الحيلة في هذا الموقف فهو يطلب من رجل متمرد أصلا أن يقمع تمردا آخر والواقع أن الضعف الذى كانت تعانيه الدولة العثمانية في هذا التوقيت هو الذي أدى إلى هذه المواقف الغامضة ولا ننسى أن أمور الحجاز كانت تتابع بطاقم الحكومة العثمانية في مصر ولا ننسى أيضا الأهمية الدينية لمكة المكرمة والمدينة المنورة مما يجعل تمردهما على الدولة العثمانية مقلقا لها جدا وكان هذا هو الذى دفع السلطان مصطفي الثالث إلى هذه المغامرة بإرسال علي بك الكبير إلى الحجاز على أمل أن يطمئن الرجل إلى رضا السلطان عليه فيقلع عن فكرة التمرد ولكن خاب تخمين السلطان في هذا الأمر .


وكانت الصدمة الرابعة التي تلقتها الدولة العثمانية في البحر حيث توجه الأسطول الروسي في شهر يونيو عام 1770م شمالا إلى منطقة المضائق وإلتقى الأسطولان العثماني والروسي في يوم 6 يوليو عام 1770م بالقرب من جزيرة خيوس ببحر إيجة وبعد إشتباكات إستمرت لأربع ساعات إنتصر العثمانيون علي الأسطول الروسي ولكن النصر لم يكن حاسما وعادت سفن الأسطول العثماني لميناء شيسما والذي كان يعد من الناحية التكتيكية خطأ فادح حيث ان عدد السفن الكبير للأسطول العثماني وضيق الميناء جعل سفن الأسطول العثمانى غير قادرة على عمل أى مناورة بحرية لازمة للمعركة وفي ليله 7 يوليو عام 1770م تسلل إلى الميناء عدد من سفن الإحراق الروسية وأشعلت النيران في بعض السفن العثمانية مما تسبب في إنفجار بعض مخازن الوقود وإمتدت النيران إلى باقى سفن الأسطول العثماني المتمركز بالميناء ليحترق كامل الأسطول البحرى العثمانى ولتنتهى المعركة بتكبد القوة البحرية العثمانية خسائر فادحة وغرق كامل أسطولها وبعد ذلك فكر الروس في العودة لإقتحام المضائق للوصول إلى إسطنبول لكن حالت التحصينات الموجودة على الدردنيل من دخولهم فإكتفوا بإحتلال جزيرة ليمنوس القريبة من مدخل المضيق وبلا شك كان فقد الأسطول العثماني كارثةً بحريةً حقيقيةً للدولة العثمانية حيث أن هذه الخسارة ستعطي الأسطول الروسي فرصة الحركة في البحر المتوسط دون وجل خاصةً أن أسطول العثمانيين المتواجد في البحر الأسود لا يمكنه ترك قواعده خوفا من تسلل الروس هناك ثم جاءت الصدمة الخامسة التي تلقاها العثمانيون في نفس العام 1770م وكانت في البغدان حيث أخرجت الدولة العثمانية جيشا ضخما لإستعادة هذا الإقليم وذلك في شهر يوليو عام 1770م وضم الجيش العثماني 150 ألف جندى تحت قيادة الصدر الأعظم عوض زادة باشا بينما كان الجيش الروسي في المنطقة يقترب من 40 ألفا فقط وفي أول أغسطس عام 1770م إلتقى الجيشان بالقرب من نهر كاجول جنوبي مولدوڤا وكان النصر الروسي حاسما وإختلفت التقديرات في عدد شهداء العثمانيين حيث قدرها البعص في حدود 20 ألف والبعض الآخر في حدود 50 ألف من الجنود وبعد هذه الموقعة سقطت معظم القلاع العثمانية في المنطقة وكان أهمها إسماعيل وكيليا وأكرمان وهذه كلها في أوكرانيا الآن كما سقطت برايلا وإيساكا في شرق رومانيا وأخيرا بِندر في مولدوڤا هذا وتعتبر موقعة كاجول هي الموقعة الأساسية في هذه الحرب كلها وتأكد الجميع بعدها أن النتيجة النهائية للصدام ستكون لصالح الروس وأخيرا كانت الصدمة السادسة والأخيرة التي تلقتها الدولة العثمانية وكانت في شهر نوفمبر عام 1770م وكانت داخليةً مرة أخرى حيث أغرى صمت الدولة العثمانية عن إنشقاق مصر وضياع الحجاز بسبب إنشغالها بحرب روسيا الوالي المصرى المتمرد علي بك الكبير على مواصلة التوسع فقام بغزو فلسطين بعد أن أرسل هناك جيش مملوكي بقيادة محمد بك أبو الذهب وإستطاع أن يضم غزة والرملة ثم إتجه شمالا وإحتل يافا ثم بدأ مباحثات تحالف مع ظاهر العمر الذى كان قد إستقل بشمال فلسطين منذ سنوات عديدة ومما يذكر أن علي بك الكبير قبل أن يمضي في حملته على فلسطين إتصل بروسيا أعدى أعداء الدولة العثمانية والتي كانت في حرب معها وعرض عليها أن يعقد معها معاهدة تحالف وصداقة وأن تزوده بالأسلحة والعسكريين المدربين وأن يكون الأسطول الروسي حاميا للشواطئ المصرية ضد أية محاولات هجومية من قبل الدولة العثمانية وقد تمت هذه الإتصالات مع قائد الأسطول الروسي الذى كان مرابطا في البحر المتوسط وقد رد القائد الروسي على هذه الطلبات التي طرحها علي بك الكبير ردا دبلوماسيا طيبا ووعده بأنه سوف يعود إلى حكومته وإلى الإمبراطورة كاترين والتشاور معها بشأنها .


وعموما فبعد هزيمة العثمانيين في معركة ميناء شيسما البحرية أمام الروس لم ترد القوى الأوروبية أن تلحق روسيا هزيمة كاملة بالعثمانيين حيث أن هذا سيؤدى إلي تنامي قوة الروس ومن ثم تدمير توازن القوى والسلام الهش الذي مزقته الحروب المتتالية والذى كانت دول أوروبا بالكاد قادرة على المحافظة عليه ولذلك فقد عرضت بروسيا والنمسا وبريطانيا العظمى التوسط بين روسيا والدولة العثمانية خوفا من التوسع الروسي وقد تمكنت النمسا من تحويل الوضع لصالحها بإستيلاءها على إمتيازات أراضي من العثمانيين بموجب معاهدة أبرمتها مع الدولة العثمانية في يوم 6 يوليو عام 1771م وحافظ النمساويون بموجبها أيضا على الحضور العسكري المتزايد على حدودهم مع مولداڤيا وولاخيا وزيادة المساعدات المادية للعثمانيين المتعطشين كما وعدت النمسا أيضا العثمانيين بدعمهم ضد روسيا بطريقة أو بأخرى وفي المقابل كانت كاترين الثانية تعلم تمام العلم بأن الجيش النمساوي قريب جدا من جيشها وكانت لا ترغب في صدام معه أو في حرب أوروبية شاملة ومن ثم قبلت خسارة بولندا ووافقت على تقسيم الملك البروسي فريدريك الثاني لها كما وافقت سرا على إعادة الإمارات التي تم الإستيلاء عليها للعثمانيين وبعد حوالي تسعة شهور وفي يوم 8 أبريل عام 1772م تلقي العثمانيون لطمة قاسية حينما أخبر كونتيز وزير الشؤون الخارجية النمساوي العثمانيين بأن النمسا لم تعد تعتبر معاهدة شهر يوليو عام 1771م ملزمة لها وقد واصل الروس إنتصاراتهم علي العثمانيين فإستولوا على بلاد القرم وأعلنوا إنفصالها عن الدولة العثمانية وإستقلالها تحت حماية روسيا وأقاموا حاكما عليها بإسم كاترين الثانية إمبراطورة روسيا وأخيرا وبعد أن أرهقت الحرب كل من الروس والعثمانيين توصل الطرفان إلي إتفاق بوقف إطلاق النار في يوم 30 مايو عام 1772م وإضطرت الدولة العثمانية إلى عقد هدنة مع روسيا في يوم 9 ربيع الأول عام 1186 هجرية الموافق يوم 10 يونيو عام 1772م غير أن روسيا تعسفت في مطالبها لإمضاء الهدنة إذ إشترطت إعتراف الدولة العثمانية بإستقلال تتار القرم وطالبت بحرية الملاحة لسفن روسيا التجارية في البحر الأسود وجميع بحار الدولة العثمانية ولما لم تقبل الدولة هذه الشروط إنفض المؤتمر الذى عقد بين الدولتين لهذا الغرض ثم بدأت جولة أخرى من المفاوضات بين الدولتين حول القرم بداية من يوم 8 أغسطس عام 1772م وتم تمديد الهدنة بينهما حتى يوم 20 مارس عام 1773م وكان لكل من الطرفين أسبابه لمواصلة المفاوصات حول القرم حيث كان كل طرف يرغب في تثبيت هذه الجبهة ومواصلة القتال على الجبهات الأخرى .


وحدث أن إخترقت الهدنة في البحر المتوسط ما بين يوم 26 ويوم 29 أكتوبر عام 1772م وما بين يوم 6 ويوم 9 نوفمبر عام 1772م حيث قام سرب الكابتن ميخائيل كونيايڤا الروسي في خليج پاتراس بتدمير سرب سفن عثمانية وفي الشهور الأولي من عام 1773م توغل الأسطول الروسي في شرق البحر المتوسط محاولا الإبرار بعد هجوم فاشل على حصن مودون الذى يقع علي الساحل اليوناني وتم فرض حصار على مدينة وميناء بيروت إستمر شهرين وإنتهى بسقوط المدينة بدعم من الشيوخ الدروز وخلال الفترة من يوم 23 مايو وحتي يوم 3 يونيو عام 1773م وقع حادث شهير كان أول انتصار للأسطول الروسي بالبحر الأسود حيث تمكنت مفرزة من أسطول أزوڤ بتدمير عدد 6 سفن عثمانية وما بين يوم 29 مايو حتي يوم 9 يونيو عام 1773م تم تدمير أسوار حصن سودزوك وفي يوم 23 أغسطس عام 1773م وفي محاولة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه أقلع سرب سفن عثماني مكون من عدد ثمانية عشر سفينة بقوات قوامها 6 آلاف شخص كان المقصود زرعهم في القرم وفي وسط هذه الظروف الحرجة توفي السلطان مصطفى الثالث في يوم 8 من شهر ذى القعدة عام 1187 هجرية الموافق يوم 21 يناير عام 1774م عن عمر يناهز 57 عاما وتولى أخوه السلطان عبد الحميد الأول السلطنة والذى لم يكن سلطانا قويا أو سياسيا ماهرا نظرا لعدم مشاركته تماما في تدبير أمور الدولة ولم يكن أيضا قد تولي بعض المناصب فيها فقد كان رهين القصر طيلة حكم أخيه السلطان مصطفى الثالث ولذا لم يكن غريبا أن تستمر سلسلة هزائم الدولة العثمانية وتتوالى نكباتها ومصائبها دون أن تجد سلطانا قويا أو قائدا قديرا يأخذ بيد الدولة وينتشلها مما هي فيه من مهانة وضياع فلأول مرة في تاريخ الدولة العثمانية تتغلب عليها دولة أوروبية بمفردها دون حليف وشريك في حرب شاملة برية وبحرية دامت 6 سنوات من عام 1768م وحتي عام 1774م وإستمرت الأحوال تسير من سئ إلى أسوأ داخل الدولة العثمانية في الوقت الذى تتلقى فيه هزائم متتالية في الخارج من روسيا وإضطرت إلى طلب الصلح وعقدت معاهدة بين الطرفين أخيرا في مدينة كيتشك كاينارجي ببلغاريا في يوم 12 جمادى الأولى عام 1188 هجرية الموافق يوم 21 يوليو عام 1774م وكانت هذه المعاهدة هي أسوا معاهدة أو صلح عرفته الدولة العثمانية طوال تاريخها حتي ذلك الحين .

وجاءت هذه المعاهدة في عدد 28 مادة بالإضافة إلي مادتين إضافيتين منفصلتين وقد أورد نصها الزعيم الوطني الكبير محمد فريد باشا في كتابه تاريخ الدولة العلية وبمقتضى هذه المعاهدة الجائرة إنفصلت خانية القرم عن الدولة العثمانية وأصبحت دولة مستقلة لا ترتبط بالدولة العثمانية وعلي أن يقوم فقط شيخ الإسلام في إسطنبول بتنظيم الشئون الدينية للقرم ونصت المعاهدة أيضا على منح الأفلاق والبغدان الإستقلال الذاتي تحت السيادة العثمانية مع إعطاء روسيا حق التدخل في إختيار حكامها وأعطت المعاهدة لروسيا أيضا حق رعاية السكان الأرثوذكس الذين يعيشون في البلاد العثمانية وكان هذا الإعتراف ذريعة لروسيا في أن تتدخل في الشئون الداخلية للدولة العثمانية كما ألزمت المعاهدة أن تدفع الدولة العثمانية غرامات حرب لأول مرة في التاريخ فدفعت 15 ألف كيس من الذهب لروسيا وكانت الطامة الكبرى في هذه المعاهدة والتي تعد ضربة قاصمة وقوية للسياسة العليا للدولة العثمانية فيما يختص بسيادتها على البحر الأسود والمضائق فقد قررت المعاهدة أن تكون الملاحة للسفن الروسية التجارية حرة ومفتوحة وغير مشروطة ويكون لها الحق في حرية المرور في المضائق بين البحر الأسود والبحر المتوسط وحرية دخول الثغور والموانئ الواقعة على ساحل البحر الأسود وممارسة التجارة فيها وجدير بالذكر أن الدولة العثمانية كانت في إبان قوتها تفرض سيطرتها الكاملة على البحر الأسود والمضائق وكانت كل الدول تحترم هذه السياسة إلى حد أنه كان إذا أراد الرعايا الروس ممارسة التجارة بين موانئ البحر الأسود كان عليهم أن ينقلوا بضائعهم على سفن عثمانية تحمل العلم العثماني بإعتبار أنه كان يعد بحيرة عثمانية وعلاوة علي ذلك فقد قررت المعاهدة أن تكون تحت سيطرة روسيا بصورة كاملة ودائمة عدة مواقع وقواعد عسكرية عثمانية مثل قلعة كينبرن التي تقع عند مصب نهر الدنيبر وقلعة جنيكال وقلعة كيرتش الواقعتين في شبه جزيرة القرم وميناء ومدينة آزوڤ بمنطقتها وحدودها وهو ما أفقد الدولة العثمانية سيطرتها تماما على منطقة القرم من جهة وأضعف قبضتها على الملاحة في البحر الأبيض المتوسط من جهة أخرى وجدير بالذكر أنه على الرغم من أن معاهدة كيتشك كاينارجي لم تفقد بموجبها الدولة العثمانية سوى أراض قليلة إلا أنها رفعت روسيا دفعة واحدة إلى مصاف الدول القوية بعد إنجلترا وفرنسا وأنزلت الدولة العثمانية من القمة إلى السطح وكانت هذه هي بداية طريق الضعف والإضمحلال الذى سارت فيه الدولة العثمانية وأدى إلي سقوطها في النهاية في بدايات القرن العشرين الماضي .

 
 
الصور :
الإمبراطورة كاترين الثانية السلطان عبد الحميد الأول علي بك الكبير محمد بك أبو الذهب معركة شيسما البحرية بين العثمانيين والروسي السلطان سليم الثالث