السبت , 18 أبريل 2026

abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
الرئيسية
بانوراما
فرعونيات
بلاد وشركات
الحدث السياحي
سحر الشرق
سياحة وإستشفاء
أم الدنيا
حج وعمرة
أعمدة ثابتة
درجات الحرارة
اسعار العملات
abou-alhool

السلطان أحمد الأول

 السلطان أحمد الأول
عدد : 11-2022
بقلم المهندس/ طارق بدراوى
موسوعة كنوز “أم الدنيا”

السلطان أحمد الأول هو السلطان العثماني الرابع عشر وخليفة المسلمين التاسع والسبعين وسادس من حمل لقب أمير المؤمنين من آل عثمان وهو إبن السلطان محمد الثالث بن مراد الثالث بن سليم الثاني بن سليمان القانوني بن سليم الأول بن بايزيد الثاني بن محمد الفاتح بن مراد الثاني بن محمد الأول جلبي بن بايزيد الأول بن مراد الأول بن أورخان غازي بن عثمان بن أرطغرل مؤسس الدولة العثمانية وهو شقيق السلطان مصطفي الأول ووالد السلطانين عثمان الثاني ومراد الرابع وقد تولي الحكم عام 1603م خلفا لأبيه السلطان محمد الثالث وكان في سن 13 عاما وعلى الرغم من صغر سنه عند ولايته فإنه كان جديرا بالحكم وكانت له بعض الإسهامات المهمَة في التاريخ العثماني حيث كان يتميز بالحكمة والكفاية بحيث أنه أدرك في هذه السن المبكرة التي تولى فيها الحكم مدى التدهورَ الذى وصلت إليه مكانة السلطان الجالس علي عرش الدولة مما أثر بالسلب على إدارة الدولة ومن ثم سعي بكل طاقته لوضع حد لهذا التدهور وكان للسلطان أحمد الأول عند ولايته أخٌ واحد هو الأمير مصطفى الأول ولم يفعل مثلما فعل أبوه السلطان مراد الثالث أو جده السلطان محمد الثالث عندما قتلا إخوتهم عند توليهما العرش تأمينا لعرشيهما إنما أَرسل الأمير إلى القصر القديم ليعيش مع جدته صفية وجدير بالذكر أن كثير من المؤرخين يكرر مقولة إن السلطان أحمد الأول هو أول من أبطل عادة قتل السلاطين العثمانيين لأخوتهم عند ولاية العرش وفي الحقيقة إن هذه الجملة بها خطأ تاريخي يبدو متعمدا من بعضهم وهذا الخطأ في كلمة عادة حيث أنها تعطي الإنطباع بأن التاريخ العثماني قبل السلطان أحمد الأول كان يشهد بإستمرار قتل السلاطين لإخوتهم بطريقة منظمة بمجرد الصعود للعرش وهذا في الواقع إفتراء فهذه الجريمة المنظمة جريمة قتل الأخوة جميعا عند تولي الحكم لم يقم بها إلا سلطانان فقط هما مراد الثالث وإبنه محمد الثالث وليست هذه الجريمة عادة في التاريخ العثماني وبالفعل فقد تقاتل قبل ذلك إخوة السلطانين محمد الأول جلبي وسليم الأول على العرش لكن هذا القتل المنظم لم يحدث إلا مرتين فقط كما ذكرنا ويقول بعض المؤرخين إن السلطان أحمد الأول لم يقتل أخاه مصطفى لأنه كان الوحيد المتبقي من العائلة العثمانية ولم يكن السلطان أحمد قد تزوج وأنجب بعد فلم يتم القتل حفاظا على النسل العثماني ولكن الواقع أن السلطان أحمد الأول أنجب فيما بعد عدة أولاد ومع ذلك لم يقتل أخاه ونحسب أن السبب الحقيقي وراء عدم قتله لأخيه هو إهتمامه بالقواعد الشرعية في الحكم فقد كان ملتزما جدا بالشريعة حريصا على تطبيقها بالإضافة إلي رجاحة عقله وهذان هما السببان الأساسيان لمحافظته على حياة أخيه وقد ظهر حرصه على الدين كذلك في منعه بيع الخمور في الدولة وكانت قد إنتشرت منذ عهد السلطان العثماني الحادى عشر سليم الثاني وفي إهتمامه بوصول الصدقات إلى مستحقيها في جميع أنحاء الدولة العثمانية وفي رعايته للمساجد في الدولة وخاصةً في مكة المكرمة والمدينة المنورة بخلاف بنائه لمسجده الكبير الشهير في العاصمة العثمانية إسطنبول والذى إنتهي بناؤه في عام 1616م والذى يعد من أشهر معالمها ومن معالم العمارة العثمانية بوجه عام والمعروف بإسمه أو بالمسجد الأزرق نظرا لنقوشه وزخارفه الزرقاء اللون الرائعة الجمال .


وكان ميلاد السلطان أحمد الأول في يوم 30 أبريل عام 1590م في مدينة مانيسا بغرب تركيا وقد تولي الحكم وهو صبي صغير في سن 13 عاما بعد وفاة أبيه السلطان محمد الثالث في عام 1603م وقرر فور جلوسه على العرش نقل جدته صفية سلطان إلى القصر القديم بعيدا عن قصر الحكم وكانت هي المتحكمة في أمور الدولة في عهد إبنها السلطان محمد الثالث ومن قبل ذلك في عهد زوجها مراد الثالث وأدت قيادتها للدولة وتدخلها في شئون الحكم لكثير من الإضطرابات وبذلك عزل السلطان أحمد جدته عن السياسة وباشر الأمور بنفسه وأنهى بذلك سلطنة النساء في فترة حكمه وكانت هذه السلطنة مستمرة بشكل أو آخر منذ عام 1566م أي منذ وفاة السلطان العاشر العثماني سليمان القانوني وتولي إبنه السلطان سليم الثاني الحكم ومن الطريف أنه بعد وفاته عادت قيادة الدولة إلي يد النساء وتحديدا لزوجته كوسم سلطان التي لم يظهر لها دور في حياته القصيرة على الرغم من حبه الشديد لها ولكن بعد موته ستكون من أكثر النساء في التاريخ العثماني تأثيرا في السياسة إن لم تكن أكثرهن على الإطلاق ويبدو أن السلطان أحمد الأول كان يرى فيها ملكات القيادة فأطلق عليها هذا الإسم كوسم وهو يعني في التركية قائد القطيع حيث أنها قد تولت مقاليد الأمور في عهد إبنيها عثمان الثاني ومراد الرابع اللذان توليا الحكم وهما في سن صغيرة وقد إشتهر السلطان أحمد الأول بجديته وعدم حرصه على حياة الترف وكانت حياته جادة حتى في هواياته حيث كان من أهم إهتماماته الفروسية والرماية والشعر باللغتين التركية والفارسية وكان يتكلم عدة لغات مثل اللغة العربية واللغة الفارسية وأقحم نفسه بقوة في إدارة الدولة وكان يحضر إجتماعات الديوان بنفسه بعد عقود من تخلي السلاطين العثمانيين عن ذلك لصالح صدورهم العظام وحارب الرشوة والفساد ولم يتردد في توقيع أقصى العقوبة على الفاسدين ووصل الأمر إلى إعدام صدرا أعظم لثبوت الرشوة في حقه وإشتُهر بكثرة إستشارته للعلماء والتوقف عند فتواهم وله مواقف مهمة في هذا المجال وكان من الممكن أن يكون للسلطان أحمد الأول شأن كبير في التاريخ العثماني وكان من الممكن أن يتردد إسمه كثيرا كواحد من السلاطين العثمانيين العظام الذين أعادوا لمركز السلطان هيبته وأثروا بشكل إيجابي واضح في حركة وكيان الدولة لولا أمرين الأول أنه إستلم البلاد وهي في وضعٍ سئٍ للغاية حيث كانت قد وقعت فريسة لأعداء ثلاثة في وقت متزامن هم النمسا وإيران وتمردات الداخل مما تسبب في العديد من الأزمات فكان عليه أن يخرج بأقل الخسائر من هذه الأزمات والثاني أنه لم يعمر طويلا حيث مات كما سنرى قبل أن يتم عامه الثامن والعشرين وبالتالي فلم تكن عنده الفرصة الكافية لتحقيق المكاسب وليعوض خسائر السنوات الأولى في حكمه .

وعندما إستلم السلطان أحمد الأول الحكم كان عليه أن يتعامل مع ثلاثة ملفات خطيرة في وقت متزامن الأول هو حسم الحرب مع النمسا وهي الحرب غير الضرورية التي نشبت في أيام أبيه السلطان مراد الثالث منذ عام 1593م وإستنزفت موارد الدولة بشكل كبير وكانت الدولتان العثمانية والنمسا خاسرتين فيها والموقف يبدو متعادلا والإستنزاف للدولتين مستمر وكانت خلفيات هذه الحرب عندما قام والي البوسنة حسن باشا بعدة هجمات على كرواتيا التابعة للنمسا خلال عام 1591م وعام 1592م دون الرجوع للحكومة المركزية في إسطنبول وفي ربيع عام 1593م حاصر حسن باشا مدينة سيساك المهمة في وسط كرواتيا لكنه تعرض في يوم 22 يونيو عام 1593م لهزيمة كبيرة من الجيشين النمساوي والكرواتي وقتل الوالي البوسنوي أثناء المعركة وكانت هذه الهزيمة هي الشرارة التي أوقدت حربا ستستمر ثلاثة عشر عاما من عام 1593م وحتي عام 1606م وهي التي عرفَت بالحرب الطويلة وكان الملف الثاني أمام السلطان هو التعامل مع الهجوم الصفوى الناجح على شرق الدولة العثمانية لإسترداد ما أخذه الشاه الصفوى عباس الأول أو على الأقل تحجيم طموحاته التوسعية داخل الدولة العثمانية وأخيرا كان الملف الثالث هو مقاومة التمردات الشديدة في إقليم الأناضول التي بدا أنها ستمتد خارجه قريبا وكانت هذه الملفات الثلاثة كلها تندرج تحت عنوان مهم وعاجل لذا كان من الصعب تأجيل أى واحد منهم على حساب الآخر ولهذا كان مضطرا أن يتعامل معها كلها في وقت متزامن وهذا لا شك أدى إلى قصور نسبي في كل جبهة ومع ذلك فقد كانت النتائج مرضية بالنظر إلى هذه الظروف الصعبة وبالنظر كذلك إلى ضعف حالة الجيش العثماني بالقياس إلى العهود السابقة ونظرا للتداخل في توقيتات التعامل مع هذه الملفات فإننا سنتناولها تناولا زمنيا فمع حلول عام 1604م وبعد أيام قليلة من تولي السلطان أحمد الأول العرش فبعد الرجوع إلى القيادات العسكرية والديوان قرر السلطان إخراج جيشين في شهر يونيو عام 1604م الأول إلى المجر والثاني إلى إيران وكان الشعور العام عند الدولة أن الخطر النمساوى أكبر وأن طموحاتهم في السيطرة على المجر بكاملها قوية كما أن إنفلات الوضع في إمارات الأفلاق وترانسلڤانيا مقلق أما الوضع على الجبهة الشرقية فهو أقل خطورة لأن الأراضي التي أخذها الشاه الصفوى عباس الأول حتى الآن لا تعتبرها الدولة العثمانية أراضي حقيقيةً للعثمانيين بل هي كالولايات الحدودية التي تمت السيطرة عليها فقط لتأمين الحدود الشرقية للدولة وفي الحقيقة فقد كانت الحرب العثمانية الصفوية والتي حدثت بين عام 1578م وعام 1590م في عهد السلطان مراد الثالث حربا بلا رؤية ولم يسع العثمانيون إلى دعم وجودهم في الأماكن التي حازوها في هذه الحرب وهي أذربيچان وچورچيا وأرمينيا وشمال غرب إيران وهذا يعني أن ضياع هذه الأماكن من العثمانيين كان لا يمثل مشكلةً كبيرةً للدولة اللهم إلا أنه سيجعل نقاط الصدام اللاحقة مع الصفويين في داخل أرض الدولة العثمانية بدلا من أن تكون في أرض الصفويين وكان هذا الترجيح لخطر النمسا على خطر الصفويين وهو ترجيح بلا شك صائب في هذه المرحلة جعل السلطان أحمد الأول وديوانه يوجهون القوة الأكبر والقيادة العسكرية الأكثر تمرسا وحنكة إلى المجر لا إلى إيران وبلا شك فإن ذلك سيكون له مردود على النتائج .


وخرج الجيش العثماني الأول إلى المجر في يوم 3 يونيو عام 1604م بقيادة الصدر الأعظم مالكوش علي باشا الذي مات بعد أقل من شهرين من خروج الحملة لأسباب طبيعية فتولى قيادة الجيش الصدر الأعظم الجديد لالا محمد باشا وهو رجل عسكرى قدير وعلى الرغم من دخول الشتاء فإنه إستطاع إسترداد مدينتي بست وڤاك من النمساويين فأمن بذلك مدينة بودا المهمة وحاصر إزترجوم لكنه لم يتمكن من فتحها بسبب البرد القارس فإنسحب مؤقتا ولكن بعد أن أخذ بإنتصاراته زمام المبادرة في الحرب ولم يقابل هذا النجاح في الجبهة النمساوية نجاح مثله في الجبهة الإيرانية وكان الجيش العثماني الثاني قد خرج إلى إيران في يوم 15 يونيو عام 1604م بقيادة سنان باشا وكانت خطوات الجيش متثاقلة وقراراته بطيئة وفي أثناء ذلك سقطت مدينة أريڤان الأرمينية في يد الصفويين وكانت محاصرةً منذ العام المنصرم ولأن سنان باشا كان قد وصل إلى الحدود الصفوية في يوم 15 نوفمبر عام 1604م رأى أن الأفضل والصواب عكس ذلك وهو أن ينسحب إلى مدينة ڤان بالأناضول ليقضي فيها الشتاء وذلك على عكس رغبة باقي قادة الجيش المصاحب له فإنتهز الشاه عباس الأول الفرصة وقدم قواته لإحتلال قلعة قارص الإستراتيجية وهكذا ضاع عام 1604م في هذا التباطؤ وفقد العثمانيون زمام المبادرة وفي الوقت نفسه إشتعلت التمردات من جديد في الأناضول بقيادة تاڤيل أحمد وهو أحد الموظفين العثمانين المنشقين على الحكومة وكانت الجيوش العثمانية منشغلةً في المجر وشرق الأناضول فلم يتمكن أحد من إخماد هذا التمرد وكان من الأحداث المهمة أيضا في هذا العام قيام ثورة في إقليم ترانسلڤانيا بقيادة نبيل مجرى إسمه ستيفن بوسكاي وكانت ترانسلڤانيا قبل ذلك تابعةً للدولة العثمانية ولكنها غيرت ولاءها للنمسا في أواخر القرن السادس عشر الميلادى المنصرم في عهد السلطان محمد الثالث والآن يقوم الرومانيون بالثورة على الإمبراطور النمساوى وإنتهز السياسي القدير لالا محمد باشا الفرصة وتواصل مع بوسكاي عارضا دعمه له في مقابل عودة ولاء ترانسلڤانيا للدولة العثمانية ووافق بوسكاى وهذا كان له تأثيره الكبير في تثبيت العثمانيين بشكل أكبر في المجر .

ومع بداية العام التالي 1605م تواصل الفشل العثماني في الجبهة الشرقية مع الصفويين مع النجاح والتقدم النسبي في الجبهة الغربية ضد النمسا وفي صيف هذا العام تحرك سنان باشا بجيشه إلى تبريز لإستردادها من يد الصفويين وفي واقع الأمر لم تكن تحركات الجيش العثماني حكيمة وفقدت القوات المختلفة القدرة على التواصل الجيد ووقع الجيش العثماني في كمين وإضطر في يوم 9 سبتمبر عام 1605م إلى الدخول في معركة كبيرة بجوار شاطئ بحيرة أورمية شمال غرب إيران وفي هذه الموقعة حقق الصفويون أول نصر لهم على الدولة العثمانية في حرب ميدانية مفتوحة وذلك منذ نشأة الدولة الصفوية عام 1501م وقتل من الجيش العثماني عشرون ألفا وإنسحب العثمانيون إلى ديار بكر وتأزم الموقف أكثر عندما وصلت قوات عثمانية من حلب بقيادة حسين جنبلاط باشا فأمر سنان باشا بإعدام القائد بتهمة التأخر في الوصول والذى أدى إلى هزيمة العثمانيين في أورمية وبلا شك كان هذا الإجراء غير صائب من جانب سنان باشا حيث أدى هذا الإعدام إلى قيام تمرد كبير في لبنان وغرب سوريا بزعامة شيخ الدروز فخر الدين وإستغل المتمرد العثماني تاڤيل أحمد هذه الأحداث فسيطر على مدينة خربوط في الأناضول وأرسل إبنه محمد للقيام بتمرد مماثل في العراق وبالفعل فقد نجح في السيطرة على بغداد وهكذا صار الوضع في الجبهة الشرقية في نهايات عام 1605م سيطرة صفوية على غرب إيران وچورچيا وأرمينيا وتمردات خطيرة في الأناضول ولبنان وسوريا والعراق وعلاوة علي ذلك فقد توفي سنان باشا فجأةً في شهر ديسمبر من هذا العام لأسبابٍ طبيعية فصارت الجيوش العثمانية في الشرق بلا قائد وعلى الناحية الأخرى كان الوضع جيدا في الجبهة النمساوية إذ إستطاع لالا محمد باشا أن يقوم بتحركات عسكرية ناجحة سيطر فيها على مدينتي ڤيزبريم وبالوتا المجريّتين ثم توج إنتصاراته بفتح مدينة إزترجوم المهمة في يوم 3 أكتوبر عام 1605م وذلك بمساعدة الأمير المجرى بوسكاي .


وفي بدايات العام التالي 1606م دفع الوضع المتردى للدولة العثمانية في الجبهة الشرقية الشاه عباس الأول إلى تصعيد هجومه على الحاميات العثمانية في الشرق فتمكن في بداية هذا العام من السيطرة على المدن الأذربيچانية المهمة مثل باكو وشيروان وشماخي وجانچا وأيضا كانت تمردات الأناضول والشام والعراق مستمرةً على حالها وفي المقابل كان الوضع مستقرا في المجر وكان هذا التفاوت في وضع الجيوش الشرقية والغربية قد دعا السلطان أحمد الأول إلى إستدعاء الصدر الأعظم لالا محمد باشا ليعطيه قيادة الجيوش الشرقية ووصل الصدر الأعظم إلى إسطنبول ولكنه مات فجأةً في يوم 25 يونيو عام 1606م وتم تعيين درويش محمد باشا كصدر أعظم جديد لكنه أُعدم بعد شهور قليلة لشكوك في قيامه بتسميم السلطان الراحل محمد الثالث وكانت الحرب الطويلة بين العثمانيين والنمساويين قد أنهكت كلا الطرفين وكان العثمانيون يحتاجون كذلك للتفرغ لمشاكلهم في الجبهة الشرقية مع الصفويين والمتمردين ولذا فقد وافق السلطان العثماني أحمد الأول على إجراء مفاوضات السلام وعهد إلى الوزير المسن والكفء قيوجي مراد باشا بإدارة مفاوضات الصلح مع النمسا وكان إسترجاع العثمانيين لقلعة إستركون الحصينة بشمال ولاية بودين بالمجر وذلك بعد حصار شديد بعد أن ظلت أسيرة في أيدى النمساويين عشر سنوات كما أنهم قد إستعادوا أيضا بعض القلاع علاوة علي أن الجيش العثماني كان قد إستطاع الوصول إلى أقصى الشمال الشرقي من المجر وقد أدى كل ذلك إلي إقناع النمسا باللجوء للسلام وبدأت المفاوضات بين الطرفين في يوم 24 أكتوبر عام 1606م وذلك في مدينة زيتڤاتوروك وهي في دولة سلوڤاكيا الآن وفي يوم 10 من شهر رجب عام 1015 هجرية الموافق يوم 11 نوفمبر عام 1606م وقعت المعاهدة الشهيرة والتي عرفت بإسم المدينة المذكورة والتي وضعت النهاية للحرب الطويلة بين النمساويين والعثمانيين وقبلت فيها الدولة العثمانية شروط تعد مجحفة بالنسبة لها وكان من الممكن للدولة العثمانية أن تحصل على إتفاقية بشروط أفضل مع النمسا لولا تفاقم وحرج الموقف في الجبهة الشرقية مع إيران ومن ثم إضطرَت الدولة لقبول بنود لم تكن تقبلها في المعتاد ولذا تعتبر هذه المعاهدة مهمةً من الناحية التاريخيَة لأنها تعبر بوضوحٍ عن الضعف الذى كانت قد وصلت إليه الدولة العثمانية وطبيعة المرحلة التاريخية الجديدة التي تعيشها .


وإذا ما ألقينا نظرة علي بنود المعاهدة المشار إليها فبموجبها إتفق الطرفان على أن تبقى البلاد التي يسيطر عليها كل طرف في يده مع تغييرات طفيفة للغاية وهذا يعني تقريبا أن الوضع سيعود للحالة التي كان عليها قبل إشتعال الحرب بينهما في عام 1593م مما يؤكد أن فترة الحرب بينهما كانت بلا نتائج إيجابية لكلا الطرفين وكانت كلها إستنزافا بلا معنى للطرفين وهذا ما دعا المؤرخون إلي توجيه اللوم للسلطان مراد الثالث على الدخول في مثل هذه الحرب بلا أى رؤية مستقبلية أو هدف محدد وفي هذه المعاهدة أيضا أُعفيت النمسا من الضريبة السنوية التي كانت تدفعها للدولة العثمانية منذ عام 1568م على أن تدفع النمسا مبلغا قدره مائتي ألف فلورين ذهبي مرةً واحدةً على سبيل التعويض عن خسائر الحرب وكان هذا مكسبا دبلوماسيا حققته النمسا حيث تخلصت من الجزية التي تعني التبعية ولو شكليا وليس هذا فقط ولكن قبلت الدولة العثمانية في هذه المعاهدة وللمرة الأولى في تاريخها بأن تخاطب حاكم النمسا بعد ذلك بلقب الإمبراطور وكانت قبل ذلك لا تخاطبه إلا بلقب ملك وكانت تفعل ذلك منذ أيام السلطان العثماني السابع محمد الفاتح لتحتفظ بحقها في المطالبة بحكم روما وبقية أملاك الدولة الرومانية القديمة على أساس أن السلطان محمد الفاتح قد ورث كل هذه الأملاك بعد فتحه للقسطنطينية عام 1453م وكان هذا الأمر يبدو نظريا لكن كانت النمسا تقبل به مضطرةً لتفاوت ميزان القوة دوما مع الدولة العثمانية لصالح العثمانيين أما الآن فقد فرض التعادل في القوتين على الدولة العثمانية أن تقبل بهذا التنازل للمرة الأولى في تاريخها ولم تمنح الدولة العثمانية هذا اللقب الإمبراطور لأى زعيم أوروبي آخر حتى عام 1774م أى بعد 168 عاما من معاهدة زيتڤاتوروك عندما وافقت الدولة العثمانية على مخاطبة إمبراطورة روسيا كاترين الثانية به وهذا يوضح حجم الخسارة الدبلوماسية العثمانية وإن كانت تبدو للبعض يسيرة وكانت هذه هي المرة الأولى أيضا في تاريخ الدولة العثمانية التي تقبل فيها بتوقيع معاهدة خارج أرضها وكان في هذا دلالة أيضا على عدم قوة الموقف العثماني وكان الأمر الوحيد الذى في صالح الدولة العثمانية أن النمسا قبلت بالوضع الراهن في المجر وترانسلڤانيا وقبلت كذلك بأن يستمر هذا الإتفاق لمدة عشرين عاما مما يعني قناعتها بأنها لا تستطيع غزو الدولة العثمانية في القريب العاجل ونستطيع أن نقول في النهاية إنه من الناحية العملية قد منحت هذه المعاهدة السلام للحدود العثمانية النمساوية لأكثر من نصف قرن وهذا أعطى الفرصة للدولة العثمانية للتفرغ لمشاكلها مع الدولة الصفوية ومع المتمردين في الأناضول والعراق والشام كما سيمنحها الفرصة أيضا لاحقا للحرب العثمانية البولندية الأولى التي نشبت بين الدولتين ما بين عام 1620م وعام 1621م وكانت بمثابة نزاع بين الكومنولث البولندى الليتواني والدولة العثمانية من أجل السيطرة على منطقة مولدوفا وإنتهت بتنازل الكومنولث عن مطالبته بها أما النمسا فستتفرغ هي الأخرى لمشاكلها الداخلية التي ستتفاقم في عام 1618م عندما تشتعل حرب الثلاثين عاما بين دول قارة أوروبا والتي إستمرت من عام 1618م حتي عام 1648م .

وفي يوم 11 ديسمبر عام 1606م تم تعيين الوزير الكفء والسياسي المخضرم قيوجي مراد باشا صدرا أعظم وكان قد تجاوز السبعين من عمره وكان خبيرا بالأمور السياسية والعسكرية وكان صارما جدا وتميز كذلك بوضوح الرؤية وصلابة المواقف ووضح للعثمانيين في هذا الوقت أن طموحات الشاه الصفوى عباس الأول لا ترقى في هذه المرحلة لغزو الدولة العثمانية فقد هدأت حركته منذ أن أكمل سيطرته على الأماكن التي كانت تابعةً للدولة الصفوية قبل الحرب التي نشبت بين الدولتين العثمانية والصفوية بين عام 1578م وعام 1590م وإذا أضفنا إلى هذا الأمر الهدوء الفعلي الذي تحقق في الجبهة النمساوية بعد معاهدة زيتڤاتوروك أدركنا أن المهمة الرئيسية للدولة العثمانية الآن قد أصبحت مقاومة حركات التمرد الكثيرة في الشرق وكانت هذه هي المهمة الأكبر والأعظم لمراد باشا منذ توليه منصب الصدارة العظمي ومن أجل تحقيق هذا الهدف نظم
مراد باشا حملات متتاليةً على الشرق في الفترة من عام 1607م إلى عام 1609م إستهدفت قمع المتمردين وقد تميزت هذه الحملات بالحسم الشديد وعدم قبول أنصاف الحلول وقاتل مراد باشا في بعض هذه الحملات جيوشا بلغت ثلاثين ألف مقاتل وإستخدم جميع الوسائل الممكنة من أجل القضاء علي المتمردين فأغرى بعضهم بالمناصب وقتل المعاندين منهم بلا رحمة وفي عام 1607م إستطاع قمع التمرد تماما في الشام ثم في العراق وخلال عام 1608م وعام 1609م تمكن من قمع حركات التمرد بإقليم الأناضول ولم ينته عام 1609م إلا وكان الهدوء والأمن يعم البلاد كلَها ومما يذكر أنه قتل في هذه الحملات آلاف المتمردين حتى إشتهر مراد باشا بلقب حفار القبور وبالتركية يسمي قيوجي ومن هنا جاء الإسم الذى إشتهر به .


وبعد إنتهاء التمرد عادت مسألة الدولة الصفوية الشيعية للظهور ومن ثم جهز الصدر الأعظم مراد باشا حملةً للهجوم على تبريز في عام 1610م ووصلت الحملة إلى حدود إيران لكن لم يتم قتال بين الطرفين وفي شهر أغسطس عام 1611م وقبل تجهيز حملة أخرى على إيران مات مراد باشا وتولى الصدارة العظمي للدولة نصوح باشا وأرسل الشاه الصفوى رسله لبحث كيفية إقرار السلام بين الدولتين العثمانية والصفوية ووافقت الدولة العثمانية علي ذلك وتم عقد إتفاقية سلام بين الطرفين في يوم 20 نوفمبر عام 1612م عرفَت بمعاهدة نصوح باشا وكانت هذه المعاهدة في المجمل في صالح الدولة الصفوية وفيها إتفق الطرفان على أن تعود الحدود بين الدولتين الصفوية والعثمانية إلى ما كان قد إتفق عليه في معاهدة أماسيا عام 1555م وهذا يعني تنازل الدولة العثمانية عن كل الأراضي التي ضمتها في الحرب السابقة التي وقعت بين الدولتين ما بين عام 1578م وعام 1590م وإلغاء معاهدة إسطنبول التي تم إبرامها عام 1590م وذلك إلي جانب تسليم بعض الأراضي الأذربيچانية التي كانت في يد العثمانيين إلى الصفويين وكانت هذه أول مرة في التاريخ العثماني تسلم فيها الدولة العثمانية أراضيَ مملوكة لها ومع ذلك فقد كان هناك بند في المعاهدة يقضي بأن تدفع الدولة الصفوية إلى العثمانيين كل عام مائتي بالة من الحرير الخام النفيس قدرها البعض بتسعة وخمسين ألف كيلو جرام وهذ البند يعني أن الدولة الصفوية قد أقرت في المعاهدة بعلو الدولة العثمانية عليها وعموما فبموجب هذه المعاهدة ومن قبلها معاهدة زيتڤاتوروك مع دولة النمسا ساد الهدوء النسبي الدولةَ العثمانية ما بين عام 1613م وعام 1617م ولم يعكر صفو هذه السنوات إلا عدم إلتزام الشاه الصفوى عباس الأول بما وعد به من إرسال كميات الحرير المتفق عليها وبعد مماطلة ثلاث سنوات إضطرت الدولة العثمانية إلى تنظيم حملات عسكرية لإرغام الشاه على تنفيذ وعده وأهمها حملة عام 1616م ولكن لم تكن هذه الحملات جادة بالشكل المطلوب ولم تصل إلى نتيجة ومما يذكر أيضا أنه خلال هذه السنوات الهادئة إهتمت الدولة العثمانية بتجديد إتفاقياتها التجارية مع الدول الأوروبية ومنحت إمتيازات جديدةً لفرنسا وكذلك للبندقية وإنجلترا وعقدت للمرة الأولى في تاريخها معاهدات تجاريةً مع القوة الصاعدة آنذاك مملكة هولندا . وخلال هذه الفترة الهادئة في تاريخ الدولة العثمانية أرسل السلطان أحمد الأول الحاج إبراهيم أغا إلى العاصمة البريطانية لندن سفيرا فوق العادة وكان الغرض الحقيقي من ذهابه إلى إحدى دول أوروبا الغربية جمع المسلمين الأندلسيين الذين لم يتمكنوا من الوصول إلى شمال أفريقيا بعد طردهم من بلاد الأندلس في نهاية القرن الخامس عشر الميلادى فلجأوا إلى بعض دول غرب أوروبا وكان أكثرهم في عداد العبيد وقد نجح الحاج إبراهيم أغا في جمع العائلات التي تمكن من العثور عليها وقام بنقلها إلى الأراضي العثمانية وفي الشأن الداخلي إهتم السلطان أحمد الأول بإستكمال بناء مسجده الشهير المعروف بإسمه والمعروف في المصادر الغربية بالمسجد الأزرق كما ذكرنا في صدر هذا المقال نظرا لتميزه بالنقوش والزخارف الرائعة الجمال ذات اللون الأزرق وهو يعتبر أحد أفضل الأبنية المعمارية في التاريخ العثماني وما زال بحالته الممتازة حتى وقتنا الحاضر ويعد من أهم المعالم التاريخية والمزارات السياحية في مدينة إسطنبول وكانت الأرض التي بني عليها المسجد قريبة من قصر الخلافة طوب قابي فإشتراها السلطان بمبلغ ضخم من صاحبها بسبب موقعها الرائع على البحر وهو حاليا يقع في ميدان السلطان أحمد ويقابله من ناحية الشمال جامع أيا صوفيا الشهير الذى كان كاتدرائية بيزنطية ثم أصبحت مسجدا بعد فتح السلطان محمد الفاتح القسطنطينية عاصمة البيزنطيين وقد تغير إسم المدينة بعد ذلك أولا إلي الآستانة ثم تغير مرة أخرى إلي إسطنبول وبعد قيام الجمهورية التركية وإلغاء الخلافة العثمانية عام 1924م أصبحت متحفا عام 1934م ثم أصبح مسجدا مرة أخرى وإلي الغرب منه يقع ميدان السباق البيزنطي القديم الذى كان ميدانا لسباق الخيل في مدينة القسطنطينية القديمة في عهد الإمبراطورية البيزنطية وكان في ذلك الحين يمثل مركزا إجتماعيا للمدينة وملتقي لسكانها ومكانا لمزاولة الرياضات المختلفة وقد تم بناء المسجد بين عام 1018 هجرية الموافق عام 1609م وعام 1026 هجرية الموافق عام 1616م حسب إحدى النقوشات على إحدى أبوابه أى أن البناء قد إستمر لمدة ثماني سنوات وتم إفتتاحه قبل وفاة السلطان بعام واحد فقط ومن أهم ما يميز هذا المسجد إشتماله على عدد ست مآذن علي الطراز العثماني حيث تكون المئذنة رفيعة وتنتهي برأس مخروطية فيما يشبه القلم الرصاص وإشتمال هذا المسجد علي عدد 6 مآذن يعد أمر نادر في معظم مساجد الدنيا وتذكر بعض الروايات أن المسجد الوحيد الذي كان به ست منارات هو المسجد الحرام بمكة المكرمة وتضيف أن السلطان أحمد الأول بنى منارةً سابعةً في المسجد الحرام بمكة المكرمة ليظل هو أفضل المساجد والوحيد الذى به هذا العدد من المآذن ومع ذلك فهذه الرواية غير صحيحة حيث إن المنارة السابعة في المسجد الحرام كانت قد بنيت في عهد السلطان العثماني العاشر سليمان القانوني أى قبل عهد السلطان أحمد الأول بأكثر من نصف قرن وجدير بالذكر أنه قد تم وضع صورة جامع السلطان أحمد على العملة التركية من فئة 500 ليرة في الفترة بين عام 1953م وعام 1967م وكان من النوادر التي إرتبطت بتشييد مسجد السلطان أحمد ولا ندرى مدى صحتها أنه عندما هم ببناء مسجده أخبره أحد مستشاريه بأن هناك أثر لقدم النبي الكريم محمد صلى الله عليه وسلم موجودة بمسجد السلطان الأشرف قايتباي بمصر وعرض عليه إحضارها لتوضع بمسجده الجديد فتحمس السلطان لهذا ووافق وبعد أن أُحضر الأثر إلى إسطنبول رأى السلطان مناما وكأنه يقف في محكمة للسلاطين يتوسطها النبي الكريم محمد صلى الله عليه وسلم فتقدم السلطان الأشرف قايتباي إلى الرسول وشكاه أن السلطان أحمد الأول قد أخذ أثر القدم الشريفة من مسجده بعد أن كان قد إشتراها بمبلغ 400 ألف دينار من بعض الأشراف الذين توارثوها ووضعها في مسجده كي يدعو الناس دائما له بالخير فحكم الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم بإعادة الأثر لمسجد السلطان قايتباي فلما إستيقظ السلطان أحمد من منامه دعا العلماء ومن يفسرون الأحلام وطلب منهم أن يفسروا له المنام فقالوا له يا مولانا السلطان إن الرؤية واضحة ولا تحتاج لتفسير فأمر السلطان بأن يعاد الأثر الشريف لموضعه الأصلي بمسجد السلطان قايتباى بالقاهرة وقد قال بعض المؤرخين بأن السلطان العثماني أحمد الأول يشترك مع السلطان المملوكي حسن بن محمد الناصر في أن كليهما تولى الحكم في سن صغيرة وتوفيا وهما دون سن الثلاثين وأن كلا منهما ترك أثرا خالدا يثير الدهشة والإعجاب وهو ما جعل اسميهما يترددان على الألسنة حيث ترك السلطان حسن بالقاهرة مسجدا عظيما يحمل إسمه ويجمع بين قوة البناء وعظمة التخطيط وجمال الزخرفة ورقة النقوش ولا يزال حتى الآن يدهش زائريه بفخامته وعمارته أما السلطان أحمد الأول فقد ترك أيضا مسجدا عظيما عرف بإسمه وهو مسجد السلطان أحمد الأول والذي يعد من أعظم عمائر الدولة العثمانية وأفخمها بناءا وأجملها هندسة .


وأخيرا فقد كان من الأحداث الطريفة أيضا في عهد السلطان أحمد الأول أن إنتشر شرب الدخان بواسطة الهولنديين وكان الجنود يتعاطونه فأفتى المفتى بمنعه فهاج الجند وأيدهم الموظفون فإضطر العلماء إلى السكوت عنه هذا وتعتبر فترة حكم السلطان أحمد الأول تطبيقا عمليا واضحا لمسألة ثبات الدولة العثمانية في القرن السابع عشر الميلادى وتعتبر معاهدتا زيتڤاتوروك ونصوح باشا مثالين واضحين للمسألة نفسها ولقد كانت إنتصارات الدولة العثمانية موازيةً لخسائرها وبينما تنازلت في المعاهدتين عن أمور لم تكن تتنازل عنها من قبل فمن جانب آخر فقد حققت في نفس المعاهدتين بعض المكاسب التي دلت على رهبة عدوها منها وتثبتت حدود الدولة العثمانية في عهد السلطان أحمد الأول على الوضع الذى كان في أيام السلطان سليم الثاني وجدير بالذكر أن الحروب التي تمت في عهد السلطان مراد الثالث سواء ضد النمسا أو إيران وإستمرت خلال السنوات الأولي من عهد السلطان أحمد الأول لم تكن حروبا ذات رؤية وكان من الأولى أن يتم تجنبها لأن الحفاظ على مكاسبها كان صعبا للغاية في ظل الوضع العسكرى والسياسي الذى كانت تمر به الدولة العثمانية ومن ثم فلم تسبب هذه الحروب إلا إستنزاف طاقات وموارد وقوى الدولة وهذا هو ما حدث بالفعل وقد تجعل المعاهدات التي تمت في عهد السلطان أحمد الأول بعض المؤرخين يظن فيه الضعف وقلة الخبرة والحنكة السياسية بسبب ما كان فيها من تنازلات حدثت للمرة الأولى في تاريخ الدولة العثمانية ولكن على العكس من ذلك يرى آخرون إن ما وصل إليه السلطان أحمد الأول ورجال حكومته لم يكن هناك أفضل منه في تلك المعاهدات فليست الحكمة هي التحجر والتعنت في المواقف حتى تخسر الدولة كل شئ إنما الحكمة أن يدرك القائد والمفاوِض إمكانات دولته وكذلك إمكانات عدوه ويخرج بأقل الخسائر إن كان لا بد من خسارة وهكذا نستطيع أن نقول إن السلطان أحمد الأول قد إستطاع أن يوقف نزيف الدولة وكان سببا مباشرا في ثبات مستوى الدولة العثمانية وعدم تراجعه خلال عهده وكان من الممكن أن يكون وضع الدولة في السنوات القادمة أفضل بكثير مما تحقق في عهده لولا أن الأقدار قد شاءت الوفاة المبكرة جدا له والتي أدخلت البلاد في إضطرابات غير متوقعة والخلاصة أنه يحسب للسلطان أحمد الأول أنه أعاد لمركز السلطان العثماني هيبته وأنه عاش حياة جادة مفيدة بين مسائل الجهاد والسياسة ومجالس العلماء والأدباء وفنون التنمية والعمران والتشييد والبناء وتنمية العلاقات الدولية مع الإهتمام في الوقت نفسه بالوحدة الداخلية للدولة ورحم الله السلطان أحمد الأول فعلى الرغم من رحيله مبكرا فإنه رسم سياسةً للدولة العثمانية لن تمحى إلا بعد عقود .


توفي السلطان أحمد الأول فجأة في يوم 22 نوفمبر عام 1617م وهو في سنِ السابعة والعشرين فقط وكانت وفاته بسبب مرض في الجهاز الهضمي مصحوب بحمى أصابته على مدار عدة أسابيع وكانت علي الأرجح حمي التيفوس ودفن في الضريح الملحق بمسجده وفيما بعد دفن بالمسجد أيضا إحدى زوجاته وثلاثة من أبنائه وقد تسببت وفاة السلطان أحمد الأول في معضلة لم تشهدها الإمبراطورية العثمانية قبل ذلك وحدث إضطراب كبير في الدولة نظرا لكون أولاده جميعا كانوا صغار السن ومن الصعب أن يتولوا العرش وفي الوقت نفسه كان العديد من الأمراء مؤهلين للوصول إلى العرش وجميعهم عاشوا في قصر طوب قابي وهو قصر الحكم وكان من المفترض أن يتولى الأمير عثمان الثاني الحكم بإعتباره أكبر أولاد السلطان أحمد الأول وإقترح قائممقام الوزارة الوزير صوفو محمد باشا بتحريض من عالمة سلطان أم الأمير مصطفى الأول وكوسم سلطان زوجة السلطان الراحل أحمد الأول على شيخ الإسلام أسعد أفندى تولية الأمير مصطفى الأول عم الأمير عثمان الثاني وكان السلطان أحمد الأول لم يقتل أخيه الأمير مصطفى الأول وتركه ليعيش مما جعل لأول مرة عرش الدولة العثمانية ينتقل من الأخ الأكبر إلى الأخ الأصغر بدلا من إنتقاله من الأب إلى الإبن وعليه فقد جلس الأمير مصطفى الأول وكان عمره 26 عاما بعد وفاة أخيه السلطان أحمد الأول على العرش وليصبح السلطان مصطفي الأول والذى مكث علي العرش لمدة 3 أشهر فقط من شهر نوفمبر عام 1617م وحتي شهر فبراير عام 1618م حيث كان مختلا وغير قادر على إدارة شؤون الدولة ولذا فقد إتفق العلماء على عزله وتنصيب الأمير عثمان الثاني إبن أخيه السلطان أحمد الأول وليصبح السلطان عثمان الثاني والذى كان يبلغ من العمر 14 عاما والذى بعد أن تولي العرش العثماني كان رد فعله قاسيا على من حرموه حقه في السلطنة في البداية وكان مما أصدره تقليل صلاحيات المفتي وإعطاء معظم صلاحياته لمعلمه لالا عمر أفندى وقد ظل في الحكم مدة 4 سنوات تقريبا حيث ثار عليه الإنكشارية وإنتهي الأمر بقتله وكان أول سلطان عثماني يتم قتله نتيجة ثورة داخلية حيث من كان قبله من السلاطين قد ماتوا إما لأسباب طبيعية أو قتلوا في معارك وهم علي رأس الجيش العثماني ضد أعداء الدولة مثل السلطان العثماني الثالث مراد الأول وبمقتله تم تنصيب عمه السلطان مصطفي الأول مرة أخرى علي العرش العثماني .
 
 
الصور :
السلطان عثمان الثاني السلطان محمد الثالث السلطان مراد الرابع السلطان مصطفي الأول جامع السلطان أحمد بإسطنبول