بقلم المهندس/ طارق بدراوى
موسوعة كنوز “أم الدنيا”
السلطان عبد الحميد الأول هو السلطان العثماني السابع والعشرون للدولة العثمانية وخليفة المسلمين الثاني والتسعون والتاسع عشر من آل عثمان الذين حملوا لقب أمير المؤمنين وهو إبن السلطان أحمد الثالث بن محمد الرابع بن إبراهيم الأول بن أحمد الأول بن محمد الثالث بن مراد الثالث بن سليم الثاني بن سليمان القانوني بن سليم الأول بن بايزيد الثاني بن محمد الفاتح بن مراد الثاني بن محمد الأول جلبي بن بايزيد الأول بن مراد الأول بن أورخان غازى بن عثمان بن أرطغرل مؤسس الدولة العثمانية وهو شقيق السلطان مصطفي الثالث ووالد السلطانين مصطفي الرابع والسلطان محمود الثاني وقد تولي عرش الدولة العثمانية بعد وفاة شقيقه السلطان مصطفي الثالث في عام 1187 هجرية الموافق عام 1774م وكان محبا للسلام ومع ذلك إبتلي في فترة حكمه بعدة حروب كان أولها تلك الحرب الروسية التي كانت لم تنته منذ عهد شقيقه وسلفه السلطان مصطفى الثالث وكان بطبيعته شخصا صافى القلب رحيما بالشعب ومتدينا إلى درجة أن الروايات حول كراماته إنتشرت بين أفراد الشعب وعرف عنه أنه طوال فترة سلطنته كان شديد الإهتمام بأمور الدولة عن قرب وبذل جهده طوال فترة حكمه فى تحقيق الإصلاحات التى تحتاجها الدولة وسعى لتعيين الرجال الأكفاء فى المناصب الكبرى في الدولة وكان ميلاد السلطان عبد الحميد الأول في يوم 20 مارس عام 1725م بقصر طوب قابي بالعاصمة العثمانية إسطنبول وبقي في معظم حياة أخيه السلطان مصطفى الثالث عندما تولى عرش الدولة في القصر الملكي وقامت أمه رابعة سرمي سلطانة بتدريسه التاريخ وكذلك تعلم فن الخط وبالتالي فهو لم يشغل أى منصب من مناصب الدولة طيلة حياته مما جعل خبرته في السياسة قليلة وإن كانت رغباته في الإصلاح كبيرة ولذا لم يكن غريبا أن تستمر سلسلة هزائم الدولة العثمانية وتتوالى نكباتها ومصائبها دون أن تجد سلطانا قويا أو قائدا قديرا يأخذ بيد الدولة وينتشلها مما كانت فيه من ضعف ومهانة وضياع وقد تولى السلطان عبد الحميد الأول الحكم بعد وفاة أخيه في عام ١٧٧٤م قبل أن يتم سن الخمسين بمدة قصيرة وفى اليوم الثالث من توليه السلطنة توجه فى موكب حافل إلى جامع الصحابي الجليل أبى أيوب الأنصارى لتقلد سيف السلطان عثمان مؤسس هذه الدولة كالمعتاد عند تولي سلطان جديد العرش ولم يوزع على الجنود الإنعامات المعتادة لنضوب خزائن الدولة التى كانت قد إستنزفتها الحروب الأخيرة التي كانت مازالت مستعرة علي الجبهة الروسية منذ عام 1768م خلال عهد السلطان مصطفي الثالث أي منذ حوالي 6 سنوات .
ولمواجهة الروس ففي أوائل صيف عام 1774م أخرج العثمانيون جيشا قوامه 40 ألف جندى في إتجاه الإفلاق وتجاوز الجيش ڤارنا في بلغاريا ولكنه فوجئ في يوم 20 يونيو عام 1774م بجيش روسي يقدر بثمانية آلاف جندى فقط عند قرية كوزلوجا على بعد 20 كيلو متر فقط غرب ڤارنا وكانت هذه المفاجأة محبطةً للجيش العثماني لأن هذه كانت أول مرة يعبر فيها الجيش الروسي نهر الدانوب إلى بلغاريا وكان هذا يحمل جرأة كبيرة ونيات واضحةً للوصول إلى العاصمة العثمانية إسطنبول وتعرض الجيش العثماني لهزيمة سريعة وقتل منه 3 آلاف جندى بينما لم يفقد الروس سوى 209 جندى فقط كما إستولى الجيش الروسي على كل مدفعية الجيش العثماني الذي لاذ بالفرار غربا إلى مدينة شومين على بعد 50 كيلو مترا من أرض الموقعة ولحق الجيش الروسي بالعثمانيين الذين فقدوا مدفعيتهم ومعنوياتهم وضرب حولهم الحصار فإضطر الجيش العثماني إلي إعلان الإستسلام والقبول بالجلوس للتفاوض عارضين الموافقة على الشروط الروسية السابقة والتي كانت غير مقبولة في مفاوضات عام 1772م وإجتمع الطرفان في قرية صغيرة شمال شرق دولة بلغاريا إسمها كوتشوك قينارجي وإتفقا علي عقد معاهدة سميت بإسم القرية التي وقعت بها ووقع الطرف التركي عليها في يوم 17 يوليو عام 1774م بينما أجل الطرف الروسي توقيعه إلى يوم 21 يوليو عام 1774م ليتوافق مع ذكرى مرور 63 عاما على معاهدة بروت التي كانت لصالح العثمانيين على حساب الروس وكان الروس يستهدفون بذلك أن يتم محو هذا التاريخ السئ من الذاكرة الروسية وكانت معاهدة كوتشوك قينارجي واحدة من أهم المعاهدات في التاريخ العثماني والروسي والأوروبي معا فقد توصل الطرفان الروسي والعثماني إلى إتفاق نهائي لفض النزاع وإقرار السلام بين الدولتين ولأن الإتفاق كان بين طرف غالب وطرف مغلوب كان لا بد وأن تكون شروط هذه المعاهدة مجحفةً للعثمانيين وقد شملت هذه المعاهدة 28 بندا بتفصيلات دقيقة بالإضافة إلي بندين إضافيين منفصلين وكتبت بثلاث لغات هي التركية والروسية والإيطالية .
وكان أهم ما نصت عليه المعاهدة المشار إليها أن تتوقَف الحرب تماما بين الطرفين ويحل السلام وأن يعفى عن جرائم وأخطاء رعايا الدولتين أثناء الحرب وكان هذا البند بندا هاما بالنسبة إلى الروس وذلك لكيلا تعاقب الدولةُ العثمانيةُ المتمردين النصارى في اليونان أو المسلمين في مصر ولبنان ممن تعاونوا مع الروس وبذلك يحتفظ الروس بولائهم لهم وكان أيضا من بنود هذه المعاهدة أن تتنازل الدولة العثمانية لروسيا عن عدة أقاليم ومدن تشمل ميناء آزوڤ ومضيق كيرش المؤدى إلى البحر الأسود والمناطق المحيطة به والأراضي الواقعة بين نهرى الدنيبر وبوج ويشمل هذا ميناء خيرسون الواقع على مصب نهر الدنيبر في البحر الأسود كما يشمل قلعة كينبورن ويعتبر بذلك نهر بوج هو الحد الفاصل بين الدولتين وذلك بالإضافة إلي مقاطعة كابارديا في شمال القوقاز شمال شرق البحر الأسود وهي في روسيا الآن وذلك علي أن تعود عدة أقاليم إلى الدولة العثمانية والتي كانت روسيا قد إحتلتها خلال السنوات الست السابقة وهي أقاليم البغدان والأفلاق وبسارابيا وهو الواقع بين نهري دنيستر شرقا وبروت غربا وهو الآن في مولدوڤا وأوكرانيا وذلك بالإضافة إلي الأجزاء المحتلة من بلغاريا وچورچيا وجزر بحر إيجة المحتلة من روسيا وعلي أن تخرج بلاد القرم كلها من التبعية العثمانية وأن يعترف الطرفان الروسي والعثماني بإستقلالها التام وبالتالي تنسحب منها جيوش الدولتين كما حصلت روسيا بموجب هذه المعاهدة أيضا علي حق الملاحة التجارية في البحر الأسود وعلي أن يحق لسفنها التجارية أن تعبر المضائق إلى البحر المتوسط بحرية تامة مع منح القيصر الروسي لقب البادشاه أى الإمبراطور في المراسلات الرسمية للدولة العثمانية وأن يكون لروسيا الحق في بناء كنيسة في العاصمة العثمانية إسطنبول وأن يحق لها أيضا متابعة الأمور الكنسية إذا إقتضت الحاجة وهذا البند فسرته الحكومة الروسية لاحقا على أنه حق حماية حقوق الأرثوذكس في الدولة العثمانية كلها وأيضا إعطاء روسيا حق بناء القنصليات في المدن العثمانية التي تراها مناسبة وذلك لرعاية حقوق التجار والرعايا الروس مع تعهد الدولة العثمانية بإعفاء مواطني البغدان والافلاق من الضريبة لمدة عامين وتتعهد أيضا بمعاملتهم معاملةً كريمة وإعطائهم حق الهجرة إذا أرادوا مع كامل ممتلكاتهم والكلام نفسه على مواطني اليونان على الرغم من تمردهم السابق الذى أُخمد في عام 1771م وبدفع غرامة حربية قدرها خمسة عشر ألف كيس ذهب في مدة ثلاث سنوات وقد قدرها المؤرخ المعروف أوزتونا بسبعمائة وخمسين مليون آقجة فضية وهي عملة الدولة العثمانية آنذاك وقدرها الروس بأربعة ملايين ونصف مليون روبل روسي وعلاوة علي البنود المذكورة كان هناك أيضا بنود أخرى كثيرة تتعلق بأمور تبادل الأسرى وتعيين السفراء واللاجئين إلى الدولتين وبناء القلاع وزيارة الأماكن النصرانية في القدس الشريف والعلاقات التجارية وبناء الكنائس في المدن العثمانية .
وكانت هذه المعاهدة أسوأ معاهدة في التاريخ العثماني كله حتى لحظة إبرامها حيث خسرت الدولة العثمانية بموجبها كما يرى الكثير من المؤرخين ما يمكن أن نسميه سقوط الهيبة حيث كانت هذه هي المرة الأولى التي تستطيع دولةٌ أوروبية أن تنتصر بمفردها علي الدولة العثمانية دون تحالف كما كانت أيضا هذه هي المرة الأولى التي تدفع فيها الدولة العثمانية غرامات حربية والمرة الأولى التي تسمح فيها الدولة العثمانية لدولة أجنبية أن ترعى شئون طائفة من طوائف الشعب وهم الرعايا الأرثوذكس والمرة الأولى التي تعترف فيها الدولة العثمانية بخروج تبعية إقليم لها معظم سكانه من المسلمين وهو إقليم القرم وبلا شك فقد كان هذا السقوط للهيبة أعظم بكثير من سقوط القلاع والحصون وفقد الأراضي والأموال لأنه فتح الطريق أمام كل الطامعين وما أكثرهم ليأخذوا شيئا من الكيان الكبير وقد علق وزير خارجية النمسا آنذاك وينزيل أنتون الشهير بكونيتز على هذه المعاهدة بقوله لقد لقى الأتراك المصير الذى يستحقونه وأصبح يمكن الآن لجيش صغير جيد التنظيم أن يطردهم بالكلية من أملاكهم في قارة أوروبا كلها وعلاوة علي كل ما سبق فقد أكدت هذه المعاهدة على بداية دخول الإمبراطوريَّة الروسية إلي مصاف الدول العالمية الكبرى وأنها صارت تقريبا الدولة الثالثة في العالم من ناحية القوة بعد بريطانيا وفرنسا خاصة وأنها لم تنتصر فقط على الدولة العثمانية بل كانت قد أخذت في السابق النصيب الأكبر من أرض بولندا أثناء عملية تقسيمها في عام 1772م وإذا كانت الدولة العثمانية خلال الربع الأخير من القرن الثامن عشر الميلادى تتجه للأفول وأنها قد أصبحت في مرحلة شيخوختها الآن فإن نجم الروس الصاعد يبدو في حيوية ظاهرة وستصبح روسيا من الآن فصاعدا هي العدو الأول للدولة العثمانية وفضلا عن ذلك فقد حققت روسيا مكاسب عظيمة بخصوص حرية التجارة في البحرين الأسود والمتوسط وتمكنت من الحصول علي السماح بإختراق السفن التجارية للمضائق المارة عبر العاصمة العثمانية إسطنبول كما أن المعاهدة لم تمنع بناء الترسانات العسكرية في الموانئ الروسية على البحر الأسود مما يعني إمكانية وجود سفن حربية روسية في البحر الأسود وحقا كانت المعاهدة لا تسمح بمرور هذه السفن في المضائق ولكن مجرد وجودها في البحر الأسود كان يمثل خطورة حقيقية على الدولة العثمانية .
وكان أيضا من خسائر الدولة العثمانية بموجب معاهدة كوتشوك قينارجي إستقلال إقليم القرم بما يعني إحتلاله من قبل الروس لاحقا وكان هذا الإقليم المعتمد على طرق القرون الوسطى في القتال بالتأكيد لن يقوى على مقاومة الجيوش الروسية النظامية الحديثة وهذا يعني أن الدولة العثمانية قد قبلت ضمنا بتسليم هذا القطر صاحب الأغلبية المسلمة الكاسحة إلى دولة نصرانية متعصبة وكانت هذه نقطة تحول في التاريخ العثماني وسيكون لها آثار على العالم الإسلامي ككل حيث سيدرك الجميع أن الدولة لم تعد قادرةً على القيام بدورها الأبوى ناحية المسلمين في العالم وهذا الإدراك سيكون له تطبيقات سياسية وإجتماعية ودينية مهمة ومن جانب آخر فقد أصبحت النقاط المبهمة التي شملتها المعاهدة والمتعلقة بحقوق النصارى في الدولة العثمانية وبناء الكنائس وزيارة القدس تبدو وكأنها تمنح روسيا حق رعاية حقوق الأرثوذكس في الدولة العثمانية مما سيكون له أكبر الأثر في التدخل الفعلي للروس في الشئون الداخلية للعثمانيين وقد إعتبر المؤرخ الأميريكي بيتر شوجر أن البنود المتعلقة بحماية المواطنين الأرثوذكس في الدولة العثمانية هي أفضل ما حققه الروس في المعاهدة لأنها ستعطيهم في المستقبل حقوقًا ستسهم في إسقاط الدولة العثمانية وبسبب هذه البنود المتعلِّقة بالأرثوذكس يرى المؤرخ الأميريكي رودريك ديڤيسون أن المعاهدة كانت دليلا دامغا على مهارة المفاوضين الروس وسذاجة المفاوضين العثمانيين الذين شاركوا في وضع وصياغة بنود هذه المعاهدة وعموما فمع مع كل هذه الخسائر العثمانية في المعاهدة إلا أنها كانت من الممكن أن تكون أسوأ من ذلك فقد ترك الروس للدولة العثمانية عدة أقاليم كبرى كانوا يحتلونها عسكريا بالفعل كالأفلاق والبغدان والقرم وچورچيا وجزر بحر إيجة كما أنهم أوقفوا القتال على الرغم من قدرتهم على إكماله وإجتياح بلغاريا بكاملها وكان هذا القبول الروسي بما حققوه من مكاسب لم يكن بسبب قوة الدولة العثمانية أو هيبتها ولكن كان بسبب الضغط الأوروبي وخاصةً من دولتي النمسا وبروسيا لأنهما كانا يعتبران روسيا عدوا أساسيا في المرحلة القادمة ويؤكد ذلك قبول روسيا بإعطاء النمسا وبروسيا أجزاء مهمة وحيوية في بولندا أثناء عملية التقسيم مع أن روسيا كانت تسيطر فعليا على الدولة كلها وكانت هذه الوقفة الأوروبية هي التي قلصت إلي حد ما من مكاسب الروس وقديما ففي عصور الثبات النسبي للدولة العثمانية كان السبب في ذلك إنشغال الأوروبيين عنها بحروبهم الداخلية وحاليا فقد صارت الدولة العثمانية محفوظةً بإنشغال الأوروبيين بها خوفًا من سقوطها بالكامل في يد الروس وشتان ما بين الحالتين وأخيرا فالكثير من المؤرخين يعتبرون أن السقوط الفعلي للإمبراطورية العثمانية كان قد بدأ في عام 1768م وهو العام الذى بدأ فيه الصدام العسكرى مع الروس حيث كانت هذه هي البداية الموثقة التي شهدت تفكيك الإمبراطورية والآن فبموجب هذه المعاهدة اللعينة يخرج إقليم القرم وبعض المقاطعات الصغيرة معها من التبعية للدولة العثمانية وغدا ستخرج مقاطعات أخرى فإذا أضفنا إلى ذلك خروج معظم الدول العربية عن السيطرة الفعلية للدولة العثمانية لأدركنا أن عملية تفكيك الدولة العثمانية قد صارت أمرا واقعا وكان أخطر ما في الأمر هو قناعة الدولة العثمانية في هذا الوقت أنها قد صارت غير قادرة من الناحية العملية على الدفاع عن نفسها بمفردها وحيث أنها كانت بلا أصدقاء حقيقيين فإنها ستعتمد مضطرة في الفترة المقبلة على بعض أعدائها في الدفاع عنها وبلا شك فإن هذه أوضاع مقلوبة وسياسات منحرفة لأن العدو بالتأكيد لن يكون مخلصا أبدا وسيؤدى ذلك إلي أنه ستخرج الدولة من أزمة إلى أخرى وسيوقعها أعداؤها وهم في ثوب الأصدقاء في الفخِ تلو الفخ وكانت هذه تراكمات قرون وسنين عديدة ونهايات حتميةٌ لكل الإمبراطوريات علي مدار التاريح وفي النهاية فبعد هذه المعاهدة بدأ الأوروبيون في طرح سؤالهم الشهير ماذا سيحدث لموازين القوى في قارة أوروبا والعالم عند إنهيار هذا الكيان العثماني الكبير وهذا السؤال هو ما عرف بالمسألة الشرقية وهو السؤال الذى صار حديث العالم في القرن التاسع عشر الميلادى كله .
وبعد أن إستعرضنا مساوئ معاهدة كوتشوك قينارجي نستطيع أن نقول إنه بعد هذه المعاهدة المؤسفة هدأت الجبهات الخارجية وإلتفت السلطان العثماني عبد الحميد الأول إلى الأوضاع الداخلية المضطربة في الولايات العربية وهي مصر ولبنان وفلسطين ففي مصر صار المتحكم في الأمور هو زعيم المماليك الجديد الأمير المملوكي محمد بك أبو الذهب وحيث إنه كان قد صار مواليا للعثمانيين بعد إنقلابه على زعيمه الأمير المملوكي علي بك الكبير فإن السلطان العثماني قد إئتمنه على إنهاء فتنة الشام حيث كلف السلطان هذا الرجل بقمع تمرد ظاهر العمر الذى كان قد أعلن إستقلاله بفلسطين وجنوب لبنان وإستردادها منه وتحرك بالفعل محمد بك أبو الذهب بجيشه المملوكي إلى فلسطين في صيف عام 1775م وفي الوقت نفسه تحرك الأسطول العثماني بقيادة حسن باشا الجزايرلي للمساعدة في المهمة نفسها وقد تمكن محمد بك أبو الذهب من إسترداد يافا أولا في يوم 19 مايو عام 1775م وبعدها توجه بنفسه إلى عكا بينما توجهت فرقة من جيشه لإسترداد صيدا وتمكن أبو الذهب من دخول مدينة عكا لكنه مرض فجأة بعد فتح المدينة ثم مات في يوم 30 مايو عام 1775م فإنسحب الجيش المصرى من عكا بعد وفاة قائده فدخلها ظاهر العمر بعد يومين من الإنسحاب ومع ذلك تمكن الجيش المصرى من إستخلاص صيدا ولم تمنع هذه التطورات الأسطول العثماني من إستكمال مهمة قمع تمرد ظاهر العمر فوصل إلى شواطئ فلسطين في أوائل شهر أغسطس عام 1775م وضم يافا وكان أبناء ظاهر العمر قد أخذوها بعد وفاة محمد بك أبو الذهب ثم حاصر عكا وبها ظاهر العمر وأجرى حسن باشا مفاوضات مع ظاهر العمر لكنها فشلت ومن ثم بدأ قصف المدينة وحاول ظاهر العمر الفرار من عكا لكنه قتل برصاصة أسقطته من على صهوة جواده وتتفق معظم المصادر على أنه قتل بطلقة خائنة من قائد جيشه الدنكزلي وجدير بالذكر أن نعرف أنه قد مات وهو في الخامسة والثمانين من عمره وفي يوم 16 أغسطس عام 1775م دخل حسن باشا مدينة عكا وأعاد ضمها للدولة العثمانية وفي خلال سنة تقريبا عادت فلسطين كلها لسيطرة العثمانيين وفي لبنان عفا السلطان العثماني عن يوسف الشهابي أمير الجبل وأقره على ولاية البقاع والشوف والجبيل وبيروت ويبدو أن ذلك العفو كان بسبب عدم قدرة السلطان الفعلية على إقتحام الجبل وإلا فالعقاب كان ينبغي أن يكون كبيرا نظرا لتعاونه مع القوات الروسية أثناء حربها للدولة العثمانية لكن عموما فقد تقلص حكم يوسف الشهابي كثيرا بعد هذه الأحداث .
وفي شهر سبتمبر عام 1775م أعطى السلطان ولاية عكا إلى أحمد باشا الجزار وفي شهر مارس عام 1776م أعطاه ولاية صيدا مع عكا وجند الجزار فرقة عسكرية من المرتزقة المغاربة والبوسنيين والألبان والأكراد وصارت له قوة وهيبة بالإضافة إلى ملكاته القيادية الظاهرة وعنفه الشديد وقد رفعت هذه الإمكانات من سقف طموحاته فلم يقنع بعكا وصيدا وبدأ يتوسع في المناطق المحيطة في لبنان وكذلك في فلسطين بل وضم بيروت بالقوة من يد الشهابي مما إضطر الأسطول العثماني إلى إخراجه من المدينة بالقوة ومع ذلك ظل السلطان مبقيا عليه في ولاية صيدا بل سيسكت أيضا عن توسعاته في السنوات المقبلة وواضح أن هذا كان بسبب قناعة السلطان بأن السيطرة العثمانية الكاملة على هذه المنطقة ذات الصعوبات الجغرافية والتنوعات العرقية والدينية أمر صعب للغاية ولذلك قبل من الجزار القوى الولاء الظاهرى وكان يرى أن هذا أفضل من تكرار تجربة ظاهر العمر الذى إنشق بالإقليم وحارب الدولة وبهذا تكون الأوضاع قد إستقرت نسبيا في الشام أما مصر فقد عاد إليها الجيش المملوكي بعد أن فقد قائده الموهوب محمد بك أبو الذهب وتولى قيادة الجيش ومن ثم مصر قائدان مملوكيان كانا على رأس جيش محمد بك أبو الذهب وهما مراد بك وإبراهيم بك وكان مراد بك من المماليك المتخصصين في الأمور العسكرية بينما تخصص إبراهيم بك في الأمور الإدارية وإشترك الاثنان في حكم مصر فعليا ومع ذلك كان السلطان عبد الحميد الأول يرسل من طرفه باشا عثماني ممثلا عن الحكومة العثمانية ظاهريا ولن يلبث هذان الأميران المملوكيان أن يستقلا بمصر ويعيدا تجربة علي بك الكبير حيث سعى الأميران المملوكيان المذكوران إلى الإنفراد التام بالسلطة وبالفعل فقد قاما بخلع الباشا الذى أرسله السلطان العثماني وإزاء هذا الوضع أرسل السلطان عبد الحميد الأول قائده المحنك حسن باشا الجزايرلي للتخلص من هذين المتمردين وقد نجح حسن باشا في مهمته في عام 1786م وفر الأميران المملوكيان إلى الصعيد وعاد الحكم نسبيا إلى الدولة العثمانية وسيستمر هذا الحكم الضعيف للعثمانيين إلى عام 1791م أى إلي بدايات عهد السلطان سليم الثالث حيث عاد كل من مراد بك وإبراهيم بك إلي القاهرة مرة أخرى وإنفردا بالسلطة من جديد وظل هذا الوضع قائما حتي قدوم الحملة الفرنسية إلي مصر في صيف عام 1798م وهزيمة الجيش المملوكي الذى كانا يقوداه في معركة إمبابة أمام الجيش الفرنسي الذى كان يقوده نابليون بونابرت .
وكان أيضا من تبعات الهزيمة العثمانية من الروس وإنتشار أخبارها في الدنيا مما ترك ظلالا مريرة في كل مكان وقد تسببت هذه الأخبار في أن فكر كريم خان شاه دولة الزند الناشئة في إيران في غزو العراق مستغلا حالة فقد التوازن التي تعاني منها الدولة العثمانية ومستغلا كذلك الإنفصال غير الرسمي للعراق عن العثمانيين وحكمها بواسطة مماليك العراق بالإضافة إلى إدراكه أن السلطان العثماني المعاصر له عبد الحميد الأول ذو إمكانات ضعيفة ولن يقوى على مجابهة جيوشه وإختار الشاه كريم خان أن يوجه ضربته إلى البصرة لكونها أضعف وأيضا لأهميتها التجارية على الخليج العربي خاصة مع وجود فرع الشركة الشرقية الهندية البريطانية بها وحاصر الجيش الإيراني بقيادة صادق خان وهو أخو الشاه كريم خان البصرة في شهر أبريل عام 1775م ولم يتمكن العثمانيون من إرسال سوى قوات محدودة وصلت إلى بغداد ولم تكمل طريقها إلى البصرة لحدوث خلافات بين قادتها ولم يكن الجيش العثماني منكسرا فقط من جراء هزائمه من الروس ولكنه كان منشغلا كذلك بإضطرابات فلسطين ولبنان التي ذكرناها في السطور السابقة مما أفقده القدرة على متابعة مسئولياته في العراق وظل الحصار مدة عام كامل دون إستجابة عثمانية ثم سقطت المدينة في يد الإيرانيين في يوم 16 أبريل عام 1776م وفي محاولة لزيادة القوات العثمانية والنصر في هذه الحرب أمر السلطان العثماني عبد الحميد الأول سليمان الجليلي والي الموصل أن يرسل قواته إلى بغداد وهو ما تجاهله تماما وبدلا من ذلك قام بتقييد حركة التجار ومنع بيع بضائعهم كنوع من الحصار الإقتصادى وحكم الإيرانيون البصرة لمدة ثلاث سنوات دون معارضة كبيرة من المماليك ودون أى رد فعل من جانب الدولة العثمانية وكان من الممكن أن يتطور الأمر إلى إحتلال العراق بكامله لولا موت شاه الزند كريم خان في يوم 2 مارس عام 1779م وقامت بعد موت الزعيم الإيراني عدة فتن للتصارع على الحكم وإضطر صادق خان إلى ترك البصرة للمشاركة في التنافس على الحكم وتحررت بذلك البصرة وتولى صادق خان حكم الدولة الزندية بعد صراعات مريرة بدايةً من يوم 22 أغسطس عام 1779م وكشفت هذه الحرب عن مدى الضعف الذى وصلت إليه الدولة العثمانية حيث لم تقدر على مواجهة جيوش هزيلة كتلك التي كان يقودها الزنديون في هذه المرحلة التاريخية .
وكما كان متوقَعا بعد إبرام معاهدة كيتشوك قينارجي وترك العثمانيين لإقليم القرم طمع الروس في إحتلال هذا الإقليم المهم بعد فقده للدعم العثماني وحدثت إضطرابات كثيرة في هذا الإقليم وتدخلت فيه روسيا بقوة وفي ظل تردد الدولة العثمانية زاد النفوذ الروسي بالإقليم وذلك بمساعدة بعض الموالين من التتار وفي نهاية المطاف قررت روسيا في يوم 9 يوليو عام 1783م غزو شبه جزيرة القرم بشكل صريح ولم يجد الروس أى مقاومةً تذكر من التتار وإحتلوا الإقليم بكامله وكانت هذه مخالفةً واضحةً لمعاهدة كيتشوك قينارجي وكان من المتوقَّع أن تعلن الدولة العثمانية الحرب على روسيا لكن فرنسا أقنعت العثمانيين بالعدول عن هذه الفكرة للفارق الكبير بين الجيشين في هذه المرحلة وبالإضافة إلى ذلك ترامت الأخبار بحدوث إتفاق سرى بين الروس والنمساويين يقضي بإشتراكهما في حرب الدولة العثمانية لإقتسامها فيما بينهما فخشيت الدولة من دخول مغامرة عسكرية غير محسوبة وقبلت بالتالي أن تسكت عن هذا الإحتلال ولم يقف الأمر عند هذا الحد حيث إعترفت رسميا في يوم 8 يناير عام 1784م بحيازة روسيا لبلاد القرم كلها وهكذا دخلت القرم في تبعية الدولة الروسية وهو الأمر الذى سيستمر إلى عام 1991م إلى أن تتحول إلى تبعية دولة أوكرانيا بعد تحلل دولة الإتحاد السوفيتي وحصول أوكرانيا علي إستقلالها ولم يهدأ غليان روسيا قط حيث لم تكن قانعةً بما أخذته بموجب معاهدة كيتشوك قينارجي ولذا فقد صارت دائمة الإستفزاز للعثمانيين كي يدخلوا ضدها حربا جديدة وبالطبع فقد كان إحتلالها لشبه جزيرة القرم المسلمة في عام 1783م أحد هذه الإستفزازات وقد عملت روسيا في أثناء هذه الفترة أيضا على إثارة الرعايا النصارى في الدولة العثمانية وخاصة اليونانيين ودفعهم للثورة على العثمانيين وعلاوة علي ذلك فقد وصلت إلى علم الدولة العثمانية أخبار مراسلات كانت قد تمت بين كاترين الثانية إمبراطورة روسيا وچوزيف الثاني إمبراطور النمسا تعرض فيها كاترين خطة متكاملة لتقسيم الدولة العثمانية بينهما مع إعادة إقامة دولة بيزنطية تحكم إسطنبول تحت رعاية روسيا فيما عرف آنذاك بالمشروع اليوناني ودعمت الإمبراطورة هذه الخطة عن طريق كثرة الحديث في إعلامها عن أحلامها في إعادة الإمبراطورية البيزنطية وبدأت في إطلاق الأسماء البيزنطية على المدن الجديدة التي أخذتها من الدولة العثمانية في الحرب الأخيرة وكان من المؤكد أن روسيا لا يعنيها البيزنطيين في شئ ولكنها تريد إقامة دولة صورية لهم تكون تحت حمايتها وبذلك يكبر نصيبها في التقسيم مع النمسا وأيضا قامت الإمبراطورة الروسية كاترين الثانية بتأسيس مقاطعة كبيرة في شمال القرم أطلقت عليها إسم روسيا الجديدة وقامت بتشجيع العائلات الأرثوذكسية العثمانية على الهجرة من الدولة العثمانية إلى هذه المناطق وقد قدرت بعض المصادر عدد الذين هاجروا إلى روسيا بربع مليون نسمة .
وكان هذا الأمر بدون شك يمثل تهديدا حقيقيا للأمن القومي العثماني حيث سيتحول هؤلاء المهاجرون من مواطنين عثمانيين إلى مواطنين روس وبالتالي فإنهم سيمثلون خط دفاع أول عن روسيا في مواجهة العثمانيين وأخيرا فقد قامت الإمبراطورة كاترين بزيارة طويلة إلى إقليم القرم إستغرقت ستة شهور حيث إستمرت من شهر يناير إلى شهر يوليو عام 1787م وصحبها في هذه الزيارة الإمبراطور النمساوي چوزيف الثاني وأقامت هناك إحتفالات كبرى تحت عنوان طريق بيزنطة كما قامت ببناء ترسانة عسكرية ضخمة في ميناء سيڤاستوبول على البحر الأسود بالقرب من الحدود العثمانية وتزامن هذا مع موت فردريك الثاني إمبراطور بروسيا في عام 1786م مما حرم المنطقة من شخصية قوية كانت تقف نسبيا مع الدولة العثمانية ضد أطماع الروس وأمام هذه الأوضاع إضطر السلطان العثماني عبد الحميد الأول مدفوعا ببريطانيا وبروسيا المنزعجتين من الأطماع الروسية ومدفوعا كذلك بحالة الغضب الشعبي المتزايدة نتيجة ضياع إقليم القرم إلى تقديم مذكرة إحتجاج إلى روسيا يعلن فيها عن رفضه لهذه الممارسات الإستفزازية ويعلن مخالفتها للمعاهدة المبرمة بين البلدين ويطالب بسحب القوات الروسية من القرم كما طالب أيضا بعدة أمور أخرى كان من الصعب على روسيا أن تقبلها مثل تسليم أمير الأفلاق اللاجئ إلى روسيا وتنازل روسيا عن حماية چورچيا وعزل بعض القناصل الروس والموافقة على تفتيش السفن الروسية عند عبورها المضائق العثمانية
وكان تقديم مثل هذه المطالب يعني الدعوة إلى الحرب لأن روسيا سترفض دون جدال وهو ما حدث بالفعل إذ رفضت روسيا الإستجابة لأى من هذه المطالب فإضطرت الدولة العثمانية إلى إعلان الحرب عليها في يوم 24 أغسطس عام 1787م وردت روسيا بإعلان الحرب في يوم 13 سبتمبر عام 1787م وكان من الممكن أن يكون هذا ترتيبا قانونيا ذكيا من الدولة العثمانية لإشعال حرب تهدف إلى إسترداد إقليم القرم وتغيير معادلة موازين القوى لصالحها لو كان الإعداد العسكرى العثماني يناسب الحدث ولكن واقع الأمر أن الجيش العثماني الضعيف لم يكن جاهزا للحرب مع روسيا القوية ولم تستغل الدولة العثمانية الفترة التي مرت منذ توقيع المعاهدة مع الروس عام 1774م لتحديث الجيش أو تقويته وهكذا مرت ثلاثة عشر سنة كاملةً من عام 1774م وحتي عام 1787م دون أن تشهد محاولات جادة من جانب الدولة العثمانية لتحسين الوضع وتقوية الجيش العثماني وكان ركون السلطان عبد الحميد الأول للسلام دافعا له إلى الإهتمام بالجوانب الأخرى في الدولة دون الجيش وإعتقد واهما أن المعاهدة مع الروس كفلت السلام الأبدى للمنطقة ولم يكن يدرك أن السلام الحقيقي لا يتحقق إلا إذا كان للدولة قوة تحمي هذا السلام وأنه لو ترك روسيا دون حرب فلن تتركه هي أبدا ولم يأخذ إحتلال إقليم القرم عام 1783م كنذير خطر ينذر بمعارك كبرى قادمة وهكذا صار إعلان الحرب في هذه الظروف إندفاعا وتهورا وليس شجاعة ولم يكن مناسبا للسلطان العثماني عبد الحميد الأول أن ينصاع لنصائح الإنجليز أو البروسيين ولا أن يتصرف بتهور تحت ضغط العامة الذين لا يدركون شيئا عن إستعدادات الجيش أو إمكاناته كما أنهم أيضا كانوا لا يدركون شيئا عن التحالفات العالمية التي تهدف إلى تدمير الدولة العثمانية خاصة أن هذه الفترة كانت تشهد تعاونا خطرا بين دولتي روسيا والنمسا وكلتاهما كانتا حريصتين على إقصاء العثمانيين من قارة أوروبا كلها .
وعلي كل الأحوال فقد قامت الحرب بين الدولة العثمانية وروسيا وبدأ الجيش العثماني الحرب بمهاجمة قلعتين عند مدينة كينبورن الأوكرانية في مرتين خلال شهر سبتمبر ثم شهر أكتوبر من عام 1787م ولكن تمكن الجيش الروسي من صد الهجوم في المرتين وكانت هذه الخطوة سيئةً من جانب الدولة العثمانية لسببين الأول هو عدم الإستعداد الكافي لها مما أدى إلى فشل الهجوم على الرغم من مفاجأة روسيا وهذا رفع معنويات الروس على حساب العثمانيين والثاني أن الهجوم العثماني كان سببا في تسويغ الحرب الروسية ضد الدولة العثمانية في المجتمعات الأوروبية وهذا أعاق الجهود الدبلوماسية الفرنسية إلى حد كبير فلم تتمكن من وقف القتال حينما تبين ضعف العثمانيين وقد إضطرت النمسا نتيجة إتفاقيتها مع روسيا وخوفا من إغضاب الإمبراطورة القويَة كاترين الثانية ورغبة في التوسع في البلقان إلى إعلان الحرب على الدولة العثمانية في يوم 10 فبراير عام 1788م وذلك على الرغم من إنشغال النمسا في توترات على جبهاتها الشمالية مع بروسيا والغربية مع فرنسا وهكذا صار على الدولة العثمانية أن تقاتل في جبهتين الجبهة الشمالية الشرقية في البغدان مع الروس والجبهة الشمالية الغربية في المجر وصربيا والبوسنة مع النمسا ولا يخفى على أحد صعوبة الموقف وفي الحقيقة فقد كان عام 1788م عاما صعبا على العثمانيين ففي يوم 31 مايو عام 1788م ضرب الروس الحصار على مدينة أوتشاكوڤ البغدانية وهي في دولة أوكرانيا الآن وفضلوا عدم إقتحامها حتي لا تدخل القوات الروسية في حرب مباشرة من الممكن أن تكبدهم خسائر كبيرة في الأرواح وقاموا بقصفها وقطع إمدادات الغذاء والذخيرة عنها وفي الوقت نفسه كانت الحشود النمساوية تتجه إلى جنوب المجر إستعدادا لعبور نهر الدانوب إلى صربيا العثمانية وكذلك تحرك جيش نمساوى لمساعدة الروس في البغدان وإستجابت الدولة العثمانية بإخراج جيشين أحدهما إلى البغدان لفك الحصار عن أوتشاكوڤ والثاني إلى المجر لردع الجيش النمساوى وفي شهر يوليو عام 1788م عبر الجيش العثماني نهر الدانوب إلى منطقة تيميشوار ولكنه فوجئ بمقاومة عنيفة من جيش النمسا بالإضافة إلى قوات صربية تألفت بسرعة لمساعدة النمسا ضد العثمانيين وكانت هذه المقاومة قد دفعت الجيش العثماني إلى التراجع إلي جنوب نهر الدانوب وعلى الجبهة الروسية فشل الجيش العثماني في رفع الحصار عن أوتشاكوڤ ووسع الروس نشاطهم بحصار مدينة خوتين وهي مدينة أوكرانية تمثل أقصى الحدود الشمالية للدولة العثمانية وذلك بداية من يوم 2 يوليو عام 1788م وإشتركت في هذا الحصار قوات نمساوية .
وقد تزامنت مع هذه الأحداث ثورة في بلاد اليونان إستنزفت المزيد من القوات العثمانية وقد تمكن الروس كذلك في يوم 18 يوليو عام 1788م من الإستيلاء على جزيرة بيرزان بالبحر الأسود وهي تابعة لدولة أوكرانيا حاليا وهي جزيرة كان لها أهميتها الإستراتيجية آنذاك وفي يوم 27 يوليو عام 1788م هاجم نحو خمسة آلاف من الجنود الإنكشارية مواقع يسيطر عليها القوزاق بمدينة أوتشاكوف وأجبروهم على التراجع وحاول القائد الروسي الجنرال سوفوروف دفع الإنكشارية إلى أبواب أوتشاكوف لكنه لم يفلح وأُصيب خلال المعركة وكان قائد العثمانيين في أوتشاكوف حسن باشا ينتظر تعزيزات عسكرية من الأسطول العثماني الذي تجمع في خليج ليمونس لكن بعد هجوم الأسطول الروسي عليه تم قطع التعزيزات المنتظرة عن الجيش العثماني الذى كان واقعا تحت الحصار البرى في أوتشاكوف وفي يوم 19 سبتمبر عام 1788م سقطت خوتين في يد الروس والذين سلموها للنمساويين ومع قدوم فصل الشتاء بدأت حالة كل من الجيش العثماني في أوتشاكوف والجيش الروسي المحاصر للمدينة في التدهور بسبب الطقس وإستمرار درجات الحرارة في الإنخفاض وتفشي المرض بين الجنود لكن علي الرغم من ذلك لم يوقف الروس قتالهم ولم يحل البرد الشديد والثلوج من إكمال عمليتهم في أوتشاكوڤ المحاصَرة منذ يوم 31 مايو عام 1788م وفي يوم 6 ديسمبر من العام نفسه وبعد حصار ستة شهور إقتحم الروس المدينة وتمكنوا من إسقاطها ومن الإستيلاء علي قصر القائد العثماني حسن باشا والذى إستسلم لهم حراسه وبأمر من القائد الروسي الأمير جريجوري بوتيمكين كما يقول المؤرخ الأميريكي سبنسر تاكر تم ذبح كل السكان المدنيين المسلمين في أوتشاكوڤ ووصل عدد القتلى في هذه المجزرة في التقديرات الأوروبية إلى عشرين ألفا من العسكريين والمدنيين وفي التقديرات التركية إلى أكثر من خمسة وعشرين ألفا وكانت هذه الموقعة من أكثر المواقع حسما في هذه الحرب الدموية وجدير بالذكر أن خسائر الروس لم تتجاوز عدد 956 قتيل وعدد 1829 جريح في هذه العملية وهكذا إنتهى عام 1788م بهذه الأحداث الحزينة والمؤلمة جدا للدولة العثمانية والتي تسببت في إصابة السلطان العثماني عبد الحميد الأول بنزيف في المخ حيث تذكر بعض الروايات أن هذا كان بعد علمه بسقوط أوتشاكوڤ ووقوع المذبحة المشار إليها في السطور السابقة بها وظل مريضا عدة أشهر حتي توفي في يوم 7 أبريل عام 1789م عن عمر يناهز 64 عاما ليتولى الحكم من بعده والدولة تمر بمحنة قاسية إبن أخيه وولي العهد الأمير سليم والذى سيصبح السلطان سليم الثالث وكان يبلغ من العمر آنذاك 28 عاما تقريبا وكانت رحي الحرب بين الدولة العثمانية وبين كل من روسيا وحليفتها النمسا ماتزال مستعرة .
|