السبت , 18 أبريل 2026

abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
الرئيسية
بانوراما
فرعونيات
بلاد وشركات
الحدث السياحي
سحر الشرق
سياحة وإستشفاء
أم الدنيا
حج وعمرة
أعمدة ثابتة
درجات الحرارة
اسعار العملات
abou-alhool

السلطان مصطفي الثاني

 السلطان مصطفي الثاني
عدد : 12-2022
بقلم المهندس/ طارق بدراوى
موسوعة كنوز “أم الدنيا”

السلطان العثماني مصطفى الثاني هو السلطان العثماني الثالث والعشرون وهو إبن السلطان محمد الرابع بن إبراهيم الأول بن أحمد الأول بن محمد الثالث بن مراد الثالث بن سليم الثاني بن سليمان القانوني بن سليم الأول بن بايزيد الثاني بن محمد الفاتح بن مراد الثاني بن محمد الأول جلبي بن بايزيد الأول بن مراد الأول بن أورخان غازى بن عثمان بن أرطغرل مؤسس الدولة العثمانية وقد تولى الحكم بعد وفاة عمه السلطان أحمد الثاني عام 1106 هجرية الموافق عام 1695م وكان شابا يافعا حيث كان يبلغ من العمر 31 عاما وهو إبن شقيق السلطانين سليمان الثاني وأحمد الثاني وشقيق السلطان أحمد الثالث وعم السلطانين عبد الحميد الأول ومصطفى الثالث ووالد السلطانين محمود الأول وعثمان الثالث وكان ميلاد السلطان مصطفي الثاني في يوم 6 فبراير عام 1665م بمدينة إدرنه القريبة من العاصمة العثمانية إسطنبول وذلك خلال فترة سلطنة أبيه السلطان محمد الرابع الذى تولي السلطنة من عام 1648م حتي عام 1687م ولكونه كان إبنا للسلطان المذكور وليس أخاه فإنه لم يحبس في قصره كعميه سليمان وأحمد ولذلك تربى تربية طبيعية وألف الحياة السياسية وإطلع على المتغيرات التي حدثت في الدولة خلال عهد عميه سليمان الثاني وأحمد الثاني هذا بالإضافة إلى شبابه وحيويته مما أعطاه فرصة لكي يقدم أداءا أفضل ممن سبقوه من السلاطين في هذه المرحلة التي كانت تمر بها الدولة العثمانية حتى إعتبره المستشرق الألماني الشهير كارل بوكلمان من أولي العزم من السلاطين إلا أنه في حقيقة الأمر لم يبلغ درجة من النضج تجعله يستفيد من الظروف المواتية والأحداث التي كانت جارية في عصره كما أنه لم يحسن كثيرا التعامل مع الأزمات وكغيره من السلاطين في هذه الحقبة التاريخية لم يكن يمتلك الرؤية الإستراتيجية العميقة وذلك على الرغم من حماسته ورغبته في التغيير للأصلح وطموحه في إعادة مركز السلطان العثماني الجالس علي العرش لما كان عليه في زمان السلاطين الأقوياء خاصة السلاطين العثمانيين العشرة الأوائل الأقوياء وقد تولي العرش العثماني في أوائل شهر فبراير عام 1695م ويحسب له علاقته الجيدة على خلاف العادة العثمانية بأخيه أحمد الذى كان يصغره بتسع سنوات فلم يسع لحبسه في قصره كما كان يفعل أسلافه بل تركه يعيش حرا في الدولة وهذا الأمر كان من نوادر الحوادث في هذا الزمن كما يحسب له كذلك أنه كان شموليا في نظرته إلى سياسة الدولة فلم تكن إهتماماته عسكرية فقط إنما حرص على الإرتقاء بأوضاع الدولة الداخلية على الرغم من ضغوط الحروب مع النمسا والبندقية وروسيا وبولندا وكان ذلك سببا في إتخاذ قرار بضغط النفقات وخفض مرتبات الموظفين وإهتم بالإقتصاد فأصدر عملات ذات عيار جيد فإرتفعت القيمة الشرائية لها ولم يضيع وقته في لهو أو صيد كأبيه إنما عاش حياة جادة وحرص على إحياء تقاليد السلاطين الأوائل بما فيها من خروجٍ في المعارك على رأس الجيوش بل أصدر فرمانا بعد ولايته بثلاثة أيام فقط ينكر فيه على السلاطين السابقين الذين تكاسلوا عن الجهاد بالجملة ولذا فهو يعتبر هو السلطان الأفضل منذ زمن السلطان مراد الرابع الذى كان قد تولي السلطنة ما بين عام 1623م وحتي عام 1640م .

وكان السلطان مصطفي الثاني يتصف بالشجاعة والإقدام فأعلن بعد ثلاثة أيام فقط من توليه العرش العثماني رغبته بقيادة الجيوش العثمانية بنفسه وكان هذا العمل الحميد كثيرا ما يؤتي ثماره في العساكر العثمانية ويرفع من إنضباطها ويسهل ترويضها والسيطرة عليها وكانت بداية حكم السلطان مصطفى الثاني قوية ومبشرة إذ قامت البحرية العثمانية بعد ثلاثة أيام فقط من ولاية السلطان بإلحاق هزيمة كبرى بالأسطول البندقي في بحر إيجة وذلك في يوم 9 فبراير عام 1695م ثم حققت نصرا جديدا على البنادقة في يوم 18 فبراير عام 1695م وكان من نتيجة هذين النصرين إنسحاب الأسطول البندقي وتحرير جزيرة خيوس في يوم 22 فبراير عام 1695م وهذا أعطى الأمان الكامل إلى المضائق البحرية والعاصمة إسطنبول ولم يكن نشاط السلطان مصطفي الثاني عابرا إنما كان مستمرا إذ إنه قرر بعد البداية القوية المبشرة التي إستهل بها فترة سلطنته الخروج بنفسه على رأس حملة كبرى لحرب النمسا إذ أنه لم يقبل بحالة الهدوء والتوازن التي شهدها عصر سلفه السلطان أحمد الثاني وخرج السلطان بحملته هذه من إدرنه في شهر يونيو عام 1695م بعد أربعة شهور فقط من ولايته وكانت وجهته إقليم تيميشوار العثماني والذي كان آنذاك يمثل الحدود الجديدة مع ممتلكات النمسا وذلك بعد ضم النمسا لكامل بلاد المجر في الأعوام السابقة وإستطاع السلطان في هذه الحملة في يوم 9 سبتمبر عام 1695م أن يسترد مدينة ليبوڤا وهي تقع بجنوب غرب ترانسلڤانيا التي كان قد إحتلها النمساويون عام 1688م ثم إلتقى بعدها في حرب ميدانية ضد الجيش النمساوي في يوم 25 سبتمبر عام 1695م عند مدينة لوجوس فحقق عليه نصرا كبيرا وبعد هاتين الموقعتين صار الطريق مفتوحا إلى ترانسلڤانيا التي كانت قد صارت تابعة للنمسا منذ عام 1691م وكان من الممكن للجيش العثماني أن يستغل الفراغ السياسي والعسكرى الناتج عن هزيمة النمساويين منذ قليل لكن هذا لم يحدث مع أن التقديرات التركية لعدد الجيش العثماني تجاوزت مائة وخمسين ألف جندى وقد يكون السبب في ذلك هو غياب الرؤية الإستراتيجية وعدم التخطيط الجيد مسبقا للأحداث بشكل منظم وبالتالي لم يكن هناك وضوح في ذهن السلطان مصطفي الثاني والجيش العثماني عن الذى ينبغي فعله في حال الهزيمة أو النصر ومن الممكن أيضا أن يكون السبب هو فقد الروح الهجومية والإيجابية عند الإدارة العثمانية بشكل عام وذلك منذ عام 1683م فصارت تقنع بإنتصار كبير وغنائم كثيرة وخسائر قليلة ولا تطمح في عودة التوسع أو على الأقل في إسترداد ما فقدته الدولة العثمانية تباعا منذ عهد السلطان سليم الثاني والسلاطين اللاحقين له .

ولكن فعلي وجه العموم كانت البداية جيدة حيث كان النصر الذى تحقق في بداية عهد السلطان مصطفي الثالث هو الأهم منذ إستعادة بلجراد عام 1690م منذ خمس سنوات وقد تزامن مع نجاح هذه الحملة نجاح الجيش العثماني أيضا في مقاومة حصار روسي كبير لمدينة آزوڤ التي تقع على بحر آزوڤ المتصل بالبحر الأسود وذلك في الفترة من شهر يوليو إلى شهر أكتوبر عام 1695م وكان الروس يحاصرون المدينة من البر فقط حيث لم يكن لديهم أسطول بحرى يمكن أن يمنع المؤن والإمدادات من النهر والبحر ولذلك فشل الحصار على الرغم من كثرة الجنود الروس حيث كان الجيش الروسي أكثر من واحد وثلاثين ألف مقاتل بينما كانت الحامية العثمانية لا تزيد على أربعة آلاف مقاتل ومع ذلك فقد كشف هذا التحرك الكبير عن رغبة الروس الحثيثة في الوصول إلى المياه الدافئة بالبحر الأسود ولو عن طريق ميناء فرعي كآزوڤ الذى لا يطل بشكل مباشر على البحر الأسود إنما يفصله عنه مضيق كيرش الذي يسيطر عليه العثمانيون وأيضا حقق العثمانيون في يوم 18 سبتمبر عام 1695م نصرا جديدا على البحرية البندقية في بحر إيجة عند مدينة ميتيليني في جزيرة ليسبوس


وفي شهر أبريل من العام التالي 1696م خرج السلطان مصطفى الثاني بحملة جديدة إلى إقليم تيميشوار حقق فيها الجيش العثماني في يوم 27 أغسطس من العام المذكور نصرا كاسحا على جيش النمسا في موقعة أولاش وكان الجيش الصليبي تحت قيادة الأمير الساكسوني أوجست الثاني وهو الذي سيصبح لاحقا ملكا لبولندا وكانت المعركة شرسة حيث قتل من كل طرف حوالي أربعة آلاف جندى من جديد وتم فتح الطريق لإقليم ترانسلڤانيا القريبة ولكن مرة أخرى لم يستثمر العثمانيون الحدث وضاعت فرصة إسترداد الإقليم وكما حدث في عام 1995م جاء الروس مرة أخرى في عام 1996م لحصار آزوڤ لكنهم في هذه المرة أتوا بإستعداد مختلف حيث كان القيصر الروسي الشهير بطرس الأكبر حريصا على الوصول إلى البحر الأسود بكل جهده لذا فقد أقبل بنفسه في ربيع عام 1696م ومعه أسطول بحرى بناه في مدينة ڤورونيز وهي تقع على بعد خمسمائة كيلو متر من آزوڤ ونقله عن طريق نهر الدون إلى آزوڤ ومن ثم حاصر المدينة هذه المرة برا وبحرا وأيضا إستقدم القيصر الروسي عدة قادة أوروبيين متخصصين في الحروب البحرية لقيادة الأسطول وتدريب الجنود ولم يتمكن العثمانيون في خلال عام 1996م من إصلاح القلعة التي عانت من قصف شديد كما لم يتمكنوا من تعزيز الحامية العثمانية القليلة ومن الممكن إلتماس بعض العذر للعثمانيين نظرا لإنشغال جنود البحرية بالسفن البندقية المهددة لمضيق الدردنيل ولكن لم يكن ينبغي إهمال جانب الروس بهذه الصورة وفي النهاية سقطت آزوڤ في يد الروس في يوم 6 أغسطس عام 1696م ولم يكن هذا السقوط مؤثرا في هذه الفترة لكون الدولة العثمانية مسيطرة على مضيق كيرش المتحكم في بحر آزوڤ كله ومع ذلك كان سقوط قلعة آزوڤ مؤذنا بحقبة جديدة ذات سمات مختلفة حيث سيأخذ في هذه الحقبة الروس بالأنظمة العلمية وأدوات التكنولوجيا الحديثة بينما ستكون خطوات العثمانيين في هذا الإتجاه بطيئة وأيضا ستشهد هذه الحقبة بناء الأسطول الروسي لأول مرة والذي يرجع الفضل فيه للقيصر الروسي بطرس الأكبر الذي شاهد نتائج بنائه لأسطوله الأول في آزوڤ فأصدر في يوم 20 أكتوبر عام 1696م أوامره ببناء أول ترسانة بحرية في روسيا قريبا من آزوڤ ولهذا يعتبر هذا التاريخ هو يوم ميلاد البحرية الروسية وكانت هذه التغييرات التطويرية في الإمبراطورية الروسية والتي لم يواكبها تطوير مناسب في الدولة العثمانية سببا أساسيا في قلب حالة التوازن التي كانت بين الدولتين لصالح الروس وهذا سيكون له آثار وخيمة علي الدولة العثمانية مستقبلا .


وفي عام 1697م وللسنة الثالثة على التوالي خرج السلطان مصطفى الثاني على رأس حملة كبرى إلى حرب النمسا من جديد ناحية تيميشوار وهذا بلا جدال يحسب له وكان السلطان متميزا بالإصرار والرغبة الصادقة في تحقيق النصر لكنه كان يفتقر إلى الخبرة وكذلك لم يكن في زمانه من المستشارين البارعين الأمناء من الإداريين والعسكريين من يمكن أن يصقل مواهبه ويرشده إلى الأصلح وبعد توقف في بلجراد إنطلق الجيش العثماني في إتجاه الشمال وكان الهدف هو إسقاط قلعة سيچيد في جنوب المجر ليتخذها العثمانيون قاعدة بعد ذلك وكانت خطوات العثمانيين بطيئة في هذه الحملة وفوجئوا بقدوم جيش نمساوى يقدر بخمسين ألف مقاتل إلى المجر في وقت لم يتوقعوه وعلى الرغم من أن الجيش العثماني كان قوامه يبلغ ثمانين ألفا فإنه قرر الإنسحاب نظرا لدخول شهر سبتمبر وبداية قدوم فصل الشتاء وكان الجيش النمساوي بقيادة الأمير أوچين أمير ساڤوى وكان من القادة المشهورين في قارة أوروبا والذى أخذ يناور بجيوشه ويبتعد عن ملاقاة الجيش العثماني وحدث أن سقط في يده أسيرا عثمانيا والذى أخبره عن خط سير الجيش العثماني فنصب كمينا محكما له عند مدينة زينتا وهي تقع شمال صربيا الآن بالقرب من نهر تيزا ولم ينتبه الجيش العثماني أثناء تراجعه إلى هذا الكمين وفي يوم 11 سبتمبر عام 1697م إنتظر الصليبيون حتى عبر نصف الجيش العثماني نهر تيزا فوق أحد الجسور العريضة ومن ثم فتحوا النيران على الجسر فشطروه إلى نصفين وشطر الجيش العثماني كذلك إلى قسمين كل واحد منهما في ناحية من النهر وكانت المفاجأة قاتلة وتعرض الجيش المسلم لنكبة كبيرة وتساقط الشهداء صرعى من القصف وغرقى في النهر وبصعوبة بالغة إستطاع العثمانيون إنقاذ السلطان وإنسحبوا بطريقة عشوائية من الميدان وكانت خسائر العثمانيين في التقديرات التركية خمسة عشر ألف جندى بينما ترتفع التقديرات الأوروبية بهذا الرقم إلى ثلاثين ألفا وقد تكون التقديرات الأوروبية أقرب إلى الدقة في هذه المعركة لأن التداعيات الناتجة عن المعركة كانت توحي بهزيمة مفجعة ولا يمكن للجيش العثماني أن يسترد بعدها عافيته في وقت قريب وجدير بالذكر أنه قد إستشهد في الموقعة عدد كبير من كبار رجال الدولة العثمانية منهم الصدر الأعظم محمد ألمظ باشا كما إستولى النمساويون على غنائم عظيمة شملت على سبيل المثال ستين ألف جمل للنقل والطعام وألف وخمسمائة ثور لجر العربات وسبعمائة حصان بالإضافة إلى عدد كبير من المدافع والأسلحة هذا فضلا عن ختم الدولة وعربة السلطان وخزينة الجيش وبها أربعون ألف قطعة ذهبية وعلاوة علي ذلك فقد إجتاح الجيش النمساوى البوسنة بعد المعركة ودمر مدينة سراييڤو في يوم 17 أكتوبر عام 1697م وحرق بها مائة وعشرين مسجدا وتحول القائد النمساوى الأمير أوچين إلي بطل في جميع أنحاء قارة أوروبا وعاد السلطان العثماني مصطفي الثاني إلى بلجراد ومنها إلى إدرنه منكسرا وتاريخيا كان هذا هو التهديد العسكرى الأخير من العثمانيين للمجر وحقا كانت الهزيمة كارثية وعلى الفور ظهر على السطح في الحكومة العثمانية مقترح التصالحِ مع النمسا بصورة أو أخرى وهو المقترح الذى كان مرفوضا من جانب الدولة العثمانية في خلال سنوات الحرب الماضية كلها بينها وبين دولة النمسا .


وفي واقع الأمر فقد كان الأمل يراود العثمانيين في إسترداد المجر وترانسلڤانيا يوما ما ولذا كانوا يرفضون الصلح مع النمساويين حتى موقعة زينتا التي تحدثنا عنها في السطور السابقة ولكن بعدها وبعد الإنتصار الذى حققه التمساويون أصبح التفوق في المجمل لصالح النمسا والصليبيين ولذا فالجلوس للتفاوض في هذه الظروف لن يأتي إلا بالخسائر ولكن كان هذا هو الواقع المرير الذى وصل إليه العثمانيون وصارت القناعة شبه الكاملة عند معظم رجال الدولة العثمانيين خاصة قادة الجيش أن مواصلة الحرب ضد النمسا في هذه الظروف يعني فقد أراض جديدة مهمة ولئن توقفت الحرب وحل السلام بين الدولتين العثمانية والنمساوية الآن وجنوب الدانوب كله عثماني أفضل من توقفها بعد ذلك إذا إخترق الصليبيون النهر وكان قد حدث هذا قبل معركة زينتا بتسع سنوات عندما أسقط الصليبيون معظم صربيا وشمال البوسنة في عام 1688م وكان الفريق الداعم للسلام مع النمسا هو الأكبر ولم يكن السلطان مصطفي الثاني من هذا الفريق ومع ذلك وكنتيجة الضغط العصبي لهزيمة زينتا ونتيجة تضعضع الإقتصاد العثماني بسبب الإنفاق العسكري الكبير في الفترة الأخيرة تم قبول فكرة الإتجاه نحو إقرار السلام مع النمسا بصفة مبدئية وقد تزامنت هذه الرغبة العثمانية مع رغبة نمساوية في الصلح أيضا وذلك على الرغم من إنتصارهم في زينتا وكان هذا لأسباب كثيرة منها إنشغالهم في حرب الفرنسيين في غرب الإمبراطورية عند نهر الراين ومنها الإرهاق الشديد الذي أصاب الدولة في سنوات الحرب الطويلة مع العثمانيين ومنها أيضا عدم الإستقرار الشعبي في المجر التي تمكنوا من ضمها لهم حديثا لكراهية المجريين للنمساويين بشكل عام وفضلا عن ذلك كان النمساويون يستعدون لحرب كبرى قادمة في أسبانيا لتحديد وارث السلطة لأن ملكها المريض تشارلز الثاني كان بلا ذرية وقد يموت في أى لحظة وتريد النمسا أن ترث عرش أسبانيا علاوة علي أن عقد السلام مع العثمانيين بعد هزيمتهم في زينتا سيكون في مصلحة النمسا بعكس لو تبدلت الظروف في الأعوام القادمة وتفوق العثمانيون وإستعدوا جيدا لمواجهة النمسا من جديد كما حدث خلال العامين الماضيين أى عام 1695م وعام 1696م ومن جانب آخر كانت جمهورية البندقية الإيطالية أيضا ترغب في الصلح لأنه لو تم الآن والدولة العثمانية منكسرة فستحتفظ البندقية على الأغلب بما سيطرت عليه في إقليم المورة اليوناني وقد تأخذ مكاسب أخرى في منطقة دالماسيا في كرواتيا وكانت هذه الرغبة من جانب البندقية أشد في هذه الأيام لتعرضها لعدة هزائم منذ ولاية السلطان العثماني مصطفى الثاني ومثْل البندقية كانت بولندا حيث أنها كانت راغبة أيضا في السلام لأنها لم تحقق نصرا واحدا على العثمانيين منذ أن إنضمت إلى التحالف الصليبي عام 1684م فلعلها الآن تحقق بالسلام في ظل إنكسار العثمانيين ما لم تحققه بالحرب وقد دفعت هذه الرغبة سفراء البندقية وبولندا في العاصمة النمساوية ڤيينا إلى حث الإمبراطور النمساوى ليوبولد الأول على السعي إلى الصلح مع العثمانيين وكان الوحيد الذى لا يرغب في الصلح هو القيصر الروسي بطرس الأكبر لأنه كان قد حقق نصرا في آزوڤ عام 1696م وكان يعلم أن نصره هناك كان في الأساس بسبب إنشغال الجيش العثماني بحروبه مع كل من النمسا والبندقية وهو يريد إستكمال مشروعه في الوصول إلى المياه الدافئة في البحر الأسود ولو عقد الصلح الآن فسيكون العثمانيون قادرين على دحره في إقليم القرم بل وإسترداد آزوڤ لذلك ذهب القيصر الروسي بنفسه إلى ڤيينا ليستحث الإمبراطور النمساوى على عدم إتمام الصلح بينه وبين العثمانيين ولكن الإمبراطور لم يبد تجاوبا معه خاصة أنه كاثوليكي متزمت ويكره الروس والأرثوذكس بشكل عام .


ويضاف إلى الرغبات العثمانية والنمساوية والبندقية والبولندية في الصلح وإقرار السلام أيضا رغبتان إنجليزية وهولندية حيث كانت كل من إنجلترا وهولندا راغبتين في تفريغ جهد النمسا كله لحرب فرنسا وكانت حرب السنوات التسع بين فرنسا وبين إتحاد أوروبي يضم النمسا وأسبانيا وهولندا وإنجلترا مستمرة منذ عام 1688م وكان من المتوقع أن تنشأ حرب أخرى كبيرة على خلافة العرش الأسباني وستجتهد عائلة البوربون الفرنسية في حيازة هذا العرش وستكون النمسا هي الطرف الآخر في الصراع وستقف إنجلترا مع النمسا ضد غريمتها التقليدية فرنسا خاصة أن فرنسا في هذه المرحلة التاريخية كانت القوة الأولى في أوروبا الغربية وذلك في زمان ملكها لويس الرابع عشر أما هولندا فكانت حليفةً لإنجلترا في هذه الفترة وتعمل معها مؤقتا في الإتجاه نفسه وستكون في حزب النمسا في الحرب المقبلة ولهذا عمل السفيران الإنجليزى والهولندى في العاصمة العثمانية إسطنبول على دفع عملية السلام بكل طاقاتهما وكان البارز في الحوار أنهما يفعلان ذلك من منطلق صداقاتهما للدولة العثمانية وإن كانت الحقيقة بالطبع أنهم لا يبحثون إلا عن مصالح دولتيهما ولكي تكتمل الصورة ينبغي أن نشير إلى أن الدولة العثمانية لم تكن راغبة تماما في سماع النصح الإنجليزى والهولندى لأنه ضد الصديق الفرنسي ونعم فقد كانت العلاقات العثمانية الفرنسية قد توترت نسبيا في أول عهد الملك لويس الرابع عشر ولكنها عادت بشكل جيد منذ عام 1673م وكانت فرنسا حتى هذه اللحظة هي أكثر الدول الأوروبية حصولا على إمتيازات في الدولة العثمانية كما أنها تعادى النمسا بشكل صريح وهذا في مصلحة العثمانيين لهذا كانت الدولة العثمانية ترغب في مراجعة الأمر مع فرنسا قبل الإقدام على الصلح مع النمسا ومع ذلك وفي هذا التوقيت الحرج وصل إلى السلطان العثماني مصطفى الثاني خبر صادم من أوروبا حيث كان الملك لويس الرابع عشر قد عقد في الفترة من يوم 20 سبتمبر إلى يوم 30 أكتوبر عام 1697م صلحا مع التحالف الأوروبي الذى كان يضم النمسا وهو الصلح المعروف بسلام ريسويك نسبةً إلى المدينة الهولندية التي شهدت توقيعه وذلك دون إخبار السلطان العثماني الذي كان من المفترض أنه حليف للفرنسيين ومن المؤكد أن دولته ستتأثر بشكل مباشر بهذا الصلح والذى عقد لينهي حرب السنوات التسع وهو يعني من جانب آخر تفرغ النمسا لحرب العثمانيين مما سيجعل الأيام القادمة أشد صعوبة علي العثمانيين وبالنظر إلي هذه الصورة مكتملة والتي تشمل إنكسار الجيش العثماني في زينتا وخسارة عدد كبير من رجال الدولة المهمين في هذه الموقعة ورغبة معظم رجال الحكومة العثمانية في إنهاء الحرب المضنية والتي ضعضعت الإقتصاد العثماني ورغبة النمسا في التفرغ لحرب الخلافة الأسبانية المتوقعة قريبا ورغبة البندقية في الحفاظ على الوضع الحالي ورغبة إنجلترا وهولندا في تفريغ النمسا لهمومها الأوروبية وإتفاق فرنسا على الصلح مع النمسا وحلفائها من وراء ظهر السلطان العثماني وبالنظر إلي كل ذلك نعلم أنه من المنطقي أن يعقد الصلح بين الدولة العثمانية والنمسا الآن وكان من الطبيعي والمنطقي كذلك أن يكون ثمن السلام فادحا بالنسبة إلى العثمانيين حيث أنهم الطرف المهزوم .


وكان أن عقدت مفاوضات السلام في مدينة كارلوڤيتز الصربية في الفترة من شهر نوفمبر عام 1698م إلى شهر يناير عام 1699م بحضور ممثلين عن الدولة العثمانية ودول النمسا والبندقية وبولندا وبغياب دولة روسيا وبوساطة ورعاية من دولتي إنجلترا وهولندا ويمكننا تلخيص الإتفاق الذي وصل إليه المتفاوضون في جملة واحدة وهي أن تبقي الأوضاع علي ماهي عليه بمعني أن كل دولة من الدول المشتركة في الإتفاق ستحتفظ بما في يدها من أراض وأقطار تمتلكها وقت توقيع الإتفاقية مع بعض التعديلات الطفيفة للغاية وسوف يضاف إلى هذا المبدأ العام المتفقِ عليه قليل من البنود الأخرى وقد تم صياغة هذا الأمر في بنود محددة وضحت أملاك كل دولة على حِدة وكان من الواضح من هذا الاتفاق أن المعاهدة لا تحوي إلا تنازلات عثمانية لدول التحالف الصليبي وهذا كان متوقعا في ظل الظروف البالغة السوء التي كانت تمر بها الدولة العثمانية وكان للنمسا نصيب الأسد في هذه المعاهدة حيث نصت علي أن تمتلك النمسا معظم بلاد المجر وكذلك المناطق التي كانت تمتلكها الدولة العثمانية في كرواتيا وأيضا شمال البوسنة بالإضافة إلى الأطراف الشمالية لإقليم تيميشوار الروماني وكان إجمالي ما حصلت عليه النمسا من أراضي تقدر مساحاتها بحوالي 160 ألف كيلومتر مربع وبالإضافة إلى ذلك نصت المعاهدة علي إعتبار إقليم ترانسلڤانيا مستقلا وعليه أن يعلن ولاءه لمن يريد وإختار النمسا وبالتالي أضيف هذا الإقليم إلى مكاسب النمسا وبخصوص بولندا نصت المعاهدة علي ان تأخذ إقليم بودوليا المتنازع عليه سابقا وكذلك غرب أوكرانيا وكان هذا مكسب كبير لبولندا لأنها كانت خاسرة في المعارك طوال الحرب أما جمهورية البندقية الإيطالية فقد حصلت علي إقليم المورة اليوناني بالإضافة إلي معظم إقليم دالماسيا في كرواتيا أما الدولة العثمانية فقد بقيت في حوزتها الأماكن التي تقع شمال نهر الدانوب والتي كانت ما زالت في يدها وقت توقيع المعاهدة وهي أقاليم الأفلاق والبغدان ومعظم إقليم تيميشوار وكذلك مدينة بلجراد وبالإضافة إلي هذه البنود الخاصة بتوزيع الأراضي علي أطراف المعاهدة فقد نصت المعاهدة أيضا علي أن تتوقف الجزية التي تدفعها أى دولة أوروبية للعثمانيين بإستثناء إقليمي الأفلاق والبغدان وعلي أن تتوقف الحرب بين كل الأطراف لمدة 25 عاما وكانت هذه هي الخطوط العريضة للمعاهدة وقد تم التوقيع عليها في يوم 26 يناير عام 1699م .


وبالنظر إلي هذه المعاهدة نجد أن الخاسر الوحيد فيها كان هو الدولة العثمانية ولذلك دأب المؤرخون على وصفها بأنها أفدح وأسوأ وأشأم معاهدة في التاريخ العثماني كله منذ نشأة الدولة حتى وقت توقيعها وفي الحقيقة كانت كل هذه الأوصاف صحيحة لأن هذه كانت هي المرة الأولى في تاريخ الدولة العثمانية التي تعترف فيها بإنتقال ملكية أرض تابعة لها إلى أعدائها وخاصة بهذه المساحات الشاسعة بالإضافة إلى إنتقال هذه الأراضي إلى أعداء خطرين سيتقوون بهذه الأراضي ضدها في المراحل القادمة كما كانت هذه هي المرة الأولى التي توقع فيها الدولة العثمانية معاهدة كطرف خاسر خسارة فادحة ومع ذلك فمن وجهة نظر أخرى فقد حققت الدولة العثمانية بعض المصالح المحدودة من وراء هذه المعاهدة حيث إستطاعت بقرارها الجرئ بقبول هذه المعاهدة السيئة أن تحفظ نفسها مما هو أسوأ وأن توقف نزيف الدم المراق ونزيف فقدان الأرض والمال والأمن مما أدى إلي أن الدولة العثمانية كانت آنذاك تتجه في الحقيقة إلى كارثة وقد رأينا طرفا منها في خلال عام 1688م وعام 1689م عندما إجتاح الصليبيون صربيا والبوسنة بل وإخترقوا بلغاريا القريبة جدا من إدرنه وإسطنبول وتوغلوا جنوبا حتى وصلوا إلى مقدونيا دون مقاومة ونستطيع القول بأن الدولة العثمانية كانت في الواقع قريبة من كارثة ككارثة أنقرة التي حدثت في عام 1402م على يد الفاتح المغولي تيمورلنك في عهد السلطان بايزيد الأول وتم أسره خلالها وتفككت بعدها الدولة تماما ودامت هذه الفترة نحو 11 عاما ما بين عام 1402م وحتي عام 1413م وعرفت هذه المدة بإسم عهد الفترة وكانت فترة عقيمة في التاريخ العثماني إذ لم تتم خلالها أي توسعات أو فتوحات وأيضا لم يسع العثمانيون خلالها على إسترداد ما سلبهم إياه الفاتح المغولي تيمورلنك وبل تصارع أبناء السلطان الراحل بايزيد الأول وإدعي كل منهم أنه صاحب الحق في خلافة أبيه وتنازعوا بينهم أشلاء الدولة الممزقة علي الرغم من تربص الأعداء بهم من كل جانب إلا أن النصر في نهاية المطاف كان من نصيب محمد چلبي فإنفرد بملك ما تبقي من بلاد آل عثمان وتمكن هو وخلفاؤه من بعده النهوض بالدولة مرة أخرى وتوسيع رقعتها ومن ثم فقد كان قرار قبول الدولة العثمانية معاهدة كارلوڤيتز بشروطها المجحفة حافظا للدولة من التفكك ومسهما في إعطائها عمرا جديدا يتجاوز القرنين من الزمان وكان ليس من الحكمة أن يكابر السياسيون العثمانيون فيصلون إلى طريق مسدود وبدلا من قبول خسارة محدودة يخسرون كل شئ وكم من الدول سقطت لكون قادتها لم يدركوا اللحظة التي يوقفون فيها نزيف أراضيهم أو إقتصادهم وعلاوة علي ذلك فقد خرجت الدولة العثمانية من المعاهدة بلا ديون خارجية ولو إستمرت في المكابرة لإستمر نزيف الأموال والتردى الإقتصادى ولأثقلتها الديون حتما ولصارت نهايتها أسرع وأفدح .


ومن جانب آخر فبتحليل الخسائر التي حاقت بالدولة العثمانية فإننا نتبين أمورا أخرى ففي الواقع أن خسارة المجر كان أمر متوقعُ الحدوث في يوم ما ولقد تأخر هذا اليوم مائة وخمسا وأربعين سنة كاملة بمعنى أن الحكم العثماني لم يكن واقعيا لهذه البلاد المهمة وكان العثمانيون بالنسبة إلى الشعب المجرى أجانب يحكمون دولتهم إلى حين وسوف ينتقل حكم بلادهم يوما ما إليهم أو إلى أجنبي آخر وقد بقي العثمانيون قرن ونصف في بلاد المجر دون أن يزرعوا الولاء في صدور المجريين للدولة العثمانية قط وحقا كان العثمانيون أفضل من النمساويين أو عامة الأوروبيين من ناحية رفقهم وعدلهم وتسامحهم الديني وعدم تدخلهم في شئونهم لكنهم في النهاية كانوا يعدون أجانب والأجنبي مصيره إلى الرحيل وعليه فإن ما حدث إذن كان نتيجة طبيعية لإهمال العثمانيين على مدار العقود والقرون لمسألة الدعوة والتعريف بالإسلام الصحيح في تلك البلاد وكذلك لمسألة الإندماج في المجتمعات الجديدة التي كانت تلحق بدولتهم والحق أن شعب المجر تحديدا كان على الأقل في هذه المرحلة شعب تعيس وكان سبب هذه التعاسة أن أرضه كانت وسيطة بين عملاقين كبيرين هما الإمبراطورية العثمانية والإمبراطورية النمساوية ومن ثم كانت أرضه دوما ساحةَ قتال بين هاتين الإمبراطوريتين وكان هذا سببا رئيسيا في هلاك الآلاف ودفعهم إلى الهجرة إلى أماكن أخرى أكثر أمانا وبالتالي خربت الديار وبارت الأراضي وهلك الإقتصاد وضعف الأمن وبخروج المجر من سيطرة العثمانيين إلى سطوة النمساويين لم يتغير حال هذه البلاد التعيسة وسيستمر هذا الحال إلى القرن العشرين الماضي وكان هذا الحال التعيس أيضا ينطبق أيضا وبصورة أكبر على ترانسلڤانيا وبودوليا وأوكرانيا وكرواتيا بل وينطبق كذلك على بعض الأقاليم التي ظلت بحوزة الدولة العثمانية كالأفلاق والبغدان فإذا كانت المجر كان يحكمها حاكم مسلم وحكومة مسلمة فمع ذلك لم يظهر فيها الولاء للدولة العثمانية فإن هذه الأقاليم كلها لم تحكم بالعثمانيين بشكل مباشر إنما كان يحكمها حكام من أهل البلد وكانوا يعيشون حياتهم بالطريقة نفسها قبل تبعيتهم للدولة العثمانية وبعدها وكانوا فقط يدفعون الجزية ولا يملكون قرارا سياسيا خارجيا وكانوا يحاربون مع الدولة العثمانية إذا حاربت ويسالمون إذا سالمت في مقابل أن تحميهم الدولة العثمانية التي كانت قوية من الأخطار الخارجية ولا شك أن وضعا كهذا لا يمكن أن يزرع الولاء في نفوس الشعوب بل ستحول الشعوب ولاءها فورا إلى الأقوى إذا ظهر وكان هذا يعني أن الدولة العثمانية في الحقيقة لم تقتطع جزءا من أرضها لتعطيه للمنتصرين إنما هي في الواقع كانت قد تخلت عن أراض كانت تستخدمها كخط دفاع أول عن أراضيها الحقيقية أى أن هذه الأراضي كانت بمثابة الأسوار التي تدافع عن المدن العثمانية وتتلقى الصدمات الأولى عند الحروب ومن ثم كانت الخسارة عسكرية أساسا إذ ستكون الصدامات في المرحلة القادمة على الأرضي العثمانية وليست على الأراضي التي حولها وهذا ما حدث خلال الحروب التالية للدولة العثمانية في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر الميلاديين ومن زاوية أخرى فقد تعرضت الدولة العثمانية بسبب المعاهدة لخسائر إقتصادية حيث بموجبها فقدت الدولة جزية هذه البلاد وفضلا عن ذلك كانت خسارة الهيبة والتي لا يمكن تجاهلها فقد أدرك الأوروبيون الآن أنه يمكن إرغام الدولة العثمانية العملاقة على التنازل عن أراض من أملاكها بالقوة .


وفي واقع الأمر كانت أكبر الخسائر المادية في معاهدة كارلوڤيتز هي خسارة إقليم المورة اليوناني لصالح البنادقة فلئن كانت المجر وترانسلڤانيا وبودوليا وأوكرانيا ودالماسيا كلها على حدود الدولة العثمانية فإن إقليم المورة والذى يقع في جنوب اليونان وكان عبارة عن عدة جزر مهمة تابعة للدولة العثمانية أهمها نجروبونتي ورودس وكريت قد صار مهددا من قبل البندقية وأيضا لا يمكن تجاهل تهديد جزر بحر إيجة الشمالية ومضيق الدردنيل وإسطنبول ذاتها وكان وجود البندقية في هذا المكان الذي خبرته عبر التاريخ وإلى جوار اليونانيين النصارى الذين تعاملت معهم عدة قرون وتعرفهم جيدا لأمر يمثل خطورة أمنية قومية من أعلى الدرجات وكان معني ذلك أن الدولة العثمانية إذا فكرت في إصلاح بعض خسائر معاهدة كارلوڤيتز مستقبلا فإن هذا سيتجه إلى إصلاح خسارة بلاد اليونان أولا لا إلى إستعادة المجر وهو ما سيكون بعد عقدين من الزمان وكملاحظة أخيرة فإن إضافة المجر إلى النمسا قد زاد في مساحتها وقوتها بدرجة جعلتها تعود إلى سابق هيبتها أو قريبا منها وهذا سيكون له تأثير مهم على السياسة الأوروبية فيما بعد أما الدولة العثمانية فإنها لا شك ستستفيد من حالة الهدوء الناتجة عن المعاهدة في إعادة بناء هيكلها الداخلي خاصة أن أعداءها الآخرين بخلاف النمسا كانوا ما زالوا في مرحلة النمو المتدرج كروسيا أو الإنحدار السريع كالبندقية وبولندا وفي واقع الأمر كانت معاهدة كارلوفيتز بسطورها السوداء والتي تعد إحدى أقسى وأسوأ المعاهدات في تاريخ العثمانيين هي البداية الفعلية لإنحسار المد الإسلامي في قارة أوروبا وبداية مرحلة التفكك في الدولة العثمانية وللأسف فقد تزامن ذلك مع ضعف الوازع الديني عند المسلمين وبرود همتهم الجهادية وإستمرار ثورات الانكشارية وتقاعسهم عن أداء واجبهم وإنتشار الفساد بين قيادات الدولة في ظل وجود قيادات عديمة الكفاءة كل همها السرقة والنهب بالإضافة إلي تعاقب الحملات الصليبية وإشتدادها وإتحاد القوى الأوروبية على الدولة العثمانية فكانت الحروب تشتعل على ثلاث أو أربع جبهات في نفس الوقت .


وبعد تنفيذ بنود معاهدة كارلوفيتز أدركت روسيا خطأها في عدم المشاركة في هذه المعاهدة وذلك بعد رؤية المكاسب التي حققها التحالف الصليبي لكن كان يحدوها الأمل في توسيع دائرة وجودها على البحر الأسود على حساب العثمانيين ومع ذلك فقد تطورت الأحداث ضدها في أوائل عام 1700م بعد إبرام معاهدة كارلوڤيتز بعام واحد عندما ظهرت في الأفق بوادر حرب كبرى بينها وبين إمبراطورية السويد فيما سيعرف لاحقا بحرب الشَمال العظمى فأرادت روسيا أن تسَكن جبهة الدولة العثمانية للتفرغ لحروبها الشمالية في البلطيق فسعت لمباحثات سلام مع العثمانيين ووجدت تجاوبا من جانبهم فكانت معاهدة إسطنبول التي عقدت في يوم 14 يوليو عام 1700م أي بعد معاهدة كارلوڤيتز بعام ونصف العام وإتفق الطرفان على وضع الحرب بينهما لمدة ثلاثين عاما وفي مقابل أن تقبل الدولة العثمانية بحيازة روسيا لميناء آزوڤ وبعض المناطق المحيطة به بينما ترد روسيا للدولة العثمانية كل القلاع التي أخذتها على نهر الدنيبر كما سيظل مضيق كيرش المتحكم في ميناء آزوڤ في يد العثمانيين وأيضا ستتوقف روسيا عن دفع الجزية إلى تتار القرم وستمنع القوزاق التابعين لها من القيام بحملات في الأراضي العثمانية وستتكفل الدولة العثمانية في المقابل بمنع التتار المسلمين من القيام بحملات مماثلة في أرض روسيا وبعد توقيع هذه المعاهدة ومن قبلها معاهدة كارلوفيتز هدأت كل الجبهات العسكرية للدولة العثمانية وكان السلطان مصطفى الثاني يشعر بشئ من الإحباط لما آلت إليه الأوضاع وكثر كلام الناس في إسطنبول حول الضعف الذى أصاب الدولة فأخذ السلطان موقفا عجيبا إذ قرر الإعتزال في إدرنه وترك كل الأمور السياسية والإدارية لشيخ الإسلام فيض الله أفندى وكان هذا في الواقع هروب غير مقبول ومن المحتمل أنه كان يعتقد أن الإبتعاد عن الأجواء المشحونة يمكن أن يدفع الناس إلى نسيان الأمر لكن يقينا لم يكن هذا التصرف حكيما حيث كان ينبغي مصارحة الناس بشكل منطقي وشفاف وتوضيح أن الوضع المزرى الذى كانت قد وصلت إليه الدولة في المعاهدتين ليس من أخطاء السلطان مصطفى الثاني الذي وقعهما إنما هي تراكمات سنين وأنه كان مضطرا لتوقيع هاتين المعاهدتين إنقاذا للموقف المتردى والسئ الذى كانت قد وصلت إليه الدولة العثمانية آنذاك وعموما فقد كانت المواجهة العملية أفضل في كل الأحوال من الهروب السلبي وفضلا عن ذلك فقد فسر البعض أن السلطان مصطفي الثاني قد منح صلاحيات قوية إلى شيخ الإسلام لكي يعادل بها الصلاحيات الكبرى التي كان يتمتع بها كبار رجال الجيش والصدر الأعظم حسين باشا الكوبريللي الذى تولي منصبه في يوم 17 سبتمبر عام 1697م والذى بذل كل جهده من أجل إعادة بناء كل مؤسسات الدولة ومع ذلك فليس هذا مبررا للإعتزال في إدرنه وترك الصراع محتدما بين المسئولين في الدولة في العاصمة إسطنبول وفي النهاية إستقال حسين باشا الكوبريللي من الصدارة العظمى في شهر سبتمبر عام 1702م وتم تعيين مصطفي باشا الدلتباني بدلا منه والذى ثارت الإنكشارية عليه فإستبدل في شهر يناير عام 1703م برامي محمد باشا الذى سار على خطى حسين باشا الكوبريللي في حركته الإصلاحية وإبطال المنكر ومحاربة الرشوة والتضييق على المفسدين فثاروا عليه أيضا وطلبوا من السلطان أن يعزله فرفض .


ومن جانب آخر كان الغضب واسعا من السلطان تجاه شيخ الإسلام فيض الله أفندى لأن هذا الأخير كان أداؤه مخيبا لأقصى درجة حيث مارس سلطة دكتاتورية لم يصل إليها شيخ قبله ولا بعده في التاريخ العثماني وشاع في العامة أنه فاسد يستغل السلطة لمآربه الخاصة وأنه لا يولي إلا أقاربه ويحابي بعضهم على حساب الآخرين وزاد الأمر سوءا بتوليته لإبنه فتح الله أعلى مناصب المشيخة بعد منصب شيخ الإسلام تمهيدا ليصبح شيخا للإسلام بعده فصار وكأنه ولي عهد شيخ الإسلام وأنه قد حول المنصب إلى وراثة بطريقة مستفزة وبلا شك فليس هكذا تدار البلاد فالشيوخ الذين لا علم لهم بالسياسة قد يكونون أفسد للدولة من كثير من السياسيين الذين لا يعرفون شيئا عن بنود الشريعة حيث أن إدارة الدولة المسلمة تحتاج إلى سياسي محترف يساعده فريق من الشيوخ لتوضيح رأى الإسلام في القضايا المختلفة لا إلى شيخ ولو كان أمينا لا يفقه شيئا في السياسة وبحلول عام 1703م حدثت إضطرابات في بعض الولايات النصرانية التابعة للدولة العثمانية في چورچيا شرق الأناضول للتنافس على عرش هذه الولايات فأرسلت الحكومة العثمانية مجموعات كبيرة من الإنكشارية للمساعدة في السيطرة على هذه الإضطرابات وعند عودة هؤلاء من مهمتهم فوجئوا بتأجيل دفع مرتباتهم لوجود أزمة إقتصادية كبرى في الدولة ومن ثم إرتفعت وتيرة الغضب عند قادة الإنكشارية أولا لتأخر رواتبهم وثانيا لإرتفاع صلاحيات شيخ الإسلام عليهم وثالثا لتوقف الحروب بعد المعاهدات السلمية وبالتالي إنعدمت الغنائم وقلت المكافآت التي كانت تصرف لهم في الحروب وأراد الإنكشارية أن يظهروا قوتهم من جديد بعد أن كانت أمورهم قد إنتظمت منذ إصلاحات الصدر الأعظم الراحل فاضل مصطفى باشا عام 1690م أي منذ ثلاثة عشر عاما فقرروا القيام بإنقلاب على السلطان مصطفي الثاني لكن الإنقلاب الذي لا يظهر فيه سوى قادة من الجيش قد يكون خطرا على حياتهم فكان لا بد من إستخدام ستائر خداعية يتحركون من خلفها وكانت هذه الستائر هي القضاة والشعب وبشكل مباشر أو غير مباشر تواصل الإنكشارية مع بعض القضاة الشرعيين لإستصدار فتاوى بأن السلطان غير كفؤ في منصبه وأنه تنازل عن أجزاء كثيرة من الدولة للنصارى في المعاهدتين اللتين أبرمهما مع التحالف الصليبي والروس وأنه ترك منصبه لغيره فيعتبر مضيعا للأمانة وأيضا أصدر هؤلاء القضاة فتاوى بجواز خروج الناس للإعتراض على السلطان من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإشترك الإنكشاريون وهؤلاء القضاة في الوصول إلى الناس خاصة في إسطنبول وحثوهم على التمرد مستغلين حالة الإحتقان التي عندهم من جراء عدم فهمهم لما حدث في المعاهدتين المذكورتين وتحرك في هذا التمرد جموع من الناس يجمعهم الجهل بالدين والسياسة معا وهم يظنون أنهم يغيرون المنكر والواقع أنهم يخالفون المعروف ومن جانب آخر فإن بعض هؤلاء الثائرين من أهل إسطنبول فعلوا ذلك لمكوث السلطان في إدرنه على نهج أبيه السلطان محمد الرابع مما يحرم إسطنبول من فوائد إقتصادية كبرى ولكل هذه الأسباب مجتمعة إنطلقت جموع المتمردين الثائرين الموجهة دون أن تدرى إلى بيوت كبار رجال الدولة في إسطنبول فإقتحمتها وخربتها ثم قامت بأعمال تخريب في المدينة ثم تجمعت في مسيرة كبيرة بلغت خمسين ألف رجل تحركت من إسطنبول إلى إدرنه حيث كان مقر السلطان آنذاك وطالبت الجموع الموجهة بعزل السلطان والذى أراد أن يهدئ ثائرتهم فعزل شيخ الإسلام وإبنه وأعلن مصادرة أموالهما ولكن هذا لم يجد نفعا وإنتهى الأمر بخلع السلطان مصطفي الثاني في يوم 22 أغسطس عام 1703م وتنصيب أخيه ولي العهد أحمد وذلك تحت إسم أحمد الثالث وقد سميت هذه الأحداث في التاريخ العثماني بحادثة إدرنه وقد إعتبرها المؤرخون وصمة عار في تاريخ الدولة العثمانية وجدير بالذكر أن شيخ الإسلام فيض الله قد فر هاربا بعد هذه الأحداث إلى ڤارنا ببلغاريا لكن أمسك به المتمردون وقتلوه هو وإبنه فتح الله في يوم 24 أغسطس عام 1703م بعد ولاية السلطان أحمد الثالث بيومين وأخيرا كانت وفاة السلطان المخلوع مصطفي الثاني بعد أربعة أشهر من عزله في يوم 28 من شهر ديسمبر عام 1703م عن عمر يناهز التاسعة والثلاثين عاما .
 
 
الصور :
السلطان أحمد الثالث السلطان أحمد الثاني السلطان عبد الحميد الأول حسين باشا الكوبريللي السلطان مصطفي الثالث