بقلم المهندس/ طارق بدراوى
موسوعة كنوز “أم الدنيا”
السلطان إبراهيم الأول هو السلطان العثماني التاسع عشر وخليفة المسلمين الثالث والثمانون وعاشر من حمل لقب الخليفة مع لقب السلطان من آل عثمان وهو إبن السلطان أحمد الأول بن محمد الثالث بن مراد الثالث بن سليم الثاني بن سليمان القانوني بن سليم الأول بن بايزيد الثاني بن محمد الفاتح بن مراد الثاني بن محمد الأول جلبي بن بايزيد الأول بن مراد الأول بن أورخان غازى بن عثمان بن أرطغرل مؤسس الدولة العثمانية وكان قد تقلد منصب السلطان بعد وفاة أخيه السلطان مراد الرابع في يوم 8 فبراير عام 1640م وهو شقيق كل من السلطان عثمان الثاني والأمير محمد والأمير قاسم والسلطان مراد الرابع ووالد كل من السلطان محمد الرابع والسلطان سليمان الثاني والسلطان أحمد الثاني وعمه هو السلطان مصطفى الأول وجدير بالذكر أن السلطان إبراهيم الأول كان أحد عدد 4 سلاطين لم تتكرر أسماؤهم ضمن سلاطين الدولة العثمانية وذلك بالإضافة إلي السلطان أورخان غازى والسلطان عبد المجيد الأول والسلطان عبد العزيز الأول وجدير بالذكر أن إسم عثمان قد حمله عدد 3 سلاطين وإسم مراد حمله عدد 5 سلاطين وإسم بايزيد حمله سلطانان وإسم محمد حمله عدد 6 سلاطين وإسم سليم حمله عدد 3 سلاطين وإسم سليمان حمله سلطانان وإسم أحمد حمله عدد 3 سلاطين وإسم مصطفي حمله عدد 4 سلاطين وإسم محمود حمله سلطانان وإسم عبد الحميد حمله سلطانان مع ملاحظة أن الخليفة العثماني الأخير عبد المجيد الثاني لم يعتبره المؤرخون سلطانا بل كان مجرد خليفة وذلك بعد إلغاء السلطنة وسقوط الدولة العثمانية في عام 1923م وقد شاءت الأقدار للسلطان إبراهيم الأول أن يتولى السلطنة بعدما إبتلي السلطان مراد الرابع بوفاة أولاده الذكور في حياته حيث كان له من الأولاد أحد عشر ماتوا جميعا في فترة حكمه وفضلا عن ذلك كان إخوته جميعا كانوا قد ماتوا قتلا أيضا في حياته بإستثناء الأخ الأصغر إبراهيم وبالتالي فقد كان إبراهيم هو الشخص الوحيد المتبقي من السلالة العثمانية على وجه الأرض ولو لم يكن موجودا لكان من الممكن أن تنتهي الدولة العثمانية تاريخيا بوفاة السلطان مراد الرابع في عام 1640م لكن شاء الله أن يبقي شقيقه إبراهيم علي قيد الحياة وليكون هو الأصل لكل من حكم الدولة العثمانية حتي أوائل القرن العشرين الماضي وليمتد عمر الدولة قرابة ثلاثة قرون أخرى وقد إختلف المؤرخون حول مدى صحة القوى العقلية لهذا السلطان فمن قائل إنه كان مريضا بالجنون إلى الدرجة التي لقب فيها بالمجنون إلى من أزال عنه صفة الجنون بالكلية ولكنه في كل الأحوال لم يكن شخصيةً لامعة ومتميزة خاصة أنه كان يفتقر إلي الخبرة والحنكة السياسية وبالتالي لا يمكن أن نعتبره من السلاطين العثمانيين العظام .
وكان ميلاد السلطان إبراهيم الأول في يوم 5 نوفمبر عام 1615م بالعاصمة العثمانية إسطنبول وقضى طفولته وشبابه محبوسا في القصر القديم في تحديد جبرى لإقامته فرضه عليه أخوه الأكبر السلطان مراد الرابع كما قضى السنوات الخمس الأخيرة خائفا ومرعوبا من تلقي مصير القتل الذى تعرض له إخوته وبلا شك أن هذه الحياة قد أثرت تأثيرا سلبيا على سلوكه وشخصيته كما أنها أفقدته القدرة على التحصيل والمعرفة فضلا عن الغياب الكلي للخبرة العملية في شئون السياسة والحكم وهكذا فعندما تولي حكم دولة عملاقة هي الدولة العثمانية وكان لم يكمل 25 عاما بعد كان قد إستلم دفة الحكم رجل لا علم له بالسياسة وأصول الحكم وعندما توفي شقيقه السلطان مراد الرابع وإندفعت الحاشية المالكة لتهنئ السلطان الجديد ظن أنهم يريدون قتله وأنها مكيدة من أخيه لإختبار ولائه فرفض الملك وأعرض عنهم وقال لهم بأنه يفضل السجن ولم يصدقهم حتى قابلته أمه السلطانة كوسم ومعها جثة السلطان مراد الرابع فتيقن من الخبر ورضي أن يتولى سدة الخلافة وتقلد سيف عثمان بن أرطغرل في مسجد أبي أيوب الأنصارى وجاء في خطبته يومذاك الحمد لله رب العالمين أن جعلت عبدا ضعيفا مثلي لائقا لهذا المقام فاللهم أصلح وأحسن حال شعبي مدة حكمي وكان صغر سن السلطان إبراهيم الأول وقلة خبرته سببا أساسيا أولا في عودة السلطانة كوسم والدته مرةً أخرى للظهور على المسرح السياسي بعد إعتلاء السلطان إبراهيم للحكم بما سيسبب الكثير من الأضرار للدولة العثمانية نتيجة عودة سلطنة النساء للحكم بعد أن كان السلطان مراد الرابع قد عطلها في عام 1632م وثانيا فإن السلطان إبراهيم كان هو الوحيد المتبقي من السلالة العثمانية ولم يكن له أولاد بعد ولو مات هكذا بلا عقب لإنقرضت السلالة العثمانية فدفع هذا أمه كوسم سلطان إلى ملء حياته بالنساء طمعا في كثرة الإنجاب وقد تحقق مرادها وأنجب كثيرا ولكنه على الرغم من رغبته في إدارة الأمور بنفسه والسعي لإكتساب الخبرة إلا أنه إنشغل بالنساء الجميلات حتى أنفق عليهن الأموال الغزيرة وصارت مجالسه في قصر الحريم أكثر من مجالسه في ديوان الحكم وعلي الرغم من هذه الظروف الخطرة إلا أن السنوات الأربع الأولى من حكم السلطان إبراهيم أى من عام 1640م وحتي عام 1644م لم تشهد تأثرا في مسار الدولة بل ظل الأمن مستتبا كما كان في أيام السلطان مراد الرابع ويرجع ذلك إلى أمرين الأول هو قوة النظام الذى تركه السلطان الراحل فكانت له ذاتية تسمح له بالإستمرار والثاني هو وجود شخصية متميزة في مركز الصدارة العظمى هو كيمنكش قرة مصطفى باشا ومما يذكر أن لقب كيمنكش كلمة تركية تعني رامي السهام وكان قرة مصطفى باشا بالفعل من أمهر الرماة .
وقد إختلف المؤرخون على وصف أمانة هذا الصدر الأعظم ولكن المتفق عليه أنه كان سياسيا قديرا محترفا وصاحب شخصية كاريزمية قيادية متميزة فأسهم ذلك في تسيير الأمور بشكل جيد وقد شهدت السنوات الأربع الأولى من حكم السلطان إبراهيم إلى جانب الهدوء والإستقرار بعض النجاحات الجيدة مثل تجديد معاهدة السلام مع النمسا في عام 1642م وإسترداد ميناء آزوڤ من الأوكرانيين في السنة نفسها وكذلك فعلى المستوى الداخلي سعى الصدر الأعظم إلى تحسين ميزانية الدولة عن طريق إقصاء عدد كبير من العمالة غير الفعالة التي أضافها النظام الفاسد في العقود الأخيرة ومنها أعداد كبيرة من الإنكشارية الذين كانوا يرهقون الميزانية بأجورهم دون عمل وكانت النتيجة أن نجحت إجراءات الصدر الأعظم في تحسين قيمة العملة العثمانية وخفض الأسعار وزيادة الإستقرار ولكنها في الوقت نفسه خلقت له مزيدا من الأعداء والخصوم خاصة في داخل القصر الحاكم وفي قيادات الإنكشارية وسرعان ما حيكت المؤامرات في القصر والديوان لإقصاء الصدر الأعظم القدير قرة مصطفي باشا عن المنصب وإنتهى الأمر بوشاية حقيرة قادت إلى إعدامه في يوم 31 يناير عام 1644م وتعيين سلطان زادة محمد باشا بدلا منه والذى مكث في منصبه من يوم 31 من شهر يناير عام 1644م حتي يوم 17 ديسمبر عام 1645م وكان هذا القرار الطائش من السلطان نقطة تحول في مسار الدولة العثمانية في هذه المرحلة التاريخية حيث دخلت في إضطرابات ستستمر 12 عاما أى إلى عام 1656م ويكفي للدلالة على غياب شخصية مماثلة لهذا الرجل أن نعلم أن عدد من شغل هذا المنصب في خلال هذه الإثني عشر عاما كان ثمانية عشر صدرا أعظم بمتوسط ولاية قدرها ثمانية شهور فقط لكل واحد منهم مما يدل على حالة عدم الإستقرار التي دخلتها البلاد وما يقال على منصب الصدر الأعظم يمكننا قوله أيضا كذلك على المناصب الكبرى الأخرى في الدولة ففي هذه الفترة المحدودة تغير منصب شيخ الإسلام إثنتي عشرة مرة ومنصب قائد البحرية ثماني عشرة مرة ووزير المالية ثلاثة وعشرين مرة هذا فضلا عن التغيير السريع كذلك في مناصب ولاة الولايات والأقاليم وقد يتعجب القارئ من هذا الإنحدار لمجرد تغيير شخص الصدر الأعظم ولكن الواقع أن الحدث كان كالقشة التي قصمت ظهر البعير حيث كان حمل الدولة العثمانية ثقيلا في هذه المرحلة ثم تأتي مثل هذه الأحداث التي قد تبدو عادية أو عابرة فينكشف المستور وتظهر أمراض الدولة بوضوح خاصة وأنه ينبغي أن ندرك أننا في منتصف القرن السابع عشر الميلادى ولسنا في الزمن الأول للعثمانيين خاصة وأن إصلاحات السلطان الراحل مراد الرابع على أهميتها لم تكن إصلاحات جذرية إنما كان يغلب عليها الطابع الشكلي المرتبط بشخصه لا بالنظام العام فكانت بذلك مسكنةً لآلام الدولة العثمانية وليست معالجةً لأسباب الأمراض ومن ثم كان إعدام رجل النظام القديم قرة مصطفى باشا كاشفا لحقيقة الوضع الذى كانت قد وصلت إليه الدولة يضاف إلى هذا حقيقة أن قرة مصطفى باشا كان قويا في تخصصه فحتى لو إفترضنا جدلا أنه قد إفتقر إلى الأمانة نسبيا فإنه بلا شك كان ناجحا في الوصول بالدولة إلى الأفضل ولقد قدم الله سبحانه وتعالي صفة القوة على صفة الأمانة عند تبيان معايير التعيين في وظيفة فقال إِن خير من إستأجرتَ القوى الأمين .
وكانت الطامة الكبرى والمشكلة الأكبر في الدولة العثمانية في الفترة التي أعقبت إعدام قرة مصطفى باشا أنها عزلت الذي يشك في أنه فاقد للأمانة وأتت بالذين يفتقرون بالتأكيد إلى القوة والأمانة معا ويمكننا بكل سهولة أن نرصد في الفترة التي أعقبت إعدام قرة مصطفي باشا مشكلة إسناد الأمر لغير أهله فبوضوح إنتشرت الرشوة وصارت الوظائف الكبرى تشترى بشكل بارز وكثر التنافس على قيادة بعض الولايات وخاصة الغنية منها كمصر وكثر التلاعب بالأوقاف وفي نفس الوقت كان هناك إنخفاض جلي في مستوى العلماء وللأسف فقد إشتركوا في تكوين الأحزاب المتنافسة على الولايات وبالتالي إنخفضت هيبتهم وقل تأثيرهم على الحكومة والشعب وتعددت موازين القوى بشكل خطر وكثرت الإقطاعيات وزاد نفوذ الأعيان وصارت بعض المناطق في الدولة كأنها مستقلةٌ عنها وخاصة في الولايات البعيدة عن إسطنبول وتجمد القانون وصار غير متوائم مع حركة المجتمع والدولة ومع ذلك فعلى المستوى الدولي كان الوضع مستقرا إلى حد كبير حيث كانت دول أوروبا غارقةً في حرب الثلاثين عاما التي إستمرت من عام 1618م وحتي عام 1648م وبذلك فهي ترضى من الدولة العثمانية بالسكون كما كانت العلاقات التجارية مع إنجلترا وهولندا جيدة أما البندقية فكانت شريكا دائما للتجارة العثمانية إلا أن هذا سيتغير في عام 1645م وكانت العلاقات قد بدأت تفتر مع فرنسا وستزداد فتورا في العقود التالية وذلك منذ ولاية الملك الكبير لويس الرابع عشر الذى سيحكم فترة طويلة جدا بلغت 72 عاما وكانت أطول فترة لحاكم أوروبي في التاريخ وسيسعى لإعطاء فرنسا مكانةً قياديةً في قارة أوروبا ولن يكون مناسبا لقيادة النصارى أن تكون متحالفةً مع الدولة العثمانية المسلمة ومع ذلك ففرنسا لم تكن مؤثرة سلبا على العثمانيين في هذه الفترة لإنشغالها بحرب الثلاثين عاما ثم بالحرب الدينية الأهلية في أرضها وبخصوص الدولة الصفوية فكانت قد إزدادت ضعفا بموت الشاه الضعيف صافي وولاية الأضعف الطفل عباس الثاني في عام 1642م وهكذا كانت الظروف العالمية المواتية سببا في إستقرار العلاقات الدولية العثمانية بشكل كبير في هذه المرحلة على الرغم من عدم الإستقرار الداخلي .
وعموما فقد كان من النتائج المباشرة لإعدام الصدر الأعظم قرة مصطفى باشا أن عادت السلطانة كوسم والدة السلطان إبراهيم للظهور السياسي وكذلك تعيين المتآمرين عليه في مناصب مهمة في الدولة ولم يستطع السلطان إبراهيم على الرغم من ضيقه منع أمه من التدخل في السياسة ومن ثم بدأ تكوين الأحزاب المتعارضة الباحثة عن الأعوان من كبار رجال الدولة والإنكشاريين والعلماء ومراكز القوى المختلفة وهكذا بدأ الدخول في بوادر حرب أهلية وفي ظل هذا التوتر الداخلي وصلت الأخبار السيئة بحدوث أزمة بحرية كبرى في البحر المتوسط ففي يوم 28 سبتمبر عام 1644م تمكن فرسان القديس يوحنا من السطو على سفينة عثمانية مهمة كانت متجهةً من إسطنبول إلى الإسكندرية وكانت تحمل عددا كبيرا من رجال الدولة بالإضافة إلى عدد من التجار وبعض المسافرين لأداء فريضة الحج وقتل في هذا الهجوم عدد كبير من العثمانيين ثم سحب فرسان القديس يوحنا السفينة إلى جزيرة كريت التابعة آنذاك للبنادقة وباعوا هناك ثلاثمائة وخمسين رجلا بالإضافة إلى ثلاثين إمرأة كعبيد للتجار الأوروبيين وكان هذا الخبر صادما في الديوان العثماني وكان الأمر يتطلب حربا دون جدال سواء ضد جزيرة مالطة وهي مقر فرسان القديس يوحنا أو ضد جزيرة كريت حيث البنادقة المتعاونين مع الفرسان أو ضدهما معا حيث كانت الحرب ضد مالطة صعبةً للغاية لشدة حصانة الجزيرة ولبعدها وقد فشل العثمانيون قبل ذلك في فتحها مرتين أما جزيرة كريت فهي على حصانتها فكانت أقل وطأة من جزيرة مالطة وهي قريبة جدا من إقليم الأناضول وهي الجزيرة المهمة الوحيدة في شرق البحر المتوسط التي لا تتبع العثمانيين ولهذا كان قرار الديوان هو غزو كريت لا مالطة وكانت جزيرة كريت هي آخر ما تبقى من أملاك للبنادقة في البحر المتوسط وكانت تعتمد عليها كمركز لتجارتها الواسعة مع الشرق وكان الظرف مواتيا نسبيا لفتح الجزيرة نظرا لإنشغال دول أوروبا بحرب الثلاثين عاما ومن ثم لا ينتظر من الدول الأوروبية أن تساعد البندقية التي كانت بدورها في مرحلة أفول ولم يعد أسطولها كحالته الأولى في القرون الماضية وكان العامل المضاد لفكرة الفتح هو حالة الإضطراب الداخلي التي كانت عليها البلاد بعد إعدام الصدر الأعظم قرة مصطفي باشا وبوادر الحرب الأهلية أيضا ولم يكن الأسطول العثماني في جاهزيَته المعهودة وبقياس المصالح والمفاسد أخذ الديوان بموافقة السلطان ومعارضة الصدر الأعظم سلطان زادة محمد باشا قرار الغزو والذي تأخر تنفيذه إلى صيف عام 1645م لعدم القدرة على القيام بعمليات بحرية في الشتاء بالإضافة إلى المباحثات الدبلوماسية الحثيثة التي قامت بها جمهورية البندقية لمنع الحرب ولكن دون جدوى .
وكان أن تحرك أسطول عثماني كبير إلى جزيرة كريت تحت قيادة قائد البحرية يوسف باشا وكان الأسطول يضم أكثر من أربعمائة سفينة ويحمل 91 ألف جندى وإختار أن يهاجم غربها أولا وتم الإنزال العسكرى للجنود في يوم 23 يونيو عام 1645م غرب مدينة خانيه وهي ثاني أهم المدن في الجزيرة بعد العاصمة كانديا وهي مدينة هيراكليون حاليا وحوصرت هذه المدينة وبعد مقاومة شديدة سقطت في يد الجيش العثماني في يوم 22 أغسطس عام 1645م وفي شهر سبتمبر عام 1645م وصلت مساعدات محدودة للبنادقة من البابا ومن فرسان القديس يوحنا ونابولي لكنها لم تكن قادرة على تغيير الموقف فإنسحبت إلى قواعدها بعد حرب قصيرة في أول أكتوبر من العام المذكور وهكذا سيطر العثمانيون على غرب جزيرة كريت ولكن دخول فصل الشتاء وحصانة مدينة كانديا دفعت الأسطول العثماني إلى العودة المؤقتة إلى إسطنبول لقضاء الشتاء مع ترك حامية للدفاع عن الأجزاء المفتوحة من الجزيرة ومع أن الحملة حققت نجاحا جزئيا إلا أن السلطان إبراهيم تعامل مع الموقف بعشوائيته المضطربة فأعدم قائد الحملة وقائد البحرية كلها يوسف باشا لإتهامه بالتقصير في فتحِ كامل جزيرة كريت وأدركت جمهورية البندقية أنها لن تستطيع مواجهة الأسطول العثماني الكبير في حرب شاملة في البحر كما أنها بالإمكانات المحدودة التي معها لن تتمكن من الصمود في كريت طويلا خاصة أن إستغاثتها بالأوروبيين وجدت آذانا صما بإستثناء البابا المتحمس لحرب المسلمين ولهذا قررت البندقية تغيير إستراتيجيتها في الحرب وذلك بمحاولة التضييق على الدولة العثمانية بغلق مضيق الدردنيل المهم فتحقق بذلك عدة مصالح في وقت واحد فهي أولا ستمنع الإمدادات المستمرة المتجهة من إسطنبول إلى كريت فتخفف الضغط عليها وثانيا ستمنع الحركة التجارية خلال المضيق مما سيؤثر سلبا على إقتصاد الدولة العثمانية فتقبل بالمفاوضات وثالثا ستؤدى إلى حالة من التذمر الشعبي نتيجة توقف التجارة وعدم الأمان في حركة الناس وهذا التذمر في وجود الإضطراب الداخلي المعروف قد يؤدى إلى الضغط على الحكومة فتقلع عن الحرب وبدأت البندقية في تنفيذ خطتها في ربيع عام 1646م وبعد موقعة عنيفة في يوم 26 مايو عام 1646م إستطاعت السيطرة على جزيرة تينيدوس المهمة في مدخل مضيق الدردنيل وكان هذا نجاحا مهما للبنادقة ومع ذلك لم يكن كاملا حيث لم يستطع الأسطول البندقي منع المساعدات العسكرية التي خرجت بعد عشرة أيام من إسطنبول إلى جزيرة كريت والتي بدأ العثمانيون نشاطهم فيها بحصار مدينة ريتيمو والتي تسمي حاليا ريثيمنو وهي ثالث المدن أهمية بعد العاصمة كانديا وخانيه .
وبعد مقاومة شرسة إستطاع الجيش العثماني إسقاط المدينة في يوم 20 أكتوبر عام 1646م ثم قلعتها في يوم 13 نوفمبر عام 1646م وتوقفت العمليات العسكريةٌ بعد ذلك لمدة سبعة شهور لتفشي مرض الطاعون في الطرفين والذى كان شديدا حتى وصل عدد الموتى من العثمانيين إلى 44 ألفا مما حدا بالغربيين إلى تسمية كريت بمقبرة المسلمين خاصةً مع العدد الكبير الذى سيفقد في الجزيرة لاحقا في مراحل الفتح المختلفة وحتي هذه اللحظة لم يكن العثمانيون قد إقتربوا من العاصمة الحصينة كانديا وجاء العام التالي 1647م وكان عاما عصيبا على الدولة العثمانية وخاصة ةعلي العاصمة إسطنبول حيث حدث إغلاق بندقي شبه كامل لمضيق الدردنيل مما ضيق على الناس حياتهم ورفع حالة التذمر بينهم ومع ذلك إستطاع الأسطول العثماني في شهر يونيو عام 1647م السيطرة على معظم شرق جزيرة كريت ومن أجل مواجهة تكاليف الحرب وللإنفاق على بذخ السلطان مع حريمه فرضت ضرائب جديدة على الشعب مما زاد من حالة التذمر بين الناس وقد أدت هذه الممارسات إلى تدبير محاولة إنقلاب على السلطان إشترك فيها الصدر الأعظم آنذاك صالح باشا الذى خلف سلطان زادة محمد باشا وشيخ الإسلام عبد الرحيم أفندى مع السلطانة الوالدة كوسم والتي كانت تهدف إلى خلع إبنها وتنصيب حفيدها الطفل محمد بن السلطان إبراهيم لتحكم من خلاله بصورة أقوى ومن المؤكد أن عقولنا لا تستوعب هذه الطريقة في التفكير عند هذه المرأة التي لم يعد عندها من عواطف الأمهات شئ ولكن الواقع أن طول المكوث في كرسي الحكم يغير طبائع الناس فلا تصبح إختياراتهم أو قراراتهم منطلقةً من الطبائع العادية للبشر إنما يتصرفون كخلق آخر بلا قلب أو عاطفة ويمكننا أن نلاحظ ذلك لسهولة إذا راجعنا حوادث الإغتيال والقتل الكثيرة للآباء والأبناء والأخوة التي رأيناها في تاريخ الدولة العثمانية وحدث أن فشل هذا الإنقلاب وأُعدم الصدر الأعظم صالح باشا في يوم 16 سبتمبر عام 1647م لمشاركته في محاولة الإنقلاب علي السلطان إبراهيم وعين مكانه قرة موسي باشا والذى لم يمكث في المنصب سوى 5 أيام من يوم 16 حتي يوم 21 سبتمبر عام 1647م فقط ليخلفه أحمد باشا هيزارابير وتمت مواجهة عنيفةٌ بين السلطان إبراهيم وأمه السلطانة كوسم كان من نتيجتها إقصاء الأم عن السياسة تماما وعزلها في القصر القديم وعلى الرغم من هذه التطورات المخيفة كانت الدولة العثمانية قادرة على إستكمال عملياتها العسكرية في جزيرة كريت وحقا لو كان حدث هذا الحصار في زمان السلاطين العثمانيين الأوائل لما أخذ كل هذا الوقت خاصةً مع ضعف البنادقة آنذاك وإنشغال دول أوروبا في حرب الثلاثين عام وعموما فقد كان الإستمرار العثماني في حرب كريت مع كل الإضطرابات السياسية التي كانت تحدث داخل الدولة أمر لافت للنظر مما يؤكد على صفة الثبات التي كانت تمر بها الدولة العثمانية خلال القرن السابع عشر الميلادى حيث كانت عوامل الضعف الكبرى التي إبتليت بها الدولة مصحوبةً بعوامل قوة مماثلة ولهذا جرت الأحداث علي هذا النهج .
وفي شهر مايو عام 1648م وفي أثناء الأزمة الداخلية الطاحنة وفي ظل تمردات في غاية الخطورة قام بها الإنكشارية في العاصمة إسطنبول بدأ الجيش العثماني في حصار مدينة كانديا وهي كما ذكرنا أحصن مدينة في جزيرة كريت وهذا الحصار سيكون ثاني أطول حصار في التاريخ كله حيث سيستمر إلى عام 1669م أي لمدة إحدى وعشرين سنة حيث كان أطول حصار في التاريخ هو حصار المغاربة لمدينة سبتة المحتلة من أسبانيا والذى إستمر ثلاثة وثلاثين سنة من عام 1694م وحتي عام 1727م ولم يؤد إلى نتيجة وقد إزدادت الأوضاع سوءا في العاصمة إسطنبول حيث زادت ثورة الإنكشارية نظرا لتدني قيمة العملة ولفرض ضرائب عليهم وفي الوقت نفسه إزدادت سفاهة السلطان وإنشغاله بحريمه فكان مثلا يستورد لهم الفرو باهظ الثمن من روسيا بكميات ضخمة مما أرهق ميزانية الدولة ووصل الأمر إلى تسمية عصره من قبل بعض المؤرخين بعصر الفرو وفي النهاية أرغم الإنكشاريةُ السلطانَ على عزل الصدر الأعظم أحمد باشا هيزارابير وتعيين أحد الموالين لهم وهو صوفو محمد باشا وعلى الرغم من قبول السلطان إبراهيم بذلك فإن الإنكشارية إستمروا في تمردهم وإستصدروا فتوى بخلع السلطان فخافت السلطانة كوسم أن يعزل السلطان إبراهيم فيتولى إبنه الصغير محمد الحكم تحت رعاية أمه خديجة تورهان وهو لقب يعني الرحيمة فتخرج بذلك من الصورة كليا ولذلك قامت بدعم التمرد على إبنها السلطان بحجة أن الحكم قد يضيع بالكلية إذا تم قتله وقتلها وحدث أن حاصر المتمردون القصر الحاكم في يوم 8 أغسطس عام 1648م وقاموا بخنق الصدر الأعظم المعزول أحمد باشا هيزارابير لأنه كان مواليا للسلطان إبراهيم ثم قطعوا جسده إربا بسيوفهم وتم القبض في اليوم نفسه على السلطان إبراهيم وحبسه وجاء المتمردون بالطفل محمد إبن السلطان المخلوع ونصبوه على العرش وهو في سن السادسة من عمره تحت إسم محمد الرابع تحت وصاية جدته السلطانة كوسم وذلك على الرغم من وجود والدته السلطانة خديجة علي قيد الحياة والتي كانت على خلاف كبير مع الجدة القوية والتي ظلت مهيمنة علي الحكم حتي وفاتها في عام 1651م لتتحول نيابة السلطنة إلي السلطانة خديجة تورهان .
ولم يطمئن المتمردون إلى خلع السلطان مع بقائه حيا حين تنادى بعض رجال الدولة بضرورة عودته لذلك قاموا بإعدامه خنقا بعد عشرة أيام من خلعه في يوم 18 أغسطس عام 1648م وكان لم يكمل من العمر 33 عاما وليكون ثاني السلاطين العثمانيين الذين يتعرضون للقتل إِثر تمرد بعد السلطان عثمان الثاني الذى قتل في عام 1622م ودفن في قبره الموجود في رواق جامع أيا صوفيا بالعاصمة العثمانية إسطنبول إلى جانب عمه الراحل السلطان مصطفى الأول وتشير بعض الروايات أن هذا القتل قد تم بموافقة الأم السلطانة كوسم بينما تنفي روايات عديدة هذا الأمر وأنه قد تم دون علمها وعموما فقد كان السلطان إبراهيم الأول غير جدير بالحكم ولم يكن يملك من أمره شيئا وكان طائعا في جزء من حياته لصدره الأعظم كيمنكش قرة مصطفى باشا وفي جزء ثان لأمه وفي جزء ثالث للإنكشارية ويعتبر بعض المؤرخين أن هذا السلطان هو أقل سلاطين الدولة العثمانية كلها حكمةً وقدرة على الحكم ولذلك حرص كل السلاطين بعده على النفور من إسم إبراهيم فلم يطلقوه على أبنائهم أبدا ولذلك لا يوجد سلطان جاء بعده يحمل نفس الإسم بينما تكررت أسماء عثمان ومراد وبايزيد ومحمد وسليم وسليمان وأحمد ومصطفي ومحمود وعبد الحميد كما ذكرنا في صدر هذا المقال وجدير بالذكر أنه على الرغم من الإضطرابات المهولة التي حدثت في عهد هذا السلطان الضعيف فإن الدولة لم تتأثَّر سلبا بشكل عام وكانت المنافسات التي تجرى على الحكم كأنها داخل حدود القصر فقط بينما ظلت الدولة متماسكة ولم تفقد شيئا من أملاكها بل إنها قد حققت إنتصارات على جمهورية البندقية الإيطالية وضمت أجزاء من جزيرة كريت إلى حوزتها كما ظلت العلاقات التجارية والدبلوماسية مع دول أوروبا وإيران على وضعها الجيد دون إضطراب ولم تنضب خزينة الدولة على الرغم من سفه السلطان في الإنفاق وكانت هذه كلها علامات لثبات الدولة العثمانية في هذه الفترة الزمنية وستستمر هذه الإضطرابات والتقلبات في الدولة بعد ذلك لمدة ثماني سنوات أخرى أى إلى عام 1656م ومع ذلك فلن يتأثر ثبات الدولة حيث كانت الدولة العثمانية آنذاك لا تعتمد على رجل بعينه فكانت لا تهتز للأزمات حتي ولو كانت عاتية وشديدة وذلك نظرا لوجود عوامل القوة الداخلية بها بما يضمن حمايتها من مثل هذه الأزمات الشديدة .
|