الثلاثاء, 12 مايو 2026

abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
الرئيسية
بانوراما
فرعونيات
بلاد وشركات
الحدث السياحي
سحر الشرق
سياحة وإستشفاء
أم الدنيا
حج وعمرة
أعمدة ثابتة
درجات الحرارة
اسعار العملات
abou-alhool

الإمام عبد الرحمن الأوزاعي

 الإمام عبد الرحمن الأوزاعي
عدد : 02-2023
بقلم المهندس/ طارق بدراوى
موسوعة كنوز “أم الدنيا"


الإمام الحافظ إمام بيروت وسائر بلاد الشام والمغرب والأندلس أبو عمرو عبد الرحمن بن عمرو بن يحمد والمعروف بإسم الأوزاعي فقيه ومحدث وأحد تابعي التابعين وإمام أهل الشام في زمانه وقد عاش الأوزاعي في عهدين سياسيين هامين حيث شهد نهاية عهد الدولة الأموية وسقوطها وقيام الدولة العباسية وعاصر عدد تسعة من الخلفاء الأمويين الوليد بن عبد الملك وسليمان بن عبد الملك وعمر بن عبد العزيز ويزيد بن عبد الملك وهشام بن عبد الملك والوليد بن يزيد ويزيد بن الوليد وإبراهيم بن الوليد ومروان بن محمد آخر الخلفاء الأمويين وأبا العباس السفاح وأبا جعفر المنصور الخليفتين العباسيين الأول والثاني وكانت الفترة التي عاشها الإمام الأوزاعي تزخر بالعلم والعلماء والأئمة والفقهاء والقراء والمحدثين ومما يذكر أنه كان من أبرز علماء تلك الفترة الأئمة والفقهاء الكبار مالك بن أنس وجعفر الصادق وسفيان الثورى والحسن البصرى ومحمد بن سيرين وأبو حنيفة النعمان والليث بن سعد وغيرهم وكان ميلاد الإمام الأوزاعي عام 88 هجرية الموافق عام 707م وقد إختلف المؤرخون لسيرته حول محل مولده حيث قيل إن مولده كان ببعلبك بلبنان وقد توفي والده وهو صغير فإنتقل مع أمه إلى بيروت وقيل إلي دمشق حيث سكنا خارج باب الفراديس بمحلة الأوزاع بمدينة دمشق القديمة وعلى أية حال نسب الأوزاعي إلى محلة الأوزاع وهي من أرباض دمشق وسميت بذلك نسبة إلى الأوزاع وهم بطن من بطون القبيلة السبئية القديمة همدان وقيل إنما سميت بالأوزاع لأن سكانها بقايا من قبائل شتى غير أن الإمام البخارى قال لم يكن من الأوزاع بل نزل فيهم وهو ما رجحه الإمام والمحدث والحافظ الهيثم بن خارجة ولما بلغ الأوزاعي سن الشباب خرج في حملة إلى اليمامة جنوبي نجد بشبه الجزيرة العربية وبينما كان يصلي في مسجدها كان الفقيه والمحدث التابعي يحيى بن أبي كثير قريبا منه فجعل ينظر إلى صلاته فأعجبته وقال ما أشبه صلاة هذا الفتى بصلاة الخليفة عمر بن عبد العزيز فقام رجل من جلساء يحيى وإنتظر حتى إذا فرغ الأَوزاعي من صلاته أخبره بما قال يحيى فجاء الأَوزاعي حتى جلس إليه فسأله عن بلده وعن حاله وجرى بينهما كلام وأقام عند يحيى مدة يكتب عنه وسمع منه فقال له يحيى ينبغي لك أن تبادر إلى البصرة لعلك أن تدرك الإمام الحسن البصرى ومحمد بن سيرين فتأخذ عنهما فإنطلق إليهما فوجد الحسن البصرى قد مات قبل دخوله بشهرين ولم يلبث أن لحقه محمد بن سيرين بعد مرض قصير وبالتالي لم يسمع الأَوزاعي منهما شيئا غير أنه سمع من الفقيه والمفسر والمحدث قتادة بن دعامة وغيره من علماء البصرة وعن صفته فقد كان الإمام الأوزاعي كما وصفه محمد بن عبد الرحمن السلمي أحد معاصريه بأنه كان ليس بالقصير ولا بالطويل خفيف اللحم به سمرة وكان يخضب لحيته بالحناء وقد روى أن الأوزاعي كان يحيي الليل صلاة وقرآنا وبكاءا ويجتهد في العبادة حتى أنه كان لا يكلم أحدا بعد صلاة الفجر حتى يذكر الله فإن كلمه أحد أجابه كما كان الأوزاعي من أكرم الناس وأسخاهم وكان له في بيت المال على الخلفاء إقطاع فصار إليه من بني أمية وبني العباس نحو من سبعين ألف دينار فلم يقتن منها شيئا كما إشتهر الإمام الأوزاعي بأنه كان من المتفوقين علميا وفقهيا وجرأة على الكثير من علماء عصره وروى عنه أنه قد أفتى وهو في الثالثة عشرة من عمره في مسائل فقهية ثم أفتى وهو في السابعة عشرة من عمره في مسائل عقائدية وكنتيجة لنبوغ الأوزاعي في تحصيل العلوم فقد جلس للفتيا عام 113 هجرية الموافق عام 731م وهو يومئذ لم يكمل خمس وعشرين عاما .


ومنذئذ إجتمع حوله طلاب العلم ينهلون من علمه وفقهه وكان يستقبلهم بكل ترحاب ويحترمهم ويوقرهم حتي أنه عندما كان يحين وقت إنصرافهم من عنده كان يخرج معهم ويمشى معهم أكثر من فرسخين أو ثلاثة فكانوا يقولون له خاصة بعد أن تقدم به العمر أيها الشيخ يصعب عليك المشي على كبر السن فيرد قائلا إمشوا وإسكتوا ولو علمت أن لله طبقة أو قوما يباهي الله بهم أو أفضل منكم لمشيت معهم وشيعتهم ولكنكم أفضل الناس وقد أفتي الأوزاعي فيما ورد لديه من مسائل حتى أن أحد أصحابه وكان من حفاظ الحديث وهو الهقل بن زياد قال أفتى الأوزاعي في سبعين ألف مسألة وسئل يوما عن مسألة فقال ليس عندى فيها خبر يعني بذلك أن فتواه الأخرى بناها على أخبار عنده ومما يذكر عنه أنه كان مؤمنا أشد الإيمان بالقاعدة الإسلامية الرحلة في طلب العلم لذا جال في البلاد يطلب العلم فسمع من عالم الحديث والفقيه التابعي عطاء بن أبي رباح في مكة المكرمة ومن الإمام الخامس من أئمة الشيعة الإثني عشر محمد الباقر في المدينة المنورة والفقيه والمحدث الحافظ مكحول الهذلي وفضلا عن ذلك فقد سمع في بلاد الشام من الفقيه والمحدث والحافظ أبي بكر بن شهاب الزهرى والذى يعود إليه الفضل في جمع حوالي 2200 حديث نبوى شريف في عهد الخليفة الأموى الثامن عمر بن عبد العزيز ما بين عام 99 هجرية وعام 101 هجرية وعلاوة علي ذلك فقد أدى الإمام الأوزاعي فريضة الحج أكثر من مرة لذلك فقد تعمق في العلوم الدينية والشرعية بشكل لافت للنظر ولذا فهو يعد من كبار الأئمة المدافعين عن الإسلام والسنة النبوية المشرفة لا سيما في فترة تزايد البدع والجدل والإنحراف عن القرآن الكريم والسنة النبوية وكانت منزلته عند معاصريه عالية خاصة في بلاد الشام التي كان أمره فيهم أعز من أمر السلطان كما أنه كان حريصا على الجهاد والرباط والدفاع عن المظلومين وعن الحق وكان إستقراره في ثغر بيروت بعد رحلاته في الأمصار الإسلامية بدافع الرباط ورد الإعتداءات عن ديار الإسلام وكانت الفترة التي قضاها في بيروت أكثر سني حياته المنتجة والغزيرة ففيها طور مذهبه وإنتشر في كافة أنحاء الشام وإنتقل إلى بلاد المغرب والأندلس ليكون خامس مذاهب أهل السنة والجماعة لكن لم يكتب لمذهبه البقاء فإندثر بعد أن لم يهتم تلامذته بتدوينه والحفاظ عليه فحل مكانه المذهب الحنفي والشافعي في الشام والمالكي في المغرب والأندلس .



وعن مذهب الإمام الأوزاعي الفقهي المستقل المذكور في السطور السابقة فقد عمل به فقهاء الشام والمغرب والأندلس إلى أن أدخل القاضي أبو زرعة محمد بن عثمان الثقفي الدمشقي مذهب الإمام الشافعي إلى دمشق وكان يهب لمن يحفظ كتاب مختصر المزني مائة دينار ومما يذكر أن هذا الكتاب قام بتأليفه الإمام والفقيه الشافعي أبو إبراهيم إسماعيل بن يحيى المزني وهو يعد من الكتب الأساسية في الفقه الشافعي فبدأ مذهب الإمام الأوزاعي في الإنحسار إلا أنه بقي شائعا في بلاد الشام حتى المائة الرابعة من الهجرة أما الأندلس فقد دخلها مذهب الأوزاعي على يد الإمام وعالم الحديث القرطبي صعصعة بن سلام الدمشقي وظل أهل الأندلس على مذهبه إلى أن أدخل الفقيه والمحدث الأندلسي القرطبي زياد بن عبد الرحمن اللخمي مذهب الإمام مالك بن أنس إلى الأندلس فساد فيها حتى إندثر مذهب الأوزاعي تماما من الأندلس في زمن أبي العاص الحكم بن هشام الأموى ثالث أمراء بني أمية بالأندلس والمعروف بلقب الحكم الربضي وذلك بين عام 180 هجرية الموافق عام 796م وعام 206 هجرية الموافق عام 822م ورغم إندثار مذهب الأوزاعي إلا أنه لا تزال له بعض المسائل الفقهية في أمهات الكتب وعن منهج الإمام الأوزاعي في مذهبه فهو يتضح مما رواه الإمام الأوزاعي عن المحدث والفقيه الحافظ مكحول الشامي في قوله القرآن الكريم أحوج إلى السنة من السنة إلى القرآن الكريم حيث إستنبط الأوزاعي من هذا القول أهمية دور السنة في تفسير نصوص القرآن الكريم وتفصيل مجمله وتخصيص عام القرآن الكريم بما ثبت لديه من الحديث مثل إفتاءه بحرمان الولد القاتل من الميراث عملا بحديث لا يرث القاتل شيئا وقد لجأ الأوزاعي في بعض المسائل الفقهية التي تعارضت فيها الآثار الواردة في المسألة الواحدة إلى ترجيح الرأى كمسألة رفع اليدين عند الركوع وعند الرفع منه التي تناظر فيها الأوزاعي وسفيان الثورى في مكة المكرمة حيث رأى الأوزاعي ترجيح حديث الإمام أبي بكر بن شهاب الزهرى عن سالم عن أبيه قوله رأيت النبي صلي الله عليه وسلم يرفع يديه إذا إفتتح الصلاة وإذا ركع وبعدما يرفع ولا يرفع يديه بين السجدتين فيما إحتج الثورى بحديث يزيد بن أبي زياد الهاشمي عن إبن أبي ليلى عن البراء بن عازب قوله أن رسول الله صلي الله عليه وسلم كان إذا افتتح الصلاة رفع يديه إلى قرب أذنيه ثم لا يعود فغضب الأوزاعي وقال للثورى أتعارض حديث الزهرى بحديث يزيد بن أبي زياد وهو رجل ضعيف فإحمر وجه الثورى وقال للأوزاعي لعلك كرهت ما قلت فقال الأوزاعي نعم ثم قال الأوزاعي قم بنا حتى نتلاعن عند الركن أينا على الحق فسكت الثورى وعلاوة علي ذلك فقد كان الأوزاعي يرى في فقهه بإجماع الصحابة كرأيه بأنه لا يجوز شراء شئ من الأرض الموقوفة على المسلمين بعد فتحها فقال الأوزاعي أجمع رأى عمر وأصحاب النبي صلي الله عليه وسلم لما ظهروا على الشام على إقرار أهل القرى في قراهم على ما كان بأيديهم من أرضهم يعمرونها ويؤدون خراجها إلى المسلمين ويرون أنه لا يصلح لأحد من المسلمين شراء ما في أيديهم من الأرض طوعا ولا كرها وكرهوا ذلك مما كان من إتفاق عمر وأصحابه في الأرضين المحبوسة على آخر هذه الأمة من المسلمين لا تباع ولا تورث قوة على جهاد من لم تظهر عليه بعد من المشركين كما رأى الأوزاعي بوجوب العدة على المرأة إذا خلا بها الرجل بعد العقد عليها وإن لم يصبها ثم طلقها محتجا بقضاء الخلفاء الراشدين وزيد وإبن عمر أن العدة تجب على كل من خلا بها زوجها وإن لم يمسها وهو ما لم يره الشافعي لقوله تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا .


وقد عمل الأوزاعي أيضا في مصادر تشريعه بما يصح لديه من أقوال الصحابة ما لم يجد في قول الصحابي ما يخالفه من قول صحابي آخر وإن تعددت أقوالهم في المسألة الواحدة تخير بما لا يخرج عنها في مجموعها كما أنه إجتهد أيضا في بعض المسائل كفتواه بأن أقل إقامة لإحتساب الصلاة صلاة سفر إثنى عشر يوما وهو ما علق عليه إبن المرتضي في كتابه البحر الزخار الجامع لمذاهب علماء الأمصار بقوله ولا يعرف له مستند شرعي وإنما هو إجتهاده من نفسه وفي قول الأوزاعي لا بأس بإصلاح اللحن والخطأ في الحديث وهو ما أكده بقوله أعربوا الحديث فإن القوم كانوا عربا كذلك أخذ الأوزاعي بالقياس في بعض المسائل كقوله بأن الصائم لو أفطر بالأكل والشرب فقد وجب عليه ما يجب على المفطر بالجماع من القضاء والكفارة وعمل أيضا بسد الذرائع مثل إفتاءه بأن زكاة الغنم لا تسقط إن باعها صاحبها قبل أن يحول عليها الحول فرارا من الزكاة خوفًا من أن يتعمد الأثرياء اللجوء إلى ذلك لإسقاط زكاتهم وعن علاقة الإمام الأوزاعي بمن عاصرهم من الحكام الأمويين فسنجد أنه كان على علاقة طيبة بهم حتى إن الخليفة الأموى يزيد بن الوليد إستقضاه فجلس مجلسا واحدا ثم إستعفى فأُعفي غير أنه بتولّي العباسيين الأمر أفحشوا في قتل وتتبع الأمويين وإضطهاد من كانت لهم الحظوة عند الأمويين ثم إن قائد العباسيين عبد الله بن علي لما دخل دمشق عام 134 هجرية أرسل في طلب الأوزاعي فتباطأ عليه ثلاثة أيام ثم دخل عليه ولما دخل الأوزاعي على عبد الله وجده على سريره وفي يده خيزرانة وجنده المتشحين بالسواد يحيطونه وسيوفهم مصلتة فسلم عليه الأوزاعي فلم يرد ثم بادره عبد الله بالسؤال قائلا يا أوزاعي ما ترى فيما صنعنا من إزالة أيدى أولئك الظلمة أرباط هو فرد الأوزاعي بحديث النبي محمد صلي الله عليه وسلم إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل إمرئ ما نوى فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو إمرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه فقال عبد الله يا أوزاعي ما تقول في دماء بني أمية فرد بحديث النبي محمد صلي الله عليه وسلم لا يحل دم إمرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث النفس بالنفس والثيب الزاني والتارك لدينه المفارق للجماعة فقال عبد الله ما تقول في أموالهم فقال الأوزاعي إن كانت في أيديهم حراما فهي حرام عليك أيضا وإن كانت لهم حلالا فلا تحل لك إلا بطريق شرعي فقال أليس الخلافة وصية لنا من رسول الله صلي الله عليه وسلم قاتل عليها علي بصفين فقال لو كانت وصية من رسول الله صلي الله عليه وسلم ما حكم علي الحكمين فنكس عبد الله رأسه وعرض على الأوزاعي القضاء فإعتذر .


وهكذا لم يتردد الإمام الأوزاعي في مراجعة الحكام بالنصح والإرشاد متى ما رأى منهم حيدا عن الصواب وقد ذكر أبو عبيد القاسم بن سلام في كتابه الأموال أن جماعة من أهل الذمة في جبل لبنان نكثوا عهدهم وتمردوا فأخذهم الوالي العباسي صالح بن علي بالشدة فحاربهم وأجلاهم فلم يرضَ الأوزاعي بما حل بهم وكتب إلى الوالي رسالة طويلة يقول فيها قد كان من إجلاء أهل الذمة من أهل جبل لبنان مما لم يكن تمالأ عليه خروج من خرج منهم ولم تطبق عليه جماعتهم فقتل منهم طائفة ورجع بقيتهم إلى قراهم فكيف تؤخذ عامة بعمل خاصة فيخرجون من ديارهم وأموالهم وقد بلغنا أن من حكم الله عز وجل أنه لا يأخذ العامة بعمل الخاصة ولكن يأخذ الخاصة بعمل العامة ثم يبعثهم على أعمالهم فأحق ما إقتدي به ووقف عليه حكم الله تبارك وتعالى وأحق الوصايا بأن تحفظ وصية رسول الله صلي الله عليه وسلم وقوله من ظلم معاهدا أو كلفه فوق طاقته فأنا حجيجه ومن كانت له حرمة في دمه فله في ماله والعدل عليه مثلها فإنهم ليسوا بعبيد فتكونوا من تحويلهم من بلد إلى بلد في سعة ولكنهم أحرار أهل ذمة يرجم محصنهم على الفاحشة ويحاص نساؤهم نساءنا من تزوجهن منا القسم والطلاق والعدة سواء ولذا فقد أُضيف إلى ألقابه في العصر الحديث لقب إمام العيش المشترك في لبنان لما مثله هذا الموقف وغيره في عصره من تسامح مع النصارى واليهود من أهل الشام وبسبب هذا الموقف لقب بشفيع النصارى لموقفه الحازم في مواجهة والي الشام والخليفة العباسي الثاني أبي جعفر المنصور اللذين عزما على إجلاء أهالي جبل لبنان النصارى بعد أن ثارت جماعة منهم وتمردت على العباسيين وشقت عصا الطاعة حيث رأى الأوزاعي أن هذا الأمر فيه ظلم وإجحاف شديدين ومن ثم رفض إجلاء هؤلاء الأهالي كلهم طالما أن فئة منهم فقط كانت من ثارت ووقف في مواجهة الوالي والخليفة بصلابة وقوة مذكرا أهل السلطة بضرورة مراعاة العدل بين الناس وأن خطأ فئة لا يستوجب معاقبة الجماعة وبالفعل إستطاع أن يبطل هذا القرار ويوقف تنفيذه وبذلك سلم أهالي جبل لُبنان من تعسف السلطات الحاكمة وقد حفظ هؤلاء الأهالي للأوزاعي جميله وحسن صنيعه ويروى أن نصرانيا أهدى إليه يوما جرة عسل فقال له يا أبا عمرو تكتب لي إلى والي بعلبك فقال الأوزاعي إن شئت رددت الجرة وكتبت لك وإلا قبلت الجرة ولم أكتب لك قال فرد الجرة وكتب له الأوزاعي فوضع الوالي عنه ثلاثين دينارا وحدث في أيام الخليفة أبي جعفر المنصور أن كان قيصر الروم إن وقع في يده أسرى من المسلمين يطلب الفداء إلا أن أبا جعفر المنصور كان يأبى الفداء فشق ذلك على الإمام الأوزاعي وكتب كتابا بليغا لأبي جعفر في ذلك يذكره فيه بالله فرق المنصور وأمر بالفداء ومما يذكر أن الإمام الأوزاعي قد حظي لدى الخليفة المنصور بمنزلة خاصة حيث كان هذا الأخير يعظمه ويصغي إلى وعظه وإرشاده ويجله ولما كانت صنعة الإمام الأوزاعي الكتابة والترسل فقد حظيت رسائله بإعجاب معاصريه لفصاحتها وبلاغتها ويذكر أن الخليفة المنصور كان يحتفظ برسائل الإمام الأوزاعي التي ترد عليه فكانت تنسخ في دفاتر وتوضع بين يدى الخليفة المنصور فيتعجب منها ويكثر النظر فيها إعجابا وإستحسانا لأسلوبها ولألفاظها.



وقد أثنى الكثير من علماء وأئمة وفقهاء وشيوخ المسلمين على شخص الإمام عبد الرحمن الأوزاعي فقال العالم والمحدث محمد بن سعد البغدادى كان ثقة خيرا فاضلا مأمونا كثير العلم والحديث والفقه حجة وقال الإمام المالكي وعالم الحديث عبد الرحمن بن مهدى إنما الناس في زمانهم أربعة حماد بن زيد بالبصرة وسفيان الثورى بالكوفة والإمام مالك بن انس بالحجاز والإمام عبد الرحمن الأوزاعي بالشام وقال الإمام الشافعي ما رأيت رجلا أشبه فقهه بحديثه من الأوزاعي وقال راوى الحديث والملقب بعالم أهل الشام الوليد بن مسلم ما رأيت أكثر إجتهادا في العبادة من الأوزاعي وقال العالم وراوى الحديث أبو إسحاق الفزارى ذاك رجل كان شأنه عجبا كان يسأل عن الشئ عندنا فيه الأثر فيرد والله الجواب كما هو في الأثر لا يقدم منه ولا يؤخر وقال أيضا ما رأيت أحدا كان أشد تواضعا من الأوزاعي ولا أرحم بالناس منه وإن كان الرجل ليناديه فيقول لبيك وقال أيضا ما رأيت مثل رجلين عبد الرحمن الأوزاعي وسفيان الثورى فأما الأوزاعي فكان رجل عامة وأما الثورى فكان رجل خاصة نفسه ولو خيرت لهذه الأمة لإخترت لها الأوزاعي وقال الإمام المفسر والمحدث سفيان بن عيينة كان الأوزاعي إمام يعني إمام زمانه وقال الإمام الحافظ والمحدث والمؤرخ شيخ خراسان أبو حاتم محمد بن حبان عنه أحد أئمة الدنيا فقها وعلما وورعا وحفظا وفضلا وعبادة وضبطا مع زهد وتقوى وورع وقال الإمام الحافظ والمحدث عيسى بن يونس كان الأوزاعي حافظا وقال الإمام مالك بن أنس الأوزاعي إمام يقتدى به وقال العالم والإمام والمحدث الدمشقي صدقة بن عبد الله ما رأيت أحدا أحلم ولا أكمل ولا أجمل فيما حمل من الأوزاعي وقال التابعي وراوى الحديث موسى بن يسار ما رأيت أحدا أنظر ولا أنقى للغل عن الإسلام من الأوزاعي وقال أبو حفص الفلاس الأئمة خمسة الأوزاعي بالشام والثورى بالكوفة ومالك بالحرمين وشعبة وحماد بن زيد بالبصرة وقال الإمام الحافظ وشيخ المحدثين يحيى بن معين العلماء أربعة سفيان الثورى وأبو حنيفة النعمان ومالك بن أنس وعبد الرحمن الأوزاعي وقال العالم وراوى الحديث بقية بن الوليد أنا الممتحن الناس بالأوزاعي فمن ذكره بخير عرفنا أنه صاحب سنة ومن طعن عليه عرفنا أنه صاحب بدعة وقال الإمام وسيد الحفاظ والملقب بشيخ المشرق إسحاق بن راهويه إذا إجتمع سفيان الثورى وعبد الرحمن الأوزاعي ومالك بن أنس على أمر فهو سنة وفسر الإمام والفقيه والمؤرخ شمس الدين الذهبي قوله بأنه يقصد بذلك أن إجتماعهم على رأى في مسألة فهو الحق غالبا وعلاوة علي ذلك فقد دلت بعض الروايات على علو منزلة ومكانة الأوزاعي عند علماء عصره فقد روى الإمام أحمد بن حنبل أنه دخل سفيان الثورى وعبد الرحمن الأوزاعي على الإمام مالك بن أنس فلما خرجا قال مالك أحدهما أكثر علما من صاحبه ولا يصلح للإمامة والآخر يصلح للإمامة وقد علق عليها الذهبي بقوله يعني الأوزاعي للإمامة وأردف الإمام أحمد بن حنبل قائلا لم يكن لمالك في سفيان رأى كما قال الإمام والعالم والمجاهد عبد الله بن المبارك لو قيل لي إختر لهذه الأمة لإخترت سفيان الثورى وعبد الرحمن الأوزاعي ولو قيل لي إختر أحدهما لإخترت الأوزاعي لأنه أرفق الرجلين وروى أنه بلغ سفيان الثورى وهو بمكة المكرمة مقدم الأوزاعي فخرج حتى لقيه بذى طوى وقال الإمام والشيخ الحافظ أبو إسحاق إبراهيم الختلي رأيت شيخا راكبا على جمل وآخر يقوده وآخر يسوقه وهما يقولان أوسعوا للشيخ فقلت من الراكب قيل الأوزاعي فقلت من القائد قيل سفيان الثورى فقلت ومن السائق قيل مالك بن أنس كما عد شيخ الجرح والتعديل الإمام عبد الرحمن الأوزاعي من العلماء النقاد الذين نقدوا رواة الحديث وأسسوا لعلم الرجال .


وعلي الر غم من كل هذا الثناء علي الإمام الأوزاعي إلا أن بعض كتب التراجم لم تخل من بعض الإنتقادات لشخص الأوزاعي فهذا الشيخ والإمام الحافظ إبراهيم الحربي يسأل الإمام أحمد بن حنبل قائلا ما تقول في الإمام مالك قال حديث صحيح ورأى ضعيف قال فالأوزاعي قال حديث ضعيف ورأى ضعيف قال فالشافعي قال حديث صحيح ورأى صحيح وقد فسره الإمام والعالم والمحدث أبو بكر البيهقي بأن قوله في الأوزاعي حديث ضعيف يريد به بعض ما يحتج به لا أنه ضعيف في الرواية والأوزاعي ثقة في نفسه لكنه قد يحتج في بعض مسائله بحديث من عساه لم يقف على حاله ثم يحتج بالمراسيل والمقاطيع وذلك بين في كتبه وأخيرا كانت وفاة الإمام الأوزاعي في يوم الأحد 28 صفر عام 157 هجرية حينما دخل الأوزاعي حمام بيته وهو شيخ كبير شارف على السبعين وأدخلت معه إمرأته كانونا فيه فحم وأغلقت عليه إمرأته باب الحمام غير متعمدة لئلا يصيبه البرد ولم يقو على فتح الباب فإستسلم لأمره وتوجه إلى القبلة ومات مختنقا ولم يترك إلا سبعة دنانير وما كان له أرض ولا دار وحضر جنازته أهل أربعة أديان المسلمون واليهود والنصارى والقبط ويروى أن رجلا قال لسفيان الثورى رأيت كأن ريحانة من الشام رفعت فقال سفيان الثورى إن صدقت رؤياك فقد مات الأوزاعي فعرف ذلك اليوم فوجدوا موت الأوزاعي فيه ويذكر أن الأوزاعي تزوج وأنجب ولكن المعلومات عن زوجاته وأولاده شحيحة فلم يذكر المؤرخون عن زوجته سوى أن إسمها جويرية كذلك ورد أنه كان للإمام الأوزاعي إبنا إسمه محمد وصفه راوى الحديث العالم موسي بن عقبة أنه من أعبد خلق الله كما أنه كانت له إبنة إسمها رواحة كانت تروى الحديث عن أبيها وأما عن موروث الأوزاعي من المؤلفات والتصانيف فهي ليست بالكثير ربما لضياع جانب كبير من كتبه التي إحترقت زمن الرجفة وهي زلزلة عظيمة أصابت الشام عام 130 هجرية وهلك فيه خلق كثير وعزوف الأوزاعي نفسه عن إعادة كتابتها رغم أنه أول من دون العلم بالشام غير أن كتب التراجم والسير حفظت بعض المعلومات عن بعض كتبه مثل مسند الإمام الأوزاعي الذى ذكره المؤرخ العثماني والكاتب حاجي خليفة في كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون وسير الإمام الأوزاعي وهو مطبوع ضمن كتاب الأم للشافعي وقال عنه المؤرخ شمس الدين الذهبي أن به نحو الألف حديث إضافة إلى الألوف من الأحاديث المرسلة والموقوفة وذكر له المؤرخ وكاتب السيرة محمد بن إسحاق إبن النديم في كتابه الشهير الفهرست كتابي السنن في الفقه والمسائل في الفقه إضافة إلى كتاب سير الأوزاعي الذى إحتوى على بعض المسائل الفقهية ولم يبقَ منه نسخ الآن والذى تكفل الإمام المجتهد تلميذ الإمام أبي حنيفة القاضي أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم الأنصارى بالرد على بعض تلك المسائل في كتابه الرد على سير الأوزاعي .


وقد إهتم غير واحد بالترجمة للإمام عبد الرحمن الأوزاعي والحديث عنه لعل أشهرها قديما ترجمة الإمام العلامة والفقيه المحدث أبي العباس أحمد بن محمد بن أحمد بن زيد الحنبلي له في كتابه محاسن المساعي في مناقب الإمام أبي عمرو الأوزاعي إضافة إلى عدد من المعاصرين مثل الإمام الأوزاعي شيخ الإسلام وعالم أهل الشام للدكتور عبد الستار الشيخ المتخصص في الدراسات الإسلامية والإمام الأوزاعي فقيه أهل الشام للأستاذ بمعهد الدراسات الإسلامية بوزارة الأوقاف المصرية عبد العزيز سيد الأهل وبعيدا عن موروثه من التصانيف والكتب فقد كثر كلام الأوزاعي ومواعظه ورسائله التي تناقلتها ألسنة الوعاظ والعلماء فقد روى الإمام وراوى الحديث وأحد أصدقاء الإمام الأوزاعي الوليد بن مزيد أنه سمع الأوزاعي يقول إذا أراد الله بقوم شرا فتح عليهم الجدل ومنعهم العمل وروى أن الأوزاعي قال لا ينبغي للإمام أن يخص نفسه بشئ من الدعاء فإن فعل فقد خانهم وقال نتجنب من قول أهل العراق خمسا ومن قول أهل الحجاز خمسا من قول أهل العراق شرب المسكر والأكل عند الفجر في رمضان ولا جمعة إلا في سبعة أمصار وتأخير العصر حتى يكون ظل كل شئ أربعة أمثاله والفرار يوم الزحف ومن قول أهل الحجاز إستماع الملاهي والجمع بين الصلاتين من غير عذر والمتعة بالنساء والدرهم بالدرهمين والدينار بالدينارين يدا بيد وإتيان النساء في أدبارهن وقوله كان يقال خمس كان عليها أصحاب النبي محمد صلي الله عليه وسلم والتابعون بإحسان لزوم الجماعة وإتباع السنة النبوية المشرفة وعمارة المسجد وتلاوة القرآن الكريم والجهاد في سبيل الله وكان من اقوال الإمام الأوزاعي أيضا بلغني أنه ما وعظ رجل قوما لا يريد به وجه الله إلا زلت عنه القلوب كما زل الماء عن الصفا وأنه ليس ساعة من ساعات الدنيا إلا وهي معروضة على العبد يوم القيامة يوما بيوم وساعةً بساعةً ولا تمر به ساعة لم يذكر الله تعالى فيها إلا تقطعت نفسه عليها حسرات فكيف إذا مرت به ساعة مع ساعة ويوم مع يوم وليلة مع ليلة وإن المؤمن يقول قليلا ويعمل كثيرا وإن المنافق يقول كثيرا ويعمل قليلا وما إبتدع رجل بدعةً إلا سلب الورع ومن أطال القيام في صلاة الليل هون الله عليه طول القيام يوم القيامة .
 
 
الصور :
زاوية الإمام الأوزاعي ببيروت القديمة مسجد الإمام الأوزاعي بجنوب بيروت تخطيط_اسم_الأوزاعي