الاثنين, 17 يونيو 2024

abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
الرئيسية
بانوراما
فرعونيات
بلاد وشركات
الحدث السياحي
سحر الشرق
سياحة وإستشفاء
أم الدنيا
حج وعمرة
أعمدة ثابتة
درجات الحرارة
اسعار العملات
abou-alhool

مسلمة بن مخلد

 مسلمة بن مخلد
عدد : 08-2023
بقلم المهندس/ طارق بدراوى
tbadrawy@yahoo.com
موسوعة كنوز “أم الدنيا"


مسلمة بن مخلد بن صامت الأنصاري الخزرجي صحابي جليل ومن كبار الأمراء في صدر الإسلام وكان مولده في العام الرابع قبل الهجرة ونشأ وترعرع في حضرة النبي محمد صلي الله عليه وسلم منذ قدم مهاجرا إلى المدينة المنورة ويقول مسلمة عن ذلك قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة وأنا إبن أربع سنين وتوفي وأنا إبن أربع عشرة عاما وقد حفظ القرآن الكريم منذ الصغر وسمع أحاديثا نبوية وكان نبيها حافظا فتعلم القراءة والكتابة وشب بين تعاليم كتاب الله والسنة النبوية المشرفة وقال عنه الإمام إبن عبد البر في الإستيعاب في معرفة الأصحاب روى إبن عيينة عن إبراهيم بن ميسرة عن مجاهد قال كنت أرى أني أحفظ الناس للقرآن حتى صليت خلف مسلمة بن مخلد الصبح فقرأ سورة البقرة فما أخطأ واوا ولا ألفا وقد روى مسلمة أحاديثا عن النبي صلى الله عليه وسلم وقد روى له الإمام أحمد بن حنبل في مسنده عددا من الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم وكان إذا قرأ القرآن في المحراب يسمع سقوط دموعه على الأرض وكان مجاب الدعوة بدعاء صاحب الشرع صلى الله عليه وسلم اللهم علمه الكتاب ومكن له في البلاد وقه العذاب وكان من كراماته أنه كان إذا نزل واديا ولا ماء به دعا الله تعالى فينزل المطر فيستقي القوم وكان مسلمة بن مخلد ممن شهدوا فتح مصر مع الصحابي الجليل عمرو بن العاص والذى كان قد وفد مصر في عهد الخليفة الراشد الثاني عمر بن الخطاب وذلك بعد أن أقنعه عمرو بن العاص بأهمية فتح مصر بهدف إدخال مصر ضمن دولة الإسلام ونشر دين الله بها ومن جانب آخر تأمين فتوحات الشام حيث كان البيزنطيون يحتلون مصر حينذاك ويمثلون خطرا داهما علي وجود المسلمين بالشام ووصل الجيش الإسلامي إلى العريش في عيد الأضحى يوم 10 من شهر ذى الحجة عام 18 هجرية الموافق يوم 12 من شهر ديسمبر عام 639م فوجدها خالية من القوات البيزنطية فدخلها وشجع ذلك الأمر عمرو بن العاص على إستئناف التقدم فغادر العريش سالكا الطريق الذي كان يسلكه المهاجرون والفاتحون والتجار منذ أقدم العصور لدخول مصر ثم إنحرف جنوبا تاركا طريق الساحل وإتخذ الطريق الذي سار فيه الفُرس عندما إستولوا على مصر حتى وصل إلى الفرما وهي تقع شرقي بور سعيد حاليا وكانت أنباء زحف المسلمين قد وصلت إلى مسامع المقوقس عظيم القبط في مصر فإستعد للتصدى لهم لكنه آثر ألا يصطدم بهم في العريش أو الفرما وإتجه جيش المسلمين بعد ذلك نحو بلبيس والتي تم فتحها واقام المسلمون بها مسجدا يعد أقدم مساجد مصر وهو مسجد سادات قريش وسار عمرو بعد ذلك من بلبيس متاخما للصحراء فمر بمدينة عين شمس ثم هبط إلى قرية على النيل إسمها أُم دنين وتقع إلى الشمال من حصن بابليون قرب ميدان رمسيس حاليا وعسكر قريبا منها وقد إشتهرت هذه القرية بحصانتها وكان يجاورها مرفأ على النيل فيه سفن كثيرة حتى أنها كانت تعتبر ميناء قلب مصر وما كان المقوقس ليرضى بِأن تقع في أيدى المسلمين وأدرك أخيرا خطأ ما إتخذه من قرار الإحجام والتصدى للمسلمين باكرا حتى وصل خطرهم إلى قلب مصر فغادر الإسكندرية عاصمة مصر في ذلك الوقت إلى حصن بابليون ليدير العمليات العسكرية ويشرف عليها وحشد جيشا إستعدادا للقتال وجرت بين الجيش الإسلامي وحامية القرية بعض المناوشات على مدى عدة أسابيع لم تسفر عن نتيجة حاسمة لأى منهما وبدأ المسلمون يشعرون بتناقص عددهم بمن كان يقتل منهم في الوقت الذى لم يتأثر البيزنطيون كثيرا بفقدان بعض جندهم فإضطر عمرو أن يرسل إلى الخليفة عمر في المدينة المنورة يستحثه في إرسال إمدادات على وجه السرعة فوعده بذلك والواقع أن موقف عمرو كان حرجا فقد علم من خلال العيون التي بثها في المنطقة أنه لن يستطيع أن يحاصر حصن بابليون والذى يقع بمصر القديمة أو يفتحه بمن بقي معه من الجند وبالتالي فتح مدينة منف وهي البدرشين الحالية ومن جانب آخر كان يتعذر عليه التراجع حتى لا يفت ذلك في معنويات جنوده فيقوى عليهم عدوهم غير أنه كان لديه بصيص أمل من واقع وعد الخليفة بِإمداده بالمساعدة .


وقد دار في غضون ذلك قتال شديد تحت أسوار أُم دنين وكانت كفة الصراع متأرجحة بين النصر والهزيمة من واقع توازن القوى لكن الإمدادات تأخرت في الوصول وتضايق المحاصرون وكاد اليأس يدب في نفوسهم ولما كان فتح أُم دنين يشكل ضرورة قصوى حتى يستفيد المسلمون من السفن الراسية في المرفأ لإجتياز النهر ورأى عمرو أن يشغل جنوده بنصر آخر كسبا للوقت حتى تصل الإمدادات فقسم جنده إلى مجموعتين ترك إحداها في حصار قرية أُم دنين وقاد الأخرى بنفسه إلى مدينة عين شمس ووصلت في غضون ذلك طلائع الإمدادات وكان عمرو بن العاص قد طلب مددا من الخليفة عمر بن الخطاب قدره ثمانية آلاف مقاتل فأرسل له الخليفة مع إبنه عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما عدد أربعة آلاف مقاتل بالإضافة إلي عدد أربعة من أشجع فرسان المسلمين هم الصحابي الجليل حوارى رسول الله صلى الله عليه وسلم الزبير بن العوام والمقداد بن عمرو وعبادة بن الصامت الأنصارى ومسلمة بن مخلد الأنصارى وأرسل رسالة لعمرو بن العاص قال فيها أرسلت لك ما طلبته أربعة آلاف مقاتل علي رأس كل ألف منهم رجل بألف رجل وهكذا كان مسلمة بن مخلد ممن وصفهم الخليفة عمر بن الخطاب بأنه يعادل ألف رجل وبلا شك كان لهؤلاء الأربعة دور كبير ومشهود في الأحداث التي سنتكلم عنها في السطور القادمة وبوصول المدد قويت عزيمةُ جيش المسلمين وأُسقط في يد حامية أُم دنين فقل خروجهم للقاء المسلمين فإستغل عمرو هذا الإحجام وشدد حصاره على القرية حتى سقطت في يده وهزمت حاميتها الرومية شر هزيمة وفي الحقيقة فقد أظهر قائد المسلمين عمرو بن العاص مقدار حنكته العسكرية والإستراتيجية حين قسم جنده إلى عدة فرق حتى يوهم عدوه بكثرة المسلمين وجعلها تحارب في ميادين ثلاثة مع تركيزه على الهدف الرئيسي فكان لهذا صدى في إنتصاره والذى هلك بسببه كثير من جنود الروم بينما تمكن بعضهم وبعض قادتهم من الفرار واللجوء إلي حصن بابليون وتحصنوا وراءه وكان هذا الحصن يعد من أقوى الحصون حيث كان يتميز بمناعة وقوة أسواره حيث كان مبنيا بالطوب والحجر ويبلغ عرض جدرانه نحو ثمانية أقدام وإرتفاعها نحو ستين قدما كما كانت أبراجه مرتفعة وكان أيضا محاطا بالخنادق ومياه النيل وأدرك سكان الحصن وأفراد حاميته أن الحصار سوف يطول لسببين الأول هو أنه بدأ في وقت فيضان نهر النيل وإرتفاع مياهه ولذا فسيتعذر على المسلمين أن يجتازوه أو يهاجموا الحصن ولا بد لهم من الإنتظار حتى إنحسار مياه الفيضان وكان السبب الثاني هو أن مناعة الحصن ومتانة أسواره وما يحيط به من الماء وضعف وسائل الحصار سوف يشكل عائقا أمام المحاصرين من الصعب أن يجتازوه بسرعة وما غنموه من بعض آلات القتال منذ دخولهم مصر لم يكن لهم خبرة أو دراية كافية بإستعمالها أو بطرق إصلاحها إذا تعطلت لذلك إستعد الطرفان لحصار طويل وعلاوة علي ذلك فإن الحصار لم يكن محكما فقد ظل طريق الإمدادات بين الحصن وجزيرة الروضة مفتوحا لأن جيش المسلمين لم يكن قد أحكم سيطرته على الطرق المائية بعد .

وكان هدف عمرو بن العاص فتح حصن بابليون قبل أن يتوجه إلى مدينة الإسكندرية عاصمة البلاد لفتحها إذ لم يشأ أن يشتِت قواته ويضعفها فيذر قسما منها على حصار الحصن ويسير بالقسم الآخر إلى الشمال حتى يبلغ الإسكندرية مما قد يشكل خطرا على إنجازاته التي حققها حتى ذلك الحين من واقع رد فعل البيزنطيين الذين سوف يستغلون هذه الفرصة ليقوموا بحركات إرتدادية يستعيدون بواسطتها ما فقدوه من أراض ويطردون المسلمين من مصر لِذلك ركز جهوده العسكرية على فتح الحصن أولا فسار إليه في شهر شوال عام 19 هجرية الموافق شهر سپتمبر عام 640م وحاصره وكان عدد من حكام الروم من ضمن المتحصنين في حصن بابليون وما أن علموا بقدوم المسلمين بعد إنتصارهم في منف ومساعدة بعض المصريين لهم بادروا بالخروج إلى الإسكندرية تاركين الحامية تتولى مهمة الدفاع عنه ومما زاد في إحباطهم وخوفهم أن بعض المصريين إعتنقوا الإسلام وإنضموا إلى الجيش الإسلامي الذى يقوده عمرو بن العاص فكانوا له خير أعوان وأدلاء يصحبونه ويدلونه على الطرق والمواقع ويخبروه عن أسرار وأوضاع الروم وتراشق الطرفان بالمجانيق من جانب البيزنطيين والسهام والحجارة من جانب المسلمين مدة شهر حتى بدأ فيضان النيل في الإنحسار وأدرك المقوقس أن المسلمين صابرون على القتال وأنهم سيقتحمون الحصن لا محالة كما يئس من وصول إمدادات من الخارج فإضطر إلى عقد إجتماع مع أركان حربه للتشاور في الأمر وتقرر بذل المال لهم ليرحلوا عنهم وأن يذهب المقوقس بنفسه للتفاوض مع قائد المسلمين عمرو بن العاص في هذا الشأن بشكلٍ سرى حتى لا يعلم أحد من المدافعين عن الحصن فتهن عزائمهم فخرج من الحصن تحت جنح الظلام مع جماعة من أعوانه وركب سفينة إلى جزيرة الروضة فلما وصل إليها أرسل رسالةً إلى عمرو مع وفد ترأسه أُسقف الحصن يعرض عليه أن يرسل وفدا لإجراء مفاوضات بشأن التفاهم على حل معين وتعمد عمرو بن العاص الإبطاء في الرد مدة يومين وأبقى أعضاء الوفد عنده رغبة منه أن يطلع المقوقس وأهل مصر على بأس المسلمين وحالهم ومهما يكن من أمر فقد عاد أعضاء الوفد بعد يومين يحملون رد عمرو بتخيير المقوقس بين الإسلام أو الجزية أو القتال وكان من الصعب على المقوقس وجماعته التخلي عن المسيحية وإعتناق الإسلام ذلك الدين الذى لا يعرفون عنه شيئا وبذلك رفضوا الشرط الأول وخشوا إن هم قبلوا بدفع الجزية أن يستضعفهم المسلمون ويذلوهم في الوقت الذى إستبعدوا فيه فكرة الحرب خشية الهزيمة وبِخاصة بعد أن وصف أعضاء الوفد وضع جيش المسلمين الجيد وتضامنهم وجاهزيتهم للقتال ومع ذلك فقد قبل المقوقس الدخول في الصلح وطلب من عمرو أن يرسل إليه جماعةً من ذوى الرأى للتباحث بشروطه فأرسل إليه وفدا كان علي رأسه الصحابي عبادة بن الصامت الأنصارى فإستقبله الروم والمصريون حيث طمأنهم بأنهم سيكونون آمنين على أنفسهم وأموالهم وكنائسهم وصلبانهم ونسائهم وذراريهم إن هم قبلوا دفع الجزية مما شجع المقوقس على المضي قدما في طريق الإذعان لمطالب المسلمين .

وإستضاف عمرو بن العاص عقب هذا الصلح الروم ومن معهم من المصريين وصنع لهم الثريد وأمر أصحابه أن يجلسوا علي ركبهم إلى جانب الروم في محاولة منه لتهدئة روعهم والتأكيد على أن المسلمين لم يأتوا للإعتداء على الأهالي وسلبهم نفائسهم ومقدساتهم ولكن يبدو أن القبول بقرار الإستسلام لم يكن عاما فقد وجدت فئة من الجند رفضت الصلح مع المسلمين وكانت بقيادة قائد الحصن المعروف بإسم الأعيرج وأصرت على الإستمرار في المقاومة المسلحة وعند ذلك طلب المقوقس من عمرو هدنة لمدة شهر للوصول إلي قرار نهائي بشأن المصالحة أو إستمرار القتال فمنحهُ ثلاثة أيام فقط ولم تلبث أنباء المفاوضات أن إنتشرت بين عامة الجند فثارت ثائرتهم ضد المقوقس ولما إنتهت أيام الهدنة إستعد الطرفان لإستئناف القتال وأحرز المسلمون بعض الإنتصارات مما دفع المقوقس إلى تجديد الدعوة لأركان حربه للإستسلام فقبلوا مكرهين وإختار المقوقس خيار دفع الجزية وإشترط موافقة هرقل إمبراطور الروم وتجميد العمليات العسكرية حتى يأتي الرد من القسطنطينية وعلي أن تبقى الجيوش في أماكنها خلال ذلك وتعهد أن يبعث بعهد الصلح إلى القسطنطينية علي وجه السرعة للحصول علي موافقة الإمبراطور وغادر المقوقس حصن بابليون وتوجه إلى الإسكندرية حيث أرسل عهد الصلح إلى القسطنطينية وطلب موافقة هرقل عليه لكن الأخير لم يقتنع بوجهة نظر المقوقس بشأن الصلح مع المسلمين ورأى أن العوامل القومية والجغرافية التي ساعدت هؤلاء على فتح الشام غير متوفرة في مصر ورأى أن بحوزة المقوقس قوة عسكريةٌ كبيرة تفوقُ في العدد قوة المسلمين كما أن حصن بابليون كان متينا ويصعب على المسلمين إقتحامه فلا يعقل والحالةُ هذه أن ينتصر المسلمون ورأى أيضا أنه لا بد من وجود سر في الأمر أدى إلى وصول الروم إلي هذا الموقف السئ وإتهم المقوقس بالتقصير والخيانة والتخلي للمسلمين عن مصر ونفاه بعد أن شهر به ورفض عرض الصلح مع المسلمين ولما علم المسلمون برفض هرقل لعهد الصلح وكان ذلك في شهر ذى الحجة عام 19 هجرية الموافق شهر ديسمبر عم 640م فإنتهت بذلك الهدنة بينهم وبين الروم وإستأنف الطرفان القتال وكان المدافعون عن الحصن قد قل عددهم بسبب فرار كثير منهم إلى الإسكندرية كما أنه لم تأتهم أي إمدادات من الخارج وبدأ المرض ينتشر بينهم وإنتهى فيضان النيل وغاض الماء عن الخندق حول الحصن فأضحى بمقدور المسلمين الآن أن يهاجموه وتشير بعض المصادر التاريخية إلي جهود الروم التي بذلت للدفاع عن الحصن ومقاومة الفتح الإسلامي فقد ألقوا حسك الحديد في الخندق ليعيقوا إقتحام المسلمين له وإجتيازه بدل الماء وتراشقوا مع المسلمين بالمجانيق والسهام وأتى الروم وهم على هذه الحال نبأ وفاة الإمبراطور هرقل في شهر ربيع الأول عام 20 هجرية الموافق شهر فبراير عام 641م ففت ذلك في عضدهم وإضطربوا لموته وتراجعت قدرتهم القتالية مما أعطى الفرصة للمسلمين لتشديد الحصار قبل أن يقتحموا الحصن في يوم 21 ربيع الآخر عام 20 هجرية الموافق يوم 9 أبريل عام 641م حيث رأى الزبير بن العوام خللا فى الحصن فنصب سلما وأسنده إلى الحصن وقال إنى أهب نفسى لله عز وجل فمن شاء فليتبعنى فما شعر الروم إلا والصحابي والبطل العربى المسلم الزبير بن العوام ومعه الصحابي مسلمة بن مخلد على رأس الحصن يكبران ومعهما سيفيهما فإندفع الناس على السلم وكبر الزبير فأجابه المسلمون من الخارج فظن الروم أن المسلمين قد إقتحموا الحصن فهرب الروم تاركين مواقعهم فنزل الزبير وأصحابه وفتحوا باب الحصن لأفراد الجيش الإسلامي فدخلوه وفي رواية أخرى أن الزبير لما إرتقى السور شعرت حامية الحصن بِذلك ففتحوا الباب لعمرو وخرجوا إليه مصالحين فقبل منهم ونزل الزبير وأصحابه عليهم وخرج على عمرو من الباب معهم وإتفق أهل الحصن مع عمرو على رد ما أخذ منهم عنوة والإبقاء على السبايا وأجروا من دخل في صلحهم من الروم والنوب أي أهل النوبة مجرى أهل مصر ويقول المؤرخ عز الدين بن الأثير أن الخليفة عمر بن الخطاب عاد ورد سبايا من لم يقاتل منهم .


وكان لسقوط حصن بابليون ذلك الموقع العسكرى الحصين الذي حشدت فيه أعظم طاقات البيزنطيين العسكرية في مصر التأثير الجذرى على مسار المعركة فلم يعد هناك مجال للشك بأن المبادرة قد أصبحت في أيدي المسلمين وأن أبواب السيطرة على هذه البلاد الواسعة قد فتحت أمامهم كما أن هذا السقوط كان يعد بمثابة إنهيار خط الدفاع الأوَّل عن مصر حيث أن الطريق قد بات مفتوحا إلى الإسكندرية حاضرة وعاصمة البلاد بعد الإنتهاء من فتح حصن بابليون وطلب عمرو من الخليفة أن يأذن له بالزحف نحو الإسكندريَّة لفتحها وضمها إلى الأراضي الإسلامية وهي خطوة كان لا بد منها لإستكمال فتح مصر والحقيقة أن الخليفة لم يتأخَر في منح الإذن لقائده بالسير إلى الإسكندرية وخاصةً أنه علم أن النيل سيعود بعد ثلاثة أشهر إلى مده وفيضانه وأنه من الأفضل أن يسير جيش مصر إلى الإسكندرية قبل ذلك وما لبث عمرو حين تسلم الإذن أن زحف نحو الإسكندرية وترك حامية عسكرية في حصن بابليون بِقيادة خارجة بن حذافة السهمي وكانت الإسكندرية في ذلك الوقت هي قصبة الديار المصرية وثاني حواضر الإمبراطورية البيزنطية بعد القسطنطينية وأول مدينة تجارية في العالم وأهم وأكبر موانئ البحر المتوسط وقد أدرك البيزنطيون أن سقوطها في أيدى المسلمين من شأنه أن يؤدى إلى زوال سلطانهم من مصر وكان المقوفس حينذاك متحصنا بالإسكندرية على رأس قوة عسكرية ومع حلول شهر شوال عام 20 هجرية الموافق شهر سبتمبر عام 841م كان في نيته الدخول في صلحٍ مع المسلمين بسبب عجزه عن مواجهتهم وبِخاصة أنه بدت في الأُفق السياسي ملامح إنهيار الإمبراطورية البيزنطية لكن يبدو أن أركان حربه رفضوا هذا وأصروا على المقاومة وكان عمرو بن العاص أثناء ذلك قد غادر حصن بابليون في شهر جمادى الأولى عام 20 هجرية الموافق شهر مايو عام 641م متخذا مسار الضفة اليسرى للنيل حيثُ محافظة البحيرة المعاصرة حتى لا تشكل الترع والمصارف الكثيرة المنتشرة داخل الدلتا عائقا يؤخر زحفه ويعيق تحركاته وخلال هذا الزحف لقي الكثير من المساعدات والمعاونات التي قدمها المصريون حيث أصلحوا له الطرق وأقاموا الجسور والأسواق كما أنه إصطحب معه عددا من زعمائهم ليكونوا أداة إتصال بينه وبين من يلقاهم في طريقه ولم يلق عمرو أية مقاومة على طول الطريق من حصن بابليون إلى الإسكندرية حتى بلغ قرية تسمي ترنوط تابعة لمحافظة المنوفية ةحاليا حيث إلتقى بالروم ودار القتال بين الفريقين وتحقق النصر للمسلمين وتابع المسلمون تقدمهم حتى وصلوا إلى نيقوس الواقعة على بعد عدة فراسخ من مدينة منوف الحالية فأسرع سكانها إلى التسليم والإذعان لكن حامية الحصن أصرت على المقاومة وكان هذا يعني أنه لم يكن هناك تنسيق بين السكان الوطنيين والحاميات البيزنطية ولعل مرد ذلك يعود إلى فقدان الثقة بين الجانبين بسبب العداء المستحكم بينهما فإصطدم عمرو بأفراد الحامية وإنتصر عليهم ودخل نيقوس وفرت فلول المنهزمين إلى الإسكندرية وتابع المسلمون تقدمهم وإصطدموا بقوة عسكرية بيزنطية أخرى عند قرية تسمي سنطيس تقع قرب مدينة دمنهور حاليا وتغلبوا عليها وكان حصن كريون آخر سلسلة الحصون قبل الإسكندرية وكان يقع قرب مدينة كفر الدوار حاليا وقد إعتصم به ثيودور قائد الجيش البيزنطي مع حامية قوية كما تدفقت عليه الإمدادات من المناطق المجاورة وإشتبك الطرفان في عدة معارك على مدى بضعة عشر يوما كان بعضها شديدا حتى أن عمرو صلى يوما بالجيش صلاة الخوف وتمكن المسلمون أخيرا من إقتحام الحصن وتغلبوا على الحامية العسكرية فقتلوا بعض أفرادها وفر البعضُ الآخر إلى الإسكندرية للإحتماء بها وكان ثيودور من بين هؤلاء وطاردهم المسلمون حتى بلغوا الإسكندرية في منتصف شهر رجب عام 20 هجرية الموافق أواخر شهر يونيو عام 641م .


وكانت الإسكندرية مدينةً منيعة ذات حصون عظيمة وعسكر عمرو بجنوده بالقرب منها وكان يصحبه رؤساء المصريين الذين كانوا يقدمون الطعام للجند المسلمين والعلف لخيولهم ودوابهم كما كانوا يدلونهم إلى الطرق والمسالك المؤدية إلى المدينة وأدرك عمرو فور وصوله إلي الإسكندرية ودراسته للوضع الميداني أن المدينة حصينة إذ يحيط بها سوران محكمان ولهما عدة أبراج ويحيط بها خندق يملأُ من ماء البحر عند الضرورة للدفاع وتتألف أبوابها من ثلاث طبقات من الحديد وتوجد مجانيق فوق الأبراج ومكاحل وقد بلغ عدد جنود حاميتها بعد الإمدادات التي أرسلها الإمبراطور البيزنطي بالإضافة للجنود الذين فروا إليها من حصن بابليون خمسين ألف جندى ويحميها البحر من الناحية الشمالية وهو تحت سيطرة الأُسطول البيزنطي الذى كان يمدها بالمؤن والرجال والعتاد وتحميها بحيرة مريوط من الجنوب ومن المتعذر إجتيازها وتلفها ترعة الثعبان من الغرب وبذلك لم يكن للمسلمين طريق إليها إلا من ناحية الشرق وهو الطريق الذي يصلها بحصن كريون وكانت المدينة محصنة أيضا من هذه الناحية ومع ذلك لم ييأس عمرو بن العاص ووضع خطة عسكرية ضمنت له النصر في النهاية حيث قام بتشديد الحصار على المدينة حتى يتضايق المدافعون عنها ويدب اليأس في نفوسهم فيضطرّوا للخروج للإصطدام بالمسلمين لتخفيف وطأة الحصار وهكذا يستدرجهم ويحملهم على الخروج من تحصيناتهم ثم ينقض عليهم


بناءا على هذا وقام عمرو بنقل معسكره إلى مكان بعيد عن مرمى المجانيق وإستمر الوضع على ذلك مدة شهرين لم يخرج البيزنطيون خلالهما من تحصيناتهم للقتال سوى مرة واحدة حيث خرجت قوة عسكريةٌ بيزنطية من ناحية بحيرة مريوط وإشتبكت مع قوة إسلامية ثم إرتدت إلى الحصن ولعلها كانت بِمثابة قوة إستطلاع أو جس نبض ورأى عمرو أن يقوم بعمل عسكرى يشغل به جنوده إذ أن طول الإنتظار قد يؤثر على معنوياتهم القتالية ويدفعهم إلى التكاسل والخمول فشغلهم بالتناوب بالغارات على الدلتا وأبقى معظم جنوده على حصار الإسكندرية وقد نجحت الفرق العسكرية الإسلامية هذه بالسيطرة على ما تبقى من قرى وبلدات الوجه البحرى وفي الوقت نفسه إشتد الصراع بين المصريين والبيزنطيين داخل الإسكندرية وبين البيزنطيين أنفسهم داخل القُسطنطينية حول العرش بعد وفاة هرقل كما ذكرنا في السطور السابقة ونتيجة لإشتداد الصراع في القسطنطينية بين أركان الحكم إنقطعت الإمدادات البيزنطية عن الإسكندرية إذ لم يعد أحد منهم مهتما بالدفاع عنها مما أثر سلبا على معنويات المدافعين عنها حيث وجدوا أنفسهم معزولين ولا سند لهم ومما زاد من مخاوفهم تمكن المسلمين من ضم قرى الدلتا والساحل الأمر الذى يعني قطع الميرة عنهم وفي ذلك الوقت كان الخليفة عمر بن الخطاب في المدينة المنورة ينتظر سماع أنباء مصر وهو أشد ما يكون إستعجالا لتلقي نبأ سقوط الإسكندرية في أيدى المسلمين ولكن هذا النبأ أبطأ عنه أشهرا فراح يبحث عن السبب وهو لم يقصر عن إمداد عمرو بما يحتاج إليه من الرجال الأشداء الذين يقدر كل منهم بألف رجل مما يكفل له النصر بإذن الله وخشي أن تكون خيرات مصر قد أغرت المسلمين فتخاذلوا وقال لِأصحابه ما أبطأُوا بفتحها إلا لما أحدثوا ثم كتب إلى عمرو يعظه ويستعجله وينبهه على أن النصر لن يكون حليف المسلمين إلا لو أخلصوا النية لله وطلب منه أن يخطب في الناس ويحضهم على قتال عدوهم ويرغبهم في الصبر والنية وأن يدعو المسلمون الله ويسألونه النصر.


وقد شكل كتاب عمر بن الخطاب عامل دفعٍ هام للمسلمين فإقتحموا حصون الإسكندرية ففتحوها بحد السيف في يوم 28 من شهر ذى القعدة عام 20 هجرية الموافق يوم 8 نوڤمبر عام 641م بعد حصار دام أربعة أشهر ونصف الشهر وفر البيزنطيون منها في كل إتجاه للنجاة بأنفسهم وأذعن سكانها من المصريين وإستبقى عمرو أهلها ولم يقتل ولم يسب أحدا وجعلهم أهل ذمة كأهل حصن بابليون وتذكر بعض المصادر التاريخية أن المقوقس طلب من عمرو بن العاص في أثناء حصار الإسكندرية الصلح والمهادنة لمدة معينة فرفض عمرو وتذكر بعض الروايات أن رجلا يسمى إبن بسامة وكان على أحد أبواب المدينة قد طلب الأمان من عمرو بن العاص على نفسه وأرضه وأهل بيته على أن يفتح له باب المدينة فأجابه عمرو إلى ذلك ودخل عمرو والمسلمون من جهة القنطرة التي كان يقال لها قنطرة سليمان وتنص مراجع أُخرى أن عمرو ترك فرقة من جنده لحراسة المدينة وأسرع بقواته لتتبع الفارين برا ولكن الروم الذين هربوا عن طريق البحر رأوا أن الفرصة مواتية لإستعادة الإسكندرية فعادوا إليها وقتلوا من بها من المسلمين وعلم عمرو بذلك فعاد إلى الإسكندرية سريعا وقاتل هؤلاء الروم وأجلاهم عن المدينة وعموما فإن الروايات التاريخية حول كيفية إتمام فتح الإسكندرية وجلاء الروم عنها نهائيا روايات متباينة فقال البعض إن الفتح كان عنوة بينما تقول روايات أخرى إنه كان صلحا لكن مما لا خلاف فيه أن ضمها إلى دولة الخلافة الراشدة كان في الأول من شهر المحرم عام 21 هجرية الموافق يوم 17 سبتمبر عام 642م وتنص أكثر الروايات شيوعا وهي الرواية القبطية والتي تفيد بأن الإسكندرية فتحت صلحا إذ فوض الإمبراطور قُنسطانز إلى المقوقس عقد الصلح مع المسلمين في الإسكندرية ومعه القائد ثيودور في يوم 14 سپتمبر عام 641م ثم إجتمع بعمرو بن العاص وتم توقيع عقد الصلح في يوم 8 نوڤمبر عام 641م ويقضي هذا العقد بتسليم الإسكندرية على أن يبقى المسلمون مدة أحد عشر شهرا خارجها حتى يبحر عنها البيزنطيون وأن لا يعود جيش من الروم إلى مصر أو يسعى لردها وأن يقدموا لِعمرو بن العاص مائة وخمسين جنديا وخمسين مدنيا بمثابة رهائن لضمان تنفيذ عقد الصلح وأن يكف المسلمون عن أخذ كنائس المسيحيين ولا يتدخلوا في أُمورهم بأى شكل من الأشكال وبناءا عليه خرج البيزنطيون من الإسكندرية بحرا في الأول من شهر المحرم عام 21 هجرية الموافق يوم 17 سبتمبر عام 642م فدخلها المسلمون وأعطوا الأمان لأهلها لتنتهي بذلك العمليات العسكرية وتخرج مصر نهائيا من تحت الراية البيزنطية وتدخل تحت ظل الراية الإسلامية ويبدأ فصل جديد من التاريخ في الديار المصرية وتصبح مصر ولاية إسلامية ويتم تعيين عمرو بن العاص واليا عليها والذى أحسن التعامل مع المصريين فلم يجبر أحدا علي الدخول في الإسلام ومنح الجميع حرية العقيدة وأمن الأقباط علي كنائسهم ومقدساتهم ودورهم وأموالهم وأملاكهم وأراضيهم ونفذ العديد من الإصلاحات في البلاد منها إصلاح العديد من الطرق القائمة وإنشاء عدد كبير من الطرق كما تم إقامة الجسور حول نهر النيل لحماية الأراضي من حوله من أخطار الفيضان وبالإضافة إلي ذلك قام ببناء أول عاصمة إسلامية لمصر في منطقة مصر القديمة شرقي نهر النيل وسميت الفسطاط وأنشأ بها أول مسجد جامع في مصر وفي قارة أفريقيا بأكملها والمعروف بإسمه حتى وقتنا الحاضر وكان من أثر هذه الإصلاحات أن تحسنت أحوال المصريين وزادت ثرواتهم وإطمأنوا على أرواحهم وممتلكاتهم ومستقبلهم ونعموا بالهدوء والإستقرار وإزداد التآلف بينهم وبين المسلمين مع مرور الوقت ودخل كثير منهم في الإسلام تدريجيا وكان الرأي السائد آنذاك أن يبقى المسلمون الذين أقاموا بمصر على رباطهم وتكون مهمتهم حماية البلاد من أي إعتداء خارجي ولا يشتغلون بالزراعة ومع الوقت رفع ذلك الحظر عنهم وأُبيح لهم أن يتملكوا الأراضي وأن يعملوا بالزراعة إذا شاءوا .


وبعد أن إستقرت الأمور لعمرو بن العاص في مصر وإطمأن على إستقرار الأوضاع خرج بقواته من الإسكندرية في عام 22 هجرية الموافق عام 643م وتوجه نحو برقة بليبيا حاليا التابعة للإمبراطورية البيزنطية وكانت تسكنها قبيلة لواتة البربرية وبعث نفر من جنده بقيادة عقبة بن نافع ليستطلعوا أحوالها ويوافوه بأخبارها قبل أن يتقدم إليها فسار هذا إلى زويلة وأطراف برقة وما جاورها من البلاد وبعدما وصلته المعلومات قرر مواصلة السير لفتح كامل بلاد إنطابلس التي تعرف اليوم ببرقة ولما بلغت خيل عمرو بن العاص برقة ضربوا الحصار عليها وعرض عليهم عمرو بن العاص الثلاث خصال التي عرضها على المقوقس وأهل مصر ومن قبلهم علي قادة البيزنطيين ببلاد الشام وهي الإسلام أو الجزية أو القتال ووجد أهل برقة أنه لا طاقة لهم بقتال المسلمين فقبلوا المصالحة على أن يؤدوا جزية للمسلمين قوامها 13 ألف دينار وأن يبيعوا من أحبوا من أبنائهم في جزيتهم وقيل كذلك دينار عن كل شخص بالغ ثم تقدم عمرو بجنوده حتى طرابلس فحاصرها شهرا لصمود المدافعين عنها وأثناء الحصار وجه عمرو عقبة بن نافع لفتح فزان فإفتتح أجدابية صلحا ثم واصل حتى بلغ زويلة فصالحه أهلها وأتم فتح فزان وأثناء حصار طرابلس إستطاع جماعة من المسلمين الدخول بين أسوار طرابلس والبحر الأبيض المتوسط وقاتلوا حامية البحر وصاح أفرادها الله أكبر فترددت أصداء التكبير في أزقة المدينة وطرقاتها فذعر المدافعون عنها ودبت الفوضى في صفوفهم فحملوا ما إستطاعوا من متاعهم وأسرعوا إلى السفن وأبحروا عليها هاربين ولما رأى الحراس فرار الحامية البيزنطية تركوا مراكزهم فدخل عمرو وجيشه إلى المدينة ثم فاجأ عمرو أهل صبراتة بخيله وفتحت أبواب المدينة عند أول هجمة إسلامية وأرسل إلى الخليفة عمر بن الخطاب يستأذنه في التوجه إلى بلاد أفريقية والمقصود بها تونس لكن الخليفة أمره بالتوقف عند ذلك الحد فتوقفت الفتوحات في الشمال الأفريقي لحين تثبيت أوضاع المسلمين في البلاد المفتوحة وبعد ذلك غاب مسلمة بن مخلد عن المشهد وسكن مصر ثم إنتقل منها إلي المدينة المنورة حتي كان زمن الخلاف بين الخليفة الراشد الرابع علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان حيث وفد علي معاوية قبل أن يأول الأمر إليه وشهد معه صفين في عام 37 هجرية وبعد ذلك ولاه معاوية بن أبي سفيان علي مصر بعد عزل عقبة بن عامر الجهني في عام 47 هجرية بعد أن تولي الخلافة وجمع له الصلاة والخراج وبلاد المغرب‏ فأعاد بناء جامع عمرو بن العاص وقام بتوسعته حين ضاق المسجد بأهله فزاد فيه من الجهة الشرقية والشمالية وجعل له رحبة فكان هو صاحب أول زيادة فيه كما أنه جعل في كل من أركانه صومعة وكان مسلمة أيضا هو أول من بني المنارات في المساجد وأمر المؤذنين أن يكون أذانهم فى الليل فى وقت واحد وأمر ألا يضرب فيه ناقوس عند الفجر كما كان يضرب فكان مؤذنو المسجد الجامع يؤذنون للفجر فإذا فرغوا من أذانهم أذن كل مؤذن فى الفسطاط فى وقت واحد وبالإضافة إلي ذلك إتصف مسلمة بحسن السياسة ونشر العدل كما أنه كان متسامحا مع الأقباط فكان هو أول من بنى كنيسة بفسطاط مصر تأكيدا لتعاليم الإسلام السمحة التي تنادى بالتسامح وعدم التعصب وحرية العقيدة وفي عام 49 هجرية كان مسلمة بن مخلد أحد الذين شجعوا الخليفة الأموى الأول معاوية بن أبي سفيان علي غزو العاصمة البيزنطية القسطنطينية لكنه لم يشارك في الغزوة وفي عام 50 هجرية جمع معاوية لمسلمة ولاية مصر والمغرب ولم يزل على ذلك حتى توفى معاوية وخلفه إبنه يزيد فأقره علي تلك الولاية فكانت ولايته على مصر وأفريقية خمسة عشرة سنة وكان يرسل معاوية بن حديج والذى كان قد شهد فتح مصر وكان هو من أرسله عمرو بن العاص إلي المدينة المنورة بخبر فتح الإسكندرية ليغزو في بلاد المغرب والثغور بشمال القارة الأفريقية بهدف نشر الإسلام في تلك الربوع وتأمين الفتوحات الإسلامية بها وفي عام 53 هجرية نزل الروم ساحل البرلس شمالي الدلتا في محاولة جديدة لإحتلال مصر مرة أخرى والتي تكررت عدة مرات منذ عهد الخليفة الراشد الثالث عثمان بن عفان وقد باءت هذه المحاولة بالفشل بعد أن تصدى لها المسلمون برا وبحرا وإنسحب البيزنطيون عائدين إلي بلادهم وإستشهد فى هذه الوقعة وردان مولى عمرو بن العاص .


وفي عام 60 هجرية خرج مسلمة إلى الإسكندرية وإستخلف على الفسطاط عابس بن سعيد فجاءه الخبر بموت معاوية بن أبي سفيان في شهر رجب منها وإستخلاف إبنه يزيد بن معاوية وكتب إليه يزيد بن معاوية وأقره على عمل مصر وكتب إليه أيضا بأخذ البيعة له فندب مسلمة عابسا وكتب إليه من الإسكندرية بذلك فطلب عابس أهل مصر وبايع ليزيد فبايعه الجند والناس إلا عبد الله بن عمرو بن العاص فدعا عابس بالنار ليحرق عليه بابه فحينئذ بايع عبد الله بن عمرو بن العاص ليزيد بن معاوية على كره منه وفي العام التالي 61 هجرية وبعد مقتل الإمام الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما كان مسلمة بن مخلد هو الذي إستقبل السيدة زينب بنت الإمام علي بن ابي طالب رضي الله عنهما وحفيدة رسول الله صلى الله عليه وسلم والتي إختارت الإقامة بمصر ولما وصل خبر ذلك لمسلمة توجه هو وأعيان مصر للقائها قبل أن تدخل مصر مرحبين بها ودخلت مصر في يوم أول شعبان عام 61 هجرية وأنزلها مسلمة بداره بالحمراء القصوى بحي السيدة زينب حاليا فأقامت بها حوالي عام ولما أحست بدنو أجلها طلبت من مسلمة أن يجهز لها مخدعاً بمحل سكنها فى داره وإستقرت تقرأ القرآن به ولما أكملت عدة قرائتها إحدى عشرة مرة دخل عليها مسلمة فقالت له يا مسلمة إنك بعدنا وكانت وفاتها في شهر رجب عام 62 هجرية ودفنت في الدار التي كانت مقيمة بها وفيما بعد أقيم مسجد أعلى قبر السيدة زينب وعن تاريخ هذا المسجد فللأسف لا يعرف على وجه التحديد متى تم إنشاؤه فلم تذكر المراجع التاريخية سوى أن والى مصر العثماني على باشا الوزير قام عام 951 هجرية الموافق عام 1547م بتجديد المسجد ثم أعاد تجديده مرة أخرى الأمير عبد الرحمن كتخدا عام 1171 هجرية الموافق عام 1757م وفى عام 1212 هجرية الموافق عام 1798م ظهر خلل بالمسجد فقام عثمان بك المرادى بهدمه وشرع فى بنائه من جديد وإرتفع بجدرانه وأقام أعمدته ولم يتم البناء حينذاك نظرا لقدوم الحملة الفرنسية بقيادة نابليون بونابرت إلي مصر وبعد خروج الحملة الفرنسية منها إستؤنف العمل إلا أنه لم يتم أيضا حتي جاء محمد علي باشا الكبير مؤسس الأسرة العلوية واليا علي مصر عام 1805م فأكمل البناء ومنذ ذلك التاريخ أصبح مسجد السيدة زينب محل عناية أعضاء هذه الأسرة وموضع رعايتها فقد شرع عباس باشا الأول حفيد محمد علي باشا وثالث من تولي حكم مصر من اسرته فى إصلاحه ولكن الموت عاجله فقام محمد سعيد باشا إبن محمد علي باشا ورابع من حكم مصر من أسرته فى عام 1276 هجرية الموافق عام 1859 بإتمام ما بدأه سلفه وأنشأ مقامى العتريس والعيدروس وهما من كانا يقومان بخدمة صاحبة المسجد والمسجد القائم الآن أمر بإنشائه الخديوى توفيق وقد تم بناؤه عام 1302 هجرية الموافق عام 1884م وفى عام 1940م في عهد الملك فاروق قامت وزارة الأوقاف بهدم المسجد القديم تماما وأقامت المسجد الموجود حاليا وبالتالي فالمسجد ليس مسجل كأثر تاريخي إسلامي وكان المسجد وقتها يتكون من سبع أروقة موازية لجدار القبلة يتوسطها صحن مربع مغطى بقبة وفى الجهة المقابلة لجدار القبلة يوجد ضريح السيدة زينب رضي الله عنها محاط بسياج من النحاس الأصفر ويعلوه قبة شامخة وفى عام 1969م وفي عهد الرئيس الراحل جمال عبد الناصر قامت وزارة الأوقاف بمضاعفة مساحة المسجد وتجديده وتطويره تجديدا وتطويرا شاملا وتمت زيادة مساحة المسجد فأصبحت 7800 متر مربع بعد أن كانت 4500 متر مربع ثم تمت أعمال تجديدات وتوسعة أخرى في عهد الرئيس الأسبق حسني مبارك في تسعينيات القرن العشرين الماضي حيث أضيفت مساحة جديدة في مصلي السيدات كما تم إنشاء مكتبة تم إلحاقها بالمسجد تحوى الكثير من الكتب والمراجع والمخطوطات النفيسة والنادرة هذا ولم يعمر مسلمة بن مخلد بعد وفاة السيدة زينب رضي الله عنها طويلا حيث كانت وفاته علي الأرجح بعد وفاة السيدة زينب بإحدى عشر يوما فقط في أواخر شهر رجب عام 62 هجرية ودفن بمصر ويقع قبره حاليا في شارع سوق مسلمة بن مخلد بمذبح الجمل بمنطقة مصر القديمة وقد بني فوق القبر ضريح عبارة عن زاوية صغيرة بداخلها غرفة مربعة تقوم عليها قبة صغيرة ويضمه حاليا أحد المساجد الحديثة .
 
 
الصور :
أطلال حصن بابليون رسم تخيّليّ لِما كانت عليه الإسكندريَّة في العُصور القديمة حتَّى الفتح الإسلامي