الجمعة, 19 يوليو 2024

abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
الرئيسية
بانوراما
فرعونيات
بلاد وشركات
الحدث السياحي
سحر الشرق
سياحة وإستشفاء
أم الدنيا
حج وعمرة
أعمدة ثابتة
درجات الحرارة
اسعار العملات
abou-alhool

بعد اكتشاف "عطر الخلود" .. هل نصل لسر من أسرار التحنيط؟

بعد اكتشاف -عطر الخلود- .. هل نصل لسر من أسرار التحنيط؟
عدد : 09-2023
بقلم الدكتور / محمود حامد الحصري
الخبير الأثري، ومدرس الآثار واللغة المصرية القديمة – جامعة الوادي الجديد

علم التحنيط من العلوم التي حيرت وما زالت تحير العالم :

منذ أن عُرف ما يسمي بعلم المصريات Egyptology بعد اكتشاف حجر رشيد عام 1799م، وفك رموزه عام 1922م، على يد عالم الآثار الفرنسي جان فرانسوا شامبليون Jean-François Champollion، وأصبح العالم كله يوجه اهتمامه نحو الحضارة المصرية القديمة التي أبهرت ومازالت تبهر العالم بكل سر من أسرارها، حيث عجز العالم أجمع عن تفسير الكثير من أسرار الحضارة المصرية القديمة، ومن هذه الأسرار التي حيرت ومازالت تحير العالم هو علم التحنيط، فعلم التحنيط هو أحد فروع العلوم الحيوية، الذي يهتم بدراسة وتطبيق تقنيات الحفظ والتحنيط للجثث البشرية والحيوانية. حيث يعتبر الهدف الأساسي من التحنيط هو الحفاظ على الأنسجة العضوية والهيكل العظمي للمتوفى، وبالتالي إطالة فترة الحفاظ عليها ومنع التحلل البيولوجي لها. ويرجع أصول علم التحنيط إلى الحضارة المصرية القديمة، حيث تم استخدامه للحفاظ على سلامة أجساد الفراعنة في مصر القديمة لتبقي وتدوم في العالم الآخر، وكذلك أجسام الملوك والملكات في بعض البلاد الأخرى في حضارة بلاد الرافدين وغيرها من الحضارات التي واكبت الحضارة المصرية القديمة.

المواد المستخدمة في عملية التحنيط واستخداماتها:

تتم عملية التحنيط بواسطة كهنة محترفين مدربين لضمان الحفاظ على الجسم بشكل صحيح وآمن. وضمان استمرارية الحياة الأبدية في الحياة الآخرة، وقد تختلف المواد المستخدمة في عملية التحنيط باختلاف الثقافات والمواد المتوفرة في الطبيعة، والهدف الرئيسي من كل هذا هو الحفاظ على الجسم بشكل دائم بدون تحلل، وبالنسبة لأنواع المواد المستخدمة في التحنيط في كالتالي :

• المواد المطهرة: تستخدم لتنظيف الجسم وقت الموت وقبل بدء عملية التحنيط.
• المواد المحفظة: تستخدم للحفاظ على هيكل الجسم وتقليل تحلله.
• المواد المعقمة: تستخدم لتجنب نمو البكتيريا والفطريات في الجسم المحنط.
• المواد المحفزة للتجفيف: تستخدم لإزالة الرطوبة من الجسم وتجفيفه.
• المواد المحفزة للتجميد: تستخدم لتجميد الأنسجة وتقليل عملية التحلل.
• المواد الامتصاصية: تستخدم لامتصاص الرطوبة والسوائل المتجمعة في الجسم.
• المواد المحفزة للتشحيم: تستخدم لمنع تآكل الجسم المحنط وتسهيل حركته. تشمل هذه المواد الزيوت والشحوم المعدة خصيصاً للتحنيط.
• المواد الحاجزة: تستخدم لإنشاء حاجزاً بين الجسم والعوامل الخارجية مثل الرطوبة والغبار والجراثيم.

وبالنسبة لأشهر المواد المستخدمة في عملية التحنيط، فكان يستخدم مزيج من الزيوت والمواد الحيوية التي تعمل على تجفيف الجسد ومنع تدهوره. وقد تم استخدام مواد طبيعية مثل القرفة والمر والبخور والعطور لإضفاء رائحة جيدة على الجسد والتخلص من الروائح الكريهة، بالإضافة إلى استخدام ألياف النبات مثل القيقب (الاسفندان) والكتان للتغليف وحماية الجسد. وقد استخدمت الأصباغ الطبيعية مثل الأزرق والأخضر لتلوين القماش وإعطاء الجسد مظهراً جميلاً:

• الملح: كان يستخدم لاستخلاص السوائل من الجسم، مما يقلل من تدهور الأنسجة.
• ملح النتر: يستخدم لتجفيف الجسم وتثبيته، فيعمل على قتل البكتيريا والميكروبات المسببة للتحلل.
• الزيوت العطرية: كانت تستخدم لتعطير الجثة وتقليل الروائح الكريهة.
• البلسم: كان يعمل على تغطية الجسم وحمايته من التأثيرات البيئية.
• القرفة والمر: كانت تستخدم لتطهير الجسم وتقليل الالتهابات.
• الأبخرة والعرقسوس: كانت تستخدم لتطهير وتعقيم الجسم.
• القشور والألياف النباتية: كانت تستخدم لملء الفجوات وتعزيز الهيكل الجسماني.
• الأصباغ الطبيعية: كانت تستخدم لتلوين الجسم وإعطائه مظهراً طبيعياً.

الطريقة المتبعة في التحنيط عند المصريين القدماء :

تعتبر عملية التحنيط جزءاً هاماً من ثقافة المصريين القدماء، حيث كانت وظيفتها الأساسية هي تأمين الحفاظ على الجسد بعد الوفاة وضمان استمرارية الوجود الأبدي في الحياة الآخرة، وقد استلزمت العملية نفسها سلسلة من الخطوات المعقدة حيث كانت هذه الطريقة تستغرق حوالي 70 يوماً، وتعتبر من العمليات الأكثر تعقيداً وتكلفة في ذلك الوقت، وكانت أيضاً تتطلب مهارة وخبرة عالية لتنفيذها بشكل صحيح لا يحتمل الخطأ، ومن هذه الطرق :

• أولاً : يتم إزالة الأعضاء الداخلية مثل المخ، والكبد، والرئتين، والأمعاء، حيث يتم استخراج أحشاء الجسد كلها ما عدا القلب الذي يمثل مركزاً للروح والعاطفة، وتوضع جميع الأحشاء المستخرجة في وعاء خاص يسمى "الأواني الكانوبية" Canopic jars. ثم يتم تنظيف الجسد وتجفيفه باستخدام الملح. ويتم استخراج المخ من الجمجمة بالشفط عن طريق الأنف باستعمال الأزميل والمطرقة للقطع من خلال الجدار الأنفي، وبعد ذلك يسحب المخ من خلال فتحة الأنف بسنارة محماة ومعقوفة، وبذلك لا يبقى في الجثة أية مواد رخوة تتعفن بالبكتريا إما بالفتح أو حقن زيت الصنوبر في الأحشاء عن طريق فتحة الشرج.
• ثانياً : يملئ تجويف الصدر والبطن بمحلول النطرون ولفائف الكتان المشبعة بالراتنج والعطور، وهي جميعا مواد لا يمكن أن تكون وسطاً للتحلل والتعفن بالبكتيريا. حيث يتم تعبئة تجاويف الجسم بالمواد المحنطة مثل العطر والأعشاب والتراب المختلط بالملح، ويتم تجميع الأعضاء الداخلية المزالة في وعاء آخر ويتم تحنيطها بشكل منفصل.
• ثالثاً : يغطى الجسم بملح النطرون لمدة 40 يوما حتى يجف. حيث يتم تجفيف الجسد بوضعه في ملح النطرون الجاف لاستخراج كل ذرة مياه موجودة فيه واستخلاص الدهون وتجفيف الأنسجة تجفيفاً كاملاً.
• رابعاً : طلاء الجثة بمادة الراتنج السائل لسد جميع مسامات البشرة وحتى يكون عازلاً للرطوبة وطارداً للميكروبات الدقيقة والحشرات في مختلف الظروف، حتى لو وضعت الجثة في الماء أو تركت في العراء، وفي أحد المراحل المتقدمة من التحنيط كان يتم وضعت الرمال تحت الجلد بين طبقة العضلات والجلد عن طريق فتحات في مختلف أنحاء الجثة وبذلك لكي تبدو الأطراف ممتلئة ولا يظهر عليها أي ترهل في الجلد.
• خامساً : استعمال شمع العسل لإغلاق الأنف والعينين والفم وشق البط، مع تلوين الشفاه والخدود بمستحضرات تجميل.
• سادساً : يلف الجسد بشراشيب من الكتان المبللة بمحلول من الأعشاب والمواد المحنطة. حيث تلف المومياء بأربطة كتانية كثيرة قد تبلغ مئات الأمتار مدهونة بالراتنج تلون بأكاسيد الحديد الأحمر (المغرة الحمراء) مضاف لها شمع العسل كمادة لاصقة في آخر السبعين يوماً التي تتم فيها عملية التحنيط.
• سابعاً : يتم وضع المومياء في تابوت خشبي مزين بالنقوش والرموز المصرية القديمة. حيث إن أساس علم التحنيط هو تجفيف الجثة تماماً ومنع البكتيريا من الوصول إليها.

بعد اكتشاف ما يسمي بعطر الخلود باستخدام التكنولوجيا الحديثة، هل نصل بذلك لسر من أسرار التحنيط.

بعد أن نجح باحثون من معهد ماكس بلانك Max-Planck لعلوم الأرض الجيولوجية في ألمانيا في تحديد رائحة معينة، تُعرف باسم «عطر الخلود»، عن طريق استخدام أواني لحفظ الأحشاء من داخل قبر سيدة كانت تعمل مرضعة لدى الملك أمنحتب الثاني سابع ملوك الأسرة الثامنة عشر، وهو ابن الملك تحتمس الثالث من زوجته الملكة ميريت رع حتشبسوت، ويعتقد أن هذه السيدة التي تدعي "سيني-تا-ناي" قد تمتعت بمكانة مرموقة في المجتمع المصري القديم وكانت تحظى بالاحترام والتقدير من الجميع. حيث تم الحصول على العينات المستخدمة من جرتين تحتويان على كبد ورئتي "سيني-تا-ناي" وفي هذه البقايا يوجد سائل التحنيط.

الجرتان كان قد تم إخراجهما منذ أكثر من قرن من وادي الملوك في مدينة الأقصر المصرية على يد عالم الآثار الإنجليزي هوارد كارتر Howard Carter، وكانتا تحتويان على رئتي "سيني-تا-ناي" وكبدها أصبحتا جزءاً من المجموعة المصرية المعروضة في متحف أوغست كيستنر بهانوفر بألمانيا، منذ عام 1935م، أما الجرتان الأخريان اللتان لم تكونا جزءاً من الدراسة، فقد تم الاحتفاظ بهما ضمن مجموعات بمكان آخر. وفي عام 2021م بدأ فريق البحث تحقيقاً يهدف إلى تحديد العناصر المكونة للمنتج، باستخدام مجموعة متنوعة من المنهجيات التحليلية المتطورة للغاية. وقد لوحظ وجود تفاوتات طفيفة حيث اختلف البلسم قليلاً بين الجرتين، مما يعني أن المكونات المستخدمة قد تختلف وفقاً للعضو المستهدف في عملية التحنيط. وأن هذه الرائحة المنبعثة من سائل التحنيط تحتوي على روائح تجمع بين شمع العسل ومادة الكومارين ورائحة من إحدى أشجار الصنوبر فضلاً عن حمض مستخرج من القرفة والقرنفل، كانت الجرار الكانوبية مصنوعة من الحجر الجيري الذي امتص بعض مكونات التحنيط. حيث تعاون العلماء مع صانعة العطور الفرنسية كارول كالفيز Carol Calvez وعالمة المتاحف الحسية صوفيا كوليت إيريش Sophia Collette Irish لإعادة تكوين رائحة سائل التحنيط.


تم اكتشاف رائحة عطر الخلود باستخدام تقنية كروماتوغرافيا الغاز، وقياس الطيف الكتلي للمواد المكتشفة :

حيث تحتوي رائحة سائل التحنيط مزيجاً معقداً من المكونات، منها روائح شمع العسل التي من شأنها أن تحمي من البكتيريا، ورائحة مادة الكومارين التي تشبه رائحة الفانيليا، ورائحة راتنجات من أشجار عائلة الصنوبر، وحمض البنزويك الذي يمكن العثور عليه في العديد من المصادر النباتية بما في ذلك القرفة والقرنفل. وتعتبر هذه الاكتشافات مثيرة للاهتمام، حيث يمكن أن تفتح الطريق أمام فهم أعمق لحضارة القدماء المصريين وأسرارها المخفية. ومن المحتمل أن يساهم هذا العطر في توفير معلومات جديدة حول تقاليد الدفن واستخدام المواد العطرية في العصور القديمة. ويعتبر هذا الاكتشاف خطوة هامة نحو الكشف عن أسرار حضارة المصريين القدماء الخالدة.

إعادة تركيب رائحة مادة عطر الخلود :

إعادة تركيب رائحة مادة عطر الخلود هو عملية تقوم فيها بتكوين مادة عطرية جديدة تشبه رائحة الخلود. هذه العملية تتطلب فهماً عميقاً لتركيبة العطر الأصلية والمكونات المستخدمة فيها. وأول خطوة في إعادة تركيب رائحة الخلود هي تحليل العطر الأصلي لتحديد المكونات المستخدمة فيه. يتم ذلك عن طريق استخلاص العطر من العينة المتاحة وتحليلها بواسطة تقنيات مختبرية مثل الكروماتوغرافيا الغازية والكتلة الطيفية. وبعد تحديد المكونات، يتم تجميعها لإعادة إنشاء رائحة الخلود. يمكن استخدام مكونات طبيعية متاحة في الطبيعة أو مكونات اصطناعية لتقليد الرائحة. حيث يتم تعديل التركيبة وتوازن المكونات حتى يتم الوصول إلى الرائحة المطلوبة.

عرض رائحة عطر الخلود للجمهور والزائرين في متحف موسغارد في الدنمارك :

إن فكرة عرض رائحة عطر الخلود للجمهور والزائرين في متحف موسغارد في الدنمارك تعتبر فكرة فريدة ومثيرة للغاية. فهي فرصة كبيرة للزوار لاستنشاق رائحة عملية التحنيط المصرية القديمة، مما يمنحهم تجربة شاملة وحقيقية للغاية، ولكي يتعرفوا على جانب آخر من الحضارة المصرية القديمة ويشعروا بالاندماج العميق في ثقافتها، إنها فرصة لا تقدر بثمن للزوار لاستكشاف التاريخ والثقافة بطريقة فريدة وممتعة.
 
 
الصور :