بقلم المهندس/ طارق بدراوى
tbadrawy@yahoo.com
موسوعة كنوز “أم الدنيا"
سفيان بن عوف بن المغفل بن عوف بن عمر بن كلب بن ذهل بن سيار بن والبة بن الدؤل بن سعد مناة الغامدى الأزدى رضي الله عنه صحابي من صحابة النبي صلى الله عليه وسلم وهو ينتمي إلى قبيلة غامد إحدى قبائل الأزد والتي تعد من أكبر وأشهر قبائل العرب في شبه الجزيرة العربية وكانت مواطنها الأولى بلاد اليمن جنوبي شبه الجزيرة العربية وبعد خراب سد مأرب نزحت قبائل الأزد من مواطنها في اليمن وتفرقت في مواطن أخرى فنزل بنو نصر بن الأَزد بلاد السراة فسمي من نزل منهم بجبال السراة بمنطفة تهامة الموازية لساحل البحر الأحمر أزد السراة وشنوءة وكان منهم بنو غامد ونزلت طائفة اخرى تسمى بارق بمنطقة عسير بجنوب غرب المملكة العربية السعودية حاليا ونزلت طائفة ثالثة من قبائل الأزد تنحدر من مازن بن الأزد في البداية ماء يعرف بغسان ثم إنحدرت منهم قبيلتا الأوس والخزرج الذين نزلوا يثرب قبل أن تسمى المدينة المنورة بعد هجرة النبي محمد صلى الله عليه وسلم إليها وقبيلة خزاعة التي نزلت مكة وما حولها وآل جفنة الذين نزلوا بلاد الشام وأسسوا إمارة الغساسنة وبخصوص قبيلة غامد فهي تنتسب إلى جدهم الأكبر غامد وهو عمرو بن كعب وقيل عمرو بن عبد الله بن كعب بن الحارث بن كعب بن عبد الله بن مالك بن نصر وهو شنوءة بن الأزد وبعد ظهور الإسلام في مكة قدم وفد من قبيلة غامد وإلتقوا بالنبي صلى الله عليه وسلم وكتب لهم نبي الله كتاب تبيانا لقبيلتهم فيما لهم من أمور دنياهم من بعد أن أسلموا جاء فيه أما بعد فمن أسلم من غامد فله ما للمسلمين حرمة ماله ودمه ولا تحشروا ولا تعشروا وله ما أسلم عليه من أرض وبعد هجرة النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة المنورة قدم وفد آخر من قبيلة غامد في العام العاشر للهجرة وكانوا عشرة أفراد كان منهم سفيان بن عوف رضي الله عنه فنزلوا في البقيع ثم إنطلقوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلفوا عند رحلهم أحدثهم سنا فنام عنه وأتى سارق وسرق جرابا لأحدهم فيه أثواب له وإنتهى القوم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسلموا عليه وأقروا له بالإسلام وكتب لهم كتابا فيه شرائع الإسلام وقال لهم من خلفتم في رحالكم قالوا أحدثنا يا رسول الله قال فإنه قد نام عن متاعكم حتى أتى آت فأخذ جراب أحدكم فقال أحد القوم يا رسول الله ما لأحد من القوم جراب غيرى فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أخذ ورد إلى موضعه فخرج القوم سراعا حتى أتوا رحلهم فوجدوا صاحبهم فسألوه عما خبرهم به رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال فزعت من نومي ففقدت الجراب فقمت في طلبه فإذا رجل قد كان قاعدا فلما رآني ثار يعدو مني فإنتهيت إلى حيث إنتهى فإذا أثر حفر وإذا هو غيب الجراب فإستخرجته فقالوا نشهد أنه رسول الله فإنه قد أخبرنا بأخذه وأنه قد رد فرجعوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبروه وجاء الغلام الذى خلفوه فأسلم وأمر النبي صلى الله عليه وسلم الصحابي الجليل أبي بن كعب رضي الله عنه فعلمهم قرآنا وأجازهم كما كان يجيز وفود القبائل التي كانت ترد المدينة المنورة آنذاك وإنصرفوا عائدين إلى ديارهم وكان ميلاد الصحابي الجليل سفيان بن عوف الغامدى رضي الله عنه في ديار قومه بني غامد وغير معلوم لنا تاريخ ميلاده مثله مثل الكثير من الصحابة والصحابيات رضي الله عنهم جميعا ونشأ بديار قومه وتعلم الفروسية وفنون القتال والرماية وليس لدينا معلومات عن حياته قبل إسلامه سوى أنه كان له بأس ونجدة وسخاء وتبدأ قصتنا معه بعد قدومه إلى المدينة المنورة ضمن وفد قومه كما أسلفنا في العام العاشر للهجرة وبعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم في يوم الإثنين 12 من شهر ربيع الأول عام 11 هجرية وبعد أن تولى الصحابي أبو بكر الصديق رضي الله عنه الخلافة ومع بداية حركة الفتوحات ببلاد الشام إرتحل الصحابي سفيان بن عوف رضي الله عنه إلى الشام وشارك في تلك الفتوحات تحت إمرة الصحابي أبي عبيدة بن الجراح رضي الله عنه في عهد أبي بكر الصديق ومن بعده في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنهما .
وكان من مواقف الصحابي الجليل سفيان بن عوف رضي الله عنه مع أبي عبيدة بن الجراح وعمر بن الخطاب رضي الله عنهما أن أبا عبيدة قد بعثه إلى عمر بن الخطاب وقال له أبلغه مني السلام وأخبره بما قد رأيت وعاينت وبما قد حدثتنا العيون وبما إستقر عندك من كثرة العدو والذى رأى المسلمون من الرأى من التنحي عن حمص لإدراك دمشق التي كان يحاول هرقل إمبراطور الروم إستعادتها من المسلمين وكتب معه إليه كتابا فلما أتى عمر قال له أخبرني بخبر الناس فأخبره بصلاحهم ودفْع الله عز وجل عنهم ثم أخذ الكتاب فقال لي ويحك ما فعل المسلمون فقال أصلحك الله خرجت من عندهم ليلا بحمص وتركتهم وهم يقولون نصلي الصبح ونرتحل إلى دمشق وقد أجمع رأيهم على ذلك فقال فكأنه كره هذا القول ورأى ذلك في وجهه وقال لسفيان وما رجوعهم عن عدوهم وقد أظفرهم الله بهم في غير موطن وما تركهم أرضا قد حووها وفتحها الله عليهم وصارت في أيديهم إني أخاف أن يكونوا قد أساؤوا الرأى وجاءوا بالعجز وجرأوا عليهم العدو فقال له سفيان إن الشاهد يرى ما لا يرى الغائب إن صاحب الروم قد جمع لنا جموعا لم يجمعها هو ولا أحد كان قبله لأحد كان قبلنا ولقد جاء بعض عيوننا إلى عسكر واحد من عساكرهم أمر بالعسكر في أصل الجبل فهبطوا من الثنية نصف النهار إلى عسكرهم فما تكاملوا فيها حتى أمسوا ثم تكاملوا حين ذهب أول الليل هذا عسكر واحد من عساكرهم فما ظنك بمن بقي فقال عمر لولا أني ربما كرهت الشئ من أمرهم يصنعونه فإذا الله يخير لهم في عواقبه لكان هذا رأى أنا له كاره أخبرني أجمع رأى جماعتهم على التحول فقال سفيان نعم قال فإن الله إن شاء لم يكن يجمع رأيهم إلا على ما هو خير لهم ومما يذكر أنه بعد أن أفشل المسلمون خطة هرقل التي كانت تستهدف إستعادة دمشق واصلوا طريقهم نحو حمص وتمكنوا من فتحها صلحا بعد أن تم فرض الحصار عليها وكانت محاطة آنذاك بخندق عميق يبدأ من قلعة حمص الأثرية مرورا بحي الصفصافة إلى حي باب الدريب ثم إلى حي باب تدمر ثم يتجه إلى وادى السايح شمالا وكان هذا الخندق ملئ بالماء البارد نتيجة لذوبان الثلوج وكانت القوة البيزنطية المدافعة عن المدينة تأمل فى تلقّى دعم سريعٍ من جيوش الإمبراطورية إلا أن هرقل لم يستطع أن يرسل جيشا ليساعد أهل المدينة بسرعة ومع إشتداد برودة الجو كان لأهل المدينة أمل أن يجبر البرد وقساوة الطقس المسلمين على التراجع وإنقسم أهل المدينة إلى فرقتين مالت الأولى إلى التفاهم مع المسلمين بفعل قوتهم الكبيرة التى هزمت الروم فى أكثر من مناسبة وعجز البيزنطيون عن إمدادهم بالمساعدة وأصرت الثانية على الإستمرار فى المقاومة والصمود وطال حصار المسلمين لحمص وساءت حالة أهل حمص وخشوا على أنفسهم من السبى إن فُتحت مدينتهم عنوة ووقع فى هذه الأثناء زلزال فى المدينة أدى إلى تدمير بعض البيوت والمنشآت وألحق أضرارا أُخرى بالسكان فى الوقت الذى تجاوز فيه المسلمون الأوضاع المناخية الأمر الذى أدى إلى التوافق بين الحامية البيزنطيَّة والسكان إلى طلب الصلح وعرض المسلمون تسليم المدينة بدون قتال شريطة المحافظة على بيوتهم ودور العبادة وأموالهم وأراضيهم ولا زال هذا الصلح موجوداً فى إحدى كنائس المدينة ويقول المسلمون إن مدينة حمص فتحت دون قتال حيث لا زال المسيحيون متواجدين فى الأحياء القديمة بالمدينة فى وادى السايح وبستان الديوان وقسم من الحميدية وساير المسلمون مشاعر أهل حمص إلى حد بعيد فلم يدخلوا المدينة بل نصبوا خيامهم بالقرب منها على ضفاف نهر العاصى وكتب أبو عبيدة بن الجراح إلى عمر بن الخطاب رضي الله عتهما فى المدينة المنورة يخبره بما حدث ويعلمه بأن الجيش الإسلامى سيتوجه نحو الشمال السورى لتطهير مدنه وقراه من البيزنطيين ولمطاردة هرقل وإجباره على العودة إلى مدينة القسطنطينية عاصمته .
ولما تولى معاوية بن أبي سفيان ولاية بلاد الشام كلها في عهد الخليفة عمر بن الخطاب ولى سفيان بن عوف قيادة الصوائف وهي الغزوات التي كانت تتم صيفا إلى بلاد الروم وكانت هذه المهمة من المهام الجسيمة والخطيرة التي لا ينهض بها إلا القادة العظماء وفي واقع الأمر فقد كان سفيان بن عوف من القادة العظماء وإستمر الأمر على ذلك أيضا في عهد الخليفة الراشد الثالث عثمان بن عفان رضي الله عنه حيث واصل الصحابي الجليل سفيان بن عوف رضي الله عنه مسيرة الجهاد فبعد وفاة الخليفة الراشد الثاني عمر بن الخطاب رضي الله عنه قام الروم على المسلمين في بلاد الشام في أول خلافة الخليفة الراشد الثالث عثمان بن عفان رضي الله عنه فواجههم المسلمون وإنتصروا عليهم كما تجمع الروم والترك لملاقاة المسلمين الذين غزوا أرمينية وكان على المسلمين آنذاك حبيب بن مسلمة فرأى أن يباغت قائدهم الموريان ليلا فسمعته إمرأته أم عبد الله بنت يزيد الكلبية فقالت له فأين موعدك قال سرادق الموريان أو الجنة ثم باغتهم فغلبهم وأتى سرادق الموريان فوجد أن إمرأته قد سبقته إليه وواصل المسلمون جهادهم وإنتصاراتهم المتوالية في أراضي أرمينية وأذربيجان ففتحوها كما غزا المسلمون ما يلى ثغور الجزيرة العراقية من أرض الروم فإفتتحوا عدة حصون هناك مثل شمشاط وملطية وغيرهما وفي عام 25 هجرية غزا والي الشام معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه الروم فبلغ عمورية فوجد الحصون التي بين أنطاكية وطرسوس خالية فجعل عندها جماعة من أهل الشام والجزيرة الفراتية وواصل قائده قيس بن الحر العبسي الغزو في الصيف التالي ولما إنتهى هدم بعض الحصون القريبة من أنطاكية كي لا يستفيد منها الروم وفي عام 30 هجرية غزا سفيان بن عوف الروم فإنطلق من مدينة مرعش وهي بجنوب شرق تركيا حاليا فساح في بلاد الروم وبعد ذلك أسكن معاوية رضي الله عنه جندا بهذه المدينة حيث كانت تمثل منذ أن فتحها سيف الله المسلول خالد بن الوليد رضي الله عنه في عام 16 هجرية الموافق عام 637م الحدود الفاصلة بين الدولة الإسلامية والدولة البيزنطية وأصبحت هي قاعدة للجيش الإسلامي في إنطلاقه نحو غزو بلاد الروم وبعد مقتل الخليفة الراشد الثالث عثمان بن عفان رضي الله عنه وإستخلاف الخليفة الراشد الرابع علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأثناء النزاع بين علي ومعاوية إنضم سفيان بن عوف إلى جانب معاوية وفي عام 39 هجرية بعد معركة صفين بحوالي عامين أرسل معاوية بن أبي سفيان قائده سفيان بن عوف في 6000 رجل وأمره أن يأتي هيت والتي تقع على الضفة الغربية لنهر الفرات في منطقة الأنبار بغرب بلاد العراق فيقطعها وأن يغير عليها ثم يمضي حتى يأتي مدينة الأنبار نفسها فسار سفيان بن عوف كما أمرهُ معاوية حتى وصل مدينة هيت فلم يجد بها أحدا ثم أتى مدينة الأنبار وكان بها مسلحة للإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه تتكون من 500 رجل وقد تفرقوا فلم يبق منهم إلا مائة رجل فقاتلهم وصبر لهم أصحاب علي مع قلتهم ثم حملت عليهم الخيل والرجالة فقتلوا صاحب المسلحة وهو أشرس بن حسان البكرى في ثلاثين رجل وإحتملوا ما كان في الأنبار من الأموال ثم عادوا إلى معاوية ولما آل الأمر إليه بعد مقتل الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه وتنازل إبنه الحسن بن علي رضي الله عنه عن الخلافة أصبح سفيان بن عوف رضي الله عنه من أكبر قادته ومصدر ثقته وكان يعظم أمره حتى أنه كان يقول إذا رأى في غزوه خللا قال واسفياناه لا سفيان لي اليوم .
وأراد معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه تأميره فأبى وقال له إنما أنا سهم من كنانتك فإرم بي حيث شئت وبخلاف غزوات الصوائف التي أمره عليها معاوية فقد خلف سفيان عبد الله بن قيس الجاسي حليف بني فزارة على إمرة الجيش البحرى الذي كان يقاتل الروم وذلك بعد أن قتل عبد الله وكان سفيان إذا أمره معاوية لغزو الروم في البحر يقول اللهم إن الطاعة علي وعلى هذا البحر اللهم إنا نسألك أن تسكنه وتسيرنا فيه ثم يخرج ليقاتلهم ولما وجاشت الروم وغزت المسلمين برا وبحرا أن إستعمل معاوية على الصائفة عبد الرحمن بن خالد بن الوليد رضي الله عنهما فلما كتب عهده قال ما أنت صانع بعهدى قال أتخذه إماما لا أعصيه فقال إردد علي عهدى ثم بعث إلى سفيان بن عوف رضي الله عنه فكتب له عهده ثم قال له ما أنت صانع بعهدى قال أتخذه إماما أمام الحزم فإن خالفه خالفته فقال له معاوية هذا الذى لا يكفكف من عجلة ولا يدفع في ظهره من خور ولا يضرب على الأمور ضرب الجمل الثفال وفي هذه الغزاة وكانت ما بين عام 49 هجرية وعام 50 هجرية كان معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه قد أمر إبنه يزيد بن معاوية أن يغزو ومعه سفيان بن عوف القسطنطينية عاصمة الإمبراطورية الرومانية البيزنطية فسبقه سفيان بالدخول إلى أرض الروم فنال المسلمون في بلاد الروم حمى وجدرى فأحجم يزيد عن أن يلحق بسفيان فبلغ ذلك معاوية رضي الله عنه فقال أقسم بالله لتدخلن أرض الروم فليصيبنك ما أصابهم فأردف به جيش يزيد فسميت هذه الغزاة غزاة الرادفة وكان في هذا الجيش الكثير من الصحابة والأعلام منهم عبد الله بن عمر بن الخطاب وأبو أيوب الأنصارى وعبد الله بن الزبير بن العوام وعبد الله بن كرز البجلي وعبد الله بن عباس بن عبد المطلب وفضاله الأنصارى ومالك بن عبد الله الخثعمي وعبد العزيز بن زرارة الكلابي ومالك بن هبيرة السكوني وغيرهم رضي الله عنهم جميعا كما أن الغزوات البحرية لـسواحل الروم في ذات الفترة تحت قيادة أمير البحر عبد الله بن قیس الحارثي ويزيد بن شجرة الرهاوى يمكن القول إنها كانت في إطار نفس ذلك الغزو للقسطنطينية وينطبق ذلك على غزو معاوية بن حديج السكوني أمير مصر لجزيرة صقلية التي كانت أهم قاعدة بحرية للروم آنذاك وكانت تنطلق منها الحملات البحرية والبرية للروم على بلاد الشام ومصر وأفريقية وفي حقيقة الأمر لقد كان ذلك الغزو العربي الإسلامي الأول للقسطنطينية عملا كبيرا تم حشد إمكانيات ضخمة لتنفيذه ولكن التحصينات المنيعة للقسطنطينية بالإضافة إلى أن الحصار البحرى عليها لم يكن مكتملا فقد أدى ذلك إلى إستحالة فتحها آنذاك وبعد معارك وحصار شدید إستمر من عام 49 هـ إلى أوائل عام 50 هجرية قررت القيادة الإسلامية عودة قواتها من القسطنطينية ومما يذكر أنه قد توفي في هذه الغزوة الصحابي أبو أيوب الأنصارى رضي الله عنه وكان يبلغ من العمر 80 عاما ودفن أسفل أسوار القسطنطينية طبقا لوصيته وبعد عودة ذلك الجيش من القسطنطينية بأمد يسير وفي نفس العام 50 هجرية إنطلق سفيان بن عوف غازيا بلاد الروم وصولا إلى القسطنطينية مرة أخرى وفي ذلك جاء في تاريخ الطبرى وإبن الأثير إنه في عام 50 هجرية كانت غزوة سفيان بن عوف الأزدى أرض الروم وغزوة فضالة بن عبيد الأنصارى البحر وذُكرا أن سفيان بن عوف قد سار إلى بلاد الروم فأوغل فيها إلى أن بلغ أبواب القسطنطينية مرة أخرى دون أن يتم فتحها .
وبعد ذلك كانت المحاولة الثالثة في عهد معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه لفتح القسطنطينية وكانت في عام 54 هجرية وإستمرت حتى آخر حكم معاوية عام 60 هجرية خلال فصلى الربيع والصيف من كل عام وقد فشلت كل المحاولات لفتح المدينة آنذاك لنفس الأسباب التي ذكرناها في السطور السابقة وفي بداية هذه المحاولة صف سفيان بن عوف خيله وأغار بها على القسطنطينية من باب الذهب ففزع أهلها وضربوا بنواقيسهم ثم إستعدوا للقاء وقالوا لجيش المسلمين ما شأنكم يا معشر العرب وما جاء بكم فقالوا لهم جئنا لنخرب مدينة الكفر ويخربها الله على أيدينا فقالوا والله ما ندرى أأخطأتم الحساب أم كذب الكتاب أم إستعجلتم المقدر فإنا وأنتم نعلم أنها ستفتح ولكن ليس هذا زمانها وقد أدركت الوفاة سفيان بن عوف رضي الله عنه خلال عام 54 هجرية وقيل عام 55 هجرية ولما أدركه أجله وشارف على الوفاة أوصى وقال أدخلوا علي أمراء الأجناد والأشراف فلما دخلوا عليه وقعت عينه على عبد الرحمن بن مسعود الفزارى فقال له إدن مني يا أخا فزارة فإنك لمن أبعد العرب مني نسبا ولكن قد أعلم أن لك نية حسنة وعفافا وقد إستخلفتك على الناس فإتق الله يجعل لك من أمرك مخرجا وأورد المسلمين السلامة وإعلم أن قوما على مثل حالكم لم يفقدوا أميرهم إلا إختلفوا لفقده وإنتشر عليهم أمرهم وإن كان كثير عددهم ظاهرا جلدهم وإن فتحا على المسلمين أن يفعل بهم ولم يتكلموا ثم مات فلما بلغت وفاته معاوية كتب إلى أمصار المسلمين وأجناد العرب ينعاه لهم فبكى الناس عليه في كل مسجد وتولى قيادة جيش المسلمين عبد الرحمن بن مسعود الفزارى من بعده ورثا سفيان رضي الله عنه العديد من القادة وأمراء الجند الذين رافقوه وعملوا معه كان منهم القائد الحارث بن عبدالله بن وهب الدوسي فنجده يطلب من عينيه أن تجود بالدم إن هي أنفدت دمعها على القائد سفيان بن عوف الغامدى رضي الله عنه الذى أذاق الأعداء مر الهزيمة وهو إذا ما تجمعت فلول الروم وعلا ضجيجُها كان المجيب لداعي الجهاد فمن يدعو معاوية بعده وقد كان لخصوصية العلاقة التي تربط هذين القائدين مع بعضهما أثر في صدق رثاء الحارث لـسفيان بن عوف فقد إختاره الأخير مثلا أعلى له ورفيقا لما إشتهر به من فروسية وشجاعة وبطولة ونجدة وعفاف وسياسة في الحرب وأنشد يقول أعيني إن أنفدتما الدمع فإسكبا دما بأن سفيان بن عوف فودعا معاوى من للروم جاشت وأطنت عليك ولا سفيان للداعِ إن دعا ليبك على سفيان شعث أرامل وأرملة شعثاء في الثغر ضيعا ويبك على سفيان كل طمرة وكل طمر سرحِ قد تخلعا أقام التقى والجد والحزم والنهى بحرقة ما غنى الحمام وسجعا رحم الله الصحابي سفيان بن عوف رضي الله عنه رحمة واسعة وأسكنه فسيح جناته مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا .
ومما يذكر أنه جرت محاولة أخرى لفتح القسطنطينية خلال عهد الدولة الأموية في خلافة الخليفة الأموى السابع سليمان بن عبد الملك عام 98 هجرية بعد أن تم جمع جيش برى بلغ قوامه 180 ألف جندى من أهل الشام والجزيرة الفراتية والموصل بالإضافة إلى 1800 قطعة بحرية وإتخذ من مرج دابق معسكرا له وأعطى الله عهدا أن لا ينصرف حتى يدخل الجيش القسطنطينية وقام الخليفة بتعبئة الجيش وحركه بإتجاه العاصمة البيزنطية بقيادة أخيه مسلمة فوصلها بعد أن فتح بضعة ثغور على طول الطريق ووصل إلى أسوار القسطنطينية وحاصرها من جهة البر وتحرك في الوقت نفسه الأسطول الإسلامي الضخم بإتجاه مضيق الدردنيل وبحر مرمرة وحاصر المدينة من جهة البحر وقام مسلمة بن عبد الملك بنصب المجانيق الضخمة على المدينة وأخذ يضربها لكن ردته مناعة الأسوار ومهارة المهندسين الروم في ترميم ما يتهدم منها بسرعة كما حدث أن هبت عاصفة عاتية حطمت عددا كبيرا من السفن الإسلامية فإنتهز البيزنطيون هذه الفرصة وأحرقوا عددا كبيرا منها بالنار الإغريقية كما عجز الجيش الإسلامي من تطويق الجبهة الشمالية للعاصمة البيزنطية مما مكنها من الإتصال بسواحل البحر الأسود التي أمدتها بحاجتها من الغلال والمؤن وفتك البرد القارس بعدد من الجنود وهاجمهم البلغار من الجانب الأوروبي بالإتفاق مع الإمبراطور الرومي ليو الثالث ثمَ توفي سليمان بن عبد الملك وإعتلى عمر بن عبد العزيز سدة الخلافة فأرسل كتابا إلى مسلمة يأمره بفك الحصار والعودة إلى العاصمة دمشق ففعل الأخير ما أُمر به في شهر ذى الحجة عام 99 هجرية وإلى جانب المحاولات سالفة الذكر جرت عدة محاولات أُخرى لم تبلغ المدينة نفسها بل وصلت ضواحيها ثم إرتدت عنها كان منها حملة الخليفة العباسي هٰارون الرشيد لمعاقبة قيصر الروم الإمبراطور نقفور الأول والتي تمكن خلالها من فتح مدينة هرقلة إحدى ضواحي المدينة وبعد ذلك مر وقت طويل بلغ عدة قرون حتى جاء عام 857 هجرية الموافق عام 1453م عندما تمكن محمد الفاتح السلطان العثماني السابع من فتح المدينة والإستيلاء عليها ونقل العاصمة العثمانية إليها ويصبح إسمها الآستانة أو إسطنبول .
|