أ.د . صلاح الدين سيد البحيري
جامعة القاهرة
( رحمه الله رحمة واسعة وغفر له )
( اللهم أجعل هذا العلم النافع والأعمال الطيبة في ميزان حسنات استاذي العزيز المغفور له المؤرخ والعالم الجليل الأستاذ الدكتور/ صلاح الدين سيد البحيري أستاذ الآثار والحضارة الإسلامية "رحمه الله تعالى"..نسألكم الفاتحة والدعاء له بالرحمة والمغفرة وأن يسكنه الله فسيح جناته ويرزقه شفاعة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.. اللهم آمين).
الملخص :
لقد ذكرنا في بحث سابق بأن العصر الأيوبي كان قد امتاز بالحركة التاريخية المتجددة بسبب الصراع بين الشرق الإسلامي والغرب الأوربي الذي خرجت منه الحملات الصليبية التي كانت وما تزال ميدانا لاهتمام الباحثين. وكان من الطبيعي - مع وجود هذا الصراع - أن ينتفض الجسد الإسلامي انتفاضات متتابعة تهدف إلى لفظ هذه الأجسام الغريبة الصليبية التي زرعت فيه والتي ما كانت خلاياه وأنسجته لتتقبل الوجود الأبدي لهذه الكيانات الفرنجية التي فرضت عليه ولذلك تميز هذا العصر بالتاريخ المتحرك تبعا لحركة الصراع بين الجانبين. ومن خلال هذه الحركة وبسببها ازداد الابتكار الفكري الانساني المتجدد خصوبة، فظهرت الحلول للمشاكل التي كانت تتجدد بفعل الحرب والحرب المضادة من الجانبين .
والذي يدرس الجيش الإسلامي الأيوبي سرعان ما يكتشف أن بناءه البشري وتركيبته العسكرية والخدمات المختلفة المتعلقة به قد صيغت بطريقة مبتكرة وحديثة على عصره ذاته، وتعكس الأحداث هذه الطريقة تفاعل الذهن البشري الاسلامي مع المتجددة بفعل الحروب، مما أدى إلى التوصل إلى حلول حديثة منبثقة من ميدان المشاكل الفعلية. إذ أن الحروب ولو أنها تؤدي إلى الدمار، إلا أنها تدفع الأنسان إلى الابتكار في كافة ميادين حياته التي يكرسها - بشريا واقتصادياً وعلمياً - الخدمة هذه الحروب وذلك من أجل التفوق والغلبة على الخصوم.، ولعل میدان جمع المعلومات عن الأعداء اعتبر - على مر التاريخ - من أهم شواغل ذهن من يقوم بالحرب، وهذا أمر طبيعي مع وجود جيش نظامي حديث له أهداف محددة مثل الجيش الاسلامي المعد لمواجهة الصليبيين. إذ كيف يستطيع هذا الجيش أن يقوم بتحقيق أهدافه دون أن تكون تحت تصرفه كل المعلومات الفعالة في كافة الميادين عن أعدائه ؟ أي لا بد من قيام كيان متخصص في امداد الجيش بالمعلومات اللازمة عن الأعداء في وقت السلم كما في وقت الحرب، وطبيعي انني لا أعني بهذا الكيان إدارة للمخابرات بالمعنى الحديث للمصطلح من ناحية الشكل بقدر أنني أقصد جوهر الموضوع من حيث طبيعة العمل وأهدافه، فلست أجهل بطبيعة الحال أن الوسائل التي يجدها الانسان المعاصر تحت تصرفه والتي يستخدمها في جمع المعلومات، وسائل متقدمة جدا تعكس لنا آخر ما تفتق عنه ذهن البشر في انتاج الاجهزة الالكترونية الدقيقة التي تفيد في هذا المجال الهام . ولكني أقول أن الاختلاف هنا يخص ادوات المهمة لا جوهرها، وعلى ذلك علينا أن ننسى الشكل الحديث لهذه الادارة، ونهتم بالاستمرارية التاريخية لجوهر مهام هذه الادارة التي يمكن تلخيصها في اهتمام الانسان بجمع أقصى قدر ممكن من المعلومات عن اعدائه حتى يكون في وضع أفضل عند حدوث المواجهة العسكرية معه .
وتدل الشواهد التاريخية التي ذكرناها على أن الأيوبيين قد قاموا ببث عملائهم من الجواسيس والمخبرين والعيون الذين عهدوا اليهم بمهام تختص بجمع أقصى قدر ممكن من المعلومات من كل الجهات وعلى كل أحوال الأعداء .
ولم يهمل الأيوبيون كذلك أهمية الدور الذي كان من الممكن ان تلعبه القبائل البدوية العربية في الصحراء، ففي الحق كان هؤلاء البدو يستطيعون القيام بخدمات جليلة في مجال المخابرات، وذلك بوصفهم أدلاء يدلون الجيش الأيوبي في دروب الصحراء أو حتى كجواسيس لحساب هذا الجيش. فنحن نعلم أن هؤلاء الاعراب كانوا يعرفون جيدا المناطق التي يمكن العيش فيها في الصحراء، والمسالك التي تؤدي الى ابار المياه فيها، ولهذا السبب اهتم الأيوبيون بهذه القبائل العربية مثل الكنانية الذين هاجروا من عسقلان الى دمياط سنة ٤٤٤هـ / ١٠٥٣م. ففي الحق لقد كان لأفراد هذه القبيلة فائدة جليلة لصلاح الدين حينما قاموا بارشاده عبر الصحراء وهو على رأس عسكره في طريقه نحو غزة وعسقلان سنة ٥٧٣ هـ / ١١٧٧م.
وهكذا يرى القاريء انني حاولت في هذا الجزء الأول من البحث تكوين صورة هيكلية للمخابرات الأيوبية بقدر ما سمحت به المعلومات المتناثرة في المصادر والوثائق الأيوبية . واتضح لنا بما لا يدع مجالا للشك ان ملوك الاسرة الأيوبية قد استفادوا من الاسس التي وضعها السلاجقة والزنكيون في هذه المجالات ولكنهم قد طوروها بحيث انهم استطاعوا تطويعها لظروف عصرهم المتجددة، والتي دفعتهم الى ابتكار نظام متطور للمخابرات الحربية والهامة حتى يكون جيشهم على مستوى الأحداث التي شهدها عصرهم .
للاِستزادة، أنظر:
-البحيري، صلاح الدين سيد : "المخابرات الأيوبية في مواجهة الصليبيين" مجلة المؤرخ العربي تصدر عن الأمانة العامة لاتحاد المؤرخين العرب - دولة المقر، العددان : ٤.١ ، ٤٢ السنة السادسة عشرة ١٤١٠ هـ - ١٩٩٠م: ص ١٠٧ - ١٢٣.
=======
د.محمود رمضان*
*( تبسيط الثقافات والمعارف والتاريخ والحضارة والآثار والفنون والعلوم الإنسانية وروافدها واتاحتها للمجتمعات البشرية في هذا الكون- المعرفة ليست حكراً على أحد)
(الثقافة حق للجميع -لا حَجْرَ على فِكْر). |