بقلم/ ماجد الحداد
باحث في علم الانسان
عضو اتحاد الاثريين المصريين
كثيرا ما يغير الانسان معايير الجمال من حصول حدث مهم في حياته ، او اتباعا لسلوك اضطراري علمه اياه التاريخ او الظروف البيئية والتفاعل الانثروبولوجي مع الاخرين والطبيعة . حتى يتحول لرمز جمالي في ذاته لدى المجتمع .
لان الانسان القديم كان يعتبر ان الكون مدرج فيه المعايير و علينا ان نكتشفها ثم نفهمها من خلال الاسطورة ونتحكم فيها من خلال الطقوس . بل هو الذي صنع المعيار الاصلي للهوموسابيان الذي يعمل معنا من الإنسان الاول حتى الآن ، وتغيرت به بعض المعايير لاسباب سنذكر منها امثلة :
١ _ مثلا قبيلة (سورما) في حوض يامو في إثيوبيا شمال شرق إفريقيا يستخدمون اقراط من الطين والخشب لتوسيع وتكبير الشفاه السفلى .
وكلما كان القرص والشفاه اكبر كلنا كان هذا رمزا لجمالهن .
قبائل السورما كانت تحمي نساؤها بتلك التقنية لكي تكون قبيحة في عين اي غازي او تاجر عبيد فيترك النساء لما يلاقي فيهم هذا العيب
اصبح هذا العيب مميزا للقبيلة وانسحب كرمز للجمال ان تلك المراة عفبفة ومخلصة للقبيلة .
٢ _ في الصين يشوهن الطبيعة بإلباس الفتيات حذاء عبارة عن قالب خشبي او حديدي يمنعوا به نمو القدمين لتمشي الفتاة الصينية مشيتها ذات الخطوات القصيرة المتسارعة ، ثم اعتبرو هذا رمزا للجمال. بل كانت فرص الزواج للبنات تزداد اذا كانت قدمها صغيرة ، لدرجة ان طبقة النبلاء تقريبا كلها كانت تمارس تلك العادة ، واعتبروا ان القدم الكبيرة رمز البدائية والهمجية .
وخلال عهد أسرة سونغ . تتضمن إحداها قصة ( بان يونو ) ، القرين المفضل لإمبراطور تشي الجنوبي ( شياو باوجوان ) . في القصة ، قام بان يونو ، المشهور بقدميه الرقيقة ، بأداء رقصة حافية القدمين على أرضية مزينة بتصميم لوتس ذهبي .
وهناك رواية اخرى : ان الإمبراطور ( لي يو ) من جنوب تانغ ، قبل سلالة سونغ مباشرة. صنع زهرة لوتس ذهبية كبيرة مزينة بالأحجار الكريمة واللآلئ ، وطلب من خليلته ، ياو نيانغ ، ربط قدميها بالحرير الأبيض في شكل الهلال. القمر وتؤدي رقصة على نقاط قدميها على اللوتس. قيل أن رقصة ياو نيانغ كانت رشيقة للغاية لدرجة أن آخرين حاولوا تقليدها ، وهي ارهاصات رقصة ( الباليه ) .
مادامت اختلفت الدلالات ، اذا نضع السبب الطبيعي الاقدم ، عندما نكتشف ان العادة منتشرة في شمال الصين اكثر من الجنوب ، ولما نربط سبب تصنيع حذاء ( الجيتا ) الخشبي الياباني كما في الصورة الذي يشبه القبقاب لدينا في الشرق الاوسط كان السبب هو السير بسهولة في الثلوج والمطر .
وهنا قد نجد حل اللغز في المناخ . حيث نجد ان شمال الصين تتميز بمناخ بارد الى متجمد احيانا بعكس جنوبها له مناخ استوائي ، وتقع فيها اعلى هضبة في العالم واعلى سلسلة جبال في العالم وكلما ارتفعت عن سطح البحر ١٥٠٠ متر نقصت درجة الخرارة درجة مئوية . وموروفولجيا _ التشكل العضوي _ تجد اظلاف الثديات التي تسكن الجبال كالتيوس والجديان والغزلان تستطيع تسلق الصخور بفضل دقة اقدامها . وهو يفسر في محاولة الإنسان تقليد تقنية المشي في الجبال لتحويل شكل اقدام الى هذا الشكل الذي بالضبط يشبه قدم التيس او الجدي والماعز . مع اعتبار ان الكونفوشيون كديانة وفلسفة صينية اصيلة يطيل فيها الرجل شعر ذقنه فقط دون باقي لحيته وكأنه يشبه الجدي . تاثير الخيزانات الحبلية واضح على اختيارات الثقافة .
لكني لا اعلم لماذا بقيت تلك العادة لتصغير القدم للنساء دون الرجال . اعتقد انها غير مناسبة لحمل الاوزان الثقيلة او الحرب ، فظلت قاصرة على النساء .
انما ان سببها اسطورة اللوتس المذكورة اعلاه فهي تنويعة اسطورية لتبرير الطقس الاجتماعي بعدما نسوا كيف بدأ . كعادة اغلب طقوسنا الاجتماعية .
٣ _ في جنوب إفريقيا، قبيلة ( أما نديبيلا ) و الباداونج التي تعيش في بورما و تايلاند مناطق متباعدة لكن يضمها سهولة السفر من المحيط الهندي ، يعتمدن النساء في تطويل اعناقهن بوضع حلقات معدنية على رقبتهن من الصغر ، ويتم تزويد حلقات كلما اضطرت لذلك . ويعتبرن هذا رمزا للجمال .
قُدمت تفسيرات عدة منها انها تحمي من عضات النمور وخصوصا انهن يرتدينها في ايديهن ايضا . وهي نظرية وجيهة .
وهناك فرضية اخرى تقول انها لكي تجمع الاسرة ثروتها من الذهب في رقبة بناتها .
وهناك فرضية اخرى أراها وجيهة ايضا هي وضع الاطواق بكثرة لكي تثقل حركة الانثى فلا تهرب لقبيلة اخرى .
في قبيلة ( مانجيبتو ) الافريقية في وسط افريقيا الكونغو يتم ربط الجمجمة بشرائط من الجلد او القماش لتكون طويلة بهذا الشكل الموضح بالصورة ، ويعتبرونه رمزا للجمال لكلا الجنسين .
وايضا تلك العادة كانت منتشرة في ( بيرو ) في امريكا .
واعتقد لن السبب كان بسبب انتشار مرض ( الاستسقاء الدماغي ) وهو تجمع سوائل في الجمجمة ، وكانت تلك طرق لتشكيل الدماغ بدل انبعاجها افقيا .
ويقال انها عادة افريقية قديمة حاول زعماء تلك القبائل تقليد تاج ( مصر ) الأبيض لوجه قبلي المميز لتقليد الملوك المصريين ، وانا ارى ايضا ان احدى السببين وجيهان ، وخصوصا السبب الاخير حيث انهم اختاروا تاج مصر العليا لانها اقرب لافريقيا من تاج وجه بحري الشمالي الاحمر .
ولا داعي لذكر انه لو صدق شكل اخناتون وبناته بغض النظر عن الفن الطبيعي ذو الطابع الكاريتوري لعصره كلن يعاني من استسقاء الدماغ . وكان هذا هو العلاج .
اما عن خرافة ان دماغهم بهذا الشكل لأنهم فضائيين فهي من اساطير العصر الجديد المسلية لا اكثر .
ان الختان ايضا رغم انه بدأ قربانا وتقليدا للنتر اوزير لما اكلت عضوه سمكة الانومة او القرموط حسب بعض الروايات بعد تقطيع جسده ... الا انه تحول لطقس تجميلي. اخذ شكل القداسة بعد ذلك في مصر وعالميا بعد تقليد النبي ابراهيم لهذا الطقس ابان زيارته لمصر حسب القصة .
ومن القرابين الذاتية البسيطة في مصر القديمة ايضا . هو ( وشم الكحل ) حيث يوشم المصريون انفسهم رجالا ونساء اطفالا وكبارا بالكحل . تقليدا سحريا للتاكيد الاجتماعي والسياسي الانتساب لرمزمصر ( حر _ حورس ) صاحب العرش . حيث يؤكدون على دعمهم له كرعية مخلصة لملك مصر في حقه في ارضها من مغتصب العرش عمه ( يوت ) الدليل الصحراوي الفوضوي . ومع الوقت تحولت فكرة الكحل الى عين ( اوجات ) عين حورس الحارسة والحامية والشافية ,و والتي لازال العالم يستخدمها رمزيا في الطب مع كل روشتة طبيب يكتب لك فيها الدواء . هناك حرف R مزخرف اعلى يسار الورقة .. تلك هي عين حورس اوجات .
٤ _ لازالت لدينا كمجتمعات حديثة نفس التشويه للحصول على الجمال الشكلي مثل ثقب الاذن لوضع اقراط حلقان ، او فتخ _ بالخاء _ الأنف وثقب الفم ( البرسينج ) وتطرق الامر لثقب حلمات الثدي .
الحقيقة ان فيه اسباب اضطرارية جعلت تلك الشعوب تستخدم تلك الطرق لمعايير الجمال مختلفة ومشوهة عن باقي المجتمعات والشعوب لاسباب انثروبولوجية في الاصل . ثم مع التقادم تحول بمعنى قيمي استاطيقي و اصبح رمزا للجمال.
وهكذا تسير الامور دائما .
التقادم والالتزام ونسيان السبب الحقيقي للطقس هو ما يصنع القداسة لاي شئ .
|