بقلم المهندس/ طارق بدراوى
tbadrawy@yahoo.com
موسوعة كنوز “أم الدنيا"
جعفر بن محمد بن علي الملقب بزين العابدين بن الإمام الحسين بن الإمام علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤى بن غالب بن فهر والمكنى بقريش بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان وهو من نسل نبي الله إسماعيل عليه السلام بن أبي الأنبياء إبراهيم عليه الصلاة والسلام القرشي الهاشمي رضي الله عنه وأرضاه هو الإمام السادس لطائفة الشيعة الإثنى عشرية وأبوه هو الإمام محمد الباقر الإمام الخامس لهذه الطائفة وجده لأبيه هو الإمام علي زين العابدين الإمام الرابع لنفس الطائفة وهو يلتقي مع النبي محمد صلى الله عليه وسلم في الجد الأول عبد المطلب بن هاشم وقد سمي بإسم جعفر تيمنا بجده جعفر بن أبي طالب بن عبد المطلب الملقب بجعفر الطيار الذي كان احد قادة جيش المسلمين ومن شهداء الإسلام في غزوة مؤتة التي وقعت في شهر جمادى الأولى عام 8 هجرية قبل فتح مكة وقد لقب بالصادق والفاضل والطاهر والقائم والكامل وكني بعدة كِنى منها أبو عبد الله وهي أشهرها وأبو إسماعيل وأبو موسى وكانت أمه هي السيدة أسماء بنت عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق رضي الله عنه وكانت جدته لأبيه هي السيدة أم عبد الله بنت الإمام الحسن بن الإمام علي بن أبي طالب وجدته لأمه هي السيدة أم فروة فاطمة بنت القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق وكان ميلاد الإمام جعفر الصادق في المدينة المنورة على الأرجح عام 80 هجرية الموافق عام 702م وقد وصف بأنه كان مربوع القامة ليس بالطويل ولا بالقصير أبيض الوجه أزهر له لمعان كأنه السراج أسود الشعر أشم الأنف قد إنحسر الشعر عن جبينه فبدا مزهرا وعلى خده خال أسود ولما بلغ سن الشباب كان أبوه الإمام محمد الباقر معجبا به ولذا فقد إتخذه والده وزيرا له وإعتمده في مهمات أموره في المدينة وفي سفره إلى الحج وإلى الشام عندما إستدعاه الخليفة الأموى العاشر هشام بن عبد الملك وذلك لأنه كان أنبه إخوته ذكرا وأعظمهم قدرا وأجلهم في العامة والخاصة ونقل عنه أنه قال إن من سعادة الرجل أن يكون له الولد يعرف فيه شبه خَلقه وخُلقه وشمائله وإني لأعرف من إبني هذا شبه خلقي وخلقي وشمائلي وعند أهل السنة والجماعة أن الإمام جعفر الصادق كان يدافع عن الخلفاء الراشدين الثلاثة السابقين للإمام علي بن أبي طالب ويمقت الذين يتعرضون لهم بالإساءة ظاهرا وباطناً ويغضب منهم وكان من الأحاديث التي نقلها عنه أهل السنة والجماعة في هذا المجال حديث عن زهير بن معاوية قال فيه قال أبي للإمام جعفر بن محمد إن لي جارا يزعم أنك تبرأ من أبي بكر وعمر فقال جعفر يتبرأ الله من جارك والله إني لأرجو أن ينفعني الله بقرابتي من أبي بكر ولقد إشتكيت شكايةً فأوصيت إلى خالي عبد الرحمن بن القاسم وقد آلت الإمامة إلى جعفر الصادق عندما بلغ ربيعه الرابع والثلاثين وذلك بعد أن توفي والده وتخبرنا بعض المصادر التاريخية أن جعفر الصادق قال قال لي أبي ذات يوم في مرضه الذى توفي فيه يا بني أدخل علي أناسا من قريش من أهل المدينة حتى أشهدهم فأدخلت عليه أناسا منهم فقال يا جعفر إذا أنا مت فغسلني وكفني وإرفع قبرى أربع أصابع ورشه بالماء فلما خرجوا قلت له يا أبت لو أمرتني بهذا صنعته دون أن أُدخل عليك قوما تشهدهم فقال يا بني أردت أن لا تنازع وكرهت أن يقال إنه لم يوصِ إليه فأردت أن تكون لك الحجة وقد رغب الإمام الباقر من وراء ذلك أن يعلم الناس بإمامة الصادق من بعده وفعلا فقد قام الإمام الصادق بتغسيل والده وتكفينه على ما أوصاه ودفنه في مقبرة البقيع إلى جانب الصحابة والتابعين وتابعي التابعين الذين توفاهم الله قبله .
وخلال فترة إمامة الإمام جعفر الصادق كان موضوع الخلافة ما يزال أساسا للنزاع بين المسلمين وقد تفرقت الأمة بسببه إلى فرق وطوائف كثيرة فقد رأى قسم من المسلمين وهم أهل السنة أن الخلافة تكون بالشورى والإختيار كما قال الرسول محمد صلى الله عليه وسلم حيث ينتقي المسلمون أفضل الرجال وأكثرهم عدلا وقسطا وعلما وبناءا على هذا بايع المسلمون أبو بكر وباقي الخلفاء الراشدين من بعده أما القسم الثاني من المسلمين أى الذين أطلق عليهم الشيعة فإعتبروا أن الرسول لم يعتمد الشورى والإختيار أساسا لإختيار الخليفة بل إنه أوصى بإمامة علي بن أبي طالب ونصبه على الأمَة ومن بعده إبنيه الحسن والحسين وهكذا ينص كل إمام على الإمام من بعده ورأى أتباع هذا الرأى أن الرسول محمد نص على إثني عشر إماما بالإسم أولهم الإمام علي بن ابي طالب وآخرهم المهدي المنتظر وعرف هؤلاء بالإمامية الإثني عشرية وقد عارض الشيعة خلافة بني أمية وإعتبروها غير شرعية وقامت عدة ثورات شيعية على الحكم الأموى قام الخلفاء الأمويون بإخمادها وإطفاء نارها ولما كان جعفر الصادق قد أصبح سادس الأئمة عند الشيعة خلفا لأبيه الإمام محمد الباقر فقد تفتحت عيون الأمويين عليه تحسبا لأية ثورة قد يقيمها على الحكم الأموى وبعد ان تولى الإمام جعفر الصادق مقاليد الإمامة من بعده خرج عمه زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب على الخليفة الأموى العاشر هشام بن عبد الملك بالكوفة يريد قتاله وإعادة الخلافة إلى بني هاشم وكان زيد قد واعد أصحابه على الخروج في الليلة الأولى من شهر صفر عام 122 هجرية الموافق لشهر يناير عام 740م لكن يوسف بن عمر والي العراق كان الأسرع إلى التحرك بعد أن بلغته أنباء التحضير للثورة فأمر عامله على الكوفة الحكم بن أبي الصلت أن يضع حدا لهذه الحركة فدعا هذا الوالي الناس إلى إجتماعٍ في المسجد قبل خروج زيد بيوم واحد وهدد كل من يتخلف منهم فلما اجتمعوا حبسهم وأضحى زيد مهيض الجناح فلم يجد معه سوى مائتين وثمانية عشر رجلا ممن بايعوه وواجه مع أصحابه القلائل قوات الوالي في شوارع الكوفة وأزقتها فأصابه سهم وتوفي متأثرا بجراحه وعلى الرغم من مقتل عمه على يد الأمويين فإن الإمام جعفر الصادق لم يثر على الدولة الأموية ورفض فكرة الإنتفاضة المسلحة على الخلافة وقد حاول عدد من أتباعه حثه على الثورة ودعم قضيتهم الهادفة إلى إقامة الخلافة الإسلامية والتي هي من حق ذرية الإمام علي بن أبي طالب وتشير مصادر أهل السنة والجماعة إلى أن بعض هؤلاء الأتباع من الذين رأوا أن أبا بكر وعمر وعثمان قد إغتصبوا الخلافة غصبا حاولوا إقناع الإمام جعفر الصادق بالتبرؤ منهم لكنه رفض رفضا قاطعا ويفيد أحد هذه المصادر أن سالم بن أبي حفصة قال سالت أَبا جعفَر وَإبنَه جعفَرا عن أَبي بكر وعمر فقال يا سالم تولهما وإنى لأبرأ من عدوهما فإنهما كانا إمامي هدى ثم قال جعفر يا سالم أيسب الرجل جده أبو بكر جدى لا نالتني شفاعة محمد صلى الله عليه وسلم يوم القيامة إِن لم أكن أتولاهما وأَبرأُ من عَدوهما .
وخلال أواخر العهد الأموى وبعد وفاة الخليفة الأموى العاشر هشام بن عبد الملك عام 125 هجرية نشأت حركة مناهضة للأمويين عرفت بإسم الحركة العباسية نظراً لأن مؤسسي هذه الحركة هما محمد بن علي بن عبد الله وأخوه أبو العباس واللذان يرجعان بنسبهما إلى العباس بن عبد المطلب عم النبي محمد صلى الله عليه وسلم وتولى أبو العباس شؤون الحركة العباسية بناءا على دعوة أبو مسلم الخراساني بعد وفاة شقيقه وقد نجحت هذه الحركة في خلع آخر خلفاء بني أمية مروان بن محمد بن مروان بن الحكم عن العرش وقتله وبالتالي تمكنا من القضاء على هذه الأسرة الحاكمة في دمشق وبويع أبو العباس بالخلافة ولقب بالسفاح لكثرة سفكه الدماء خصوصا لدى دخوله العاصمة دمشق حاضرة الأمويين إذ نهب بيوت الأسرة الأموية والمقربين منها وأحرق قصورهم ثم نبش قبور خلفائهم وإستمال العباسيون طوائف الشيعة الناقمين على الحكم الأموى فساعدهم هؤلاء في التغلب على الأمويين وتوقعوا أن تؤول الخلافة إليهم لكن حصل عكس ذلك فبعد وفاة أبي العباس السفاح أخذت البيعة لأخيه أبي جعفر المنصور والذى كان السفاح قد عينه وليا للعهد ولما تولى المنصور الخلافة وضع نصب عينيه مخاطر ثلاث لا بد أن يقضي عليها أولها منافسة عمه عبد الله بن علي له في الأمر وقد كان موكلا بتدبير أمور جيوش الدولة الإسلامية من أهل خراسان والشام والجزيرة الفراتية والموصل ليغزو بهم بلاد الروم وثانيها إتساع نفوذ أبي مسلم الخراساني حتى أصبح وكأنه شريك ذو سطوة وسلطان في حكم الدولة الإسلامية وثالثها القضاء على بني عمومته من آل الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه الذين لا يزال لهم في قلوب الناس مكان خاصة وعلى رأسهم محمد النفس الزكية بن الحسن المثنى بن الحسن السبط بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه وشقيقه إبراهيم فخاف أبو جعفر أن يحاولا الخروج عليه لا سيما وأنهما يمثلان التيار الذى ساعد بني العباس في الوصول إلى الحكم رغبةً في تولي الخلافة وكانت علاقات الإمام جعفر الصادق بالخليفة المنصور طيبة وكان المنصور هو من لقبه بالصادق وكان جعفر الصادق مدركاً لعاقبة تعاطيه السياسة والتقرب إلى الحكام منذ أن أخذت الدولة الأموية تلفظ أنفاسها الأخيرة حيث أن أبا مسلم الخراساني حاول أن يزج الإمام في الثورة العباسية نظرا لكلمته المسموعة بين الشيعة خصوصا الذين يرونه معصوما وبين سائر المسلمين الثائرين لكنه رفض المشاركة في الثورة العباسية وتملَّص من الدعوة وتفرغ لعمله الأهم الذى يعتمد عليه قيام الدين الإسلامي في مواجهة الأفكار الدخيلة والمذاهب الفكرية الضالة والمنحرفة عن الطريق الذى يدعو إليه الإسلام وإستغل الإمام جعفر الصادق إنشغال أبي العباس السفَّاح في بداية العهد العبَاسي في القضاء على الفتن الصغيرة وتوطيد دعائم الدولة الجديدة فعمل على نشر العلم والدين والمعرفة وكان يحضر مجالسه علماء كبار ليتناقشوا في أمور الدين والدنيا كان منهم الإمامان أبو حنيفة النعمان ومالك بن أنس وقد أدت هذه المناظرات والمناقشات إلى تشكيل المذاهب الإسلاميَة الكبرى الباقية حتى العصر الحالي وعلى الرغم من إنصراف الإمام جعفر الصادق إلى شؤون العلم الديني والدنيوي وإبتعاده عن السياسة إلا أنه بقي محط أنظار الخليفة العبَاسي لا سيما وأن عددا من أتباع عمه زيد بن علي بن الحسين قد إنضموا إلى مجالسه وإستمعوا لكلامه ومواعظه وإرشاداته بعد أن لاحقهم العباسيون بلا هوادة ولذا فقد أقدم العباسيون على إعتقال الإمام جعفر الصادق أكثر من مرة وزج به في السجن لفترة من الزمن على أمل أن تنقطع الصلة بينه وبين تلاميذه ومريديه الذين يحتمل أن يهددوا إستقرار الدولة وينفذوا إنقلابا على الخلافة وقد تحمل الإمام جعفر الصادق ما تعرض له من تنكيل ومضايقات من قبل الحكومة العباسية وصبر على الألم والإضطهاد وإستمر يقيم مجالسه العلمية ومناظراته ومناقشاته الدينية مع كبار أئمة وعلماء عصره من المسلمين وغيرهم من أهل الكتاب والملاحدة .
وعن مكانته العلمية فقد عرف عن الإمام جعفر الصادق إطلاعه الواسع وعلمه الغزير حيث شهد له بذلك الأكابر من العلماء منهم تلميذه الإمام أبو حنيفة النعمان حيث نوه بعلم أستاذه الإمام جعفر الصادق ومقدار فضله حينما سئل من أفقه من رأيت فأجاب قائلا جعفر بن محمد الصادق ولما أقدمه الخليفة أبو جعفر المنصور سأله قائلا يا أبا حنيفة إن الناس قد فُتنوا بجعفر بن محمد الصادق فهيء له مسائلك الشداد فهيأت له أربعين مسألة ثم بعث إلي أبو جعفر المنصور وهو بالحيرة فأتيته فدخلت عليه وجعفر الصادق جالس عن يمينه فلما بصرت به دخلني من الهيبة للإمام جعفر الصادق ما لم يدخلن لأبي جعفر المنصور فسلمت عليه فأومأ إلي فجلست ثم إلتفت إليه فقال يا أبا عبد الله هذا أبو حنيفة فقال نعم أعرفه ثم إلتفت إلي فقال ألقِ على أبي عبد الله من مسائلك فجعلت ألقي عليه ويجيبني فيقول أنتم تقولون كذا وأهل المدينة يقولون كذا ونحن نقول كذا فربما تابعنا وربما تابعهم وربما خالفنا جميعا حتى أتيت على الأربعين مسألة فما أخل منها بشيء ثم قال أبو حنيفة أليس قد روينا أعلم الناس أعلمهم بإختلاف الناس وقد عاش الإمام جعفر الصادق في فترة حاسمة جدا من الناحية السياسية وهي الفترة التي تلت سقوط الدولة الأموية وقيام الدولة العباسية وعادة ما تعطي الدولة الجديدة هامشا كبيرا من الحرية والتحرك ولذا بدأ الإمام جعفر الصادق بتأسيس نواة علمية ووضع أركان مدرسته الكبرى التي خرجت الآلاف من الطلاب والأئمة والعلماء حتى قال الحسن الوشاء بن علي بن زياد البجلي الكوفي عند مروره بمسجد الكوفة أدركت في هذا المسجد عدد تسعمائة شيخ كلهم يقول حدثني جعفر بن محمد مع العلم أن بين الكوفة والمدينة التي كانت معقل الإمام الصادق مسافة شاسعة وهذا يدل على مدى التأثير العلمي الذى أحدثه الإمام جعفر الصادق في ربوع العالم الإسلامي وهكذا فحينما إرتفع الضغط الذى كان يمارسه الأمويون على مدرسة الإمام بدأ الطلاب يتوافدون على مدرسته من كل حدب وصوب ونقل لنا إنه كان يؤم مدرسته طلاب العلم ورواة الحديث من الأقطار النائية لرفع الرقابة وعدم الحذر فأرسلت الكوفة والبصرة وواسط والحجاز إلى جعفر بن محمد أفلاذ أكبادها ومن كل قبيلة من بني أسد ومخارق وطي وسليم وغطفان وغفار والأزد وخزاعة وخثعم ومخزوم وبني ضبة ومن قريش ولا سيما بني الحارث بن عبد المطلب وبني الحسن بن الحسن بن علي وقد كتبت أقلام كثيرة حول علم الإمام الصادق وخصصت كتب وفصول حول ذلك منها كتاب الإمام الصادق للشيخ محمد أبي زهرة الذى يقول فيه إن للإمام جعفر الصادق فضل السبق وله على الأكابر فضل خاص فقد كان الإمام أبو حنيفة النعمان يروى عنه ويراه أعلم الناس بإختلاف الناس وأوسع الفقهاء والأئمة إحاطة وكان الإمام مالك بن أنس يختلف إليه دارسا راويا وكان له فضل الأستاذية على الإمام أبي حنيفة النعمان فحسبه ذلك فضلا وهو فوق هذا حفيد الإمام علي زين العابدين الذي كان سيد أهل المدينة المنورة في عصره فضلا وشرفا ودينا وعلما وقد تتلمذ على يده الإمام إبن شهاب الزهرى وكثير من التابعين ويكفي أنه إبن الإمام محمد الباقر الذى بقر العلم ووصل إلى لبابه فهو ممن جعل الله له الشرف الذاتي والشرف الإضافي بكريم النسب والقرابة الهاشمية والعترة المحمدية .
ولا يفوتنا هنا أن نذكر أنه يدخل في هذا السياق مناظرات الإمام جعفر الصادق العلمية والدينية التي دلت على علم جم وفضل غزير فقد كان له كثير من المناظرات مع العلماء وغيرهم في الدين والعلوم الإنسانية المختلفة وقد إتبع الإمام الصادق منهجاً منطقيا تسلسليا في المناظرة والنقاش وهو أسلوب علمي يبرز مكانته العلمية وقدرته على إستحضار كافة جوانب الموضوع وحضور البديهة في الرد وكان من الطبيعي أن يتعرض شخص بهذا المستوى الكبير من الفهم والعلم والمكانة لأسئلة المستفسرين وإنكار الملحدين ومكابرة كثير من الفئات المتأثرة بالعلوم المستقدمة من هنا وهناك وكان من تلك المناظرات مناظرته مع الملحدين ومناظرته مع الإمام أبي حنيفة في القياس وأخرى في حكم التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم ومناظرته مع رؤساء المعتزلة الذين ظهروا بالبصرة ومناظرته مع طبيب هندى ومناظرته مع عبد الله بن الفضل بن العباس بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب المعروف بإسم عبد الله بن الفضل الهاشمي ومناظرته مع الزنادقة ومناظرته مع عبد الكريم بن أبي العوجاء وغيرها ولم تكن الأسئلة التي تُطرح على الإمام الصادق مختصة بالمسائل الفقهية أو الحديثية فقد كان عصره عصر ترجمة وعلوم وكان يأتيه علماء ومفكرون متأثرون بتيارات الفلسفة اليونانية التي كانت منتشرة في تلك الحقبة من الزمن ويلاحظ هذا المعنى واضحا في نقاشات الإمام الصادق مع عبد الكريم بن أبي العوجاء والذى كان من أوائل الزنادقة والملحدين في تاريخ الإسلام وكان يشكك في الدين والعقيدة الإسلامية من منطلق فلسفي وكلامي فقد جاء إبن العوجاء إلى الإمام الصادق وأشكل على الآية القرآنية إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا وقال ما مضمونه إذا عصت الجلود وعذبها الله ثم بدلها بجلود غيرها وعذبها فما هو ذنب هذه الجلود الجديدة حتى تعذب مع أن الجلود الأولى هي التي عصت فأجابه الإمام الصادق هي هي وهي غيرها وأوضح له بأنه لو أخذ طابوقة بناء وصب عليها الماء ثم عجنها وقولبها مرة أخرى على شكل طابوقة فهي نفس الطابوقة من حيث وحدة مادتها وهي غير تلك الطابوقة بإعتبار شكلها الجديد وغيرها من المناظرات في شتى المواضيع والتي أظهرت للعالم الإسلامي مكانته العلمية المرموقة ومنزلته السامية بين علماء وأئمة المسلمين .
وجدير بالذكر أن منهج الإمام جعفر الصادق يتشابه مع منهج علماء أهل السنة في أمور أساسية فهو يعتمد بالتدريج على القرآن والسنَة النبوية والإجماع وقد تشدد الإمام جعفر الصادق كثيرا في مسألة القياس فكان لا يقبل القياس ما لم يكن الحكم المقاس عليه معللا بعلة منصوص عليها أما القياس المفتقر إلى علة منصوص عليها فيصبح رأياً عنده والفقه بالرأى مرفوض لأنه فعل إنساني ليس فيه ضمانة شرعية وعلى ذلك لابد من الإجتهاد واللجوء إلى العقل الصرف عند عدم وجود نص من قرآن أو سنة أو إجماع الأئمة وذلك لتأمين مصلحة المسلمين وهذا نوع من الإستصلاح فالمصلحة العامة تعتبر أصلا من أصول التشريع عند عدم وجود نص لكن الإجتهاد ليس لكل الناس إنه أولاً وأساساً للأئمة ثمَ لفضلاء العلماء المجتهدين ويكون الإمام حاضر للظهور إذا أخطأ المجتهدون لكي يسدد خطاهم ولتبقى الأمة على الطريق المستقيم فالله لا يقطع الحبل الممدود بينه وبين عباده وإلا فسدت الأرض بمن عليها ومن المعروف أن الطائفة الشيعية تعتقد بإمامة الإثني عشر إماما والتي تطلق عليهم صفة المعصومين ومنهم الإمام جعفر بن محمد الصادق وتعتقد بهم على حد سواء من حيث المنزلة والمكانة غير أنه من الملاحظ نسبة المذهب الشيعي أحيانا إلى الإمام جعفر الصادق دون غيره فيقال المذهب الجعفرى أو الطائفة الجعفرية وقد ذكر بعض الباحثين جملة من الأسباب تقف وراء ذلك أهمها أولا إن زمن إستقلاله بالإمامة بناءا على النظرية الشيعية قد جاوز الثلاثين عاما وهذه الفترة الطويلة نسبيا قد مكنته من تأسيس العلوم الرئيسية للمذهب الشيعي وثانيا إن أيامه كانت أيام حراك ثقافي واسع ونشاط علمي وفقهي حيث الكلام والمناظرات والحديث والرواية والبدع والضلالات والآراء المختلفة والمذاهب المتنوعة وكانت هذه فرصة جديرة بأن يبدى العالم فيها علمه فكان لنقاشه ومناظراته أثر كبير في تكوين علم الكلام الشيعي وتحديد معالمه وثالثا إِنه عاش في فترة تمتع فيها بنو هاشم بشيء من الحرية والرفاهية وذلك بعد سقوط الدولة الأموية لم تمر على غيره من أئمة الشيعة فلم يتعرض نسبيا لما كان يحول دون آبائه وأبنائه من الجهر بمعارفهم بالتضييق عليهم ومنع الناس عنهم ومنعهم عن الناس من ملوك وحكام أيامهم ورابعا إنشغال الدولة العباسية في تطهير الأرض من بني أمية وبالتالي لم تعن كثيرا بالحركات الدينية والثقافية ومن ثم وجد الإمام جعفر الصادق في ذلك فرصة مواتية لنشر معارفه وآرائه التي أثرت أثرا كبيرا في تكوين الملامح الأساسية للمذهب الشيعي ولهذه الأسباب صارت الطائفة الشيعية تنسب إليه وتسمى بإسمه .
وإلى جانب علومه الدينية كان الإمام جعفر الصادق أحد أبرز العلامات في عصره حيث كان عالماً فذا في ميادين علوم دنيوية عديدة مثل الرياضيات والفلسفة وعلم الفلك والكيمياء وغيرها وقد حضر مجالسه العديد من أبرز علماء عصره وتتلمذوا على يده وكان من هؤلاء أشهر كيميائي عند المسلمين أبو موسى جابر بن حيان الملقب بأبي الكيمياء كما حضر مجالسه وتلقى من علومه إثنان من كبار الأئمة الأربعة هما الإمامان أبو حنيفة النعمان ومالك بن أنس كما ذكرنا في السطور السابقة وقد نقل الأخير عدد 12 حديثا عن جعفر الصادق في مؤلفه الشهير الموطأ بالإضافة إلى واصل بن عطاء مؤسس مذهب المعتزلة وأخيرا كانت وفاة الإمام جعفر الصادق عام 148 هجرية الموافق عام 765م كما نصّت على ذلك بعض المصادر التاريخية عن عمر يناهز 68 عاما وكان آخر ما أوصى به قبل موته هو الصلاة حيث فتح عينيه ثم قال إجمعوا كل من بيني وبينه قرابة فلما إجتمعوا نظر إليهم وأوصاهم بالمحافظة على الصلاة ودفن بمفبرة البقيع إلى جوار أبيه وجده وباقي الصحابة ومما يذكر أن الخليفة العباسي الثاني أبو جعفر المنصور وعلى الرغم من تخوفه من أى إنقلاب محتمل ضده بقيادة الإمام جعفر الصادق فقد كان يجله ويحترمه ويرعى فيه صلة الرحم وحقوق العمومة وحزن عليه أشد الحزن لما توفي لأسباب طبيعيَّة بعد أن تقدم به العمر وضعف جسمه وكان يخشى أن يتعرض له لأن ذلك لو حدث كان سيؤدى بالتأكيد لمشاكل جمة ومضاعفات كبيرة وزعزعة لإستقرار الحكم ومما قيل عن حالة الفتور التي حدثت بين الإمام الصادق والخليفة المنصور خاصة في الأيام الأخيرة للإمام بعد أن كانت علاقتهما طيبة أن المنصور كتب له يقول لم لا تزورنا كما يزورنا الناس فأجابه جعفر الصادق ليس لنا في الدنيا ما نخافك عليه ولا عندك من الآخرة ما نرجوك له ولا أنت في نعمة فنهنئك بها أو في نقمة فنعزيك بها فكتب إليه مجددا تصحبنا لتنصحنا فكتب الصادق إليه من يطلب الدنيا لا ينصحك ومن يطلب الآخرة لا يصحبك رحم الله الإمام جعفر الصادق رحمة واسعة وأسكنه فسيح جناته مع الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا ويتبقى لنا أن نقول إنه بعد وفاة الإمام جعفر الصادق وقعت مجموعة من الأحداث التي ترتبط بشخصه أهمها إختلاف الشيعة بعده حول تحديد شخص الإمام الذي عينه الإمام جعفر الصادق من بعده هل هو موسى الكاظم أم إسماعيل وكان كلاهما من أولاده ومن ثم حصل انشقاق بين الشيعة فريق ساق الإمامة إلى موسى بن جعفر الصادق وهو المعروف بالكاظم وهؤلاء أُطلق عليهم الموسوية والإثنا عشرية وفريق آخر ساق الإمامة إلى إسماعيل بن جعفر الصادق فسموا الإسماعيلية .
|