بقلم دكتورة/ هدي سلامة
يُعَدّ المتحف المصري الكبير (GEM) من أضخم المشروعات المتحفية في العالم، وأحد أبرز المبادرات الثقافية التي أطلقتها الدولة المصرية في القرن الحادي والعشرين. يهدف المشروع إلى إعادة تقديم التراث المصري القديم وفق رؤية علمية حديثة تواكب معايير العرض المتحفي العالمية، مع الحفاظ على الهوية التاريخية والفنية الأصيلة.
يقع المتحف عند هضبة الجيزة، على بُعد كيلومترين تقريبًا من الأهرامات، وقد اختير هذا الموقع بعناية ليربط بين الإرث المعماري الفرعوني والعمارة المعاصرة. صُمم المبنى على هيئة مثلث هندسي متدرج يستلهم رمزية الشكل الهرمي، من تصميم المعماري الأيرلندي هينغان ماك موران، بما يجسّد العلاقة بين الزمان والمكان في الوعي المصري القديم.
المقتنيات الأثرية البارزة
يضم المتحف المصري الكبير أكثر من مئة ألف قطعة أثرية تمثّل مختلف عصور الحضارة المصرية منذ عصور ما قبل التاريخ وحتى نهاية العصرين البطلمي والروماني. ومن أبرز المجموعات التي تشكل جوهر العرض المتحفي:
-المجموعة الكاملة لمقبرة الملك توت عنخ آمون (الأسرة الثامنة عشرة)، والتي تُعرض للمرة الأولى بصورة شاملة منذ اكتشافها عام 1922، مع عرض علمي يوظّف التقنيات البصرية لشرح السياق الجنائزي والرمزي للمقتنيات.
-تمثال الملك رمسيس الثاني في البهو العظيم، وهو قطعة محورية ترحّب بالزائر وتُبرز عظمة الفن الملكي في الدولة الحديثة.
-المومياوات الملكية ومجموعات التوابيت الخشبية التي تُعرض ضمن منظومة متحفية توازن بين الجمال الفني والبعد الديني.
-القطع الحجرية الضخمة والنقوش الجدارية التي توضح تطور الفكر الديني والرمزي في مصر القديمة.
-معروضات العصور اليونانية والرومانية التي تُبرز استمرارية الهوية المصرية رغم التفاعلات الحضارية المتعددة.
التقنيات الحديثة في العرض والإدارة المتحفية
يرتكز المتحف المصري الكبير على تطبيق نظم إدارة متحفية رقمية متكاملة تعتمد على قواعد بيانات إلكترونية دقيقة لتوثيق القطع وحركتها داخل المخازن وقاعات العرض.
كما يوظف المتحف أحدث تقنيات العرض البصري والسمعي، مثل:
-العرض ثلاثي الأبعاد (3D Projection Mapping) لتمثيل المشاهد التاريخية وتوضيح وظائف القطع الأثرية.
-التطبيقات الرقمية التفاعلية التي تتيح للزائر استخدام الأجهزة اللوحية لاستكشاف القطع افتراضيًا باللغات المتعددة.
-نظم الإضاءة الذكية التي تُضبط وفق حساسية المواد الأثرية لضمان استدامتها.
-أنظمة المراقبة البيئية الدقيقة (Microclimate Control Systems) للتحكم في درجات الحرارة والرطوبة والإضاءة بما يتناسب مع كل مادة أثرية.
-مركز الترميم الحديث، وهو الأكبر من نوعه في الشرق الأوسط، يضم معامل متخصصة في حفظ الخشب، والفخار، والمنسوجات، والبردي، والمومياوات، وفق أحدث الأساليب العلمية في الصيانة الوقائية والتحليل المخبري.
-الاهداف الثقافية والعلمية للمتحف
تتجاوز رسالة المتحف المصري الكبير حدود العرض الجمالي للآثار إلى أداء دور بحثي وتعليمي وثقافي متكامل. إذ يُعدّ المتحف مركزًا إقليميًا للتدريب في علوم المتاحف والترميم، بالتعاون مع مؤسسات دولية مثل اليونسكو والمجلس الدولي للمتاحف (ICOM).
كما يسعى المتحف إلى ترسيخ مفهوم الاستدامة الثقافية من خلال إشراك المجتمع المحلي والزائرين في أنشطة تعليمية وبرامج تفاعلية تُسهم في رفع الوعي بأهمية التراث بوصفه موردًا للتنمية الثقافية والسياحية.
ويمثل المتحف أيضًا قوة ناعمة لمصر الحديثة، تعيد التأكيد على ريادتها في حفظ التراث الإنساني وتقديمه بأسلوب يوازن بين الأصالة والابتكار.
إن المتحف المصري الكبير ليس مجرد مبنى للعرض، بل هو مشروع حضاري شامل لإعادة صياغة العلاقة بين الإنسان والموروث الثقافي عبر أدوات العلم والتقنية. وبهذا يصبح المتحف نموذجًا عالميًا في إدارة التراث، ومؤسسة تسهم في تعريف الأجيال الجديدة بالعظمة التاريخية لمصر في إطار رؤية ثقافية مستقبلية مستدامة. |