السبت , 18 أبريل 2026

abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
الرئيسية
بانوراما
فرعونيات
بلاد وشركات
الحدث السياحي
سحر الشرق
سياحة وإستشفاء
أم الدنيا
حج وعمرة
أعمدة ثابتة
درجات الحرارة
اسعار العملات
abou-alhool

زيد بن حارثة الكلبي

زيد بن حارثة الكلبي
عدد : 11-2025
بقلم المهندس/ طارق بدراوى
tbadrawy@yahoo.com
موسوعة كنوز “أم الدنيا"


زيد بن حارثة بن شراحيل وقيل شرحبيل بن كعب بن عبد العزى بن يزيد بن إمرئ القيس بن عامر بن النعمان الكلبي رضي الله عنه صحابي من صحابة النبي محمد صلى الله عليه وسلم وهو ينتمي إلى بني كلب أحد بطون قبيلة قضاعة والتي تعد من كبرى القبائل العربية والتي إنحدرت منها العديد من البطون منها بنو كلب وبنو عذرة وبنو نهد وبنو جهينة وبنو بلي وبنو خولان وغيرها وكانت بنو كلب قبيلة عربية كبيرة ومشهورة وهي تنتسب إلى جدها الأكبر كلب بن وبرة بن تغلب بن حلوان بن عمران بن الحافي وكانت عاصمتها ومقر ديارها مدينة دومة الجندل والتي تقع حاليا في شمال المملكة العربية السعودية وكانت تقع على ملتقى الطرق ما بين الحجاز والشام والعراق وكانت علاقتها بقريش علاقات ود وصداقة ولذا فقد كانت قوافل قريش التجارية المتجهة إلى بلاد الشام والعائدة منها تمر في أمان دون أن يمسسها سوء وكانت ديانة هذه القبيلة هي الوثنية كغيرها من قبائل العرب في الجاهلية إذ كان لهم صنم بدومة الجندل يسمى ود وظلوا يعظمونه ويقدسونه حتى هدمه خالد بن الوليد رضي الله عنه في السنة الثامنة للهجرة وكانوا يعظمون إلى جانبه أيضا بعض أصنام قريش منها مناة واللات والعزى وغيرها ومما يذكر أنه قد دخلت النصرانية في قبيلة كلب في أواخر العصر الجاهلي مثلما دخلت في الكثير من قبائل العرب التي كانت تقيم في بلاد الشام وبلاد العراق وما جاورهما وكان من هذه القبائل غير قبيلة كلب قبائل غسان وتنوخ وبهراء وبكر بن وائل وغيرها وكان من أعلام قبيلة كلب غير الصحابي زيد بن حارثة رضي الله عنه العديد من الصحابة الكرام منهم إبنه أسامة بن زيد بن حارثة رضي الله عنه وسعد بن خولي الكلبي رضي الله عنه وكان مقيما في مكة المكرمة ودخل في الإسلام ثم هاجر للمدينة المنورة ثم إستشهد في يوم أحد كما كان من أعلام بني كلب أيضا الصحابي دحية بن خليفة الكلبي رضي الله عنه الذى دخل في الإسلام مبكرا وكان سفير النبي محمد صلى الله عليه وسلم إلى هرقل قيصر الروم حيث كان يجيد اللغة السريانية لغة الروم فكان هو من حمل رسالة النبي محمد صلى الله عليه وسلم إلى هرقل والتي دعاه فيها النبي صلى الله عليه وسلم إلى الإسلام في شهر ربيع الأول عام 7 هجرية بعد عودته من غزوة خيبر والتي كانت ضمن عدة رسائل أرسلها النبي محمد صلى الله عليه وسلم إلى ملوك وحكام الدول القائمة آنذاك منها دولة الروم ودولة الفرس ودولة الحبشة وغيرها يدعوهم فيها إلى الإسلام وعبادة الله الواحد الأحد .


وكان ميلاد الصحابي زيد بن حارثة في العام الثالث والأربعين قبل الهجرة في ديار قومه بني كلب وكانت أمه هي سُعدى بنت ثعلبة بن عبد عامر بن أفلت من بني معن من قبيلة طيئ وحدث أن تعرض زيد رضي الله عنه للأسر وهو غلام صغير حيث إختطفته خيل بني القين بن جسر قبل الإسلام حين أغارت على ديار بني معن أهل أمه وكان معها في زيارة لأهلها فباعوه في سوق عكاظ فإشتراه حكيم بن حزام رضي الله عنه بأربعمائة درهم وأهداه لعمته السيدة أم المؤمنين خديجة بنت خويلد رضي الله عنها فلما تزوجها النبي محمد وهبته له لكي يخدمه ثم مر زمن وحج أناس من قبيلته كلب وكان ذلك قبل البعثة بحوالي 5 سنوات فرأوه فعرفهم وعرفوه ثم عادوا وأخبروا أباه بمكانه فخرج أبوه حارثة وعمه كعب من ديارهم وقصدوا مكة لكي يفتدونه وإلتقوا بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم وطلبوا فدائه فدعاهما إلى تخيير زيد نفسه إن شاء بقي وإن شاء عاد مع أهله دون مقابل ثم دعاه النبي محمد وساله هل تعرف الرجلين فقال زيد نعم هذا أبي وهذا عمي فقال له النبي فأنا من قد علمت ورأيت صحبتي لك فإخترني أو إخترهما فقال زيد ما أنا بالذى أختار عليك أحدًا أنت مني بمكان الأب والأم فتعجب أبوه وعمه وقالا ويحك يا زيد أتختار العبودية على الحرية وعلى أبيك وعمك وأهل بيتك فقال نعم إني قد رأيت من هذا الرجل شيئا وما أنا بالذى أختار عليه أحدا أبدا فلما رأى النبي محمد منه ذلك خرج به إلى صحن الكعبة وقال يا من حضر إشهدوا أن زيدا حر فقد أعتقته وهو إبني أرثه ويرثني وكان التبني معروفا في ذلك الوقت في الجاهلية قبل الإسلام فلما رأى ذلك أبوه وعمه إطمأنا وإنصرفا ومنذ ذلك اليوم صار زيد رضي الله عنه يدعي زيد بن محمد ولما بعث النبي صلى الله عليه وسلم كان زيد رضي الله عنه أول من آمن به من الموالي ومنذ إسلامه صحب زيد النبي محمد صلى الله عليه وسلم طوال الفترة المكية وحدث أن كان الرسول صلى الله عليه وسلم ذات يوم يجتمع بأصحابه في دار الأرقم بن أبي الأرقم فذهبت إليه السيدة أم أيمن السيدة بركة بنت ثعلبة رضي الله عنها بأمر كانت السيدة خديجة رضي الله عنها قد كلفتها به فأخبرته وكانت السيدة بركة جارية حبشية وفدت مكة مع جيش أبرهة وبعد أن أبيد جيشه بيعت في مكة المكرمة فإشتراها عبد الله والد النبي صلى الله عليه وسلم ولما ولد النبي صلى الله عليه وسلم أصبحت حاضنته وأقامت معه في بيت أمه ثم في بيت جده ثم في بيت عمه أبي طالب ولما تزوج النبي صلى الله الله عليه وسلم من السيدة خديجة رضي الله عنها إنتقلت معه لتقيم في بيت النبي والسيدة خديجة ولما إنصرفت من عند رسول الله نظر إلى أصحابه وقال لهم من منكم يريد أن يتزوج إمرأة من أهل الجنة فليتزوج أم أيمن وسكت الصحابة جميعا ولم يجب أحد منهم بشئ ذلك أن أم أيمن لم تكن إمرأة جميلة يطمع فيها الرجال فقد كانت في الخمسين من عمرها كما كانت هزيلة الجسم سوداء اللون ولكن تقدم إلى الرسول صلى الله عليه وسلم مولاه زيد ين حارثة رضي الله عنه وتزوج بها فأنجبت له إبنه أسامة بن زيد رضي الله عنه الذى كان يلقب بحب وإبن حب رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم .

وفي السنة العاشرة للبعثة وبعد وفاة السند الخارجي للنبي صلى الله عليه وسلم عمه أبو طالب والسند الداخلي زوجته السيدة أم المؤمنين خديجة بنت خويلد رضي الله عنها إشتدت مقاومة قريش وضراوتها لدعوة الإسلام وللنبي وأسرف سفهاء قريش في إيذاء النبي والصد عن سبيله حتى أضحت مكة على سعتها أضيق من كفة الحابل في عينيه وفي ظل هذا الحصار يمم النبي وجهه شطر الطائف حيث تقطن قبيلة ثقيف عله يجد فيهم من ينصر الإسلام ويحمي الدعوة وكانت هذه القبيلة من أشهر وأهم وأقوى قبائل العرب فخرج إليهم النبي في شهر شوال من السنة العاشرة للنبوة ومعه فقط مولاه ورفيقه زيد بن حارثة رضي الله عنه فأقام بينهم عشرة أيام كما أرخ الواقدى يدعوهم إلى توحيد الله وترك عبادة الأوثان وتوجه الرسول إلى سادة ثقيف وأشرافها وهم الإخوة الثلاثة عبد ياليل ومسعود وحبيب أبناء عمرو بن عمير وجلس إليهم وعرض عليهم دعوته وطلب منهم الإيمان برسالته ونصرته فكانت ردودهم مثالا للسخرية والإستهزاء والجهل حيث قال أحدهم هو يمرط أى يمزق ثياب الكعبة إن كان الله أرسلك وقال الثاني أما وجد الله أحدا غيرك يرسله أما الثالث الذى بدا أعقلهم فقال والله لا أكلمك أبدا لئن كنت رسولا من الله حقا فلأنت أعظم خطرا من أن أرد عليك الكلام ولئن كنت تكذب على الله فما ينبغي لي أن أكلمك وبعد هذا الرفض القاطع قام رسول الله من عندهم وقد يئس منهم وطلب منهم طلبا واحدا إذ فعلتم ما فعلتم فإكتموا عني حيث كان يخشى أن يصل خبر مجيئه إليهم إلى قريش فيزدادوا شماتة وإيذاءا له ولأصحابه لكن القوم كانوا لئاما فلم يفعلوا ولم يكتفوا بالرفض بل أغروا به سفهاءهم وعبيدهم لكي يلاحقوا النبي يسبونه ويصيحون به ثم إصطفوا له صفين وجعلوا يرشقونه بالحجارة حتى دميت عقباه الشريفتان وتلطخت نعلاه بدمه الزكي وكان مولاه زيد بن حارثة يفديه بنفسه ويتلقى عنه الضربات حتى شج في رأسه وما زالوا على هذا الحال حتى ألجأوهما إلى حائط بستان لعتبة وشيبة إبني ربيعة وكانا من أشد أعداء الدعوة في مكة ودخل النبي البستان هو وصاحبه وعمد إلى ظل شجرة عنب ليستريح من عنائه وما أصابه وفي هذه الغمرة من الأسى والحزن والألم النفسي والجسدى توجه الرسول بقلبه كله إلى ربه بدعاء يفيض إيمانا ويقينا ورضى بقضاء الله حيث قال الرسول داعيا ربه اللهم إليك أشكو ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس يا أرحم الراحمين أنت رب المستضعفين وأنت ربي إلى من تكلني إلى بعيد يتجهمني أم إلى عدو ملكته أمرى إن لم يكن بك علي غضب فلا أبالي ولكن عافيتك أوسع لي أعوذ بنور وجهك الذى أشرقت له الظلمات وصلح عليه أمر الدنيا والاخرة من أن تنزل بي غضبك أو يحل علي سخطك لك العتبى حتى ترضى ولا حول ولا قوة إلا بالله وهذا الدعاء هو درس بليغ في التجرد لله حيث كان كل خوف النبي ألا تكون هذه المحنة بسبب غضب من الله عليه فما دام الله راضيا فكل أذى يهون ويرسل الله تعالى لنبيه سيدنا جبريل عليه السلام والذى يفول للنبي إن الله قد سمع قول قومك لك وما ردوا عليك وقد بعث إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم فناداه ملك الجبال وسلم عليه ثم قال يا محمد إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين وهما جبلان بمكة مطلان على المسجد الحرام من جهة الشرق جبل أبي قبيس الذى عليه القصر الملكي حاليا وجبل قعيقعان فيرفض النبي قائلا لا يا أخي أرجو أن يخرج الله عز وجل من أصلابهم من يعبد الله عز وجل وحده لا يشرك به شيئا فيقول له الملك صدق من سماك الرؤوف الرحيم .


ولما رأى إبنا ربيعة عتبة وشيبة ما لقي النبي تحركت له رحمهما فدعوا غلاما لهما نصرانيً من أهل نينوى ببلاد العراق يدعى عداس وأمراه أن يأخذ قطفا من العنب ويقدمه لذلك الرجل فلما وضع عداس العنب أمام رسول الله مد النبي يده وقال بسم الله ثم أكل فنظر عداس في وجهه مستغربا وقال والله إن هذا الكلام ما يقوله أهل هذه البلاد فسأله رسول الله ومن أى البلاد أنت يا عداس وما دينك فقال نصراني وأنا من أهل نينوى فقال النبي من قرية الرجل الصالح يونس بن متى فدهش عداس وسأل وما يدريك ما يونس بن متى فقال رسول الله ذاك أخي كان نبيا وأنا نبي عندئذ لم يتمالك عداس نفسه فأكب على رسول الله يقبل رأسه ويديه وقدميه وينطق بالشهادتين وبعد أن إستراح النبي قليلا غادر النبي مكلوم الفؤاد مهموم النفس وفي طريق العودة إلى مكة تجلت له ألطاف الله وعنايته في صور متعددة حيث لما وصل وادى نخلة أقام فيه اياما وخلال إقامته كان يقوم الليل ويقرا القرآن إستمع نفر من الجن فآمنوا به وفي ذلك قال الله تعالى في سورة الأحقاف وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ وبعد ذلك واصل النبي وصاحبه السير إلى مكة وقال زيد للنبي وهو مهموم كيف سندخل مكة وقد قام أهل الطائف بإستعداء أهل مكة علينا فيطمئنه النبي قائلا سيجعل الله لنا مخرجا ولما وصل النبي إلى حراء أرسل رجلا من خزاعة إلى مطعم بن عدى وهو من بني عبد مناف أى من أبناء عمومة النبي يسأله أن يدخل مكة وزيد في جواره فقال مطعم مع أنه كان مشركا نعم ودعا بنيه وقومه فقال تلبسوا السلاح وكونوا عند أركان البيت فإني قد أجرت محمدا فدخل النبي محمد صلى الله عليه وسلم ومعه زيد بن حارثة حتى إنتهى إلى المسجد الحرام وإتجه نحو إلى الركن فإستلمه وصلى ركعتين فقام مطعم بن عدى على راحلته مع أبنائه متقلدين سيوفهم وأحاطوا برسول الله وهو يصلي ويطوف بالكعبة ليعلنوا للجميع أنه في حمايتهم ونادى مطعم بن عدى يا معشر قريش إني قد أجرت محمدا فلا يهجه أحد منكم فلما إنتهى النبي من صلاته إنصرف إلى بيته ومطعم بن عدى وولده محيطون به وقد حفظ النبي لمطعم بن عدى هذا الصنيع حتى قال بعد غزوة بدر في شأن الأسرى لو كان مطعم بن عدى حيا ثم كلمني في أمر هؤلاء لتركتهم له وهكذا إنتهت رحلة الطائف التي بدت في ظاهرها محنة قاسية لتكون في حقيقتها منحة ربانية صقلت شخصية النبي وأظهرت رحمته وصبره ومهدت الطريق لأحداث كبرى فيما بعد غيرت مجرى التاريخ .



ولما بدأت الهجرة إلى المدينة المنورة بعد بيعة العقبة الثانية أمر النبي صلى الله عليه وسلم زيد بالهجرة إليها فهاجر ونزل ضيفًا على الصحابي الأنصارى كلثوم بن الهدم رضي الله عنه الذى كان مقيما بقباء وفتح بيته للمهاجرين من مكة ولما وصل النبي صلى اله عليه وسلم إلى المدينة المنورة مهاجرا من مكة المكرمة أرسل زيد إلى مكة وبعث معه أبا رافع مولاه وأعطاهما بعيرين وخمسمائة درهم يشتريان بها ما يحتاجان إليه من الظهر فإصطحبا السيدة سودة ومعها إبنتيه فاطمة الزهراء وأم كلثوم وحاضنته أم أيمن وإبنها أسامة بن زيد رضي الله عنهم جميعا للمدينة وأيضا بعث أبو بكر الصديق رضي الله عنه معهما الدليل الذى كان معه ومع النبي أثناء الهجرة عبد الله بن أريقط ببعيرين أو ثلاثة وكتب إلى إبنه عبد الله بن أبي بكر أن يحمل زوجته أم رومان وإبنتيه أسماء وعائشة وكان الصحابي الجليل طلحة بن عبيد الله يريد الهجرة أيضا إلى المدينة المنورة فسار معهم ووصل الجميع بسلامة الله إلى المدينة المنورة وآخى النبي محمد بين زيد بن حارثة وحمزة بن عبد المطلب رضي الله عنهما وقيل بينه وبين أسيد بن حضير وفي المدينة المنورة زوج النبي محمد صلى الله عليه وسلم إبنة عمته السيدة زينب بنت جحش من مولاه زيد بن حارثة ويروى أن السيدة زينب تقدم لخطبتها رجال من قريش فأرسلت إلى النبي صلى الله عليه وسلم تستشيره فإختار لها مولاه زيد بن حارثة زوجا فقالت أنا إبنة عمتك يا رسول الله فلا أرضاه لنفسي فأنزل الله قوله تعالى وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ فأرسلت زينب إلى النبي ورضيت بذلك وجعلت أمرها للنبي صلى الله عليه وسلم فزوجها من زيد وساق لها رسول الله عشرة دنانير وستين درهما وخمارا ودرعا وإزارا وملحفة وخمسين مدا من طعام وثلاثين صاعا من تمر وكان هذا الزواج مثالًا لتحطيم الفوارق الطبقيَة الموروثة قبل الإسلام إذ أن زيدا وهو أحد الموالي تزوجَ من السيدة زينبَ التي كانت من طبقة السادة الأحرار كما أن هذا الزواج اراد الله به أن يترتب عليه فيما بعد أمر تشريعي سنتحدث عنه في السطور القادمة بإذن الله ومكثت زينب رضي الله عنها عند زيد حوالي عام واحد ثم وقع بينهما خلاف أخذت حدته تزداد يوما بعد يوم فهم زيد بتطليقها فرده النبي صلى الله عليه وسلم قائلا أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ لكن في النهاية طلقها زيد وفي ذلك قال المفسر والفقيه والمحدث والرحالة والمؤرخ والقاضي أبو بكر بن العربي الإشبيلي الأندلسي إنما قال النبي صلى الله عليه وسلم لزيد أمسك عليك زوجك إختبارا لما عنده من الرغبة فيها أو عنها فلما أطلعه زيد على ما عنده منها من النفرة التي نشأت من تعاظمها عليه أذن له في طلاقها وبعد طلاق زينب رضي الله عنها من زيد بن حارثة وإنقضاء عدتها نزلت آية سورة الأحزاب التي تزوج بموجبها النبي صلى الله عليه وسلم من السيدة زينب بنت جحش رضي الله عنها والتي قال الله تعالى فيها وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا وجاء أن النبي صلى الله عليه وسلم كان جالسا يتحدث مع السيدة أم المؤمنين عائشة بنت ابي بكر رضي الله عنها فأخذته الغشية التي كانت تحدث له عندما ينزل عليه الوحي ثم سرىَ عنه وهو يبتسم ويقول من يذهب إلى زينب بنت جحش ويبشرها أن الله قد زوجنيها من فوق سبع سموات كما روى أن النبي صلى الله عليه وسلم أرسل زيد بن حارثة زوجها السابق لها وقال له مَا أَجد أَحدا أَوثقَ في نَفْسِي منكَ إذهب فإذكرني لها يقول زيد رضي الله عنه فلما قال ذلك عظمت في نفسي فذهبت إليها فجعلت ظهرى إلى الباب فقلت يا زينب أبشرى فإن رسول الله يخطبك ففرحت بذلك وقالت ما أنا بصانعة شيئا أو ما كنت لأحدث شيئا حتى أُؤامر ربي فقامت إلى مسجد لها فصلت ركعتين وناجت ربها فقالت اللهم إن رسولك يخطبني فإن كنت أهلًا له فزوجني منه وبالفعل تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان يومئذ في عسرة فأصدقها قربةً وعباءة ورحى اليد ووسادة حشوها ليف وكانت الوليمة تمرا وسَويقا وكان ذلك على الأرجح بعد غزوة الخندق أو الأحزاب في أواخر العام الخامس الهجرى أو أوائل العام السادس الهجرى .


وهنا نأتي إلى أمر هام وهو أن الله سبحانه وتعالى قد قدر وكتب مسألة زواج زيد بن حارثة رضي الله عنه من السيدة زينب بنت جحش رضي الله عنها ثم تطليقه لها ثم نزول الوحي على النبي صلى الله عليه وسلم بزواجه منها كان الهدف منه إفرار تشريع هام حيث كان الرجال في الجاهلية لا يتزوجون من نساء أبناءهم بالتبني إذا طلقن ولما كان زيد فبل تحريم التبني قد تبناه النبي محمد صلى الله عليه وسلم وأطلق عليه زيد بن محمد فلما نزلت آية سورة الأحزاب بتحريم التبني التي قال الله تعالى فيها ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا فكان لابد من أن يتزوج النبي صلى الله عليه وسلم من السيدة زينب بنت جحش رضي الله عنها مطلقة مولاه زيد بن حارثة رضي الله عنه وبأمر من الله حتى يترسخ مبدأ تحريم التبني فكانت السيدة زينب تفتخر على نساء النبي صلى الله عليه وسلم وتقول لباقي زوجاته كلكن زوجكن أهليكن أما أنا فقد زوجني الله تعالى من فوق سبع سموات وقد روى أن زينب قالت للنبي صلى الله عليه وسلم أنا أعظم نسائك عليك حقا أنا خيرهن مَنكحا وأكرمهن سترا وأقربهن رحما وزوجنيك الرحمن من فوق عرشه وكان جبريل عليه السلام هو السفير بذلك وأنا بنت عمتك ليس لك من نسائك قريبة غيرى وروى أيضا أن رجلا من بني أسد قبيلة السيدة زينب بنت جحش رضي الله عنها فاخر رجلا فقال الأسدى هل منكم إمرأة زوجها الله من فوق سبع سماوات يعني بذلك السيدة أم المؤمنين زينب بنت جحش رضي الله عنها وعندما تزوج النبي صلى الله عليه وسلم من السيدة زينب بنت جحش رضي الله عنها قال المنافقون إن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى زينب فأعجبته وهي مازالت زوجة مولاه زيد بن حارثة فألقي في نفس زيد كراهتها لما علم الله ما وقع في قلب نبيه من حبه لها وأراد زيد أن يفارقها فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال له النبي أمسك عليك زوجك وإتق الله وأولوا قوله تعالى وتخفي في نفسك ما الله مبديه على أن محبته لفراق زيد إياها ليتزوجها إن فارقها أنه لخوفه من أن يقول الناس أمر رجلا بطلاق إمرأته وتزوجها حين طلقها والحقيقة أن كل هذه الإدعاءات كاذبة سندا ومتنا لأن ببساطة شديدة كان الرسول محمد صلى الله عليه وسلم يعرف السيدة زينب رضي الله عنها حق المعرفة منذ صغرها فهي إبنة عمته وكان ما أخفاه الرسول صلى الله عليه وسلم هو ما أراده الله من زواجه بزينب بنت جحش لإبطال عادة التبني والتي كانت منتشرة في الجاهلية والآثار التي ترتبت على هذه العادة وقد أخفى الرسول ذلك خوفًا مما سيقوله الناس حتى لا يقولوا إن محمد أوعز إلى زيد أن يطلق زينب لأنه كان يريد الزواج منها فأخر الرسول تنفيذ ذلك خوفًا من المجتمع بأن يقال محمد تزوج زوجة إبنه أى المنسوب له بالتبني بينما كانت الحكمة من زواج النبي صلى الله عليه وسلم بها لكي لا يكون على المؤمنين حرج في الزواج من زوجات أدعيائهم ومن ثم كان النبي يتراخى في تنفيذ أمر الزواج من زينب لعل يكون في المسألة مخرج أو تأتي آيات أخرى تبين مخرجا .


وفي مجال الجهاد في سبيل الله ولما بدأت الغزوات شهد زيد بن حارثة رضي الله عنه مع النبي محمد صلى الله عليه وسلم غزوة بدر في شهر رمضان عام 2 هجرية وكان هو البشير إلى المدينة المنورة بالنصر ثم شارك بعدها في غزوات أحد والخندق وشهد بيعة الرضوان وصلح الحديبية في شهر ذى القعدة عام 6 هجرية كما إستخلفه النبي محمد صلى الله عليه وسلم على المدينة المنورة حين خرج إلى غزوة بني المصطلق في شهر شعبان عام 6 هجرية وبعدها شهد غزوة خيبر في شهر المحرم عام 7 هجرية وعرف عن زيد رضي الله عنه أنه من الرماة المهرة وبخلاف الغزوات فقدعقد له النبي محمد صلى الله عليه وسلم اللواء في سبع سرايا أولها القردة في شهر جمادى الأولى عام 3 هجرية وذلك لإعتراض عير وتجارة لقريش وكان على رأس هذه العير صفوان بن أمية وكان سبب بعثه الصحابي زيد بن حارثة في هذه السرية أن نعيم بن مسعود قدم المدينة ومعه خبر هذه العير وهو على دين قومه وإجتمع بكنانة بن أبي الحقيق في بني النضير ومعهم سليط بن النعمان من قبيلة أسلم فشربوا الخمر فتحدث بقضية العير وخروج صفوان بن أمية فيها وما معه من الأموال فخرج سليط من ساعته فأعلم رسول الله فبعث من وقته زيد بن حارثة فلقيهم على ماء يقال له القردة فقاتلهم فأصاب تلك العير وما فيها ثم قدم بها على رسول الله فخمسها رسول الله وقسم أربعة أخماسها على السرية وكان فيمن أسر دليل قافلة قريش فرات بن حيان العجلي فأسلم ثم كانت سرية زيد بن حارثة إلى موضع يقال له الجَموم إلى بني سليم وذلك في شهر ربيع الثاني عام 6 هجرية فسار حتى ورد ذلك المحل فأصابوا إمرأة من مزينة فدلتهم على محلة من محال القوم فأصابوا في تلك المحلة إبلا وشاء وأسروا منها جماعة من جملتهم زوج تلك المرأة ثم إنحدروا إلى المدينة فوهب رسول الله لتلك المرأة نفسها وزوجها وبعد سرية الجموم بعث النبي صلى الله عليه وسلم زيد بن حارثة في سرية سميت سرية العيص وهو موضع قرب المدينة المنورة حيث بلغ الرسول صلى الله عليه وسلم أن عيرا لقريش قد أقبلت من الشام فبعث زيد بن حارثة في 170 راكب ليعترضها وكان في تلك العير أبو العاص بن الربيع زوج السيدة زينب الإبنة الكبرى للنبي صلى الله عليه وسلم وقدم به وبتلك العير إلى المدينة المنورة فاستجإر أبو العاص بزوجته السيدة زينب رضي الله عنها فأجارته ونادت في الناس حين صلى الرسول الفجر هو وأصحابه فقالت أيها الناس إني قد أجرت أبا العاص بن الربيع فقال الرسول لما سلم وأقبل على الناس هل سمعتم ما سمعت قالوا نعم قال أما والذى نفسي بيده ما علمت بشيء من هذا ثم إنصرف فدخل على إبنته وقال قد أجرنا من أجرت ثم دخلت عليه زينب فسألته أن يرد على أبي العاص ما أخذ منه فأجابها إلى ذلك وقال لها أى بنية أكرمي مثواه ولا يخلص إليك فإنك لا تحلين له وبعث للسرية فقال لهم إن هذا الرجل منا حيث قد علمتم وقد أصبتم له مالا فإن تحسنوا وتردوا عليه الذى له فإنا نحب ذلك وإن أبيتم فهو فيء الله الذى فاء عليكم فأنتم أحق به فقالوا يا رسول الله بل نرد عليه فرد عليه ما أخذ منه فعاد إلى مكة المكرمة وسلم كل من كان له مال في القافلة ماله ثم عاد إلى المدينة المنورة مسلما .


وبعد هذه السرية بعث الرسول زيد بن حارثة إلى بني ثعلبة في خمسة عشر رجلا من الصحابة بالطرف وهو إسم ماء لهم فأصاب عشرين بعيرا وشاء ولم يجد أحدا لأنهم ظنوا أن الرسول سار إليهم فصبح زيد بالنعم والشاء المدينة وقد خرجوا في طلبه فأعجزهم وكان شعار الصحابة الذى يتعارفون به في ظلمة الليل أمت أمت وبعد سرية الطرف كانت سرية حسمى وهو موضع في شمال المدينة المنورة بينها وبين الشام وكان سببها أن الصحابي دحية الكلبي أقبل من عند قيصر ملك الروم ولما وصل إليه أجازه بمال وكساء فأقبل بذلك إلى أن وصل ذلك المحل فلقيه الهنيد وإبنه في ناس من جذام فقطعوا عليه الطريق وسلبوه ما معه ولم يتركوا عليه إلا ثوبا خلقا فسمع بذلك نفر من جذام من بني الضبيب ممن أسلم منهم فنفروا إليهم وإستنقذوا لدحية ما أخذ منه وقدم دحية على الرسول فأخبره بذلك فبعث زيد بن حارثة في خمسمائة رجل ورد معه دحية وكان زيد يسير بالليل ويكمن بالنهار ومعه دليل من بني عذرة فأقبل حتى هجم على القوم ومن كان معهم مع الصبح فقتلوا الهنيد وإبنه ومن كان معهم وأخذوا من النعم ألف بعير ومن الشاء خمسة آلاف ومن السبي مائة من النساء والصبيان ولما سمع بنو الضبيب بما صنع زيد ركبوا وجاؤوا إلى زيد وقال له رجل منهم إنا قوم مسلمون فقال له زيد إقرأ أم الكتاب فقرأها ثم قدم منهم جماعة للرسول وأخبروه الخبر وقال بعضهم يا رسول الله لا تحرم علينا حلالا ولا تحل لنا حراما فقال كيف أصنع بالقتلى فقال أطلق لنا من كان حيا ومن قتل فهو تحت قدمي هاتين وقالوا للنبي إبعث معنا رجلا لزيد فبعث معهم علي بن أبي طالب يأمر زيد أن يخلي بينهم وبين حرمهم وأموالهم فقال علي يا رسول الله إن زيدا لا يطيعني فقال خذ سيفي هذا فأخذه وتوجه إلى زيد فلقي علي رجلا أرسله زيد مبشرا على ناقة من إبل القوم فردها علي على القوم وأردفه خلفه ولقي زيدا فأبلغه أمر رسول الله وعند ذلك قال له زيد ما علامة ذلك فقال هذا سيفه فعرف زيد السيف وصاح بالناس فإجتمعوا فقال من كان معه شيء فليرده فهذا سيف رسول الله فرد الناس كافة كل ما أخذوه وأخيرا كانت سرية زيد بن حارثة رضي الله عنه إلى وادى القرى أو أم قرفَة فبعد عودة زيد إلى المدينة من سرية حسمى مكث فيها عدة أيام ثم أخرجه الرسول مرة أخرى إلى سرية جديدة في منطقة وادى القرى لقتال قبيلة بني فزارة وهي بطن من بطون غطفان وهي قبيلة عيينة بن حصن الملقب بالأحمق المطاع الذى كان ضمن الأحزاب في غزوة الخندق وكان على رأس قبيلته وكان قد أغار على المدينة المنورة قبل السرية بثلاثة أشهر ولقي زيد بني فزارة وأصيب بها ناس من أصحابه وإنفلت زيد بن حارثة رضي الله عنه من بين القتلى وقدم المدينة المنورة فلما إستبل جراحه بعثه رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم في جيش إلى بني فزارة فلقيهم بوادى القرى وأصاب فيهم وأسر منهم إمرأة تسمى فاطمة بنت زمعة وكنيتها أم قرفة وكانت عجوزا كبيرة وبنتا لها وعبد الله بن مسعدة فأمر زيد بن حارثة أن تقتل أم قرفة فقتلت ثم قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم بإبنة أم قرفة وبعبد الله بن مسعدة فكانت بنت أم قرفة للصحابي سلمة بن الأكوع حيث كان هو الذى أصابها وكانت في بيت شرف من قومها وكانت العرب تقول لو كنت أعز من أم قرفة فسألها رسول الله صلى الله عليه وسلم فوهبها له فأهداها لخاله حزن بن أبي وهب فولدت له عبد الرحمن بن حزن .


وكانت آخر ميادين الجهاد التي شارك فيها الصحابي زيد بن حارثة رضي الله عنه غزوة مؤتة وجعله النبي صلى الله عليه وسلم فيها القائد الأول على ثلاثة آلاف مقاتل من المسلمين وكان الرسول صلى الله عليه وسلم بعد توقيع صلح الحديبية قد قام بمراسلة الملوك والأمراء وقادة الأمم والشعوب والقبائل والجماعات التي كانت موجودة في عصره يدعوهم فيها إلى الإسلام وكانت هذه الرسائل تعد صفحة بارزة من صفحات السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي لأن تلك الرسائل كانت تكشف وجها من وجوه التطبيق العملي الملموس لعالمية الدعوة وكان ممن تم مراسلتهم ملك بصرى بجنوب سوريا وكان مبعوث النبي له هو الصحابي الحارث بن عمير الأزدى رضي الله عنه إلا أن شرحبيل بن عمرو الغساني والي البلقاء الواقعة تحت الحماية الرومانية إعترض طريقه وقبض عليه وأوثقه وضرب عنقه قبل أن يبلغ رسالة النبي محمد إلى ملك بصرى وكان من المتعارف عليه بين الملوك وزعماء القبائل أن الرسل لا تقتل ولا يجوز لأحد أن يتعرض لهم لأنهم يحملون مجرد رسائل من أقوامهم وقد مثل قتل الحارث بن عمرو الأزدى إنتهاكا كبيرا لهذا العرف وكان هذا بمثابة إعلان الحرب على المسلمين ولذا فقد إشتد غضب النبي صلى الله عليه وسلم حين نقلت إليه أخبار مقتل مبعوثه إلى ملك بصرى فجهز جيشا قوامه ثلاثة آلاف مقاتل وكان هذا هو أكبر جيش إسلامي تم جمعه آنذاك فلم يتم جمع مثل هذا العدد قبل ذلك إلا في غزوة الخندق وتجمع جنود المسلمين خارج المدينة وكان اليوم يوم جمعة وأرسل إليهم النبي أنه سيأتيهم بعد صلاة الجمعة وكان عبد الله بن رواحة ضمن الجيش فقال أجمع مع النبي ثم آتي الجيش فلما وصل النبي للجيش لم يجده ولمحه قادما من بعيد فسأله ما خلفك فقال قلت أجمع معك فقال له لغدوة أو روحة خير من الدنيا وما فيها ووقف الرسول يسمي القادة ويقول قائد الجيش زيد بن حارثة فإن قتل فجعفر بن أبي طالب فإن قتل فعبد الله بن رواحة فإن قتل فإختاروا من شئتم وخرجت نساء المسلمين لتوديع أزواجهن وهن يقلن ردكم الله إلينا صابرين فرد القائد الثالث عبد الله بن رواحه وقال أما أنا فلا ردني الله وأنشد قائلا لكنني أسأل الرحمن مغفرة وضربة ذات فرع تقذف الزبدا أو طعنة بيدى حران مجهزة بحربة تنفذ الأحشاء والكبدا حتى يقال إذا مروا على جدثي أرشده الله من غاز وقد رشدا وخرج الجيش من المدينة المنورة وكان ذلك في شهر جمادى الأولى عام 8 هجرية لمواجهة الغساسنة حلفاء الروم الذين كانوا يسكنون شمال شبه الجزيرة العربية وجنوبي الشام في موقع المملكة الأردنية حاليا ويصل الجيش إلي قرب قرية مؤتة وهي قرية تقع في الأردن حاليا وتأتي الأخبار أن الغساسنة قد أعدوا جيشا جرارا قوامه 100 ألف جندى غير أن الروم حلفاءهم قد أعدوا جيشا آخر لمساندتهم لايقل عدده أيضا عن 100 ألف مقاتل ولما رأى المسلمون كثرة الروم أرادوا أن يبعثوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم بعدد عدوهم وقالوا فإما أن يمدنا بالرجال وإما أن يأمرنا بأمره فنمضي له فوقف فيهم عبد الله بن رواحة رضي الله عنه يبث فيهم الأمل ويرفع معنوياتهم فقال يا قوم والله إن التي تكرهون للتي خرجتم تطلبون الشهادة وما نقاتل الناس بعدد ولا قوة ولا كثرة ما نقاتلهم إلا بهذا الدين الذى أكرمنا الله به فإنطلقوا فإنما هي إحدى الحسنيين إما ظهور وإما شهادة وكان لقول إبن رواحه أثره الكبير في تثبيت المسلمين حيث قالوا قد والله صدق إبن رواحة فمضوا وقرروا دخول قرية مؤتة ليتحصنوا بها فلا يستطيع الغساسنة مواجهتهم إلا بمثل عددهم ويظل القتال محتدما بين الطرفين لمدة 9 أيام ويقتل من الغساسنة عدد كبير وفي اليوم التاسع من القتال يركز الغساسنة علي قائد المسلمين زيد بن حارثة رضي الله عنه ويتكاثروا عليه بالرماح حتي يسقط شهيدا رضي الله عنه فيتولي القيادة القائد الثاني جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه فيتكاثروا عليه أيضا حتي يسقط شهيدا بعد أن قطعت يداه والراية بين عضديه فيتولي القيادة القائد الثالث عبد الله بن رواحة رضي الله عنه .


وتلقى الراية عبد الله بن رواحة وتقدم بها وهو على فرسه فجعل يستنزل نفسه ويتردد بعض التردد وأخذ يشجع نفسه وقد رأى بعينيه إستشهاد صاحبيه ثم تقدم وهو يرتجز قائلا أقسمت يا نفس لتنزلنه طائعة أو لا لتكرهنه فطالما قد كنت مطمئنة ما لي أراك تكرهين الجنة هل أنت إلا نطفة في شنة قد أجلب الناس وشدوا الرنة وأخذ سيفه وتقدم فقاتل حتى سقط شهيدا رضي الله عنه وبعد إستشهاد القادة الثلاثة الذين عينهم النبي صلى الله عليه وسلم تصالح الناس علي تولية خالد بن الوليد القيادة فأكمل اليوم وفي المساء جمع قادته وقال لهم إن هذه المعركة لا يمكن أن تحسم بنصر فعدونا أكثر منا عددا وعدة ولن يمكننا أن نظل متحصنين بقرية مؤتة وأن الحل هو الإنسحاب والعودة بسلامة الله إلي المدينة المنورة وإلي جولة أخرى بإذن الله ولكن علينا أن ننسحب إنسحابا منظما دون أن يتبعونا في الصحراء المكشوفة لأنهم إذا إتبعونا أبادونا ووافق القادة علي هذا الحل فبدأ خالد يضع خطة الإنسحاب حيث فكر في مكيدة حربية تلقي الرعب في قلوب الرومان بحيث ينجح في الإنحياز بالمسلمين من غير أن يقوم الرومان بحركات المطاردة فقد كان يعرف جيدا أن الإفلات منهم صعب جدا لو إنكشف المسلمون وقام الرومان بالمطاردة فبدل الميمنة ميسرة والميسرة ميمنة والمقدمة مؤخرة والمؤخرة مقدمة وطلب من الجند تغيير ملابسهم وراياتهم كما قام بإنتخاب 300 فارس وطلب منهم العودة خلف صفوف الجيش بعد صلاة الفجر وأن يقسموا أنفسهم 6 مجموعات كل مجموعة 50 فارس وعليهم أن يثيروا الغبار خلف الجيش بحوافر خيولهم وأن يتصايحوا وتعلو أصواتهم ويكبروا ويهللوا وأن تنضم أول مجموعة إلي الجيش فيستقبلها الجيش بالترحيب والتكبير والتهليل تتلوها المجموعة الثانية فالثالثة وهكذا وذلك بهدف إيهام الغساسنة بقدوم مدد من المدينة المنورة كما أخبر خالد الجند أنه بإنضمام المجموعة السادسة إلي الجيش سيصيح قائلا يا عباد الله توكلوا علي الله فيهجم الجيش كله هجمة شرسة علي صفوف الغساسنة وفي اللحظة المناسبة وقبل أن يفيق الغساسنة من الصدمة سيصيح قائلا يا عباد الله عودوا وهنا تبدأ وحدات الجيش في الإنسحاب تباعا وبالفعل تم تنفيذ هذه الخطة بحذافيرها وأصاب الغساسنة الذهول من شراسة قتال المسلمين ويقول خالد بن الوليد رضي الله عنه عن هذا اليوم تكسرت في يدى يوم مؤنة تسعة أسياف فما بقي في يدى إلا صفيحة يمانية أى سيف من اليمن حيث كان رضي الله عنه مبارزا فذا من الطراز الأول ويستطيع أن يبارز بسيفين في وقت واحد بكلتا يديه وبنفس المقدرة والبراعة وهكذا وفي اللحظة المناسبة أطلق خالد صيحته الثانية يا عباد الله عودوا فبدأ الجيش في الإنسحاب فخشي الغساسنة أن يتبعوا الجيش وهو ينسحب خشية أن يكون هناك كمين قد نصبه خالد لجندهم في الصحراء المكشوفة وهكذا أخذ جيش المسلمين طريقه نحو المدينة المنورة .

وهكذا نجحت الخطة العبقرية لخالد بن الوليد نجاحا باهرا وجدير بالذكر أن خطة إنسحاب خالد بجيش المسلمين أصبحت بعد ذلك تدرس في الكليات والأكاديميات العسكرية حتى اليوم وكان الرسول صلي الله عليه وسلم في المدينة يشرح للمسلمين المعركة علي الهواء مباشرة ويقول عن ذلك إن الله قد رفع لي الأرض فرأيت معتركهم وأخبرهم عما حدث للقادة الثلاثة الذين عينهم ويخبر المسلمين بأنه يراهم الآن في الجنة ثم يسكت للحظة ثم يقول أخذ الراية سيف من سيوف الله يفتح الله علي يديه ومن يومها سمي خالد بن الوليد رضي الله عنه بسيف الله المسلول ومن الطريف أن بسطاء المسلمين كانوا غير متصورين أن ينسحب الجيش ويترك أرض المعركة غير مدركين أن هذا كان هو القرار الصائب والذى أنقذ به خالد بن الوليد جيش المسلمين من الدمار في ظروف غاية في الصعوبة خاصة بعد إستشهاد القادة الثلاثة الذين سبقوه وخرجوا لإستقبال الجيش العائد من مؤتة وأخذوا يقذفون الجند بالحجارة والطوب ويلقون بالتراب في وجوههم ويقولون يا فرار يا فرار فررتم من الزحف إلا أن الرسول نهاهم عن ذلك قائلا بل هم الكرار بإذن الله وإن خالد ليس بالفرار بل هو سيف من سيوف الله يفتح الله على يديه وكانت هذه المعركة بحق هي شهادة مبكرة من النبي محمد صلي الله عليه وسلم علي مولد العبقرية العسكرية لهذا القائد العسكرى الفذ رضي الله عنه الذى عجزت النساء أن يلدن مثله خاصة وأنه قد تولي قيادة جيش المسلمين في أصعب الظروف وهو يرى أمامه القادة الثلاثة الذين سبقوه رضي الله عنهم يقتلون علي أيدى الغساسنة ومما يذكر أنه قد إستشهد من المسلمين في مؤتة عدد 12 شهيدا منهم القادة الثلاثة الذين عينهم النبي صلى الله عليه وسلم أما الغساسنة والرومان فقتل منهم عدد 3350 رجل .