بقلم المهندس/ طارق بدراوى
tbadrawy@yahoo.com
موسوعة كنوز “أم الدنيا"
عبد الله بن عمر بن الخطاب بن نفيل بن عبد العزى بن رياح بن قرط بن رزاح بن عدى بن كعب بن لؤى بن غالب بن فهر وهو المكنى بقريش بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان وهو من نسل نبي الله إسماعيل عليه السلام إبن نبي الله إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام القرشي العدوى رضي الله عنه صحابي جليل من كبار صحابة النبي محمد صلى الله عليه وسلم وهو يلتقي معه في الجد الثامن له كعب بن لؤى وهو الجد السابع للنبي محمد صلى الله عليه وسلم وهو ينتمي إلى بني عدى بن كعب أحد بطون قبيلة قريش وكانت فيهم السفارة وكان كعب بن لؤى جد هذه البطن من قريش عظيم القدر في العرب وكان من أتباع الحنيفية الأولى وهو أول من قال أما بعد وأول من أشعر البدن وأول من سمى العروبة الجمعة وكان خطيبا فصيحا فأرخوا بموته إعظاما له إلى أن كان عام الفيل فأرخوا به ثم أرخوا بموت عبد المطلب بن هاشم الجد الأول للنبي صلى الله عليه وسلم وكان كعب يخطب الناس في الحج فيقول أيها الناس إفهموا وإسمعوا وتعلموا أنه ليل ساج ونهار صاح وإن السماء بناء والأرض مهاد والنجوم أعلام لم تخلق عبثا فتضربوا عن أمرها صفحا الآخرون كالأولين والدار أمامكم واليقين غير ظنكم صلوا أرحامكم وإحفظوا أصهاركم وأوفوا بعهدكم وثمروا أموالكم فإنها قوام مرواتكم ولا تصونوها عما يجب عليكم وأعظموا هذا الحرم وتمسكوا به فسيكون له نبأ ويبعث منه خاتم الأنبياء بذلك جاء موسى وعيسى ورغم أن بني عدى لم يكونوا في كثرة من العدد أو ربوة من المال بالقياس لبقية عشائر قريش إلا أنهم حفظوا لأنفسهم مكانة ومنعة بين نظرائهم وكان من أعلام بني عدى غير الصحابي عبد الله بن عمر بن الخطاب قبل الإسلام نفيل بن عبد العزى والملقب بمحكم قريش وكان بمنزلة القاضي في ذلك الزمان حيث كان يحكم في المنافرات وغيرها وزيد بن عمرو بن نفيل والذى كان من الحنفاء الموحدين الذين عاشوا قبل الإسلام وكان من أعلامهم بعد الإسلام الخليفة الراشد الثاني عمر بن الخطاب رضي الله عنه وشقيقه الأكبر زيد بن الخطاب رضي الله عنه وشقيقته فاطمة بنت الخطاب رضي الله عنها وزوجها وإبن عمها سعيد بن زيدرضي الله عنه والسيدة أم المؤمنين حفصة بنت عمر بن الخطاب رضي الله عنها الزوجة الرابعة للنبي صلى الله عليه وسلم والصحابية الشفاء بنت عبد الله رضي الله عنها والتي كانت من النساء القليلات في ذلك الزمان الذين يجيدون القراءة والكتابة وكانت تقوم بتعليم نساء المسلمين القراءة والكتابة ولذلك فهي تعتبر أول معلمة في الإسلام وأصبحت دارها مركزا علميا للنساء والمسلمين عموما وكانت هي من علمت السيدة أم المؤمنين حفصة بنت عمر بن الخطاب رضي الله عنها الكتابة والرقية وعلاوة علي ذلك فقد تولت تعليم صبيان المسلمين كما أنها كانت أيضا طبيبة مشهورة بمداواة الأمراض الجلدية في العصر النبوى وكانت رضي الله عنها تخرج مع رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم في غزواته فتداوى الجرحى والمصابين من جند المسلمين هي والصحابية الأنصارية السيدة رفيدة بنت سعد الأسلمية رضي الله عنهما .
وكان ميلاد الصحابي الجليل عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنه في العام الثالث للبعثة وكما ذكرنا في السطور السابقة كان أبوه هو الخليفة الراشد الثاني عمر بن الخطاب رضي الله عنه أما أمه فهي الصحابية السيدة زينب بنت مظعون الجمحية شقيقة الصحابي عثمان بن مظعون رضي الله عنه أحد السابقين إلى الإسلام والتي أنجبت السيدة أم المؤمنين حفصة رضي الله عنها في العام الخامس قبل البعثة ثم الصحابي عبد الله رضي الله عنه بعد البعثة بثلاث سنوات أى أنها تكبره بحوالي 8 سنوات وأسلم عبد الله بن عمر بمكة مع أبيه ولم يكن قد بلغ الحلم يومئذ ثم هاجر مع أبيه أيضا إلى المدينة المنورة وما أن هاجر إلى المدينة المنورة حتى إنخرط في عقد المسلمين وصحب النبي محمد صلى الله عليه وسلم وإلتف حوله مع غيره من صحابته ولما أمر النبي محمد أصحابه بالخروج إلى غزوة بدر تطوع يومها عبد الله للقتال فرده النبي محمد لصغر سنه هو وزيد بن ثابت وعدد أربعة آخرين لصغر سنهم وغضاضة أجسامهم وكانوا قد بذلوا جهدهم بالرجاء والدمع وإستعراض العضلات فوعدهم الرسول بالمشاركة في الغزوة المقبلة وهو ما تكرر عندما حاولوا التطوع للقتال في غزوة أحد ولم يجزهم النبي محمد للقتال إلا في غزوة الخندق في العام الخامس الهجرى وكان عمر الصحابي عبد الله بن عمر يومها خمسة عشر عاما ومن يومئذ شهد إبن عمر ما بعد غزوة الخندق من المشاهد مع النبي محمد فشهد بيعة الرضوان في شهر ذى القعدة عام 6 هجرية وغزوة خيبر في شهر المحرم عام 7 هجرية وعمرة القضاء في شهر ذى القعدة عام 7 هجرية وغزوة مؤتة في شهر جمادى الأولى عام 8 هجرية وفتح مكة في شهر رمضان عام 8 هجرية وغزوة حنين في شهر شوال من نفس العام ثم حصار الطائف في شهر ذى القعدة عام 8 هجرية أيضا وأخيرا غزوة تبوك في شهر رجب عام 9 هجرية كما شهد حجة الوداع في شهر ذى الحجة عام 10 هجرية وبعد وفاة النبي محمد شارك عبد الله بن عمر في فتوح الشام والعراق وفارس ومصر وأفريقية وشهد في تلك الفتوح العديد من المعارك منها معركة اليرموك عام 13 هجرية وفتح نهاوند عام 18 هجرية وأذربيجان عام 22 هجرية ثم عاد فسكن المدينة المنورة بعد مقتل أبيه في أواخر عام 23 هجرية .
وعندنا طعن عمر بيد أبي لؤلؤة المجوسي وهو إمام للمسلمين في صلاة الفجر صباح يوم 27 من شهر ذى الحجة عام 23 هجرية قال الصحابة الكرام لعمر إستخلف يا عمر فأبى وقال لهم لا أحملها حيا وميتا ولما ألحوا عليه إختار عدد 6 من الصحابة الكبار ومن العشرة المبشرين بالجنة وهم علي بن أبي طالب وعثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص والزبير بن العوام وطلحة بن عبيد الله رضي الله عنهم جميعا وترك سعيد بن زيد مع أنه من العشرة المبشرين بالجنة وتركه لأنه من قبيلته بني عدى كما أنه زوج اخته وكان عمر رضي الله عنه حريصا على إبعاد الإمارة عن أقاربه مع أن فيهم من هو أهل لها ولذا فقد إستبعد سعيد بن زيد عن قائمة المرشحين للخلافة وأمر عمر هؤلاء الستة أن يجتمعوا لمدة 3 أيام في بيت أمنا عائشة ويتشاوروا وفيهم عبد الله بن عمر يحضر معهم مشيرا فقط وليس له من الأمر شيء وهذه الأيام الثلاثة فترة كافية وإن زادوا عليها فمعنى ذلك أن شقة الخلاف ستتسع ولذلك قال لهم لا يأتي اليوم الرابع إلا وعليكم أمير وأمر أيضا بأن يصلي بالناس في أثناء التشاور صهيب الرومي وقال له أنت أمير الصلاة في هذه الأيام الثلاثة حتى لا يولي إمامة الصلاة أحد من الستة فيصبح هذا ترشيحا من عمر له بالخلافة وأمر المقداد بن عمرو وأبا طلحة الأنصارى أن يراقبا سير الإنتخابات وقال عمر أيضا إن رضي عدد 3 رجلا منهم وعدد 3 رجلا منهم فحكموا عبد الله بن عمر فأى الفريقين حكم له فليختاروا من إختاره هؤلاء الثلاثة فإن لم يرضوا بحكم عبد الله بن عمر فكونوا مع الذين فيهم عبد الرحمن بن عوف ووصف عبد الرحمن قائلا نعم ذو الرأى عبد الرحمن بن عوف مسدد رشيد له من الله حافظ فإسمعوا له ومما يذكر أيضا أنه بعد أن طعن عمر رضي الله عنه وجاءوا إليه بالطبيب الذى جاءه بالحليب فشربه فخرج الحليب من خاصرته فقال له الطبيب أوصِ يا أمير المؤمنين فإنك لن تعيش فنادى إبنه عبد الله رضي الله عنه وقال له إئتني بحذيفة بن اليمان ولما جاء حذيفة رضي الله عنه وهو الصحابي الذى أعطاه الرسول صلى الله عليه وسلم أسماء المنافقين ولا يعرفهم إلا الله ورسوله وحذيفة قال له عمر والدماء تجرى من خاصرته يا حذيفة بن اليمان أناشدك الله هل قال الرسول إسمي بين المنافقين فسكت حذيفة ودمعت عيناه وقال إئتمنني على سر لا أستطيع أن أقوله يا عمر قال بالله عليك قل لي هل قال رسول الله إسمي بينهم فبكى حذيفة وقال أقول لك ولا أقولها لغيرك والله ما ذكر إسمك عندى فقال عمر لإبنه عبد الله بقي لي من الدنيا أمر واحد فقال له ما هو يا أبتاه قال إنطلق إلى عائشة أم المؤمنين فقل يقرأ عليك عمر السلام ولا تقل أمير المؤمنين فإني لست اليوم للمؤمنين أميرا وقل لها يستأذن عمر بن الخطاب أن يدفن مع صاحبيه فاتاها وسلم وإستأذن ثم دخل عليها فوجدها قاعدة تبكي فقال يقرأ عليك عمر بن الخطاب السلام ويستأذن أن يدفن مع صاحبيه فقالت كنت أريده لنفسي ولأوثرن به اليوم على نفسي فعاد عبد الله فرحا لأبيه وقال يا ابتاه قد أذنت ووجد عمر قد وضع خده على التراب فلما رأى خد ابيه على التراب جلس ووضع خده على فخذه فنظر إلى إبنه وقال له لم تمنع خدى من التراب قال يا أبتاه قال ضع خد أبيك على التراب ليمرغ به وجهه فويل عمر إن لم يغفر له ربه غدا وإستشهد عمر بعد أن أوصى إبنه قائلا إن حملتني وصليت علي في مسجد رسول الله فإنظر إلى حذيفة فقد يكون راعني في القول فإن صلى علي حذيفة فإحملني بإتجاه بيت رسول الله ثم قف على الباب فقل يا أماه ولدك عمر ولا تقل أمير المؤمنين فقد تكون قد إستحيت مني وأنا حي فأذنت لي فإن لم تأذن فإدفني في مقابر المسلمين فحمله ونظر في المسجد فجاء حذيفة وصلى عليه فإستبشر عبد الله عمر وحمله إلى بيت عائشة فقال يا أمنا ولدك عمر في الباب هل تأذنين له فقالت أدخلوه فدفن سيدنا عمر رضي الله عنه بجانب صاحبيه .
وبعد إستخلاف عثمان بن عفان رضي الله عنه دعاه الخليفة ليتولى القضاء فإعتذر ولما حوصِرَ عثمان رضي الله عنه وقت الفتنة في أواخر حكمه تقلد إبن عمر رضي الله عنه سيف أبيه ودافع عن عثمان رضي الله عنه وبعد مقتل عثمان رضي الله عنه ورفض معاوية بن أبي سفيان مبايعة الخليفة الراشد الرابع علي بن أبي طالب رضي الله عنه وإستقل بحكم الشام وطالب بالقصاص لعثمان رضي الله عنه جاء علي رضي الله عنه إلى إبن عمر رضي الله عنه يسأله الخروج إلى الشام أميرا فإعتذر وخرج إلى مكة ولم يشهد مع علي بن أبي طالب رضي الله عنه شيئا من حروبه حيث لم يشهد موفعة الجمل ولا صفين ولا النهروان حتى لا ينخرط في الفتنة ولما إستفحلت الفتنة أتى الناس إبن عمر وقالوا له أنت سيد الناس وإبن سيدهم والناس بك راضون إخرج نبايعك فقال لا والله لا يهرق دم مسلم بسببي ما كان في روح كما كادت أن تنعقد البيعة له يوم التحكيم رغم وجود علي بن ابي طالب وسعد بن أبي وقاص رضي الله عنهما ولو بويع يومها لما إختلف عليه إثنان إلا أنه كان يرى أن الأولى حقن دماء المسلمين وأن تكون الأولوية لذلك وروى أنه قال إنما مثلنا في هذه الفتنة كمثل قوم يسيرون على جادة يعرفونها فبينما هم كذلك إذ غشيتهم سحابة وظلمة فأخذ بعضهم يمينا وشمالا فأخطأ الطريق وأقمنا حيث أدركنا ذلك حتى جلا الله ذلك عنا فأبصرنا طريقنا الأول فعرفناه فأخذنا فيه إنما هؤلاء فتيان قريش يقتتلون على هذا السلطان وعلى هذه الدنيا ما أبالي أن لا يكون لي ما يقتل عليه بعضهم بعضًا بنعلي هاتين الجرداوين كما قال لو إجتمعت علي الأمة إلا رجلين ما قاتلتهما وقد ظل إبن عمر متمسكا بسياسة الحياد تلك فكان لا يأتي أمير على المدينة المنورة في وقت وقوع الفتن إلا وصلى خلفه وأدى إليه زكاة ماله فيما عدا الحجاج بن يوسف الثقفي الذى ترك إبن عمر رضي الله عنه الصلاة خلفه لما رآه يؤخر الصلاة عن وقتها ولما إستقر الأمر لمعاوية أرسل عمرو بن العاص إلى إبن عمر ليعلم ما في نفسه من أمر الخلافة فقال له عمرو يا أبا عبد الرحمن ما يمنعك أن تخرج فنبايعك وأنت صاحب رسول الله وإبن أمير المؤمنين وأنت أحق الناس بهذا الأمر فقال إبن عمر لو لم يبق إلا ثلاثة أعلاج بهجر لم يكن لي فيها حاجة فعلم عمرو أن لا مطمع له في الخلافة فقال له عمرو هل لك أن تبايع لمن قد كاد الناس أن يجتمعوا عليه ويكتب لك من الأرضين ومن الأموال ما لا تحتاج أنت ولا ولدك إلى ما بعده فغضب إبن عمر وقال أُف لك إخرج من عندى ثم لا تدخل علي ويحك إن ديني ليس بديناركم ولا درهمكم وإني أرجو أن أخرج من الدنيا ويدى بيضاء نقية وقد ذكر المحدث والمؤرخ والعالم إبن شهاب الزهرى أن معاوية تعرض لإبن عمر يوما في خطبة فقال ومن كان أحق بهذا الأمر مني فتهيأ إبن عمر للرد عليه بقوله أحق به من ضربك وأباك على الكفر إلا أنه تراجع خشية أن يظن به طمعه في الخلافة .
ولما بويع يزيد بن معاوية وبلغ الخبر إبن عمر قال إن كان خيرا رضينا وإن كان بلاءا صبرنا وبعد وفاة يزيد في عام 64 هجرية وتصدر عبد الله بن الزبير للخلافة لم يوافقه إبن عمر على دعواه وكان يرى أنه بغى على بني أمية ونكث عهدهم وحاول مروان بن الحكم أن يدفعه للمطالبة بالخلافة فقال له هلم يدك نبايعك فإنك سيد العرب وإبن سيدها فقال إبن عمر كيف أصنع بأهل المشرق قال مروان نضربهم حتى يبايعوا فقال إبن عمر والله ما أحب أنها دانت لي سبعين سنة وأنه قتل في سيفي رجل واحد فقال مروان إني أرى فتنة تغلي مراجلها والملك بعد أبي ليلى لمن غلبا والمقصود بأبي ليلى معاوية بن يزيد بن معاوية الذى تولى الخلافة بعد أبيه لمدة قصيرة قيل 40 يوما وقيل 3 أشهر ولما إجتمع الناس على عبد الملك بن مروان بعد صراعه مع عبد الله بن الزبير والذى إنتهى بمقتله في مكة المكرمة في يوم السابع عشر من شهر جمادى الأولى عام 73 هجرية الموافق يوم 3 أكتوبر عام 692م على يد جيش بني أمية والذى كان يقوده الحجاج بن يوسف الثقفي وبالتالي فرض الحجاج سيادة بني أمية على بلاد الحجاز وحز الحجاج رأس عبد الله بن الزبير وأُرسِله إلى الخليفة عبد الملك بن مروان بدمشق وصلب بدنه منكسا عند الحجون بمكة فما زال مصلوبا حتى مر به عبد الله بن عمر رضي الله عنه فقال رحمة الله عليك يا أبا خبيب أما والله لقد كنت صواما قواما ثم بعث للحجاج قائلا أما آن لهذا الراكب أن ينزل وكتب إبن عمر إلى عبد الملك يبايعه بكتاب جاء فيه أما بعد فإني قد بايعت لعبد الله عبد الملك أمير المؤمنين بالسمع والطاعة على سنة الله وسنة رسوله فيما إستطعت وإن بني قد أقروا بذلك وحين تولى الحجاج الحجاز لعبد الملك أنكر عليه إبن عمر تأخيره للصلاة فقد روى شهر بن حوشب أن الحجاج خطب الناس وإبن عمر رضي الله عنه في المسجد حتى أمسى فناداه إبن عمر أيها الرجل الصلاة قالها ثلاثا ثم أنهض الناس فنزل الحجاج فصلى ثم دعا به فقال ما حملك على ما صنعت فقال إبن عمر إنما نجيء للصلاة فإذا حَضرت الصلاة فصلِ بالصلاة لوقتها ثم بقبق بعد ذلك ما شئت من بقبقة كما رد إبن عمر الحجاج وهو يخطب على المنبر حين قال بأن عبد الله بن الزبير حرف كتاب الله فقال كذبت كذبت كذبت ما يستطيع ذلك ولا أنت معه فقال له الحجاج إسكت فإنك شيخ قد خرفت وذهب عقلك يوشِك شيخ أن يؤخَذَ فتضرب عنقه يقول سعيد بن عمرو بن سعيد الأشدق الأموى إن الحجاج وَجِد في نفسه وأمر بعض خاصته فأخذ حربة مسمومة وضرب بها رجل إبن عمر في موسم الحج فمرض منها مرض موته فأتاه الحجاج يعوده فقال لو أعلم الذى أصابك لضربت عنقه فقال عبد الله أنت الذى أصبتني فقال كيف فقال إبن عمر يوم أدخلت حرم الله السلاح فلما خرج الحجاج قال إبن عمر ما آسى من الدنيا إلا على ثلاث ظمأ الهواجر ومكابدة الليل وألا أكون قاتلت هذه الفئة الباغية التي حلت بنا . وأخيرا كانت وفاة الصحابي عبد الله بن عمر رضي الله عنه في أواخر عام 73 هجرية أو أوائل عام 74 هجرية في عهد الخليفة الأموى الخامس عبد الملك بن مروان وكان قد ناهز 84 عاما بمكة وكان آخر من توفوا بها من المهاجرين وصلى عليه الحجاج بن يوسف الثقفي ودفن بمكة حيث ولد في مكان يدعى فخ وهو ما يسمى في عصرنا الحاضر بحي الزاهر في مقبرة المهاجرين ولم يترك إبن عمر رضي الله عنه وصية وترك عدد 16 من البنين والبنات وقيل في رثائه أين مثل إبن عمر في دينه وورعه وتقواه وعلمه وخوفه من رجل تعرض عليه الخلافة فيأباها والقضاء من مثل عثمان فيرده ونيابة الشام لعلي فيعتذر له فالله يجتبي إليه من يشاء ويهدى إليه من ينيب وحين سئل أبو سلمة بن عبد الرحمن بن أبي ليلى أعمر كان أفضل عندكم أم إبنه أجاب بل عمر ثم أردف قائلا إن عمر كان في زمان له فيه نظراء وإن إبن عمر بقي في زمان ليس له فيه نظير وقال كل من التابعيين طاووس بن كيسان وميمون بن مهران عنه ما رأينا أورع من إبن عمر وقال محمد بن الحنفية كان إبن عمر خير هذه الأمة ومما قيل عنه أيضا ما قاله التابعي سعيد بن المسيب إن عبد الله بن عمر كان أشبه ولد عمر بعمر وأن التابعي الفقيه سالم إبنه كان أشبه ولد به كما كان إبن عمر يحب التطيب فلا يذهب الجمعة أو العيد إلا وقد تطيب وقد إشتهر إبن عمر رضي الله عنه بعلمه المستفيض وفهمه الشديد في الفقه وذلك لأنه نشأ بين يدى رسول الله محمد صلى عليه وسلم وكثرت ملازمته له كما أنه كبر وترعرع في بيت أحد كبار الصحابة فتعلم منهما الكثير فكان أعلم الصّحابة في أحكام الحج وكان الناس يستفتونه في أمورهم وأحكامهم وقد ظل يفتي النّاس في المدينة المنورة 60 سنة ومع ذلك كان يتورع عن الفتوى فيما يعلم وكان من أكثر الصحابة رواية للأحاديث النبوية الشريفة حيث نقل عن النبي محمد صلى الله عليه وسلّم علم كثير وروى كذلك عن أبي بكر الصديق وعن أبيه عمر بن الخطاب وعن عثمان بن عفان وعن علي بن ابي طالب رضي الله عنهم جميعا وسعد بن أبي وقاص وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عباس وجابر بن عبد الله ومعاذ بن جبل وبلال بن رباح والسيدتين عائشة وحفصة رضي الله عنهما وغيرهم من كبار الصحابة الكرام وروى عنه جمع كبير من الصحابة والتابعين منهم سعيد بن المسيب وثابت البناني وطاووس بن كيسان وإبن شهاب الزهرى وعطاء بن أبي رباح ومحمد بن سيرين وعروة بن الزبير بن العوام وعبد الله بن دينار ومجاهد بن جبر والحسن البصرى وبنوه سالم وعبد الله وحمزة ومولاه نافع وغيرهم الكثير فكان له في كتب الأحاديث مسند إنفرد به يضم 2630 حديثا كما أنّ له أحاديث كثيرة في صحيح الإمام البخارى تقدر بواحد وثمانين حديثا وفي صحيح الإمام مسلم أفرد له واحد وثلاثين حديثا مما أكسبه صفات تميزه فكان له فضائل ومناقب كثيرة نذكر بعضا منها حيث كان عبد الله بن عمر رضي الله عنهما شديد التأسي برسول الله محمد صلى الله عليه وسلم وكان حريصا كل الحرص على إتباعه وتقفي أثره فكان يجلس مكان جلوسه ويصلي مكان صلاته حتى أنه روى أنه ظل يستظل بظل شجرة كان قد تفيأ عندها النبي صلى الله عليه وسلم وظل يتعهدها ويسقيها الماء وينزل عندها وكان شديد الحذر في الإفتاء مع أنه كان ملازما للنبي محمد صلى الله عليه وسلّم وتعلم منه الكثير من الأحكام إلا أن خوفه من الله تعالى كان يمنعه من أن يتساهل بالفتوى ولم يكن مغترا بعلمه وكان لو سئل عما لا يعرفه لا يتحرج ولا يخجل من أن يقول لا أعلم وفضلا عن ذلك كان عبد الله بن عمر رضي الله عنهما تقيا ورعا وخوافاً من الله تعالى وشديد التأثر بالقرآن الكريم فلا يمر على آية فيها تهديد أو وعيد إلا تأثر بها وروى أنّه قُرئ عليه يوما قول الله تعالى أَلَا يَظُنُّ أُولَٰئِكَ أَنَّهُم مَّبْعُوثُونَ* لِيَوْمٍ عَظِيمٍ* يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ فبكى بكاءا مريرا حتى إبتلت لحيته وغُشيَ عليه كما أنه كان زاهدا في الدنيا فلم يطمع في منصب أو مال وكما ذكرنا في السطور السابقة فقد عرضت عليه الخلافة والقضاء فأبى وكان صواما قواما متهجدا كثير الصلاة في الليل وكان كريما عطوفا على الفقراء يغدق عليهم مما آتاه الله تعالى من فضله وكان محبا للجهاد في سبيل الله ونصرة الإسلام فكان لا يتخلف عن الغزوات والسرايا في زمن رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم وفي زمن الخلفاء الراشدين وكان حريصا على وحدة المسلمين وعدم تفرقهم وكان يدعو للطّاعة وإلتزام الجماعة فلم يشارك في قتال المسلمين لبعضهم البعض أبدا ولم يرفع سلاحا في وجه مسلم أبدا كما أنه لم ينشق عن إمام مسلم ولم يمتنع عن أداء الزكاة له . |