بقلم المهندس/ طارق بدراوى
tbadrawy@yahoo.com
موسوعة كنوز “أم الدنيا"
جلال الدين الملقب بالرومي محمد بن بهاء الدين ولد محمد بن حسين بن أحمد الخطيبي بن القاسم بن المسيب بن عبد الله بن عبد الرحمن بن عبد الملك بن عبد الرحمن بن أبي طاهر محمد بن أحمد بن عبد الله بن عبد الرحمن بن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق بن عثمان أبي قحافة بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤى بن غالب بن فهر الملقب بقريش بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان وهو من نسل نبي الله إسماعيل عليه السلام بن نبي الله إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام القرشي التيمي البكرى البلخي والمعروف بجلال الدين الرومي إمام وفقيه وعالم مسلم ومتصوف وكاتب وأديب وفيلسوف وهو من نسل التابعي محمد بن القاسم بن الخليفة الراشد الأول أبي بكر الصديق وهو يلتقي مع النبي محمد صلى الله عليه وسلم في مرة بن كعب بن لؤى بن غالب الجد السادس للنبي وكان مولد الإمام جلال الدين الرومي في منطقة بلخ والتي تقع في جمهورية أفغانستان في الوقت الحاضر وكانت آنذاك تقع في منطقة خراسان الكبرى والتي كانت تشمل أجزاء من جنوب تركمانستان ومنطقة شمال غرب أفغانستان إضافة لمقاطعة خراسان الحالية في إيران في يوم 6 من شهر ربيع الأول عام 604 هجرية الموافق ليوم 30 من شهر سبتمبر عام 1207م وحينها كانت بلخ تابعة لإمبراطورية الخوارزم الخراسانية والتي كانت تشمل المتطقة التي تقع على دلتا نهر جيحون في غرب آسيا الوسطى وهو من أطول أنهار قارة آسيا ويعد حاليا الحد الفاصل بين كل من جمهوريات أفغانستان وطاجيكستان وأوزباكستان وهذه المنطقة المشار إليها تشمل في وقتنا الحاضر أجزاء من كل من جمهوريات أُوزباكستان وكازاَخستان وتركمانستان وفضلا عن ذلك كان هذا النهر قد عبره القائد الفاتح المسلم قتيبة بن مسلم الباهلي بجيشه إبان الفتوحات الإسلامية وسميت البلاد التي تقع شرقه ببلاد ما وراء النهر وكانت عائلة جلال الدين الرومي تحظى بمصاهرة البيت الحاكم في خوارزم حيث كانت أمه مؤمنة خاتون إبنة خوارزم شاه علاء الدين محمد حاكم الإمبراطورية الخوارزمية من عام 1200م إلى عام 1220م وكان والده يلقب بسلطان العارفين نظرا لسعة معرفته والعلم بالدين والقانون والتصوف وعندما بدأ المغول في إجنياح بلدان المشرق الإسلامي في عام 1217م هاجرت عائلة جلال الدين الرومي هربا منهم إلى نيسابور عاصمة إقليم خراسان والتي نقع في شمال شرق إيران حاليا وإلتفى هناك بالشاعر الصوفي الفارسي فريد الدين العطار المتوفى عام 1221م الذى أهداه ديوانه أسرار نامه والذى أثر عليه وكان بمثابة الدافع لغوصه في عالم الشعر والروحانيات والصوفية ومن نيسابور سافر جلال الدين الرومي مع عائلته إلى بغداد حيث ترعرع بها في المدرسة المستنصرية حيث نزل أبوه والتي كانت فد تأسست في زمن الدولة العباسية في بغداد على يد الخليفة المستنصر بالله العباسي وكانت مركزا علميا وثقافيا هاما ثم إرتحلت عائلته إلى الشام ومنها إلى مكة المكرمة رغبة في الحج وبعدها واصلوا المسير إلى منطقة الأناضول وهي الجزء الآسيوى من تركيا حاليا وإستقروا في بلدة كارامان بوسط الأناضول لمدة 7 سنوات حيث توفيت والدته وتزوج جلال الدين الرومي خلال هذه الفترة بزوجته الأولى جوهر خاتون وأنجب منها ولديه سلطان ولد وعلاء الدين شلبي وعند وفاتها تزوج مرة أخرى وأنجب إبنه أمير العلم شلبي وإبنته ملكة خاتون وإرتحلت العائلة بعد ذلك إلى مدينة قونية عام 628 هجرية الموافق عام 1231م عاصمة دولة السلاجقة الأتراك وهي تقع في وسط جنوب تركيا حاليا بدعوة من السلطان علاء الدين كيقباد سلطان سلاجقة الروم في الفترة بين عام 1220م وعام 1237م ومن هنا إكتسب لقبه الرومي وإستقرت العائلة بها حيث عمل والد جلال الدين على إدارة مدرستها وتلقى العلم على يدى والده وعلى يدى الشيخ سيد برهان الدين محقق لمدة 9 سنوات إنتهل خلالها علوم الدين والتصوف من هذا الأخير والذى أوصى والد الرومي قائلا له إعتن بهذا الولد النجيب فعن قريب سينفث في العالم نفسا مشتعلا .
وفي عام 1240م توفي الشيخ برهان الدين فإنتقل جلال الدين الرومي إلى مزاولة العمل العام في الموعظة والتدريس وعرف آنذاك بالبراعة في الفقه وغيره من العلوم الإسلامية فتولى التدريس بقونية في أربع مدارس مختلفة وليبدأ رحلة الموعظة والرشد لمريديه وتلامذته فلقبوه بأسد المعرفة ومولانا وإمام الدين والشريعة وسلطان العارفين لنبوغه الفكرى والفقهي وخلال هذه الفترة زار الرومي دمشق وإلتقى فيها بالشيخ الصوفي محي الدين بن عربي صاحب كتاب الفتوحات المكية وأهداه بعض أعماله العربية وقابل نخبة من أعظم العقول الدينية في ذلك الوقت وبمرور السنين تطور جلال الدين الرومي في كلا الجانبين جانب المعرفة وجانب العرفان ثم ترك التدريس والتصنيف والدنيا وتصوف في عام 642 هجرية الموافق عام 1244م فشغل بالرياضة وسماع موسيقى الناى ونظم الأشعار وإنشادها وفي نفس العام وصل إلى مدينة قونية الشاعر المسلم الصوفي الشافعي المذهب شمس الدين التبريزى والذى ينسب إلى مدينة تبريز بإيران حاليا وصاحب كتاب ديوان التبريزى أو الديوان الكبير الذى كتبه في مجال العِشق الإلهي وبحث شمس الدين التبريزى عن شخص يجد فيه خير الصحبة وقد وجد في جلال الدين الرومي ضالته ولم يفترق الصاحبان منذ لقائهما حتى إن تقاربهما ظل دافعا لحسد الكثيرين على جلال الدين الرومي لإستئثاره بمحبة القطب الصوفي الكبير التبريزى والذى أحبه حبا عميقا وفي عام 646 هجرية الموافق عام 1248م إغتيل التبريزى ولم يعرف قاتله ويقال إن شمس الدين التبريزى سمع طرقا على الباب وخرج ولم يعد منذ ذلك الحين وحزن جلال الدين الرومي على موت رفيقه التبريزى والذى كان يعتبره معلمه ومثله الأعلى حزنا شديدا وإستمر يقدم المواعظ والمحاضرات إلى مريديه ومعارفه وللمجتمع ووضع معظم أفكاره في كتب بطلب من مريديه وعرف جلال الدين الرومي آنذاك بأنه كان مسلماً مؤمنا بتعاليم الإسلام وإستطاع جذب أشخاص من ديانات وملل أخرى وكانت كل الديانات خيرة وحقيقية بمفاهيمها بالنسبة له وإلى أتباعه لذلك كانوا يعاملون المسلمين والمسيحيين واليهود معاملة بسواسية وبخلاف شمس الدين التبريزى تأثر الرومي أيضا بقطبي الصوفية الكبار محي الدين إبن عربي وعبد القادر الجيلاني وبطلب من مريديه أيضا وضع جلال الدين الرومي أفكاره ومبادئه في كتاب سماه المثنوى الذي إستعمل في تأليفه خيوطا من قصص يومية وإرشادات قرآنية وحكمة مستمدة من رحلته وخبرته في الحياة وهذا الكتاب يعد أحد اهم الكتب الصوفية وأعظمها تأثيرا حتى أن البعض يسميه القرآن الفارسي وهو عند كثير من النقاد والأدباء والشعراء أعظم قصيدة صوفية في الأدب والشعر وهو عبارة عن ديوان شعرى بالغ الإسهاب كتبه الرومي باللغة الفارسية وبلغت عدد أبياته 25632 بيتا موزعة على أجزاءه الستة وفيه 424 قصة تسرد معاناة الإنسان للوصول إلى حبه الأكمل الذي هو الله عز وجل وتعني كلمة المثنوى بالعربية النظم المزدوج في القصيدة إذ يتخذُ شطرا البيت الواحد قافية خاصة ويكون لكل بيت قافيته الداخلية وبذلك تتحرر القصيدة من القافية الموحدة ولهذا الكتاب طبعات متعددة ونسخ مخطوطة كثيرة منتشرة في مكتبات العالم وله شروح وترجمات كثيرة بلغات مختلفة منها الشرقي كاللغتين العربية والتركية ومنها الغربي كاللغتين الإنجليزية والفرنسية .
وبخلاف كتاب المثنوى لجلال الدين الرومي كانت له أيضا مؤلفات عديدة أخرى منها الديوان الكبير أو ديوان شمس الدين التبريزى والذى كتبه في ذكرى موت صاحبه العزيز وملهمه في طريق التصوف والشعر وكتب فيه أكثر من أربعين بيت شعر وخمسين قصيدة نثرية ومنها أيضا الرباعيات وهي منظومة أحصاها العالم الإيراني الكبير المعاصر بديع الزمان فوزانفر كما وردت في طبعة إسطنبول فوجد أنها تبلغ 1659 رباعية أي 3318 بيتاً وبخلاف الشعر كان لجلال الدين الرومي نثريات عديدة منها كتاب فيه ما فيه وهو كتاب فيه إحدى وسبعون محاضرة ألقاها الرومي على صحبه في مناسبات مختلفة وتشمل مجموعة من التعليقات والمناقشات حول مسائل أخلاقية وعرفانية مختلفة وهو من تجميع مريديه وليس من كتابته هو وكتاب المجالس السبعة وهو تجميع لمواعظ ومحاضرات ألقاها في سبع مناسبات مختلفة تتناول مواضيع عن القرآن الكريم والحديث النبوى الشريف وتتضمن أشعار فريد الدين عطار وأبو المجد سناني وللرومي نفسه وقد قدم هذه المحاضرات بطلب من أشراف القوم وأيضا له كتاب ثالث إسمه الرسائل وهي رسائل كتبها بالفارسية والعربية إلى مريديه ومعارفه ورجال الدولة والتأثير وهي تدل على إهتمام الرومي وإنشغاله بمعارف مريديه وما أصبح له من تأثير كبير عليهم وكان جلال الدين الرومي يستعمل موسيقى الناى والشعر والذكر كسبيل للوصول إلى الله فموسيقى الناى الروحية بالنسبة له كانت تساعد المريد على التعرف بالله والتعلق به ومن هذا المنطلق تطورت فكرة الرقص الدائرى التي وصلت إلى درجة الطقوس لمريده وقد شجع جلال الدين الرومي على الإصغاء لموسيقى الناى فيما سماه الصوفية السماع فيما يقوم الشخص بالدوران حول نفسه حيث أن الإنصات لموسيقى الناى يعد رحلة روحية تأخذ الإنسان في رحلة تصاعدية من خلال النفس والمحبة للوصول إلى الكمال وكان من شعر جلال الدين الرومي قصيدة تسمى أنين الناى ترجمت بتصرف من الفارسية إلى العربية يقول فيها أنصت إلى الناى يحكي حكايته ومن ألم الفراق يبث شكايته ومذ قطعت من الغاب والرجال والنساء لأنيني يبكون أريد صدرا مزَقا مزَقا برحه الفراق لأبوح له بألم الإشتياق فكل من قطع عن أصله دائما يحن إلى زمان وصله .
وبلا شك كانت لمؤلفات جلال الدين الرومي التأثير الكبير في الأدب الفارسي والتركي والعربي والأردى كما كانت لها تأثيرها أثر في التصوف وقد تمت ترجمة العديد من مؤلفاته إلى اللغات العالمية المعاصرة ومن ضمنها اللغات الأوروبية كما غنى نجوم موسيقى بوب غربيون مثل مادونا ترجمات أشعار الرومي لتعظيمه قوة الحب وإعتقاده في الفائدة الروحية لموسيقى الناى والرقص الدائرى وقال عملاق الأدب العربي الكبير الأديب المصرى عباس محمود العقاد يتنافس على نِسبة جلال الدين الرومي أربعة أوطان وهي بلاد الأفغان وبلاد فارس وبلاد العرب وبلاد الترك التي إشتهرت ببلاد الروم فهو ولِد في بلخ من بلاد الأفغان في بيت عريقٍ من بيوت العلم والإمارة ونظم مؤلفاته العديدة باللغات الفارسية والتركية والعربية إضافة إلى أن نسبه عربي صميم ويعود إلى الخليفة الراشد الأول أبي بكر الصديق رضي الله عنه وعاش في بغداد حينا وضريحه في قونية من بلاد الترك حيث كانت وفاته فلا جرم أن تتفتح الأبواب للتنافس عليه بحجة من الحجج لكل منافس يحرص على هذه الدرة النفيسة وإنها في الحق لذخيرة للحضارة الإسلامية وللإنسانية يأخذ منها مَن شاء من بني الإنسان بنصيب موفور وكان من أبرز الأدلة على تأثير جلال الدين الرومي في الثقافة الحديثة والمعاصرة أن واحدة من أبرز وأشهر الروايات المعاصرة الحديثة إستمدت أحداثها من السيرة الذاتية لهذا الصوفي الشهير وهي رواية قواعد العشق الأربعون للكاتبة والروائية التركية المعاصرة ألف شافاك التي تكتب مؤلفاتها باللغتين التركية والإنجليزية والحاصلة على درجتي الماجستير والدكتوراه في العلوم السياسية من جامعة الشرق الأوسط التقنية ومقرها العاصمة التركية أنقرة وتشغل حاليا منصب أستاذة محاضرة في مادة الدراسات والأجناس في جامعة ولاية أريزونا بالولايات المتحدة الأميريكية وتدور أحداث هذه الرواية في خطين متوازيين أحدهما يدور في الزمن المعاصر والآخر يدور قي القرن الثالث عشر الميلادى حول علاقة الصداقة الحميمة التي ربطت بين المتصوف جلال الدين الرومي ومعلمه المتصوف شمس الدين التبريزى كما تبرز الرواية جانبا من تعاليمه وأفكاره الصوفية وقد صدرت هذه الرواية في عام 2010م وحققت نجاحا باهرا ومدويا حيث وصل عدد النسخ المباعة منها في تركيا وحدها إلى أكثر من مليون نسخة وفي الأعوام التالية تم ترجمة الرواية إلى العديد من اللغات العالمية الحية وقد تصدرت هذه الرواية قوائم الكتب الأكثر مبيعا في العديد من الدول حول العالم ووصفته البي بي سي عام 2007م بأنه من أكثر الشعراء شعبية وشهرة في الولايات المتحدة الأميريكية .
وغير أشعار ومؤلفات الصوفي الكبير جلال الدين الرومي كانت له بعض الأقوال المأثورة منها مَن لا يركض إلى فتنة العشق يمشي طريقا لا شيء فيه حي وإنك قد رأيت الصورة ولكنك غفلت عن المعنى وهكذا أود أن أموت في العشق الذى أكنه لك كقطع سحب تذوب في ضوء الشمس وإرتق بمستوى حديثك لا بمستوى صوتك فالمطر الذى ينمي الأزهار وليس الرعد ولا يفنى في الله مَن لا يعرف قوة الرقص واخيرا كانت وفاة جلال الدين الرومي عام 672 هجرية الموافق عام 1273م عن عمر يناهز 66 عاما ودفن إلى جوار أبيه في مدينة قونية بتركيا والتي كان قد إستقر بها منذ عام 1231م وأصبح مدفنه مزاراً إلى يومنا وعند وفاته قرر خليفته حسام الدين جلبي ببناء ضريح فوق قبره إنتهي بناؤه عام 1274م وفي عام 1854م أُضيفت العديد من الأقسام إلى مبنى الضريح وفي شهر أبريل عام 1926م تم تحويل الضريح وما أضيف إليه من أقسام إلى متحف تم إفتتاحه في يوم 2 مارس عام 1927م وسُمي بمتحف مولانا ومما يذكر أيضا أنه بعد وفاة جلال الدين الرومي قام أتباعه ومريديه وإبنه سلطان ولد بتأسيس الطريقة المولوية الصوفية والتي إشتهرت بتسامحها مع أهل الذمة ومع غير المسلمين أيا كان معتقدهم وعرقهم كما أنها تشتهر أيضا بدراويشها ورقصتهم الروحية الدائرية المميزة والتي يقومون بها لمدة ساعات طويلة حيث يدور الراقصون حول مركز الدائرة التي يقف فيها الشيخ ويندمجون في مشاعر روحية سامية ترقى بنفوسهم إلى مرتبة الصفاء الروحي ويستغرقون في وجد كامل يبعدهم عن العالم المادى ويأخذهم إلى الوجود الإلهي كما يرون كما أنها تشتهر أيضا بالنغم الموسيقي عن طريق الناى والذى يعتبرونه وسيلة للجذب الإلهي ويعتبر أكثر الآلآت الموسيقية إرتباطاً بعازفه ويشبه أنينه أنين الإنسان للحنين إلى الرجوع إلى أصله السماوى في عالم الأزل كما يعتقدون ولا تزال الطريقة المولوية مستمرة حتى يومنا هذا في مركزها الرئيسي في قونية ويوجد لها مراكز أخرى في إسطنبول وجاليبولي وحلب ورغم منع الحكومة التركية كل مظاهر التصوف إلا أن الجهات الرسمية في تركيا تستخدم مراسم المولوية كجزء من الفولكلور الشعبي التركي ويحضر جلسات ذكر المولوية كل من يريد من كل الأجناس ومن كل الأديان ويلقى الجميع تسامحاً ملحوظا من المولويين . |