الثلاثاء, 12 مايو 2026

abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
الرئيسية
بانوراما
فرعونيات
بلاد وشركات
الحدث السياحي
سحر الشرق
سياحة وإستشفاء
أم الدنيا
حج وعمرة
أعمدة ثابتة
درجات الحرارة
اسعار العملات
abou-alhool

الإسكندرية.. مولد مدينة عالمية،،

الإسكندرية.. مولد مدينة عالمية،،
عدد : 04-2026
كتب: محمود فرحات

حباً في الإسكندرية وبمناسبة الإحتفال بيوم تأسيسها والذي يوافق 21 يناير/25 طوبه 331 ق.م أكتب هذه الكلمات...

هذه المدينة المرمرية، عروس البحر، عاصمة المتوسط.. لا أدري إن كنتُ أسكنها أم هي التي تسكنني، فهى تتوسد حنايا الروح وتنساب في مسام الذاكرة كأغنيةٍ أزلية.. قرأت عن مدن عظيمة، وزرت مدن عريقة، وطفتُ بتاريخ ممالك الأرض، فلم أسمع إلا همسها بين جفون الأيام، ولم أرَ غير وجهها الصبوح يطلُّ من نافذة التاريخ..

الإسكندرية.. ترنيمة الزمن، والقصة الأسطورية، ومعشوقة التاريخ، وذروة التألق الحضاري التي تجلس على عرش الماء، يتنسم زائرها عبق الأزمان، ويقرأ في زرقتها حكايات المجد التي لم تنتهِ فصولها بعد.

لم تكن الإسكندرية مجرد فكرة عابرة في ذهن فارسها المقدوني الإسكندر الأكبر، بل كانت تجسيداً لرؤيةٍ فلسفية تهدف لصهر العالم في بوتقة واحدة، ففي أكتوبر عام 333 قبل الميلاد، انطلق الفارس صوب مصر فتهاوت عروش الفرس تحت سنابك خيوله في معركة أسوس المظفرة، حيث كان يرمي لتأمين ظهر جيشه من الأسطول الفارسي القابع على مقربة من السواحل الشمالية، وضمان الحصول على القمح اللازم لبلاد اليونان ولأفراد جيشه..

بينما كان في رحلته المقدسة إلى معبد وحي آمون بسيوة، أسرته عبقرية المكان، ذلك الشريط الضيق من اليابسة الذي يفصل البحر المتوسط عن بحيرة مريوط.. وفي 21 يناير/25 طوبة من عام 331 ق.م، أمر بوضع حجر الأساس لحلمه الكبير، وقد عهد الإسكندر بالمهام للمهندس النابغ دينوكراتس، الذي خططها على النمط الهيبودامي Hippodamos السائد في المدن الأغريقية آنذاك؛ حيث الشوارع المتقاطعة كرقعة الشطرنج، تسمح بتدفق الضوء ومرور نسيم البحر المنعش إلى قلب المدينة..

ولأن العبقرية لا تعترف بالحدود، فقد مُدَّ جسرٌ أسطوري يبلغ طوله 1300 متر أو سبعة استادات ليصل جزيرة فاروس باليابسة، فكان الهيبتاستاديوم جسراً لم يربط الأرض فحسب، بل شقَّ البحر ليخلق ميناءين فريدين، الميناء الشرقي Portus Magnus الذي صار المركز التجاري الأهم، والميناء الغربي Portus Eunostus أو ميناء العود الحميد، وفوق ذلك كله، ارتفع الفنار، إحدى عجائب الدنيا السبع، ليعلن سيادة الإسكندرية على البحر المتوسط ويوجه السفن نحو قلب العالم..

ورغم الرداء الهلنستي، إلا أن روح المدينة ظلت مصريةً بامتياز.. الإسكندر لم يبدأ من العدم؛ فقد بنى مدينته على أنقاض قرية (رع-قدت) راقودة، كبرى قرى الصيادين الستة عشر التي كانت تنتشر حول بحيرة مريوط.. وتشير الشواهد الأثرية والأرصفة الغارقة التي كشف عنها جاستون جونديه، إلى أن ملوك مصر العظام مثل رمسيس الثاني أدركوا أهمية هذا الساحل قبل الإسكندر بقرون، وأقاموا فيه حصوناً لصد شعوب البحر.. فتحولت راقودة إلى الحي الوطني الذي احتضن الهوية المصرية وحافظ على لغتها وطقوسها داخل صخب العاصمة العالمية..

لم تكن الإسكندرية مجرد ميناء، بل كانت مختبر البشرية وملاذ العقول.. في أروقة الموسيون (الجامعة القديمة) والمكتبة العظمى، تحولت المدينة إلى قبلة لكل باحث عن الحقيقة..

ففي الرياضيات والفلك وضع إقليدس مبادئ الهندسة، وحسب إراتوستينس محيط الأرض، وأعلن أريستارخوس أن الأرض تدور حول الشمس قبل كوبيرنيكوس بقرون، في الطب كانت المكان الوحيد الذي سمح بتشريح الجسد لفهمه، فبرع علماء مثل هيروفيلوس في اكتشاف الجهاز العصبي..

انصهرت في الاسكندرية الفلسفة الإغريقية بالروحانيات المصرية، وظهرت الحضارة الهيلينيستية التي جعلت من الإسكندرية عاصمة الروح وعاصمة الفكر الأوحد لمدة تسعة قرون...

وبموقعها الفريد بين وادي النيل والبحر المتوسط، أصبحت الإسكندرية عاصمة العالم القديم، حيث كانت النقطة التي يلتقي فيها تجارة الشرق بالغرب، فتحكمت في أمن العالم الغذائي بصفتها مخزن غلال الإمبراطورية، واشتهرت بصناعات الرفاهية من زجاج وعطور وبردي ومنسوجات كتانية فاخرة كانت تُصدر لكل بقاع الأرض، مما جعل صُنع في الإسكندرية علامة للجودة والترف..

إن تاريخ الإسكندرية هو سجلٌ خالد للتواصل الإنساني؛ بدأت كحماية عسكرية وتجارية لمصر القديمة، وتوجت كعاصمة للعالم القديم بأسره.. هي المدينة التي تلبس تاجاً إغريقياً، وتنظر إلى الأفق بعين عالمية، بينما تضرب جذورها العميقة في تربة مصرية أصيلة لا تنحني للزمن..

ستظل الإسكندرية دائماً ذلك العُرس المهيب الذي عقده التاريخ منذ ألفي عام، ليبقى ذكرها معطراً بعبق المجد وصدى الحضارات..
 
 
الصور :