بقلم المهندس/ فاروق شرف
استشاري ترميم الآثار
في خضم أعمال الترميم الجارية لتمثال القائد إبراهيم باشا بـ ميدان الأوبرا، لم يكن الموقع مجرد ورشة عمل مغلقة، بل تحول – ولو مؤقتًا – إلى مساحة يلتقي فيها الفن بالتاريخ.
ففي أحد الأيام، حضر إلى موقع العمل المخرج التليفزيوني ناجي أنجلو، عارضًا فكرة تصوير ثلاث لقطات ضمن أحداث فيلم من فضلك وإحسانك، والذي ضم نخبة من نجوم الفن، منهم هشام سليم، فايزة كمال، وزين العشماوي، إلى جانب البطولة الكبيرة للفنان صلاح ذو الفقار والفنانة هدى سلطان، وبمشاركة صلاح نظمي.
وكانت رسالة الفيلم في جوهرها وطنية خالصة، تدعو الشباب إلى التمسك بأرضهم، وعدم الهجرة، وأن يكونوا قدوة حقيقية في الانتماء من خلال العمل والإنتاج في مختلف المجالات.
لم يكن من الصعب اتخاذ القرار؛ فقد رحبنا بالفكرة، خاصة وأنها تمس قيمة العمل ذاته الذي نقوم به يوميًا، وهو الحفاظ على تراث هذا الوطن. وتم الاتفاق على تصوير المشاهد داخل موقع الترميم، مقابل مكافأة قدرها عشرون جنيهًا لكل عامل عن اللقطة الواحدة.
ورغم بساطة الرقم في ظاهره، إلا أن قيمته في ذلك الوقت كانت كبيرة؛ إذ إن ثلاث لقطات فقط كانت تعادل ما يقارب أجر ثلاثة أشهر كاملة، وهو ما أضفى على الحدث طابعًا استثنائيًا من البهجة والرضا.
ولم تتوقف الفرحة عند هذا الحد، بل امتدت لتشمل بعض الأصدقاء من سائقي هيئة النقل العام، وتحديدًا سائقي خط أتوبيس رقم 176 (الخلفاوي – الأوبرا)، الذين كان موقفهم آنذاك في موقع مميز يطل على الميدان، حيث يقوم الآن جراج العتبة بمنطقة عمارة ماتاتيا. وقد وفقني الله في أن يحصلوا هم أيضًا على نفس المكافأة عن مشاركتهم في المشاهد، فكانت الفرحة جماعية، تتقاسمها وجوه بسيطة أضاءها التقدير.
كان يومًا استثنائيًا بحق…
يوم امتزجت فيه قيمة العمل الأثري بروح الفن، وتحوّل فيه موقع الترميم إلى شاهد حي على لحظة إنسانية نادرة، حيث كانت “ثلاث لقطات” كفيلة بأن تصنع فرحة توازي زمنًا كاملاً من الكدح.
|