كتب: محمود فرحات
نكمل حكاياتنا عن عاصمة البحر المتوسط، الإسكندرية.. النهاردة هنتكلم عن المقبرة الملكية البطلمية والضريح المفقود الذي احتوى جسد الإسكندر..
اعتادت الإسكندرية أن تُخفي أسرارها، ومازالت تخفي واحد من أعظم ألغاز العالم القديم؛ المقبرة الملكية البطلمية بالإسكندرية، أو ما عُرف في المصادر اليونانية باسم (السوما Σῶμα) ذلك الضريح الأسطوري الذي احتوى جسد الإسكندر الأكبر، ثم تحول لاحقًا إلى جبانة ملكية لملوك الأسرة البطلمية..
ورغم الشهرة الهائلة التي حظيت بها هذه المقبرة في العالم القديم، فإن موقعها اختفى تمامًا، ولم يُعثر عليه أثريًا حتى اليوم، لتظل الإسكندرية تحتفظ بسرٍ ربما يُعد الأهم في تاريخها..
بدأت القصة في عام 323 قبل الميلاد، عندما توفي الإسكندر الأكبر في بابل، بعد أن أسس واحدة من أكبر الإمبراطوريات التي عرفها العالم القديم.. وتذكر المصادر الكلاسيكية، ومنها كتابات ديودورس، وسترابو أن الصراع لم يكن فقط على ميراث الإسكندر السياسي، لكنه امتد إلى جسده نفسه، إذ كان امتلاك رفاته يمنح شرعية رمزية هائلة..
وفي خضم هذا الصراع، استطاع بطليموس الأول الإستيلاء على جثمان الإسكندر أثناء وتحويل موكب الجثمان من بابل إلى مصر، حيث دُفن أولًا بمدينة (منف) قبل أن تُنقل رفاته لاحقًا إلى (الإسكندرية) المدينة التي حملت اسمه وأصبحت عاصمة الدولة البطلمية..
شيد البطالمة ضريح الإسكندر الشهير داخل الحي الملكي المعروف باسم (البروكيوم Βρουχείον) وهو الحي الذي ضم القصور والمباني الرسمية ومراكز الحكم. ويصف المؤرخ سترابو هذا المكان بقوله: "إن السوما كان جزءًا من الحي الملكي، ومكانًا يضم رفات الإسكندر الأكبر والملوك البطالمة.."
وكلمة (سوما Σῶμα) تعني الجسد، في إشارة مباشرة إلى جسد الإسكندر المحنط، إلا أن المكان تحول تدريجيًا إلى جبانة ملكية كاملة، بعدما أقام بطليموس الثاني مقبرة لوالديه بطليموس الأول وزوجته بالقرب من ضريح الإسكندر، ثم سار ملوك البطالمة على النهج نفسه، لتنشأ واحدة من أهم المقابر الملكية في العالم الهيلينستي..
ولم تكن هذه المقبرة مجرد مكان للدفن، بل كانت رمزًا سياسيًا ودينيًا بالغ الأهمية، فقد حرص البطالمة على الارتباط باسم الإسكندر، باعتباره مؤسس دولتهم وصاحب الشرعية الكبرى في الشرق، ولذلك أصبح ضريحه مركزًا رسميًا للهيبة الملكية.
وتشير الروايات التاريخية إلى أن جثمان الإسكندر كان محفوظًا داخل تابوت فاخر من الذهب الخالص، قبل أن يُستبدل لاحقًا بآخر شفاف، ربما كان من الزجاج أو الألباستر، في أواخر العصر البطلمي، خلال فترات الاضطراب المالي والسياسي..
كما تذكر بعض الروايات الرومانية أن الملكة كليوباترا قد إستعانت بجزء من نفائس الضريح وثرواته لتمويل صراعها السياسي والعسكري في سنوات الحكم الأخيرة، وهو ما يعكس الثروة الهائلة التي احتوتها المقبرة الملكية..
وقد ظل قبر الإسكندر موضع احترام حتى بعد سقوط الدولة البطلمية، وتحول مصر إلى ولاية رومانية.. فيذكر المؤرخين أنه حين دخل الإمبراطور أغسطس إكتافيوس لمدينة الإسكندرية سنة 30 قبل الميلاد بعد هزيمة كليوباترا وحليفها أنطونيوس، حرص على زيارة الضريح بنفسه، ووضع إكليلًا ذهبيًا على جثمان الإسكندر، ونثر الزهور فوق قبره في مشهد يعكس المكانة الاستثنائية التي احتفظ بها القائد المقدوني حتى في نظر الأباطرة الرومان..
ويقول المؤرخين أن أغسطس إكتافيوس حينما سُئل إن كان يرغب في رؤية مقابر البطالمة الأخرى، أجاب قائلاً: "لقد جئت لأرى ملكًا، لا جثثًا" وهو رد يلخص الفارق الهائل في الرمزية بين الإسكندر وبقية الحكام..
أثريًا تبدو المقبرة الملكية البطلمية انعكاسًا واضحًا للطابع الحضاري الفريد للإسكندرية، تلك المدينة التي امتزجت فيها الثقافة المصرية بالعالم اليوناني الهيلينستي.. فالأسرة البطلمية تبنت كثيرًا من الطقوس الجنائزية المصرية، وعلى رأسها التحنيط، بينما حافظت في الوقت نفسه على الطابع المعماري والفني اليوناني..
ويظهر هذا الامتزاج الحضاري بوضوح في مقابر الإسكندرية المكتشفة، مثل مقابر مصطفى كامل، الأنفوشي، وكتاكومب كوم الشقافة.. حيث تتجاور الرموز المصرية مع الأعمدة والزخارف اليونانية والرومانية في مشهد فني نادر..
لكن السؤال الذي لا يزال مطروحًا حتى اليوم هو أين اختفت المقبرة الملكية؟
يرى أغلب علماء الآثار أن (السوما) كانت تقع داخل الحي الملكي القديم، بالقرب من منطقة النبي دانيال الحالية، أو ضمن نطاق كوم الدكة والميناء الشرقي.. غير أن المدينة تعرض عبر القرون لسلسلة من الزلازل والانهيارات الأرضية وأمواج البحر العاتية التي أدت إلى غرق أجزاء واسعة من الإسكندرية القديمة.
كما أن تعرض الحي الملكي لدمار كبير خلال حروب الإمبراطور أوريليانوس، حيث شهدت المدينة اضطرابات عنيفة وثورات داخلية، فيذكر المؤرخ أمينوس مارسيلينوس أن حي البروخيوم تعرض لخراب شديد وأن أجزاء واسعة منه قد تهدمت ونهبت، ثم تعرضت الإسكندرية مرة أخرى للتخريب خلال حصار الإمبراطور ديوكلتيانوس نهاية القرن الثالث الميلادي حوالي سنة 296 م للقضاء على ثورة دوميتانوس، حيث انتهى هذا الحصار بدخول القوات الرومانية للمدينة وتدميرها وحرق ونهب قلب المدينة.. ويبدو أن هذه الأحداث كانت نقطة التحول الكبرى التي أدت لاختفاء المقبرة الملكية تدريجيًا، إذ لم تعد المصادر التاريخية تذكر الضريح بوضوح خلال القرنين الرابع والخامس الميلادي، وكأن المدينة ابتلعته داخل ذاكرتها المفقودة..
ورغم مرور أكثر من ألفي عام، فلا تزال المقبرة الملكية البطلمية تمثل حلمًا أثريًا ضخمًا، ليس فقط لأنها قد تقود لاكتشاف قبر الإسكندر الأكبر، بل لأنها قد تكشف أيضًا عن قلب الإسكندرية الهيلينستية نفسها؛ المدينة التي كانت يومًا عاصمة العالم القديم ومركزًا للعلم والفلسفة والثقافة..
إن البحث عن (السوما) ليس مجرد تنقيب عن مقبرة ضائعة، بل محاولة لاستعادة واحدة من أهم الصفحات المفقودة في تاريخ مصر والبحر المتوسط.. |