بقلم المهندس/ فاروق شرف
استشاري ترميم الاثار
في قلب … القاهرة - ش الحنفي - من ش بورسعيد - خلف محطة بترول مصر - حي السيدة زينب - آثار جنوب القاهرة.
* يوسف جوربجي جمليان هياتم هو الأمير الذي يُنسب إليه إنشاء جامع الهياتم في العصر العثماني سنة 1177هـ / 1763م تقريبًا
- ألحق به: - سبيلًا وكُتابًا وحواصل وحوانيت للإنفاق على الجامع.
أي أنه اتبع فكرة “المنشأة الخيرية المتكاملة” الشائعة في العمارة الإسلامية.
- كان من رجال الطبقة الثرية أو ذات النفوذ في القاهرة العثمانية
-: ارتبط اسمه بـ “الهياتم” لأن المسجد أُنشئ داخل: درب الهياتم من أكثر من 250 عامًا
- أنشأ المسجد
بعيدًا عن المسارات السياحية الشهيرة، يقف هادئًا…
كأنه يخفي سرًا لا يريد أن يبوح به بسهولة.
جامع عثماني صغير نسبيًا…
لكن أثناء ترميمه، ظهرتلي معلومة مدهشة…
تكاد تكون “درسًا” في عبقرية العمارة القديمة.
الحكاية بدأت من المحراب…
ليس الزخارف…
ولا الرخام…
بل ما خلف الرخام نفسه.
أثناء أعمال الترميم، وبفحص المحراب بدقة، تبيّن أن الشرائط الرخامية الرأسية لم تكن مثبتة مباشرة بالحائط كما يظن أي شخص.
بل خلفها…
كانت توجد عيدان من “البوص المحمص”.
في البداية قد يظن البعض أنها مجرد حشوات بدائية…
لكن الحقيقة كانت أعمق بكثير.
البوص هنا لم يكن مادة عشوائية.
بل جزء من “فكر إنشائي وبيئي” شديد الذكاء.
المصري القديم ثم المعماري الإسلامي بعده، كانا يعرفان جيدًا أن الرخام إذا التصق مباشرة بالحائط الرطب…
سيبدأ مع الزمن في:
- التمليح. - الانفصال. - فقدان التماسك
وتلف الزخارف
فما الحل؟
خلق “منطقة تنفس” خلف الرخام.
هنا يظهر دور البوص المحمص:
* يخفف انتقال الرطوبة.
* يسمح بتهوية دقيقة خلف الشرائط الرخامية.
* يقلل الإجهاد الناتج عن التمدد والانكماش.
* ويعمل كفاصل حي بين الحائط والرخام.
يعني ببساطة…
المحراب كان “يتنفس”.
والأجمل…
أن اختيار “البوص المحمص” تحديدًا لم يكن صدفة.
فالتحميص:
* يقلل تعرضه للتلف والحشرات.
* يطرد الرطوبة الداخلية.
* ويزيد من تحمله مع الزمن.
أي أننا أمام مادة طبيعية بسيطة…
لكن مستخدمة بعلم وخبرة مذهلين.
المعلومة اللي ناس كتير ما تعرفهاش…
إن بعض الحرفيين القدامى كانوا يعتبرون أن “الحيطان الحابسة للرطوبة تقتل الزخرفة ببطء”.
ولذلك كانت العمارة الإسلامية التقليدية تحاول دائمًا: أن “تتنفس”.
سواء : بالمشربيات أو الفواصل الهوائية
أو استخدام الخامات الطبيعية
لكن أن تجد هذا التفكير خلف محراب مسجد صغير نسبيًا…
فهنا تظهر عبقرية الصانع الحقيقي.
المدهش …
- إن الزائر اليوم يدخل المسجد، فيرى:
رخامًا وزخارف ومحرابًا جميلًا
لكنه لا يعرف أن وراء هذا الجمال…
“نظام حماية خفي” عمره مئات السنين.
وهنا نفهم درسًا مهمًا:
إن العمارة الأثرية لم تكن مجرد شكل جميل…
بل كانت:
- علم. -:وتجربة. - وفهم للطبيعة والمواد.
في …
- لم يكن البوص مجرد نبات.
- بل كان جزءًا من معركة طويلة…
- بين الرطوبة… وبقاء الجمال.
سؤال أخير…
كم أثرًا تاريخيًا ننظر إليه بإعجاب…
دون أن نعرف أن أسراره الحقيقية… مخفية خلف الجدران؟ |