الأحد, 31 مايو 2026

abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
abou-alhool
الرئيسية
بانوراما
فرعونيات
بلاد وشركات
الحدث السياحي
سحر الشرق
سياحة وإستشفاء
أم الدنيا
حج وعمرة
أعمدة ثابتة
درجات الحرارة
اسعار العملات
abou-alhool

ألغاز السرابيوم
حكاية رقم (١٠)

ألغاز السرابيوم
حكاية رقم (١٠)
عدد : 05-2026
بقلم المهندس/ فاروق شرف
استشاري ترميم الآثار


في قلب هضبة سقارة، وعلى عمق كبير داخل الصخر، يمتد واحد من أكثر الأماكن غموضًا وإثارة في مصر القديمة…

إنه السرابيوم، مدفن العجل المقدس “أبيس”. السرابيوم ليس مقبرة عادية، بل مدينة كاملة تحت الأرض، تتكون من أنفاق وسراديب يبلغ طولها نحو 400 متر، محفورة بالكامل داخل صخر الهضبة، وليس في الرمال أو التربة الهشة.

تبدأ الرحلة بممر طويل ينتهي بسلالم ضخمة على هيئة مصاطب حجرية، وفي نهايتها باب صغير، كأنه انتقال رمزي من عالم الأحياء إلى عالم الأسرار. وعندما تدخل إلى الممر الرئيسي، تجد نفسك أمام ممر مستقيم بشكل يثير الدهشة، يبلغ طوله نحو 136 مترًا، وعلى جانبيه 24 حجرة دفن مقببة منحوتة في الصخر بعناية هندسية مذهلة.

واللافت أن هذه الحجرات لم تُحفر متقابلة، بل جاءت بالتبادل؛ حتى لا يحدث ضغط أو ضعف في الكتلة الصخرية الحاملة… وهو فكر هندسي وإنشائي بالغ الدقة سبق عصره بآلاف السنين.

داخل هذه الحجرات تقبع توابيت عملاقة يصل وزن بعضها إلى عشرات الأطنان، صنعت من أشد الصخور صلابة التي عرفها الإنسان القديم: الجرانيت الأحمر، والجرانيت الأسود، والبازلت، والديوريت، والكوارتزيت… صخور تتحدى أدوات النحت نفسها، ومع ذلك جاءت الأسطح مصقولة والزوايا شديدة الانضباط وكأنها خرجت من ورشة حديثة فائقة التقنية.

والأغرب أن أغلب هذه التوابيت خالية تمامًا من النقوش، باستثناء تابوت واحد فقط، وكأن هيبتها كانت في صمتها لا في زخارفها.

لكن هنا تبدأ الأسئلة…

- كيف أُضيئت هذه الأنفاق العميقة؟ فالسرابيوم له مدخل واحد، وممراته طويلة ومعتمة بصورة تكاد تبتلع الضوء، ومع ذلك لا نجد على الجدران آثار سناج أو دخان لمشاعل نارية كما هو متوقع في الأماكن المغلقة.
فهل استخدم المصري القديم وسائل إضاءة خاصة لا نعرفها بعد؟ أم أن الأمر مجرد نتيجة لتهوية محسوبة وطرق دقيقة في استخدام المصابيح الزيتية؟

العلم الأثري حتى الآن لا يملك دليلًا حقيقيًا يثبت وجود كهرباء في مصر القديمة، لكن السرابيوم يظل واحدًا من المواقع التي تدفع الخيال إلى أقصى حدوده.

ثم يأتي السؤال الأكثر إثارة…
- كيف تم حفر هذا النفق بهذه الاستقامة المذهلة داخل قلب الجبل؟ هل كانت المعاول والأزاميل وحدها كافية لإنجاز هذا العمل العملاق؟

عندما ترى انتظام الجدران وانحناءات الأسقف ودقة المحور الهندسي، تدرك أنك أمام مشروع احتاج إلى علم، وصبر، وتنظيم، وقياسات شديدة الدقة، وليس مجرد قوة بشرية عشوائية.
أما المفارقة العجيبة التي يشعر بها كل زائر تقريبًا، فهي طبيعة المناخ داخل السراديب؛ ففي الصيف تشعر ببرودة واضحة داخل الأنفاق، بينما في الشتاء يصبح الجو أكثر دفئًا ورطوبة، وكأن المكان يمتلك نظامه الحراري الخاص. والتفسير العلمي لذلك يعود إلى طبيعة الكتل الصخرية العميقة التي تحتفظ بدرجة حرارة شبه ثابتة على مدار العام، بعيدًا عن تغيرات السطح الخارجية.

السرابيوم ليس مجرد مدفن للعجل أبيس… بل شاهد هائل على عبقرية المصري القديم في العمارة الصخرية، والهندسة، والتنظيم، والنقل، والنحت، والتعامل مع الكتل العملاقة.
إنه مكان كل حجر فيه يقول لنا: “ما زال هناك الكثير الذي لم نفهمه بعد…”
----------------------------------
فاروق شرف.
إستشاري ترميم المشروع.
 
 
الصور :